رواية براعم الحب الفصل التاسع9 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب الفصل التاسع9 بقلم رشا عبد العزيز
 
شعرت أن هذه هي الطريقة الوحيدة للفرار من تلك الهاوية، عادت بنظرتها نحو مرآتها كأنها تحاور نفسها، تؤكد لنفسها أن تلك هي الطريقة الوحيدة للخلاص وأعطت لنفسها بعض الإغراءات تهمس بثقة:

_​بابا أكيد مش هيغصبني مهما كان.

​لملمت شتات أمرها وعزمت على الفرار من مأزقها قبل فوات الأوان، اندفعت نحو الخارج بخطوات سريعة كأنها تسابق الزمن، وصلت لدرجات السلم تنزل درجاته الرخامية وكعب حذائها يطرق بقوة مصدرًا صوتًا عاليًا شد انتباه الجميع ليلتفتوا نحو الدرج.
​كانت في منتصف الطريق عندما اصطدمت عيناها بعيني والديها اللذين كانا يقفان تشرق ابتسامة وجوههم السعيدة، تباطأت خطواتها بتردد والحقيقة تنقشع أمام عينها وهم ينظرون بلهفة، تلك الخطوات كادت أن تتلاشى حتى وجدت قدمها تتيبس في مكانها عندما اقتربت خالتها «هدى» من والدتها تحتضنها بود أخوي وكذلك فعل «علي»، لتجد نفسها ترى الحقيقة من زاوية أخرى؛ ستحطم بيدها صورة هذه العائلة المتآلفة وتمزق بقرارها تماسكها.

​ارتجفت يدها المستندة على سور الدرج مع اقتراب والدها من الدرجة الأخيرة يمد لها يده كي يستقبلها، والدها لم يقف وحيدًا بل جاورته والدتها، نظرات الابتهاج كانت مرتسمة على وجوههم. بهتت ملامحها وودت لو يتوقف الزمن عند هذه اللحظة، ورغم شغفها بمعرفة المستقبل اليوم تتمنى أن تعود إلى الماضي وتوقف تلك الحماقة التي ارتكبتها، قلبها الذي تسارعت نبضاته ليس من الفرحة والخجل كمثيلاتها من الفتيات في مثل هذا اليوم، لكن خوفًا من القادم. نداء والداها اللذين ظنا أن استحياءها يمنعها من النزول أيقظها مجبرا إياها على النزول، لتنزل تمسك يدها بيد والدها، ولما وصلت ضمها إليها همت بإخباره الحقيقة ليسبقها هو حينما قال:

_​ألف مبروك يا روح بابا، كبرتي يا قمري وبقيتي عروسة، ربنا يكتبلك السعادة يا بنتي، «حسين» راجل وهبقى مطمن وإنتِ معاه.

​لجم مدح والدها لسانها لتبتلع ريقها الذي جف من شدة التوتر، ومن أحضان والدها انتقلت إلى أحضان والدتها التي جذبتها نحوها تحتضنها بحذر خشية أن تفسد مكياجها:

_​ألف مبروك يا نور عيني أنا فرحانة يا «قمر» وأنا بشوفك عروسة قدام عيني..
​اغرورقت عيناها من حديثهم الذي امتزج بين الحنان والفرح لتؤنبها «شمس» حين أحست باضطرابها، فتلك الرعشة الطفيفة التي سرت في جسدها بتلقائية وهي تحاول كبح دموعها أصابت «شمس» بالقلق:

_​مالك يا «قمر» إنتِ بتعيطي ليه؟

كان سؤالها فرصة لتبوح لها برفضها لولا تلك الكلمات التي تبعتها وهي تسألها وعيناها تطوف وجهها بريبة:

_​إنتِ زعلانة ولا خايفة يا عبيطة؟ «حسين» شاب يجنن حبيب خالتو.
أحبطت كل آمالها وكسى اليأس ملامحها لتهز رأسها تؤيد حديثها بقلة حيلة.
​«ورد» التي كانت تراقب المشهد من بعيد قلبها يختنق من أجلها، لكن ماذا تفعل تلك المجنونة تحصد ثمن تهورها؟ التفتت نحو «حسين» الواقف يرتدي بدلته الرسمية الأنيقة يصوب عينيه عليها بسعادة لتشعر بالأسى من أجله. اقتربت «هدى» من «قمر» تحتضنها بود وتخبرها بفخر: (رشا عبد العزيز)) 

_​«قمر» يا حبيبتي، يا بخت «حسين» بيكي.
ذكرها لاسمه جعلها ترفع عينيها تبحث عنه بعفوية، التقت عيناها به يحدق بها مبتسمًا، لحظة واحدة فقط كانت كفيلة. تمزق قلبها وهي تسأل حالها كيف ستتحمل الحياة معه؟ هربت بعينيها من هذا اللقاء المهلك لروحها. توالت التبريكات ووجدت نفسها تقترب شيئًا فشيئًا منه حتى وقفت أمامه ليقول بلهفة:

_​إزيك يا «قمر»؟
لتجيبه ببرود دون أن تنظر له:
_​الحمد لله.
ثم تجاهلت وقوفه متأهبًا يحمل باقة زهور رائعة ينتظر وصولها لتجلس دون أن تعيره اهتمامًا، حركتها أصابته بتوتر لكنه تخطاها وانحنى يقدم لها تلك الباقة:

_​اتفضلي.

