رواية ظل بعد ظل الفصل الثامن عشر 18 بقلم ياسمين النعيمي

           

رواية ظل بعد ظل الفصل الثامن عشر 18 بقلم ياسمين النعيمي

سند ظهره للكرسي، و نبرته صارت أبرد،
- هذا شغله الحقيقي مو "استشارات" مثل ما كَال ابنه.
ظلت تقرأ بسرعة، و كل ما تنزل أكثر، تحس صدرها يضيق.
- هاي كلها قضايا ؟!
قسم منها مشكوك بيها، قسم ملفات معروفة بالإعلام. و لحد الآن طبعاً ما متحاكم عليه رسمي.
سكتت، و رجعت رفعت عيونها إله.
- بس يمكن الولد غير عن أبوه.
رفع عيونه إلها بثبات كامل.
- ممكن.
سكت لحظة، و كمل بهدوء رجل يفكر أبعد من المشاعر،
- بس البني ادم ما عايش لوحّدو ... البيت اللي يطلع منو يأثر بيه جثير ... طريقة التفكير ... الفلوس ... العلاقات ... نظرة الحياة كلها. و بالآخر هذا بزرة واحد حرامي ما راح يطلع امام و خطيب ...
نزلت عيونها للشاشة مرة ثانية،
و قيس كمل:
- و عوفينا من سالفة ابوه، هو ...
التفتتله.
- شبيه ؟!
- مرعبل حبيبتي مرعبل و مهتلف و جلمتين على بعضهن ما يعَرف يسولف، هذا انطيه مرة ؟! الا سلمان يورّ اهلي لسابع ظهر لو جبتله هذا و حطيته جدّامه ...
ابتسمت على تعبيره تقول،
- يدري ؟! 
- يدري شلون ما يدري ؟! 
همست بهدوء و عيونها تقرأ عيونه،
- و ما يقبل مو ؟! 
تنهد يقول،
- اي ما يرضى، بس يعَرف السالفة مال سياسة مو يباسة راس ...
- و انت ما اقتنعت بيه ...
هز راسه بالإيجاب يقول،
- لو انا رايح لابوي كَايلّو اريد بنت اركان،
و رفع حواجبه ينبهها،
- بنت اركان بنته هم مو غريبة، و اكَولّو يابا عود نشتغل اني وياها و نكوّن نفسنا، و انت عينّا لمن ما نكَف على حيلنا.
و سألها،
- تعَرفين شيسوي ؟!
ابتسمت بفضول تسأل،
- شيسوي ؟!
ابتسم يتخيل و يقوب،
- جان كَال و انت حريمة تا تخلي حريمة تصرف على بيتك ؟! 
ضحكت تقول،
- عزا مو هييج ...
ابتسم وياها يقول،
- والله ريّاوي اني سياسي جدّام ابوي ... هذا مو هو، لو ابوه كَعد جدّام ابوي، تصير سالفتنا مجاتل ...
و رجع يقول،
- نرد لسالفتنا ... هاي مو عقلية زلمة جاهز يتحمل بنية مثل رغد.
سكتت تستمع، و هو كمل بصوت أخف شوية:
- رغد مدللة جثير ... حتى سوالف القوة و التمرد هاي مال دلال ... تفكيرها بالاستقلالية حلو هسة لأنها بعدها طالبة و الحياة حليوة بعيونها.
غلق اللابتوب بهدوء يقول،
- بس الزواج الحقيقي غير، و لازم زلمة يعَرف يتعامل وياها مو هذا الزعطوط ...
رفع عيونه إلها مباشرة، و سألها بتوجس،
- خومو يندل درب البيت ؟!
رفعت له عيونها بقلق،
- ليش خطر ؟!
- اي مو صح يعَرف مكانكم ... البيت بيت بنات هذا، و الدنيا هين مو أمان ...
سكتت ثواني، بعدين سألت بحذر:
- شراح تسوي ؟
ظل صافن بيها لحظة طويلة، و بعدين قال بهدوء،
- باجر لازم نحاجيها ...
انقبض قلبها تقول،
- قيس ... لا تخوفها.
مال راسه شوية، و لأول مرة من بداية الحديث، بين التعب الحقيقي بعيونه،
- أني مو ضدها يابا.
سكت، و كمل بصوت ناصي،
- بس هاي أمانة و السؤال عليه أمانة ... و إذا ما تخاف منو هسة ... يمتى لازم ؟

ثاني يوم العصر ...
رغد كَاعدة بالصالة وحدها، اللابتوب مفتوح كَدامها و كوب قهوتها بجانبه بس واضح ما مركزة على شي ... من العصر و هي حاسة أكو شي متغير ... قيس صار أهدأ من اللازم. 
و هذا النوع من هدوءه ما يريح ...
سمعت خطواته و هو داخل من برا ... رفعت عيونها تلقائياً.
قيس وقف بالصالة ثواني، باوع عليها، و بعدين قال بهدوء،
- بنت حلال اجيت ادورج و لكَيتج ...
توتر جسمها جسمها فوراً، و وقفت سألته،
- تحتاج مني شي ؟!
أشر لها بإيده،
- اكَعدي اكَعدي ... ريّاوي وين ؟!
