رواية شمس حياتي الفصل السابع7 بقلم نور محمد


رواية شمس حياتي الفصل السابع7 بقلم نور محمد

شمس الشمس طلعت على يوم جديد، بس اليوم ده مكنش زي أي يوم في حياة عيلة سليم.

كان يوم تصفية الحسابات النهائية، وبداية لفتح صفحة جديدة مبنية على النضافة والحق.

في مصلحة الشهر العقاري - التاسعة صباحاً
عاصم كان قاعد على الكرسي قدام الموظف، وشه وارم من ضربة سليم إمبارح، وإيديه بتترعش وهو ماسك القلم. وراه واقفين عمال المصنع زي الحيطة السد، وسليم واقف جنبه بجمود وهيبة ترعب أي حد.

دُرّة كانت قاعدة في الزاوية بتعيط على حلم الثروة اللي طار قبل ما يلحقوا يتهنوا بيه.

الموظف وهو بيراجع الورق:"يعني حضرتك يا أستاذ عاصم بتتنازل تنازل نهائي عن النصيب اللي والدك كتبهولك في المصنع والبيت لصالح عمك الحاج سليم، ببيع وشراء خالص الدفع؟"

عاصم بلع ريقه وبص لسليم اللي نظرة عينيه كانت بتقوله (لو نطقت بحرف غلط، هتبقى نهايتك).

عاصم بصوت مخنوق ومكسور: "أيوة يا فندم.. بتنازل."

بصم عاصم ومضى، والموظف ختم الورق وسلمه لسليم. سليم أخد الورق، طبقه وحطه في جيبه الداخلي، وبص لعاصم من فوق لتحت باحتقار.

سليم بصوت واطي وقاطع: "لم هدومك إنت وأمك.. وأول قطر طالع على الصعيد تاخدوه. إياك المح خيالك في الشارع اللي أنا ساكن فيه أو في أي حتة تبعي. ولو أبوك سأل عليك من السجن، خليه يعرف إن ابنه اللي باعه، اتباع هو كمان برخص التراب. غورو من وشي."

عاصم أخد أمه وخرجوا من الشهر العقاري وهما موطين راسهم في الأرض. سليم أخد نفس عميق، حس إن جبل انزاح من على صدره. 

رجع ماله وشقاه وشقى عياله لأمانه، ودلوقتي مابقاش فاضل غير إنه يطمن على "يونس" ويجيب حق "شمس" في المحكمة.

في المستشفى - غرفة يونس
بعد مرور أسبوع على الحادثة، يونس كانت حالته بتتحسن بشكل ملحوظ. قاعد على السرير، وشه رجعله لونه الطبيعي، وزينة قاعدة جنبه بتقشرله تفاح، وعينيها مابتنزلش من عليه.

يونس بابتسامة مشاكسة:"براحة على التفاحة يا زينة.. إنتي بتنتقمي منها ولا إيه؟ هاتي حتة أكلها لحسن أنا واقع من الجوع وأكل المستشفيات ده بيسد النفس."

زينة بكسوف وابتسامة رقيقة:الدكتور قال لازم تاكل فاكهة كتير عشان تعوض الدم اللي نزل منك. وبعدين أنا مش بديك أكل المستشفى، مرات عمي نعيمة جايبة فراخ محمرة ومكرونة بشاميل هسخنهم وأجيبهم لك."

يونس مسك إيدها اللي بتقشر التفاح بحنية: "أنا مش عايز آكل.. أنا شبعان بوجودك جنبي. إنتي من يوم ما دخلت هنا مروحتيش ولا نمتي على سرير.. أنا تعبتك معايا أوي يا زينة."

زينة عينيها لمعت بالدموع، بس المرة دي دموع فرحة.

زينة بصوت دافي: "تعبك راحة يا يونس. أنا لو عليا أفرشلك رموشي تمشي عليها. إنت مش بس ابن عمي، إنت أماني وسندي."

يونس بصلها بتركيز وعمق: "أول ما أخرج من هنا ونطمن على الحكم في قضية شمس.. هكتب كتابي عليكي. مش هخليكي تقعدي يوم واحد كمان من غير ما تكوني على اسمي وفي حمايتي رسمي."

زينة وشها احمر جداً وبصت للأرض بابتسامة خجولة، في اللحظة دي دخل سليم ونعيمة وشمس الأوضة، والكل ضحك على منظر زينة المكسوفة.

سليم بضحكة عالية: "أيوة يا عم يونس، الدلع ده كله ليك. حمد لله على سلامتك يا بطل، المستشفى نورت، والورق بتاع عاصم خلص والمصنع رجع كامل لينا."