جذبت الورد منه تضعه على حجرها بإهمال ليجلس هو تاركًا مسافة بينهم، ورغم تلك المسافة لكن قلبه كان يرقص بين أضلعه ليحمد الله أن أصوات النقاش العالية غطت على صوته الذي لو سكن المكان لسمع نبضه الجميع، لا يصدق أنها ترتدي ثوبها خطبتها من أجله وبعد قليل ستكون خطيبته.
​كانت جلسة بدايتها عائلية بحديث عادي حتى بدأها العم «حسن» بطلب يدها بشكل رسمي من والدها الذي كان أكثر من مرحب يمدح «حسين» كأنه ولده، حتى عيون أشقائها كانت تنظر له بإعجاب، لم تسمع هي معظم الحديث الذي دار فقد كانت تعيش في عالم مختلف يفصلها عنهم، عالم كانت تحرق فيه روحها وتجلدها على تلك الخطيئة. تجمدت يدها التي تقبض على باقة الزهور وهي تراهم يرفعون أكفهم يقرأون سورة الفاتحة معلنين اتفاقهم وخطبتها الرسمية.
​لقد خُطت النهاية، لا مجال الآن للتراجع، جف حبر آمالها وطُبع اسمها بجانب اسمه، ضج قلبها بالحزن حتى شعرت به على وشك التوقف من شدة الألم، ودت لو تستطيع الصراخ وإنهاء ما يحدث، لكن العيون المتعانقة بسعادة وتلك الألفة والابتسامات المتبادلة قيد لسانها وهيمن عقلها يخبرها: هل ستحطم تلك العائلة ولحمتها بأنانيتها وتهورها؟
​وعلى النقيض منها قرأ هو حروف سورة الفاتحة كأنه يقرأ إعلان ميلاده، هو وُلد اليوم عندما أصبحت هي له. مسح على وجهه كأنه يمسح حياتها السابقة، فحياته بدأت اليوم، كم كان يود أن يجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة يخبرها بعشقه لها، اختلس النظر نحوها ليجدها صامتة وعينها منخفضة نحو باقة الزهور فظن أنها تشعر بالخجل، لا يعلم أنها تحترق في صمت وهي ترى «حسن» يقترب من شقيقه ويبارك له على خطبته يتمنى له السعادة معها، ضحكت ساخرة في سرها فحبيبها كان أول من يهنئه.

​وقف بعيدًا ينظر إلى «حسين» وهو يتلقى التبريكات من أعمامه وجده، نظر إلى الواقفة بجانبه تتلقى التبريكات من النساء والحسرة تملأ قلبه، كم كان يتمنى لو كان مكانه، كم من المؤلم أن نرى من نحب يكونون من نصيب غيرنا. تألم قلبه وانهار رغم تماسكه الزائف وهو يراها ملكًا لغيره، توسل عينيه ألا تفضحاه وتظهرا حزنها المخفي. شعر بيد تربت على كتفه بحنان، التفت ليجد والدته تنظر له بحب وتقول بقلب متمنٍ:

_​عقبالك يا حبيبي.(رشا عبد العزيز) 

وبابتسامة مغتصبة من وسط أحزانه كي يبدو طبيعيًا، أجابها وهو ينحني يقبل يدها:

_​إن شاء الله بوجودك يا أم «زياد».

مسحت على ذراعه برضا تدعو له:

_​يارب أفرح بيك قريب يا قلب أمك.

تمالك نفسه قبل أن ينهار ويرمي نفسه بين أحضانها باكيًا يشكو لها ضياع حبيبته ليحاول الهروب من أمامها قبل أن تقرأ حزنه مشيرًا لها نحو العروسين:

_​هروح أبارك لـ «حسين».

​تركها تنظر له في حيرة واقترب من «حسين» الذي فتح له ذراعيه واحتضنه ليتحلى بأعلى درجات التحمل والصبر وهو يقول له:

_​ألف مبروك يا «حسين».

ليجيبه بلهفة امتزجت بالسعادة الغامرة:

_​حبيبي يا صاحبي عقبالك.

ابتلع غصة مرة وهو يذكره بأنه صاحبه وأنها أصبحت زوجة صاحبه المحرمة حتى أن تخطر على باله، ليبتعد عنه بسرعة وشعور أنه يخونه حينما يفكر بها يلسع قلبه، ودون أن ينظر لها بل اكتفى بالتفاتة بسيطة قال لها وهو ينظر لعين صاحبه كأنه يعطيه وعدًا لا يعلمه إلا هو، أن يحارب قلبه الذي يحبها ويخرجها منه كما يخرج المدمن المخدر من جسده:

_​مبروك يا «قمر».

_​شكرا.

إجابة خافتة كانت ردها عليه ليبتعد عنهم فاسحًا المجال لإخوتها اللذين وقفا أمام «حسين»، ليمسك «سيف» بكتفه الأيمن ويمسك «شريف» بكتفه الأيسر بطريقة فكاهية يحدقان به بنظرات حادة مفتعلة، يتصنعان الحدة ويتوعدانه بطريقة هزلية:

_​إحنا إخوات العروسة.

قالها «شريف» قبل أن ينقل نظره نحو «سيف» الذي قال:

_​عارف لو جرالها حاجة أو اشتكت منك هنعمل فيك إيه يا «حسين»؟

كان يوزع نظره بين الاثنين ضاحكًا ويسألهم بفكاهة مماثلة:

_​هتعملوا فيا إيه يا ولاد «فارس»؟

لينحني «شريف» نحوه يخبره بصوت منخفض يمازحه:   (كروب روايات رشا عبد العزيز) 

_​هنفرمك.