رفعت عيونها للدرج،
- فوكَ ... أصيحها ؟!
تأمل عيونها بنظرته، عرف ما تريد تحجي لوحدها و تريد اختها وياها، و هز لها راسه،
- تعالي انتي وياها ...
هزت راسها و راحت للدرج ...
شوية و نزلت تمشي ورا ريّا ...
قيس انتبه لتوترها ... و حاول يكون بأهدأ موقف أمامها ...
جلست هي ملتصقة بريّا الي قالتله،
- صحتني ؟!
و هو نقل نظره لرغد يقول،
- لا رغودة تريدج ... 
و ابتسم حتى ما تحس نفسها بموقف تحقيق.
سكت ثواني ... بعدين سألها مباشرة:
- هم حاجاج من امس لليوم ؟!
السؤال نزل عليها بدون مقدمات. رغد نزلت عيونها بسرعة،
- لا ما دز شي ...
هز راسه بخفة، و نبرته بقت هادئة بصورة خلتها ترتبك أكثر.
- زين.
- و إذا هسة اكَولّج اشياء لازم تعرفيها عنه ... تسمعين للاخير لو تعاندين من الاول و تريديه ؟!
رفعت عيونها بسرعة، و أول ما شافت إنه يتكلم براحته و بهدوء ... ارتخت شوية،
- أسمع.
سند ظهره للقنفة، و شبك إيديه بهدوء يسأل،
- هم جايب لج سيرة اهله وين و شيشتغلون ؟!
هزت راسها ب"لا" ...
و هو هز راسه يقول،
- دحكَي بنيتي، اني لمن رحت و كَعدت وياه، جنت متمني اطلع منو بشي يريح كَلبي و ما يكسر كَلبج ... 
انخطف لونها و قيس كمل،
- اني جاي هسة لا جايب حكم اعدام ولا اكَلج عوفيه و ادير وجهي و امشي ...
القرار بالنهاية قرارج ... بس كَبل أي قرار لازم تكون الصورة كاملة جدامج.
رغد ظلت ساكتة ... و ريّا كاعدة يمها بصمت، حاسة بثقل الموقف كله.
قيس أخذ نفس خفيف.
- ابو رائد مو مجرد عندو شركة مقاولات مدري شنو هين ... هو هيج حاجي لج مو ؟!
هزت راسها بالإيجاب و هز راسه يقول،
- المهم يابا ... هذه شركة بحثت عنها، مالها صيت ولا احد يعَرفها ... وظيفته الحقيقية بالعراق ... ابوه يروح و يرد للعراق، اغلب ابوكت مو هيم، يجيهم إجازات بس و يشتغل بوزارة ال...... العراقية ... بس مو بالمسمى الوظيفي ...
صفنت هي مو فاهمة شي، و كمل هو بسلاسة،
- الزلمة اسمو معروف و داخل بملفات فساد و عقود مشبوهة من اكثر من 12 سنة بنيتي ...
رغد عبست بخفة،
- بس ... يمكن إشاعات ؟
هنا رفع عيونه إلها بثبات.
- مو كلها إشاعات.
مد الموبايل إلها يقول،
- تعَرفين تقرين عربي مو ؟!
هزت راسها و أخذته منه بإيدين ترجف ... تقارير ... أخبار ... أسماء شركات ... ملفات ... مو شي بسيط.

و كل ما تقرأ أكثر ... ملامحها تتغير أكثر ...
- هاي ... سرقات ؟
- إي.
- هواية فلوس ...
- فلوس ناس ... اموال دولة ... رغودة هاي فلوس ناس تعبت و انحرمت حتى غيرهم يعيش بهالطريقة.
سكتت.
و قيس كمل بهدوء ثقيل:
- تعرفين شنو أصعب شي بهيج عوائل ؟ مو بس الحرام نفسو ... لا... الحرام يصير طبيعي بعيونهم وية الوكت.
رفعت عيونها عليه ببطء،
- شلون يعني ؟
- يعني الطفل يكبر و هو شايف أبوه ياخذ أموال ما يعرف منين، يستغل منصبه ... و بالنهاية يرد للبيت طبيعي ... سيارات ... سفر ... قصور ... حياة مرتبة.
فيتعود إن أكل حكَ اللناس اذا يفيده ... يصير شطارة.
رغد سكتت تماماً.
أما ريّا ... فظلت تنظر بقيس بصمت، لأنها تعرف هالنبرة. هاي مو نبرة رجل يريد يربح نقاش. هاي نبرة رجل يخاف عليها.
قيس مال شوية للأمام.
- أبوچ الله يرحمو ... و أمج ... عاشوا عمرهم كلو بلكَمة حلال ... تعبوا حتى يوفرولجن حياة مرتبة و نظيفة.
لا ظلموا أحد، لا أذوا أحد، لا دخل بيتهم فلس يخجلون يكَولون منين ... اثنينهم دكاترة محترمين و صيتهم واصل، عاشوا بكرامة و ماتوا الناس تترحم لهم ...
سكت لحظة، و نبرته خفتت:
- و لهذا ربي ساتر عليجن ... عايشات معززات مكرمات، ما كَاصر عليجن شي ... 