يونس بفرحة: "الله يبشرك بالخير يا بابا. كدا مابقاش ناقص غير إننا نقفل باب الماضي ده للأبد."
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 

في حديقة المستشفى 
بعد ما العيلة اطمنت على يونس، شمس حست إنها محتاجة تشم هوا. نزلت تتمشى في جنينة المستشفى. الجو كان ربيعي والشمس دافية. قعدت على بنش خشب، وسرحت في كل اللي حصل.

فجأة، لقت كوباية قهوة سخنة بتتقدم قدامها. رفعت راسها لقت الدكتور "حمزة الشريف" واقف بيبتسملها بوقاره المعتاد وبدلته الطبية اللي بتزيد من هيبته.

حمزة بهدوء: "القهوة دي سكر زيادة.. حسيت إنك محتاجة حاجة ترفع من طاقتك شوية بعد الأيام الصعبة دي. ممكن أقعد؟"

شمس اتوترت للحظة، بس نظرة الأمان اللي في عينيه خلتها تهز راسها بالموافقة.

شمس بابتسامة خفيفة:شكراً يا دكتور. أنا فعلاً كنت محتاجة قهوة. بس حضرتك عرفت إزاي إني بشربها سكر زيادة؟"

حمزة وهو بيقعد على مسافة محترمة منها: "الجراح الشاطر يا شمس بيعرف يقرا التفاصيل. لاحظت إنك لما بتيجي الكافتيريا بتطلبيها كدا. أنا قوة ملاحظتي عالية شوية.. خصوصاً للحاجات اللي بتهمني."

شمس قلبها دق بسرعة من تلميحه، بس حاولت تغير الموضوع.

شمس: "يونس أخباره إيه من وجهة نظر حضرتك الطبية؟ هيقدر يخرج إمتى؟"

حمزة: "يونس زي الفل، وتقريباً يومين وهنكتبله خروج. بس أنا مكنتش جاي أسأل عن يونس.. أنا كنت جاي أسأل عنك إنتي."

شمس بصتله باستغراب: "أنا؟ أنا كويسة الحمد لله."

حمزة أخد نفس عميق، وبص قدامه، واتكلم بصوت دافي وعميق:"عارفة يا شمس.. أنا شغلي كجراح بيخليني أشوف جروح كتير أوي. في جروح بتخف وتسيب أثر صغير، وفي جروح بتسيب ندبة كبيرة بتفضل تفكر صاحبها بالوجع. بس الأكيد، إن الندبة دي بتبقى أقوى حتة في الجلد بعد كدا. عمرها ما بتنجرح مرتين."

لف وشه وبصلها في عينيها مباشرة:"إنتي مريتي بأزمة تكسر جبال. أنا عارف جزء من القصة من تحقيقات النيابة ومن كلام والدك. بس اللي شايفه قدامي مش بنت مكسورة.. أنا شايف محاربة. الجرح اللي جواكي ساب ندبة، بس خلاكي أقوى وأنضج من أي بنت في سنك."

شمس حست إن عينيها بتدمع. لأول مرة حد يكلمها عن وجعها بالطريقة دي، طريقة مفيهاش شفقة ولا اتهام، طريقة فيها احترام وتقدير لقوتها.

شمس بدموع محبوسة: "بس أحياناً بحس إني خايفة.. خايفة من الناس، خايفة من نظراتهم، خايفة من إني مقدرش أعيش حياة طبيعية بعد اللي شفته."

حمزة قرب خطوة صغيرة، ونبرة صوته بقت أحن ما يكون: "الخوف ده طبيعي جداً. بس الحياة مبتقفش عند محطة الوجع. لازم تدي فرصة للدنيا تصالحك. وتدي فرصة للناس اللي حابين يشوفوكي بتضحكي إنهم يبقوا جنبك.. أنا حابب أكون من الناس دي يا شمس، لو تسمحيلي."

الكلمة طلعت من حمزة صريحة، راقية، ومفيهاش أي لف ودوران. شمس اتكسفت جداً وبصت في القهوة بتاعتها، بس ابتسامة صغيرة جداً هربت على شفايفها. حمزة شاف الابتسامة دي، وحس إن قلبه طار من الفرحة. عرف إنه قدر يكسر أول وأهم حاجز من الجليد اللي حوالين قلبها.
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 
بعد مرور ثلاثة أسابيع - قاعة المحكمة (يوم النطق بالحكم)

قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها. سليم، يونس (اللي كان لسه ساند على عكاز طبي)، نعيمة، زينة، وشمس قاعدين في الصف الأول. الناحية التانية كان قفص الاتهام.

عماد واقف جوة القفص، ملامحه مرعوبة وشعره أبيض بالكامل. مديحة ماسكة في الحديد وبتعيط وتلطم. جابر واقف في الزاوية مستسلم لمصيره الأسود. 