تبعه «سيف» وهو ينحني أيضًا ويقول:

_​هندمرك.

ادعى الخوف والفزع ليتوسلهم مازحًا:
_​لا أرجوكم ارحموني.

ثم خرجت كلماته متلعثمة مثل فيها الخوف ساخرًا:

_​أنا هسمع كلامكم واللي تأمروا بيه وإنتوا عاملين كده زي «ريا» و«سكينة».

ختم كلامه يطلق ضحكة صاخبة شاركه فيها الاثنان قبل أن يحتضناه تباعًا:

_​ألف مبروك يا أبو نسب.

بادلهم العناق شاكرًا:

_​متشكر عقبالكم.

​اقتربت «صفاء» تبارك لـ «قمر» ثم اتجهت نحوه احتضنته بقوة ليبادلها العناق يقبل رأسها وهي تهنئه:

_​ألف... ألف... مبروك يا حبيبي.
_​الله يباركلك يا أمي.

تلك الكلمة التي تعشقها منه فهي تعتبره ولدها وليس حفيدها فقط، ابتعدت عنه تنادي على «مليكة» التي اقتربت تبارك لشقيقها وتعطي جدتها علبة مخملية لتمسح «صفاء» على ذراعه بحنان تسلمه تلك العلبة وتقول وهي توزع نظرها بينه وبين «قمر»:

_​الشبكة هدية مني لابني حبيبي.

ابتسم لها «حسين» بامتنان قبل أن ينحني يقبل يدها شاكرًا:

_​متشكر أوي حبيبتي يا «صافي».

مسحت على رأسه وأشارت له نحو «قمر»:

_​يلة لّبست خطيبتك.

​اقتربت «هدى» تطلق الزغاريد بفرح ورفقتها «ندى» وبنات خالتها يشاهدونه كيف يلبسها خواتم الخطبة، وتولت «أحلام» و«مليكة» أمر التقاط الصور. نظر للعلبة بسعادة ليجلس متلهفًا يستدير نحوها، التقط الخاتم المخصص لها ووضع العلبة جانبًا ثم مد يده بالخاتم يشير لها أن تعطيه يدها. أجفلها المشهد وأصابها بالارتباك وهي تبصر العيون المحدقة بها بترقب لتسمعه ينادي عليها، كان صوته كنداء أخير نحو النهاية:

_​يلة يا «قمر».(رشا عبد العزيز) 

أغمضت عينها وفتحتها علها تستيقظ من هذا الكابوس لكن لم يتغير شيء، كانت تطالع لهفته بعين ضائعة ليرتعش جسدها كما ارتعشت يدها التي أجبرتها تشجيع الفتيات على مدها نحوه، كانت تراقب يده التي اقتربت من يدها ليضع ذلك الخاتم في بداية إصبعها، لتسحب يدها خشية أن تلامس يده يدها فتولت هي مهمة دفعه داخل إصبعها.
​ليلتقط الخاتم الخاص به وأعطاه لها، أمسكت الخاتم بيد مرتعشة تنظر لذلك الخاتم كأنه صك ملكيتها له، ثم نظرت نحوه لتجده يمد لها يده بابتسامة عريضة:

_​يلة يا «قمر» لبّسيه يا بنتي.

هتفت بها «هدى» بعد أن طال انتظارهم لها لتشعر بالحرج وتمد يدها تضعه في مقدمة إصبعه، ليفعل هو كما فعلت ويتولى مهمة إكمال ارتدائه يمنع تلامسهما محافظًا على كونهما مخطوبين فقط، لكنها حدقت به بصدمة عندما وجدته يقرب يده من فمه مقبلًا ذلك الخاتم لتتعالى الهتافات والتصفيق من الفتيات، وعادت «ندى» و«هدى» يطلقن الزغاريد في جو من الفرح والابتهاج.
​أكملت «هدى» مساعدتها في ارتداء "الشبكة" وهي تطيعها بذهن شارد لم تستفق منه إلا عندما وجدت الصالة قد خلت من الجميع إلا منهما بعد أن طلب «فارس» من الجميع التوجه نحو الحديقة لتناول وجبة العشاء المعدة في الخارج، تاركين المكان لهم بعد أن وُضع أمامهم عشاء خاص لهم، لتسمع حمحمة خشنة وشعرت به يقترب بجسده منها حتى أصبحت المسافة بينهم صغيرة لتلتفت نحوه تنظر له بحدة قبل أن تبتعد مباشرة نحو طرف الأريكة الآخر تزيد من البعد بينهما. نظر لها بتعجب لتقول بحنق دون النظر إليه:

_​إحنا مخطوبين بس.

لم يفسر تصرفها على أنه نفور ولكن عوضًا عن ذلك ابتسم يعتقد أنه تهور وهي محقة في تصرفها:

_​عندك حق آسف.