أكو بيوت فلوسها جثيرة ... بس بركة ما بيها.
رغد نزلت عيونها ... واضح الكلام دا يدخل بقلبها شوي شوي.
بس هم كان بيها مقاومة.
- بس رائد مو أبوه ...
- صحيح ... و يمكن فعلاً معدنه زين بس الإنسان مو معزول عن البيئة اللي يطلع منها.
سكت، و كمل بهدوء:
- و فوكَ هذا كله ... هو يعَرف ابوه شيشتغل، ولا صارحج، ولا صارحني ... ظل يلف و يدور بس زلمة خاطب لازم نعَرف اسم ابوه و اني من عرفته اسمو معروف و اشهر من نار على علم ... و ضيفي عليها، هو بعده ما جاهز يفتح بيت ...
رفعت عيونها بسرعة.
- لأن يريد شريكة تساعده ؟
هز راسه ينفي،
- المساعدة مو عيب لو بالمستقبل وكَع بضيجة و شريكته عندها، بس هو راسم من الاول بابا ...
بس أكو فرق بين "زوجتي تساعدني" ...
و بين "اني ما أكَدر اعيش بليّا راتبها".
و شدد على كلامه الأخير يقول،
- لووو ... و هاي جواها خط احمر ... يعيشج بفلوس الحرام مال اهَله ...
سكتت.
و هو كمل:
- انتي هسة تشوفين الاستقلالية شي حلو ... و فعلاً هي حلوة، بس الزواج مو بس أيام الحماس.
بعد سنوات ... بعد تعب ... بعد حمل و أطفال... بعد مرض ...
شراح يبقى من هاي الأفكار؟
صمت.
و بعدين سألها بهدوء:
- إذا يوم من الأيام تعبتي و ما كدرتي تشتغلين ... يعتبرج عالة عليه ...
هنا ... رغد ما جاوبت مباشرة.
لأنها لأول مرة ... بدأت تفكر بالصورة كاملة مو بالمشاعر بس.
قيس انتبهلها ... فهدأ نبرته أكثر.،
- اني ما اكَول لا تحبين ... ولا اكَلّج الولد مو خوش ...
بس أكَولج لا تركضين ورا شعور و تغمضين عينج عن الباقي.
سكت ... بعدين أضاف بهدوء أبوي:
- لانّو بالآخر اللي يدفع عمرو إذا القرار غلط مو اني ولا هو ... انتي التدفعين الثمن حبيبتي ...
دموع رغد لمعت بعينها بدون ما تنزل.
- يعني ... انت رافضه ؟
تنهد ... و لأول مرة بين التعب الحقيقي بصوته،
- انتن أمانة بركَبتي بنيتي ... و أخون الأمانة لو سلمتج بايدي لهيج ناس انتي ما تعَرفين حجم السواد الي بحياتهم ...
سكت ... و رجع سند ظهره و قال بهدوء،
- بس بالنهاية ... انتي مو طفلة، القرار قرارج.

التفت لريّا لحظة، و رجع لرغد:
- اني واجبي أوضح ... احميج إذا أكو خطر ...
و أكَف بظهرج إذا تأذيتي ...
أما الاختيار ... فهذا لازم يكون بعقلج انتي ... و لو تشوفين روحج مترددة و تكَولين اني شوي اختلف عنكم، هاي اختج عقلها يوزن بلد ... حاجيها و هي تعَرف اذا هذا يصلح لج لولا ...
الصالة سكتت بعدها عن كل الكلام ...
و رغد رجعت تتأمل شاشة موبايله بإيدها ... كأنه أول مرة تشوف العالم مو مثل ما كانت تتخيله.
رفعت إيدها مسحت دمعة تسللت من جفونها ... قيس عينه عليها و ريّا تتأمله، اشر لها بعيونه على رغد، و فوراً انتبهت ... حضنتها تقول،
- لا تبجين أمي ...
و رغد تمتمت بحضنها،
- خدعني ... ما أعرف والله، ما أعرف ...
لمتها ريا لحضنها تتمتم،
- ميخالف ... كَولي الحمد لله عرفت، تخيلي لو ما سائلين و دخلتي بنص هيجي ناس و تنصدمين بيهم ... جان شسويتي ؟!
و هي شهقت بحضنها تقول،
- اني خايفة ... خايفة ... معقولة، معقولة اكو هيجي ناس ؟!
بعدت راسها عن حضن ريا تتمتم،
- ما مبين، والله ما جان مبين ... ما شفتيه انتي ...
و التفتت على قيس تسأله،
- مبين ؟
و هو كان بالواقع مو مرتاح لهيئته، بس هز راسه بالنفي يقوللها،
- لو ما سحبت لسانو ما نعَرف ... كَولي الحمد لله بنيتي ...
مسحت دموعها تقول،
- شنو اسوي هسة ؟! 
و رد قيس بثبات،
- كل شي ما تسوين ... تروحين بدربج و تجين بدربج جنج ما شايفته ...
- و اذا دز ؟!
- لا تردين ... كَوليله حاجي ابن عمي، عندو رقمي هو ...
سكت و سألها،
- خومو يعَرف البيت ؟!
صفنت و كأنها تتذكر، و ردت،
- يعرف اسم المنطقة، بس ما يندل البيت ...