أما نوح.. نوح كان قاعد على كرسي متحرك برا القفص، نص جسمه التحتاني مشلول تماماً، عينيه مكسورة ومبيشيلهاش من الأرض.

شمس كانت بتبصلهم، مش بشماتة، بس بنظرة راحة. شافت عدل ربنا قبل عدل الأرض فيهم. نوح رفع عينه وبصلها، عينيه كانت مليانة دموع ندم ورجاء، كأنه بيطلب منها تسامحه. شمس لفت وشها الناحية التانية وتجاهلته تماماً. الندم مابيرجعش اللي اتكسر.

دخل القاضي، والكل وقف.

القاضي بصوت جهوري: "بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع مرافعة النيابة والدفاع، قررت المحكمة حضورياً:
أولاً: إحالة أوراق المتهم 'جابر عبد التواب' إلى فضيلة المفتي لإبداء الرأي الشرعي في إعدامه، وتحديد جلسة الشهر القادم للنطق بالحكم."

جابر وقع على الأرض في القفص فاقد النطق. سليم ويونس بصوا لبعض براحة.

القاضي كمل:
 "ثانياً: معاقبة المتهمة 'مديحة عبد الرحمن' بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً بتهمة التحريض على هتك العرض والشروع في القتل."

مديحة صرخت صرخة شقت المحكمة: "يا لهوي! 15 سنة؟ هموت في السجن! يا سليم قولهم إني ماليش دعوة والنبي!"

القاضي:
"ثالثاً: معاقبة المتهم 'عماد سليم' بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات بتهمة التستر والمشاركة في التخطيط لابتزاز المجني عليها."

عماد سند راسه على الحديد وبكى بقهر الرجال اللي ضيعوا نفسهم وعيلتهم.

القاضي: 
"رابعاً: معاقبة المتهم 'نوح عماد' بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات وإيداعه مستشفى السجن لتلقي الرعاية اللازمة نظراً لحالته الصحية، بتهمة الشروع في التعدي والتواجد في مسرح الجريمة بنية مبيتة. رفعت الجلسة."

صوت خبطة مطرقة القاضي كانت زي الموسيقى في ودان سليم. العدل اتحقق. شمس ارتمت في حضن أبوها وفضلت تعيط عياط هيستيري.. 

بس المرة دي كان عياط الراحة، عياط التخلص من الكابوس. يونس مسح دمعة نزلت من عينه وضم زينة اللي كانت بتعيط هي كمان على نهاية أهلها المأساوية، بس هي عارفة إن ده العدل.

في بيت العائلة - بعد يومين (حفلة رجوع يونس)
البيت كان متزين، ونعيمة عاملة عزومة كبيرة بمناسبة خروج يونس من المستشفى بسلام، وبمناسبة قفل قضية شمس وصدور الأحكام. الجو كان مليان ضحك وفرحة غابت عن البيت ده شهور طويلة.

زينة كانت لابسة فستان رقيق جداً، ويونس مش قادر يشيل عينه من عليها، وكان متفق مع أبوه إنه هيقرأ فاتحتها النهاردة وسط العيلة.

شمس كانت في أوضتها بتجهز. وقفت قدام المراية، لابسة دريس أزرق سماوي طويل، سايبة شعرها الحرير على كتافها، وحاطة ميكب رقيق جداً.

بصت لنفسها في المراية، ولأول مرة من فترة طويلة، تحس إنها جميلة.. تحس إن فيها روح بتلمع.

صوت جرس الباب رن. يونس راح يفتح.

يونس بابتسامة واسعة: "يا أهلاً وسهلاً! ده البيت نور والله!"

دخل الدكتور "حمزة الشريف". كان لابس قميص أسود شيك جداً، وبنطلون قماش، وشكله يخطف القلب بدون البالطو الأبيض. كان ماسك بوكيه ورد كبير جداً وعلبة شوكولاتة فخمة.

حمزة بابتسامة رجولية: "مبروك الخروج يا بطل، ومبروك على سلامتك وسلامة العيلة كلها. الحاج سليم أصر إني لازم أحضر، ومقدرتش أرفض دعوته."

سليم وهو بيستقبله بالأحضان: "يا دكتور حمزة، ده إنت صاحب فضل ومكانك في صدر البيت. اتفضل نورتنا."

حمزة دخل الصالة، وعينيه كانت بتدور على حاجة واحدة.. أو بالأصح، شخص واحد.

في اللحظة دي، شمس طلعت من طرقة الأوض. أول ما عين حمزة وقعت عليها، حس إن الزمن وقف. فضل باصصلها بانبهار واضح للكل، عيونه السودة كانت بتلمع بإعجاب صريح مفيش فيه ذرة كسوف. 