ساد الصمت بينهما برهة قبل أن يقطعه هو بما جعل عينيها تتسع بذهول:

_​«قمر» متتصوريش أنا فرحان أد إيه، أنا مش مصدق نفسي كأني بحلم، أنا بحبك يا «قمر»، بحبك من زمان وكنت بتمنى تكوني من نصيبي.
ألجمتها الصدمة وشلت أركان تفكيرها، تضاعف شعورها الحارق بالندم؛ هي أجرمت بحقه وحقها، هي لا تكن له المشاعر وهو غارق في حبها ، وبعد موافقتها الغبية سيظن أنها ترغبه كما يرغبها. اعترافه كان كخنجر دُس في قلبها ينحر ما تبقى من أمل في الابتعاد عنه، هكذا هو سيتمسك بها، لم تقو عيناها على الالتفات نحوه ولا مواجهة بريق عينيه، طأطأت رأسها تطالع تلك الزهور القابعة في حجرها تعبث ببتلاتها هربًا من تلك المواجهة. صمتها المطبق أثار ريبته ليميل نحوها يسألها بنبرة قلقة:

_​«قمر» إنتِ سمعتي اللي أنا قلته؟ أنا بحبك.

​"توقف أرجوك توقف" كان هذا ما تود أن تخبره به، لا تريد أن تسمع تلك الكلمة منه، ارتعشت يدها لتقبض على الباقة تعتصرها تخفي عنه ارتعاشها، حاولت أن تتماسك فعاد هو يكرر سؤاله بقلق:

_​«قمر» إنتِ سمعاني؟

أجابته بإيماءة بسيطة ليبتسم ويشاكسها:
​شكلك مكسوفة يا حبيبتي.
ثم ضحك يخبرها بمزاح:

_​لا متتكسفيش لازم تتعودي تسمعي مني كلمة بحبك دا أنا نفسي أصرخ وأقول للعالم كله إني بحبك، بحبك أوي.

احمر وجهها فظن أنه خجلاً، لكنها كانت تشعر بضيق، تلك الكلمة تخنقها هي من تود الصراخ تخبره أن يتوقف، لم تعد تطيق سماع المزيد. لّام نفسه فيبدو أنه أصابها بالحرج ربما تسرع فهي لم تتعود عليه بعد، لكنها وافقت عليه إذن لماذا؟ ليجيبه قلبه المدافع عنها دائمًا ربما خجلاً أن تخبره أنها تبادله المشاعر ليحاول أن يخفف عنها:

_​ربنا يتمم علينا بالخير.
ثم استطرد يقرب المنضدة الموضوع عليها الطعام منهم:
_​يلة يا «قمر» عشان تاكلي متتكسفيش وإلا تحبي أكلك بنفسي؟

ختم عبارته مازحًا يلتقط الطعام بشوكة يقربه من فمها، أشاحت بوجهها بعيدًا عن مرمى يده وتمتمت:

_​خلاص أنا هاكل.

التقطت الشوكة من يده تمسكها دون أن تتناول الطعام، ظل يراقبها ليلتقط هو طعامًا بشوكته ويقول لها بإصرار:

_​مش هاكل غير لما تاكلي إنتِ.

رفعت الشوكة تضع الطعام بفمها في يأس من إصراره، لكن تلك اللقمة كانت كالعلقم، مضغتها ببطء ثم ابتلعتها بصعوبة كأنها مشوكة تجرح جوفها. أما هو فابتسم عندما رآها تتناول الطعام ليأكل هو أحلى طعام تناوله في حياته، فتلك أول وجبة لهما معًا.

*************************
​صخب الضحكات ملأ المكان وجو الألفة زاد ترابطًا فلم تعد قرابة فقط بل أصبحت مصاهرة.

-​كبرت يا «فارس» وبقيت أبو العروسة.

هتف بها «علي» مربتًا على كتفه، حدجه بنظرة جانبية قبل أن يجيبه متهكمًا:

-​يا سلام دا على أساس إنك مكبرتش وبقيت أبو العريس؟

ارتسم على وجهه عبوس مصطنع وقال مستنكرًا:

-​لا يا عم أنا مكبرتش إنت بس اللي عجزت.
مط شفتيه باستهزاء وقال يسايره بفكاهة:

-​آه فعلاً إنت ماكبرتش والشعر الأبيض دا صبغة، والشحط اللي خاطب دا ابن واحد صاحبك وأنا عازمك على عشا عشان خطوبة بنتي.

ثم اتسعت عيناه ضاحكًا باستهزاء حمل نوعًا من الضيق المحبب يكمل سخريته:

-​مش بنتي اتخطبت يا «علي» وأنا عجزت؟

انفجر «علي» ضاحكًا حتى ادمعت عيناه ليبادله الضحك بقلة حيلة، حتى انتهت نوبة ضحكه فمسح «علي» عينيه يخبره بأنفاس متقطعة من شدة الضحك:

-​يخرب عقلك.

رفع حاجبيه بدهشة ليلومه متذمرًا:

-​وأعملك إيه وإنت مش راضي تقتنع إنك كبرت والنهاردة خطوبة ابنك؟

التقط أنفاسه ثم تنهد بحب أخوي ينحي نحوه ويخبره بصدق:

-​أهو أحلى حاجة في «قمر» إنها بنتك يا «فارس»، تعرف إنت صاحبي وأخويا ويمكن أكتر من كده، دا أنا لو كان ليا أخ مكنتش حبيته زي ما بحبك.

ربت «فارس» على فخذه بامتنان وقال:
-​ربنا يديم المحبة يا «علي» وإنت كمان غالي عندي أوي و«حسين» كمان إنت عارف بحبه أد إيه.
-​وهو كمان بيحبك ويعزك أوي.

ثم غمز له مشاكساً:

-​وأنا بقول سر محبتكم إنتوا الاتنين لبعض إيه؟ أتاريكم مكتوبين لبعض حما وجوز بنته.