غمض قيس عيونه، يتمالك نفسه و رد،
- اذا اكو برامج بتلفونج بيها لوكيشن سديهن ... و سوي الكَلت عليه بنيتي ما اريد يظل بالي و انتن لوحّيدجن بالبيت ...
صفنت و كَامت من مكانها ما تعرف شتسوي ... جالس هو بنفس وضعه و هي جلست لجانبه، تحرك ايديها متوترة و همست بلعثمة و الدموع تصب من عيونها،
- الحمد لله ... الحمد لله ... انت بمكان بابا.
ابتسم لها ابتسامته الأبوية و لما شاف انهيارها، و مال باس شعرها بدون ما يلمسها، و قال،
- انتي عزيزة و غالية بنيتي ...
و داعبها يقول،
- ليش ياهو اليجي يستاهل اظفرج هذا ؟!
ابتسمت وسط دموعها، رفعت أصابعها تمسحهم و دار وجهه لريّا يأشر لها بعينه تاخذها بحضنها ...
أخذتها ريّا و صعدت ...
و هو طلع يدور على الي صايرة ما تكَعد بالبيت و ظالة بين حديقتهم و حديقة بيت الجيران ...
صعدت وياها لغرفتها و هي ظلت مرة مصدومة. و مرة تبكي بحضن ريّا الي بقت حاضنتها لما حستها ارتاحت شوية و قالتلها،
- كافي رغودة ... ما يستاهل دموعج يا روحي ...
و هي تقول،
- ريّا خدعني ...
- خلي يولي ... هو خاول يخدعج و احنا عدنا أهل كشفوه ... قيس هنا ... و عمو سلمان هناك يدورون عن أهله، لا تخافين بعد من شي ...

رفعت عيونها خايفة،
- عمو سلمان يعرف ؟!
مسدت على شعرها تقول،
- شلون لعد ؟! يصير بنية يخطبوها و ابوها ما يعرف ؟! عمو سلمان مو يكَول انتو بناتي ؟!
نزلت دموعها بلحظة إدراك و همست،
- مشتاقتله ...
سكتت ريّا و سألتها،
- و ليش ما تحجين وياه ؟!
همست بحضنها،
- أستحي ...
و شجعتها ريّا،
- محد يستحي من ابوه ...
أشرت لها للموبايل،
- اتصلي و كَوليله مشتاقتلك عمو ... و شوفي شلون يطير من الفرحة ...
بقت مترددة و سألتها ريّا،
- تريدين اني اتصل له ؟!
و ردت رغد بسؤال متردد،
- شنو تشوفين احسن ؟!
غمزت ريّا تقول،
- اني اشوف يطير من الفرح اذا شاف اسم رغودة يتصل ...
هزت راسها بالإيجاب و سألتها ريّا،
- تريدين اعوفج تحجين وياه ؟!
هزت راسها و تركتها ريّا تكلمه براحتها و نزلت ...
نزلت و صار بوجهها قيس داخل من برا شايل رهف عبالك كيس تمن و يدردم عليها،
- كلو هياتة، صبح و ليل هياتة لا تهيد ولا تركد بالبيت ...
و هذه تضحك و تعيط،
- نزلنيي ...
- و اذا ما نزلتج شيصير ؟!
و هي تهدده،
- اكَول لماما عليك نزلنييي ...
ضحك و نزلها يدردم،
- تهددني بالغالية ... حتى الزعاطيط اعرفت نقطة ضعفك ...
و هي رادت تركض و لزمها يقول،
- تعالي جاي ...
- شترييد ...
- لا تعيطين يول، هاي جديدة ...
و هي تحاججه،
- ليش ما اخليني العب ؟!
لزم ايدها يقول،
- غوربت الدنيا، هاي ليش ايديج مورمة !!
و هي تقولّه بثقة،
- أكو برا موسكيتوز ( البعوض او البق ) كبيرررة ...
صفن عليها يقول،
- و انتي مكيفة اكلن ايديج ؟!
سكتت و شالها للمغسلة يقول،
- ما يوجعج ؟! 
غسل ايديها و بدت تحس بألم و بكت تقول،
- هذا واوااا كبيرر ...
- لا تبجين لا تبجين، هسة نحط ثلج ...
و هي تسأله،
- عمو هاي الواوا يروح ؟!
- اي يروح هسة ماما تجيب ثلج ...
و التفت لصوت ريّا،
- قيس هواية مورمة ايديها ؟!
و هو نشف ايديها بالمنشفة يقول،
- دحكَي ماكل ايديها و مورمات، جيبي ثلج و اكو عصارة مضاد حيوي ...
اجتي تخلي لها ريّا و أخذه منها يقول،
- حبيبي جوعان والله ...
ابتسمت تسأله،
- شتاكل ؟!
بدأ يضمد بإيدين رهف و سألها،
- تعَرفين تسوين كباب عروكَ ؟!
هزت راسها ب"لا" و سألها،
- عندج لحم مثروم ؟
- اي بس جامد ...
- ما يهم، طلعيه ...
و سألته،
- تسوي لو تعلمني ؟!
ضحك يقول،
- اعلمج هنّوبة و اردّ لامي مدللتني والله ...