شمس وشها جاب ألوان الفراولة كلها، ونزلت عينيها للأرض بخجل، بس قلبها كان بيدق طبول الفرحة.

قعدوا كلهم على السفرة، والجو كان عائلي وجميل. حمزة كان بيشاركهم الحديث بلباقة، وسليم كان معجب جداً بشخصيته وعقله الموزون. يونس كمان ارتاحله جداً وحس إنه راجل يُعتمد عليه.

بعد العشا، يونس وقف وطلب انتباه الكل.

يونس وهو بيمسك إيد زينة: "يا جماعة، بعد ما الغمة دي انزاحت، أنا طالب إيد زينة بنت عمي قدامكم كلكم. وأتمنى يا بابا توافق ونقرأ الفاتحة دلوقتي، والكتب كتاب الخميس الجاي."

سليم دمع من الفرحة، ونعيمة زغردت زغروطة رنت في البيت كله. زينة كانت بتعيط من الفرحة واستخبت في حضن نعيمة من الكسوف. الكل باركلهم، وحمزة كان بيبارك ليونس بحرارة.

بعد ما هديت الأجواء، حمزة بص لسليم باحترام وطلب منه طلب.

حمزة: "حج سليم، ممكن أخد من وقت حضرتك خمس دقايق في المكتب؟ محتاج أتكلم معاك في موضوع مهم جداً."

سليم حس بجدية في صوت حمزة. ابتسم وقال: "اتفضل يا دكتور، المكتب مكتبك."

شمس قلبها انقبض فجأة. هل حمزة هيطلب إيدها؟ ولا في حاجة تانية؟ عينيها كانت بتراقبه وهو داخل المكتب مع أبوها.

في داخل المكتب
سليم قعد على مكتبه، وحمزة قعد قدامه.

سليم بابتسامة: "خير يا دكتور حمزة؟ إنت تؤمر أمر، طلباتك كلها مجابة رقبتي سدادة."

حمزة أخد نفس عميق، وملامحه بقت جدية جداً. بصدق وثبات: "حج سليم، أنا راجل دوغري ومبحبش اللف والدوران. أنا من يوم ما عيني وقعت على الآنسة شمس في المستشفى، وأنا قلبي اتعلق بيها. أنا لمست فيها القوة والأدب، وشايفها ست البنات. أنا يشرفني إني أطلب إيد شمس بنتك على سنة الله ورسوله."

سليم ابتسم بفرحة كبيرة، حمزة ده عريس لقطة يتمناه أي أب لبنته؛ دكتور محترم، وراجل شهم، وأنقذ حياة ابنه.

سليم بفرحة:"ودي الساعة المباركة يا ابني. أنا مش هلاقي راجل أصون فيه بنتي أحسن منك. أنا موافق ومب..."

حمزة رفع إيده بهدوء عشان يوقف سليم قبل ما يكمل: "أرجوك يا حج سليم، اسمعني للآخر. أنا طلبت إيد شمس، بس أنا مقدرش أدخل البيت ده وأنا مخبي حاجة مهمة عن حياتي. الأمانة بتفرض عليا أقولك كل حاجة عشان تكونوا على نور قبل ما شمس تاخد قرارها."

سليم ملامحه اتغيرت للقلق، وبص لحمزة بتركيز: "سر إيه يا دكتور؟ قلقتني!"

حمزة شبك إيديه في بعض، وسند على المكتب، وعينيه فيها وجع مدفون من سنين طويلة.

حمزة بصوت تقيل: "أنا مش شاب أعزب يا حج سليم. أنا كنت متجوز قبل كدا... والقصة مش في الجواز بس. أنا عندي مسؤولية كبيرة في رقبتي. في سر في ماضيي، وفي حاجة معايا حالياً هتبقى جزء من حياة شمس لو وافقت عليا.. حاجة ممكن تخلي أي أب يرفض يجوز بنته ليا، مهما كان مقامي أو فلوسي."

سليم سكت تماماً، والصدمة بانت على وشه. حمزة دكتور ناجح ومشهور، إيه السر اللي ممكن يكون كارثي لدرجة إنه يقول عليه كدا؟

برة المكتب، شمس كانت معدية بالصدفة رايحة المطبخ، وسمعت آخر جملة قالها حمزة. وقفت مكانها متسمرة، وقلبها اللي كان لسه بيبدأ يطير، حس إنه اتضرب برصاصة ونزل سابع أرض.

ياترى إيه هو السر المرعب اللي في حياة الدكتور حمزة؟ وهل شمس، اللي لسه بتتعافى من صدمتها، هتقدر تتحمل صدمة جديدة وتخوض حرب تانية عشان الحب ده؟ ولا هترفع راية الاستسلام؟

                 الفصل الثامن من هنا
تعليقات



<>