ثم دنا منه يعاود مشاكسته برجاء:

-​بس وحياتي تخلي بالك من الولد بلاش دور الحما الخنيق خليك فرفوش معاه.

ليرفع «فارس» يده مشيرًا بتوعد زائف:

-​أما طلعت عينيه دا أنا هطلع عليه القديم والجديد.
انفجر الاثنان بضحكة واحدة ينظر لآخره بمحبة وأخوة.
*********************
​انتهت تلك الحفلة التي أدت فيها هي دور العروس، دخلت غرفتها الغارقة بظلام إلا من ضوء خافت تسلل من شباكها، تشعر بالاختناق لتجلس على سريرها بجسد مثقل بالحزن تسأل نفسها في حيرة: كيف ستكون النهاية وما هو طريق الخلاص؟ أم لقد فات الأوان ويجب أن تقتنع أن «حسين» أصبح خطيبها وهو قدرها المحتم؟ نظرت إلى يدها وذلك الخاتم الذي لمع مع انعكاس ضوء القمر الطفيف يؤكد لها ارتباطها به، سحبت الخاتم من إصبعها بسرعة ورمته على الطاولة بجانبها بإهمال، ثم تأفأفت باستياء تسأل نفسها وهي تسترجع مشاهد اعترافه:

-​هتعملي إيه يا «قمر» دلوقت دا طلع بيحبني؟

وعلى ذكر الأخير أومض هاتفها بوميض خافت يعلن وصول رسالة، التقطت الهاتف فوجدت رسالة من رقم مجهول، فتحت الرسالة لتجدها منه:
-​أنا «حسين» يا «قمر» أخدت رقمك من «مليكة».. كنت عاوز بس أعرفك برقمي وأقولك تصبحي على خير يا حبيبتي.

أغلقت الهاتف دون أن تجيب وقذفته بعيدًا:

-​يووو هنبدأ بشغل الحبيبة.

لكنها توقفت تفكر قليلاً ماذا سيحدث لو لم تجب؟ من المؤكد أنه علم باستلامها الرسالة، مدت يدها تحني بجذعها العلوي تعاود التقاطه وفتحه بتردد تكتب كلمة واحدة:

-​شكرا.
رمت جسدها تستلقي على السرير تحدق في سقف غرفتها بضياع. أما هو فكان يمسك هاتفه بلهفة وترقب وعندما ظهر له إشعار استلامها الرسالة لكنها لم تجب تسلل القلق إلى قلبه وبدأ عقله يحيك الهواجس، حتى وصلت رسالتها ليخفق قلبه بجنون يقبل شاشة الهاتف ويحتضنه، ثم بدأ يقلب تلك الصور التي أرسلتها له شقيقته يتأمل صورتها بهيام حتى أغلق عينيه غافيًا يمني نفسه برؤيتها في أحلامه.
*************************
​وبعد مرور أسبوعين
​فنجان القهوة الذي تصاعدت أبخرته فملأ عبقه المكان كان شريكهم الثالث في ذلك الحديث المنسجم الذي يجمعهم بين الحين والآخر، وضعت فنجانها على الطاولة بعد أن ارتشفت القليل منه ونظرت لها بتمعن قبل أن تردف ساخرة:
-​يا أختي كنا خلينا «زياد» يرجع من زمان عشان وشك ينور تاني.
ضحكت على جملتها ولوحت لها تؤيد حديثها:

-​اسكتي يا «سماح» دا كأن روحي ردت ليا ما إنتِ عارفة كنت بتعذب إزاي في بعده.

لوت شفتها بسخط وقالت تستهجن حديثها بفكاهة:
-​عنده حق دكتور «طارق» يسميه حبيب القلب.
لامتها مستنكرة:
-​يووو يا «سماح» مش ابني الوحيد؟
ثم استطردت تعاتبها بشيء من الضيق:
-​وبعدين حضرتك بتلوميني على حبي لـ «زياد» ألا يعني إنتِ مش بتموتي في «رحمة» وبتحبيها بجنون؟

شرد ذهنها لحظات وسكن الألم نظراتها قبل أن تتنهد بحزن تخبرها بصوت مقهور:

-​أعمل إيه يا «ندى»؟ عاوزة أعوضها وأنسى معاها اللي عملوا فيا أبوها.
نظرت لها «ندى» بإشفاق وشعرت بندم على حديثها الذي فتح جرح الماضي القاسي، اقتربت منها ومالت تربت على فخذها تؤنبها:

-​إيه يا «سماح» هو إحنا اللي هنعيده هنزيده؟ مش قلنا ننسى الماضي خلاص ونعيش الحاضر وربنا يعوضك بـ «رحمة».
تعلقت عيناها بها لحظات ترى الكسرة التي لازمتها رغم مرور السنين وطعم الخيانة والخذلان الذي لم يفارق صوتها، فلم تنسَ ما فعله بها، خرجت كلماتها بحرقة من بين نيران قلبها الذي لم يستطع الزمن إخمادها:

-​أنسى إيه يا «ندى»؟ أنسى إنه خاني واتجوز عليا بعد ست سنين جواز؟ أنسى إزاي وقفت معاه وساندته وصبرت على الحلوة والمرة لحد ما وقف على رجله؟ حرمت نفسي من كل حاجة عشانه وضحيت بأبسط حقوقي عشان نوفر، وبعد دا كله لما ربنا كرمه واترقّى بدل ما يعوضني يحب ويتمعشق ويتجوز عليا؟ سنة يا «ندى» سنة علاقة هو وهي وأنا زي الهبلة نايمة على وداني وواثقة فيه لحد ما لقيته واقف قدامي بكل بجاحة يقولي أنا اتجوزت.