تخصرت رافعة حواجبها تقول،
- لا والله ... يعني اكلي ما يعجبك !!
رفع عيونه يتأمل منظرها مبتسم و قال بنبرة تأمله،
- يعجب حبيبتي يعجب، اني اعلمج على سوالف احبها ...
اندارت تتهدد عليه،
- راح اطلعه بس بسيطة قيس ...
راحت للمطبخ و هو يباوع وراها يضحك، و رهف تردد له،
- حبيبي ...
الي سمعته يقولها لأختها ...
ابتسم وهو يسمع تهديدها المدلل، وبقت ضحكته معلقة على وجهه و هي تمشي للمطبخ بخطوات سريعة متعمدة حتى تبيّن له أنها "زعلانة" منه.

رهف كانت بعدها يمه، مادة له إيديها الصغيرة حتى يحط لها الثلج، لكنها التفتت إله فجأة و سألته ببراءة:
- عمو ... ليش تزعل ماما ؟!
ضحك بصوت منخفض، و قبّل رأسها و يخلي المرهم بكمية قليلة على إيدها، يقول،
- هي ماماتج زعولة ...
شوية، و سألته بعيون واسعة،
- أكَوللها عمو كَول زعولة ؟!
ابتسم يقول،
- لا تكَوليلها، بعدين تكَول روح و لا تجي ...
صفنت لحظة، و كأنها تحاول تفهم الموضوع و هزت راسها تقول،
- أوكي ما اكَول ...
دخل المطبخ و هو شايل رهف على ذراعه، فشاف ريّا واقفة أمام المجمدة تحاول تطلع اللحم بقوة و كأنها تعاقب الثلاجة.
وقف وراها مباشرة، قريب بما يكفي حتى تشعر بحرارة حضوره.
- لا تعنفين الثلاجة، المسكينة مالها ذنب.
ردت بدون ما تلتفت، 
- بيها ولا بغيرها ...
ضحك بصوت مستمتع ... هذه الجملة وحدها بينت له إنه ريّا صارت النسخة الي يحبها ... 
تتدلل و معصبة و تغار ...
مد إيده من فوق كتفها و أخذ كيس اللحم بسهولة.
- اكحزي شو، خل اشوف شغلي ...
التفتت له أخيراً، و رفعت حاجبها.
- شكو تشتغل مو مدللتك امك !!
ابتسم و نزل رهف ...
رهف صفقت بحماس،
- عمو يطبخ !!
حط اللحم بالمي الفاتر يقول،
- جيبي بصلة جبيرة ... و معدنوس ... بتيتاية و طماطية ... و شوية طحين.
وقفت مكانها، متعمدة ما تتحرك.
- ما أعرف وينهن.
تقرب منها خطوة، و صوته صار همس،
- تعَرفين زين وينهن ... 
عضّت شفتها حتى لا تبتسم.
- يمكن.
مال شوية لما صار وجهه قريب من وجهها، و همس بتهديدة الخاص،
- تحركي عاد يزي دلال، لا اسوي عملة تدمر براءة الطفلة ...
شهقت موسعة عيونها بعيونه تهمس،
- عزا انت ... انت ...
و لما تلكأت تكمل غمز لها يقول،
- ما أستحي ...
نزلت عيونها فوراً ... و ابتسمت ابتسامة خجولة من إسلوبه الجديد و هو ما مهتم ...
بدأ يقطع البصل، و هي واقفة بجانبه تراقبه بصمت كأنها طالبة تتعلم منه أول درس ...
و التفت الها يقول،
- البزون اكل لسانج !!
رفعت له عيونها،
- قيس كافي ... عيب ...
و هو ناظرها بطرف عينه و كمل تقطيع الخضرة، و سألها،
- رغودة وينها ؟! خومو عفتيها تبجي ؟!
هزت راسها،
- لالا ... عفتها تحجي وية عمو ...
عقد حواجبه مستغرب،
- من يمتى حبايب و تلفونات ؟!
- شنو تغار على أبوك ؟!
ابتسم يقول،
- ليش لا ؟!
و صارت نبرته جديّة يسأل،
- على نفس السالفة ؟!
هزت راسها تقول،
- عرفت يعرف ... ووو ... تكَول مشتاقة له ... كَلتلها اذا مشتاقة له اتصلي كَوليله مشتاقتلك ...
هز راسه يقول،
- خليها تحاجيه، ابوي يعرف يحجي وي البنيّات، و يعَرف يكبر راسهن ...
و ابتسم يقول،
- هسع بس تنزل دحكَي راسها شكبرو صاير ...
ابتسمت تقول،
- المهم تعرف قيمة نفسها، و تطلع من الدوامة الي هي بيها ...
و هو كمل تقطيع يقول،
- تطلع تطلع ... 
و ابتسم يقول و كأنه يكلم نفسه،
- ايي شيخ سلمان خلصت الطلايب، و صرت تحل مشاكل عاطفية ...

كمل تقطيع الخضروات، و اللحم ما فك كامل ... ف حلاً للمشكلة مسك سكين حاد جداً و بدأ يقطعه قطع ناعمة حتى يذوب اسرع و يتماسك وية العجينة، صفنت عليه تقول،
- انت خبرة ...