توقفت تلتقط انفاسها بقهر قبل ان تكمل بألم

_ عاوزاني أنسى الكسرة والخذلان؟ أنسى وهو حاطط عينه في عيني يطلب مني نفترق بالمعروف عشان مراته مش عاوزة ضرة؟ أنسى يا «ندى» إنه نسي بنته السنين دي كلها ومفكرش يسأل عليها وعايش حياته مع مراته وولاده ولا كأن ليها وجود؟

اختنق صوتها وانسابت دموعها رغماً عنها بقهر وحسرة على من لم يستحق حبها وعطاءها. سحبت «ندى» منديلاً ورقياً وأعطته إياها وهي تربت على كتفها بحنان:

_​اششش... اششش... اهدي يا «سماح»
 خلاص يا حبيبتي هو ما يستاهلش دموعك ولا يستاهل يتبكي عليه.

كتمت شهقاتها تخبرها بأنفاس متقطعة وهي تمسح دموعها:(تابع كروب روايات رشا عبد العزيز) 

_​صعبان عليا نفسي يا «ندى» وصعبان عليا عمري اللي ضاع بسبب حد ميستاهلش دا أنا كنت بحبه أكتر من نفسي واشتغلت ليل نهار عشان أساعده ينسى حبي ويجازيني كده.

حملت «ندى» قدح الماء تقدمه لها وتمسح على ظهرها تحاول تهدئتها:

_​اهدي يا «سماح» وحياتي... قطعتي قلبي... خلاص بطلي عياط أحسن «رحمة» تخرج وتشوفك بتعيطي.

وعندما سمعت اسم ابنتها حتى ارتشفت بعض الماء ومسحت عينيها وأنفها تكتم عبراتها وتحاول السيطرة على دموعها ثم ابتسمت من بين دموعها تخبرها بامتنان:

_​متشكرة يا «ندى» أنا عمري ماهنسى وقفتك معايا إنتِ مش بس صاحبتي إنتِ أختي.

احتضنتها «ندى» بحب أخوي تخبرها:

_​وإنتِ كمان أكتر من أختي يا «سماح» دانتِ عشرة عمر.

_ربنا يديم المحبة.

تمتمت بها «سماح» وهي تبادلها العناق قبل أن تخرج من أحضانها لتمازحها «ندى» تشير إلى طبق الحلويات أمامها تخبرها بعتاب مصطنع:

-​شفتي عياطك نساني آخد رأيك بالحلو اللي عملته.
مدت «سماح» يدها تلتقط قطعة تقضمها لترفع حاجبها قبل أن تمضغها بتلذذ:

_​تحفة يا «ندى» يجنن إنتِ اللي عملتيه؟ طب هاتي الوصفة بسرعة.

نظرت لها نظرة جانبية وقالت ساخرة:

_​هو إنتِ صدقتي؟ هو أنا بتاعة الحاجات دي يا بنتي دي البنت «ورد» اللي عملاه.

مطت شفتها باستهزاء وقالت تشاكسها:

_​وأنا اللي فكرتك بقيتي شيف حلويات وهستفاد منك طلعتي بتشتغليني ماشي يا مس مردودالك.

_​قلبك أبيض يا سموحة عديها المرة دي.

لتهز «سماح» رأسها بقلة حيلة وتحرك يدها مستهزئة بيأس، ضحكت «ندى» على تعابير وجهها لتشاركها «سماح» الضحك تنسى معها الماضي وآلامه
***********************
​وعلى بعد مسافة قريبة كانت «ورد» و«أحلام» ينصتون لـ «رحمة» بإنصات وهي تسرد لهم قصص الأطفال المؤلمة وتلك المآسي التي تشاهدها كل يوم من خلال عملها كأخصائية اجتماعية متطوعة في إحدى دور الأيتام. كانت «ورد» تسجل ما تقوله «رحمة» كأفكار لرواياتها حتى توقفت فدمعت عيناها كما دمعت عين «أحلام» التي قالت مستنكرة:

-​يااااا هو فيه أهل بيظلموا ولادهم بالشكل دا؟
لتجيبها «رحمة» بأسف:

-​طبعًا وفيه قصص أبشع من اللي حكيتهالكم.
​طب ما تحكي جايز أستفاد منها كفكرة لرواية واقعية.

هتفت بها «ورد» وهي تقلب صفحة دفتر ملاحظاتها وتفتح صفحة جديدة استعداداً لما ستمليه عليها «رحمة»، لتزجرها «أحلام» بنظرة متذمرة:

—​يا بنتي هو إنتِ عاوزة تكتبي المآسي دي؟ هي الناس عاوزة تقرا عشان تتسلى ولا عشان يتنكد عليها؟

عقدت حاجبيها تستهجن حديثها تطالعها برفض وهي تخبرها:

-​يا بنتي دي قصص واقعية الناس هتتعلم منها وتتعظ.
أيدتها «رحمة» وهي تحرك سبابتها نحوها وتهزها قبل أن تقول مادحة:

-​برافو عليك يا «ورد» فعلاً الناس محتاجة تتعلم وتتعظ إحنا بقينا نشوف نماذج مخيفة.