و هو خلطهم يقول،
- افاا، انا المو خبرة !!
شوية و انطاها تخلي البهارات،
- تعلمي ... بس ملح و فلفل اسود ... و شوية كاري.
سألته بدلال:
- و إذا ما ضبطت ؟
ابتسم يقول،
- آكلها كلها واكَول احسن كَباب عروكَ ماكله بحياتي.
- لا تجامل الله عليك ...
- ما اجامل ... كل شي إيدج بيه طيب.
و احمرّ وجهها فوراً.
ورا شوية ظل يشكل أقراص بإيده و يعلمها و تسوي له أشكال هندسية و يظل يعدل وراها ...
و يضحك و يقوللها،
- هذا كباب لو خارطة العراق ؟
ضربته بخفة على كتفه.
- قيس !!
- هالشكل بهداي لا تدوءين اصابعج زايد و تتلوص ...
كانت تراقب إيديه أكثر من مراقبتها للعجينة ... و حست بمتعة غير الطبخ و هي تشوف حلقته بيمينه، و همست له،
- أحب اليسمع كلام زوجته ...
ألقى نظرة على مرمى نظراتها يستوعب شنو قصدها، و ابتسم يقول،
- بالخدمة يابا ...
و لما صاروا بالزيت انملى المطبخ ريحة الخضروات و اللحم ...
تنهد قيس بارتياح واضح،
- هاي الريحة لوحّدها تخلي البيت بيت ...
التفتت له بنبرة حنان تهمس،.
- البيت بيتك وين ما تكون ...
رفع عيونه إليها، و سكت لحظات طويلة،
و تقرب منها يقول،
- دام انتي بيه ... لو خيمة يصير بيت ...
شهقت خجلانة و التفتت بسرعة ناحية رهف، التي كانت منشغلة تماماً بتأمل قطعة الثلج الذايبة بإيدها،
همست:
- رهف هنا.
ابتسم بمكر و عيونه تتأمل ملامحها يقول،
- و انا شمسوي ؟! 
صفنت بيه، و بخفة مرر إصبعه الي بيه عجين على أنفها، خلاها تفز و تروح للمغسلة ركض،
- بسيطة قيس ...
و هو من وراها مكمل شغله و يقول،
- يولي تهددتي جثير اليوم، يا تصيرين كَد حجيج يا لا تتهددين ...
غسلت وجهها تقول،
- والله ازعل منك صدكَ ...
- ارضيج حبيبي ارضيج ...
و اجاهم صوت رغد توها نازلة الدرج،
- الله هاي شنو الريحة ؟!
صفنوا عليها، صعدت بشكل، و نزلت بشكل ثاني !!!
صاح لها قيس،
- تعالي تحبينو ؟!
و هي وقفت لجنبه تقول بحماس،
- إي إي اني و نورا سويناه من جنا يمكم ...
- تعَرفين تسويهن ؟!
رفعت له عيونها بتردد،
- تشوفني شلون اسويها خاف غلط ؟!
فسح لها المجال، و لما سوتها صح شجعها يقول،
- يعني من ايدج ناكل ...
و هي استلمت المهمة متحمسة ...
التقت عيونه بعيون ريّا، و رفع حواجبه يأشر لها بإصبعه أوكي، معناها تمت المهمة بنجاح ...
و ريّا مو ما عرفت، هي تعلمت منه بس كانت تتدلل عليه و لما دخلت رغد ع الخط، استغلتها فرصة تلتهي و تطلع من مزاج الحزن ...
قطعت هي طماطة بالطاوة على تعليمات قيس، و فوقها زيت زيتون و خلتها تستوي، و قبل لا تطفيها شافها و علق،
- لا إكَفي ... 
علّى النار و شال غطا الطاوة يقول،
- أول تلجع ...
صفنت عليه، ليش يعني ؟!
و هو بثقة يقوللها،
- المونة كلها بهاللجعة ...
سكتت ما تعرف، بس استسلمت لتعليماته ... أكلته و هو أعرف بيها ...

حطوا الأكل و كانت أكثر فقرة ممتعة لليوم، رغد تقولّه،
- عاشت ايدك طلعتنا عن المألوف ...
و هو يقوللها،
- سويتكم عراقيين ...
و ريّا تقوله،
- باجر اكل صحي دكتور ...
- مو غلط يابا، يوم هيج و يوم هيج ...
ابتسمت تشرب الشاي هالمرة وية العشا مثل ما علمها، و اكتشفت عنه شي جديد ...
قيس يحب يستمتع بالأكل ...
بعد العشا رغد ملت من الهدوء و اقترحت عليهم،
- نفتح فلم ؟!
قيس قاللها،
- حطي يلا ... بس لا ديزني و افلام فيكتورية و مدري شنو ...
و هي أخذت الكنترول تقولّه،
- هاي سوالف مرتك مو سوالفي ...
ابتسم و التفت لريّا،
- صدكَ هاي سوالفج ؟!
- اي شنو ما يعجبك ؟
ابتسم يقول،
- لا صار يعجبني ... حطي ...
و رغد اعترضت،
- طردوني بعد طردوني ...