​كادت أن تكمل النقاش معهم لولا نداء والدتها لتستقيم واقفة وتهم بالمغادرة، فعيس وجه «ورد» فتقف هي الأخرى تسألها برجاء:

-​إنتِ هتمشي يا «رحمة»؟ طب خليكي شوية تحكي حكايات جديدة عشان أسجلها.

أمسكت «رحمة» يدها تخبرها باعتذار:

-​معلش يا حبيبتي مرة تانية إن شاء الله.

ثم التفتت نحو الباب كأنها تبصر تلك التي تناديها من خلفه:.

-​أنا سامعة ماما بتنادي عليا.

​خرجت نحو والدتها تتبعها «ورد» و«أحلام»، وقفت أمام والدتها تشير لها أنها مستعدة للرحيل، لتنهض «سماح» مودعة «ندى» حتى وصلوا عند الباب ليتزامن خروجهم مع دخول «زياد» يتبعه «طارق»، لترحب به «سماح» بشوق تخبره بابتسامة متلهفة:

-​أهلاً يا حبيبي الحمد لله على السلامة وحشتنا.
بادلها «زياد» الابتسامة يخبرها باحترام يكنه لها:
​أهلاً يا طنط الحمد لله متشكر.

ثم أخذت تمازحه تفتح فمها وتضع إصبعها على أحد أسنانها تخبره بألم:

_​كويس إنك رجعت عاوزة أحشي سنتي دي بتوجعني أوي.

ضحك على تصرفها وهز رأسه يطمئنها:
_​ولا يهمك  حضرتك أول مريضة في العيادة بعد ما تتشطبي ونفتح.

_​كتر خيرك يا حبيبي.

لتنتقل أنظارها نحو «طارق» الذي قدم قبل قليل فرحب هو الآخر بها:

_​أهلاً يا «سماح» إزيك؟

_​أهلاً.. أهلاً يا دكتور ما تاخذنيش اتلهيت مع «زياد».
هتفت بها معتذرة وهي تطالع «طارق» الذي سألها عن حالها، ثم التفت نحو تلك الصبية الواقفة بجانبها ليسألها:

_​إزيك يا «رحمة»؟
_​أهلاً يا دكتور.
قالتها «رحمة» برسمية تجيبه دون أن تنظر إليه لتغادر الاثنتان.
******************************
​أخذ حمامًا دافئًا وخرج ليجدها تجلس شاردة الذهن، وقف أمام المرآة يمشط شعره وعيناه تراقبها بدهشة فهي حتى لم تنتبه لوجوده، وضع الفرشة على الطاولة واتجه يجاورها على السرير ينادي عليها:

-​«ندى»... «ندى».
زاد اضطرابه عندما لم تجبه كأنها في عالم مختلف، مد يده يمسك يدها ويناديها من جديد:
-​«ندى» مالك؟
لمسته ونداؤه أجفلتها لتلتفت نحوه تسأله بتعجب:
-​أيوه يا حبيبي.
_​مالك يا حبيبي؟ شكلك كنتِ سرحانة إيه اللي شاغل بالك؟

نظرت إليه بعين دامعة تخبره بحزن بعد أن تنهدت بعمق:

_​صعبانة عليا «سماح» لسه مش قادرة تتخطى اللي عمله فيها جوزها رغم السنين اللي عدت كلها ولسه جرحها بينزف.
اعتدل في جلوسه على السرير وغطى جسده بالغطاء وهو يخبرها:

_​حقها يا «ندى» اللي حصل كسرها.
زاغت عيناها من جديد لحظات قبل أن تلتفت بسرعة كأنها أدركت شيئًا:

_​إيه رأيك بـ «رحمة» يا «طارق»؟

عقد «طارق» حاجبيه بتعجب يسألها بعدم فهم:

_​«رحمة»؟ أكيد بنت ممتازة بس مش فاهم إنتِ تقصدي إيه؟

استدارت نحوه نصف استدارة تمسك ساعده وتقول بلهفة:

_​أقصد إيه رأيك بيها عروسة لـ «زياد» يا «طارق»؟

هز رأسه رافضًا وقال يلومها:

_​متضغطيش يا «ندى» على الولد في حكاية الجواز، سيبيه هو يختار أنا مش عارف إنتِ مستعجلة على إيه.

زفرت أنفاسها بضيق وعادت تمسك يده كأنها تحاول إقناعه:
_​عاوزة أفرح بيه يا «طارق» دا الحيلة، وبعدين أهو دلوقت هيفتح العيادة يبقى ناقصه إيه بس؟
واسترسلت تضغط عليه بعد أن رأت الامتعاض يرتسم على وجهه لعدم اقتناعه:
_​وبعدين أنا مش هجبره أنا هعرض البنت عليه، عجبه خلاص معجبوش نسيبه يختار أو ندور بنت تانية. وأديك بتقول «رحمة» بنت ممتازة يبقى إيه المانع؟ دي بنت طبيبة ومتربية معانا يعني نعرفها، ليه نسيبه يختار ويا عالم اختياره هيكون إيه؟

_​اختيار  هيكون اختياره يا «ندى» أحسن ما إحنا نختار ومع أول مشكلة يلومنا.