و قيس تراجع،
- لا اكَعدي هو انتي وين شايفيج !!
وقف ريّا تقول،
- اني اروح اسويلكم سناكات بين ما تفتح ...
بعد نص ساعة كان الفلم مشتغل بالصالة، و الإضاءة خافتة، و ريّا جالسة بالنص بين رهف و رغد، لافة البطانية على رجليها، و قيس بالكرسي المقابل، موبايله بإيده و عيونه بين الشاشة و الفلم.
رهف كانت عالأرض، تبني برج بالمكعبات و كل شوية تباوع لقيس حتى تتأكد منتبهلها.
فجأة موبايله رن.
أول ما شاف الاسم ... ابتسم وجهه مباشرة.
رد بصوت دافي:
- هلا باباتي ...
رهف رفعت راسها فوراً.
سمعت صوت هبة يطلع من السماعة بحماس، و قيس ابتسم بدون ما يحس:
- شلونج يا روحي ؟
- أكلتي لو عذبتي جدة ؟
- نورا ؟ أنعل جلاب اهلها بس اجي ...
رغم انه بينهم مسافة بس هبة تلحن كلمة بابا و كلهم سمعوها ...
رهف ظلت تباوعله بصمت.
هو قام شوية عن التلفزيون حتى يسمع و ما يزعجهم، أشر لهم يكملون و ظل يحچي و يضحك بخفة.
- ما ظل شي و ارد بابا ...
- ها؟ مشتاكَة عليّ ؟!
- و اني أكثر والله.
صوته كان بعيد من المطبخ بس مسموع شوية للي يركز وياه ...
رهف نزلت عيونها للمكعبات.
إيديها الصغيرونات وقفوا لعب.
بلعت ريقها بسرعة ... و بدون ما أحد ينتبه، كَامت بهدوء و مشت.
ريّا ظنتها راحت للحمام أو لغرفتها تجيب شي ...
قيس ظل بالمكالمة، و هو يبتسم متونس على سوالف هبة،
- لا، لا تبجين بنيتي.
و يدلعها و يرضيها ...
غلق الخط بعدها بدقايق ...
رجع للصالة، و أول ما كَعد ... سأل،
- وين صار الفلم ؟!
رغد تشرح له الاحداث و ريّا التفتت عليه،
- هباوي مشتاقتلك ؟!
التفت لها يقول،
- هاي تتكاون هي و نورا و ابوي يتيه بينهن و تخابر تتشكى ...
التفت لمكان رهف و انتبه،
- وين رهف ؟
ريّا رفعت عيونها عن الفلم.
- قبل شوية جانت هنا ...
رغد التفتت للدرج.
- صعدت فوكَ ...
ما لحگوا يكملون كلامهم ...
إلا و صوت بكاء وصل من جهة الدرج.
مو بكاء عادي ...
بكاء هستيري ... و أنفاس متقطعة ...
ريّا انتفضت فوراً.
- رهف ؟!

ركضت باتجاهها، و لقتها واقفة بنص الدرج، وجهها كله دموع، و جسمها يرجف من كد البجي.
- رهوفة !! شبيج حبيبتي ؟!
بس رهف ما ردت.
نزلت تركض لحضن ريّا، متشبثة بيها بقوة مرعبة، و تبچي بصورة مو طبيعية.
قيس وقف فوراً ... حتى الفلم انطفت أصواته لأن محد بقى مركز.
رغد تقربت بخوف:
- شبيها ؟!
ريّا كانت تحاول تهديها، مرتبكة من شدّة البجي.
- حبيبتي شصار ؟ منو مزعلج ؟! بيج واوا ؟!
رهف هزت راسها بعنف و هي تختنق بالبجي أكثر،
- أريد باباااا ...!
الصالة كلها سكتت.
حتى قيس ... تجمد بمكانه.
ريّا انقبض وجهها فوراً ... و حضنتها أقوى حتى تخفي دمعتها.
- حبيبتي ...
بس رهف ما كانت تسمع.
كانت تبچي من قلبها ... من ذاك الوجع الطفولي اللي ما تعرف تشرحه.
- أريد بابا ...
كل بنات عندهم بابا ...
هبة عندها بابا ... روزي عدها بابا ...
اني ليش ما عندي ؟!
الجملة الأخيرة كسرتهم كلهم.
رغد شهقت، و الدموع غرقت وجهها مباشرة. التفتت بسرعة و صعدت للغرفة حتى ما يشوفها أحد.
ريّا ... كانت تحاول تتماسك ... بس دموعها نزلت غصب.
و قيس أول ما باوعلها ... عرف.
عرف إنها ما تعرف تحتوي الموقف ... مو لأنها ضعيفة، بس لأن هذا الوجع بروحها هي الثانية ...
تنهد ببطء و نزل على ركبته بالأرض، بمستوى رهف تماماً ...
صوته طلع هادئ جداً:
- رهوفة ...
بس الطفلة ظلت دافنة وجهها بصدر ريّا.
مد إيده بحذر، يمسد شعرها.
- يابا ... شو دحكَيلي شوي ؟!
بعد ثواني ... التفتتله بعيون كلها دموع.
و أول ما شافته ... بچت أكثر.
- انت عندك هبة ...