هكذا كان يخبرها بحدة علها تقلع عن فكرتها وتتوقف عن الضغط عليه لكنها أبت التنحي عن فكرتها وهدفها لتعاتبه برفق:

_​ليه يا حبيبي نقدر المشاكل؟ ما جايز يحبوا بعض.
ثم غمزت له تحاول أن تصيب هدفها تذكره بتجربتهم تخبره بغنج وهي تمسح على صدره بدلال:
_​ما إحنا أهو تجربة حية قدامه، مش اتجوزنا جبر وحبينا بعض وعشنا سوا وعملنا عيلة وولاد؟
ابتسم يحرك رأسه بقلة حيلة قبل أن يرفع يده يحيط كتفها ويضمها إليه:

_​«ندوش» يا روحي ماتقارنيش جيله بجيلنا ولا حالته بحالتنا، إحنا بحالتنا نختلف، وعشان أكون صريح معاكِ إنتِ يا «ندى» السبب في إننا نواصل ونفضل سوا، إنتِ اللي تحملتي وصبرتي.

ثم صمت لترفع عينها تلتقي بعينه في نظرة حب ليكمل:

_​وحبيتيني وخليتيني أحبك، لو كان حد لازم أشكره يبقى إنتِ يا حبيبتي.

ثم انحنى يقبل جبهتها قبلة طويلة كأنها قبلة امتنان قبل أن يبتعد ويتطلع إليها:

_​تفتكري «رحمة» و«زياد» لو ارتبطوا هيقدروا يتحملوا؟ ولا هتقدر «رحمة» تخليه يحبها؟

_​إن شاء الله هتقدر «زياد» طيب والبنت سكرة إيه اللي يمنع؟

ضمها إليه يخبرها بمخاوفه:

_​مش عارف أنا خايف من الخطوة دي، حاسس إن «زياد» لازم يستقر عشان يقدر يتجوز ويفتح بيت.

_​ما تخافش يا حبيبي خليني آخد رأيه ونشوف.

​بس افتكري يا «ندى» إني قلتلك بلاش.
جملته التي حملت تهديداً نغزت قلبها لكنها لن تثنيها فكرتها.
*************************
​كان يعمل على جهاز اللابتوب الخاص به عندما سمع طرقات على باب غرفته ليأذن للطارق بالدخول، وابتسم عندما وجد والدته تدخل بابتسامتها المعهودة:

_​حبيبي ممكن أتكلم معاك؟

أغلق الجهاز وأزاحه عن قدمه ليضعه جانبًا قبل أن يعتدل في جلوسه يبادلها الابتسامة:

_​أكيد يا ست الكل اتفضلي.

اقتربت منه لتجلس أمامه، عينها تمسح على تفاصيل وجهه تستشف إذا كان هذا هو الوقت المناسب لتطرح عليه فكرتها:

_​عامل إيه يا قلب أمك؟

كانت جملة البداية التي ضربت بها المسمار الأول لتبني حديثها الباقي مستندة عليه، رفع يدها يقبلها:

_​بخير يا حبيبتي دام إنتِ بخير.

​حبيبي كنت عاوزة آخد رأيك في موضوع.
​اتفضلي يا أمي.
صمتت تنظر لعينيه بعمق تمهد طريقًا تخشى فيه الفشل، أمسكت يده لتدعم لسانها في التأثير عليه:

_​إيه رأيك في «رحمة» بنت طنط «سماح»؟

عيناها كانت مسلطة عليه بترقب كصياد يترقب فريسته، لكن القلق ضرب أوتار قلبها عندما وجدت ابتسامته تتلاشى تدريجيًا وملامحه تبهت وهو يسألها بعدم استيعاب:

_​تقصدي إيه يا ماما؟

جلت حنجرتها تستعد ثم تحمحمت تخبره ما تريد دفعة واحدة:

_​أقصد أنا شايفة إن «رحمة» زوجة مناسبة ليك إيه رأيك؟

​قالت هذا قبل أن تسترسل في وصف محاسنها التي لم تكن بالمبهمة بالنسبة له، فهو يعرف «رحمة» منذ الصغر رغم عدم احتكاكه بها، لكن عرفها من أحاديث شقيقاته ووالدته؛ هادئة رزينة وطيبة، عانت من حالة انفصال والديها رغم أنها كانت تخفي ذلك عن والدتها لكن كان حديثها مع شقيقاته كالمتنفس لها عن معاناتها التي تخشى أن تشعر بها والدتها. زاغ بصره في تيه ينظر إليها بضياع وقلبه يئن وهو يشاهد حماسها ولهفتها في إقناعه، زاد من ألمه فرحتها في اختياره وشوقها لرؤيته عريساً.

​كان صوتها في وادٍ وعقله في وادٍ آخر يضعه أمام خيارات كثيرة؛ هو عليه أن يتزوج كي ينسى «قمر» ويبعدها عن تفكيره، هو يحتاج لشخص يملأ مكانها في قلبه، هو يحتاج لإسعاد والدته التي يبصر شوقها في نبرة صوتها، ليضعه عقله على المحك؛ إذا كان يحتاج لبديل أو ترياق ينجيه من لعنة الحب الفاشل، لماذا لا تكون هي؟ وإذا كان سيختار فهي أولى من غيرها مادامت تعجب والدته. تنهد في خفوت يخبر قلبه: النساء بعد حبيبته كلهن سواء، «رحمة» من غيرها لن تفرق. أخرجه من دوامة أفكاره سؤال «ندى»:

_​هااااا يا حبيبي قلت إيه؟

صمتٌ يشوبه الترقب استمر لحظات قطعه هو يخبرها ببرود:

_​اللي تشوفيه يا ماما.

تعليقات



<>