و هبة كَولك بابا ...
همس بهدوء:
- و انتي شتردين تكَولين ؟
شهقت بين البجي:
- أريد بابا...
وديني مدرسة ...
و يلعب وياية ...
و ينام يمّي ...
و واصلت بكاء قطع قلبه ...
مد إيده أكثر، و هالمرة رهف ما بعدت.
مسح دموعها بأصابعه.
- تذكرين مرة كَلتيلي بابا ... و اني كَلتلج لا، كَولي عمو؟
هزت راسها بسرعة، شفتها ترجف.
- لأن انت مو بابا ... ما خليني اكَول بابا ...
غمض عيونه لحظة.
غمض عيونه يتمالك نفسه، و الموقف، و رجع يكلمها بكل حنيّة،
- زين ... إذا أريد أصير باباج هسة، تخليني ؟!
رهف سكتت.
حتى البجي وقف للحظة من الصدمة.
- صدك ؟...
ابتسم ابتسامة متألمة لحالها.
- إي يابا ... إذا رهوفية تريد بابا ... اني بابا ...
الطفلة باوعتله بذهول طفولي،
- يعني ... انت أكَلك بابا ؟
هنا ... ما تحملت ريّا أكثر، نزلت دموعها بحرارة.
أما قيس ... فمد إيده و فتح حضنه إلها.
- تعالي يابا.
رهف ارتمت بحضنه فوراً ... بقوة ... كأنها كانت تنتظر هالجملة من عمر.
و هو ضمها لصدره بكل حنان الدنيا، يطبطب على ظهرها و يبوس شعرها.
- هذا هو ... بعد ما تبجين على هالسالفة.
رهوفة عندها بابا بعد ...
شهقت بحضنه و همست،
- صدكَ و ما تروح ؟...
غمض عيونه يهمس،
- بابا ما يكَول كذب مو ؟ 
هي هزت راسها، و كمل،
- لازم اروح عندي شغل ... بس اظل بابا ...

سكتت كأنها تفكر و بعد لحظات لفت إيديها على رقبته و ظلت متشبثة برقبته بقوة ... كأنها إذا رخّت إيديها، ممكن يرجع يسحب كلامه.
شهقاتها بعدها طالعة متقطعة، و جسمها الصغير يرجف بين فترة و الثانية من كثر البجي. 
أما قيس ... فكان حاضنها بكل أمان الدنيا، إيده تمسد على ظهرها ببطء، و كل شوية يبوس شعرها حتى تهدأ.
- شش ... إهدي يابا ... بابا يمج هسة.
و كل مرة يسمع نفسه يكَول "بابا" إلها ... يحس بداخله إحساس مسؤولية كبير صار على كاهله ...
رهف بعد كم دقيقة رفعت راسها شوية من كتفه، عيونها مورمة و خدودها حمرا من البجي.
باوعتله بتردد طفولي صغير،
- يعني ... كَلك بابا كَدام الناس هم ؟
ابتسم إلها بخفة، و مسح دموعها بإبهامه.
- حتى كَدام الدنيا كلها.
شهقت شهقة خفيفة، مو بجي هالمرة ... شي أقرب للراحة.
- و بالمدرسة و اصدقائي ...
- كَولي بابا قيس ...
ظلت صافنة بوجهه تستوعب الفكرة، بعدين همست بخوف طفولي:
- و إذا نسيت و كَلت عمو ؟
ضحك بخفة لأول مرة من بداية النوبة،
- لاا بعد الي يكَول بابا ما يكَول عمو ...
سكتت ثواني ... بعدين قربت وجهها منه أكثر،
- و من اصير مريضة ... تنام يمّي مثل بابا ؟
هنا ... ريّا غمضت عيونها من الوجع.
أما هو ... فبقى ثابت.
- أنام يمج ... و أوديچ للدكتور هم.
- و إذا أحد زعلني ؟
- أموته الي يزعل رهوفة ...
هنا طلعت منها ضحكة صغيرة و كأنها ما مصدقة ...
قيس ابتسم غصب عنه، و باس خدها بخفة،
- هاي الرهوفة مالتي لو مو مالتي ؟
هزت راسها بسرعة و لأول مرة عيونها لمعت بشي غير الحزن،
- مالك.
بعدين فجأة عقدت حواجبها كأن تذكرت شي مهم جداً،
- يعني هبة تصير اختي مثل رغودة ؟
ضحك ضحكة حقيقية هالمرة،
- اي اختج، و ريّاوي ؟!
و هي ردت تصحح له،
- ريّاوي ماما ...
رهف استوعبت الموضوع ثواني ... و فجأة استدارت بسرعة لريّا.
- مامااا !! سمعتي ؟ بعد عندي بابا !!
ريّا ما عرفت ترد، بس ابتسمت وسط دموعها و فتحت إيدها إلها.
رهف مباشرة تحركت من حضن قيس لحضن ريّا ... بس مو مثل كل مرة.
هالمرة ظلت نصف ملتفة عليه. إيد بإيد ريّا ... و الثانية بعدها متمسكة بقميص قيس.
كأنها تريد تتأكد إنهم الاثنين موجودين.
ريّا ضمتها بقوة و دفنت وجهها بشعرها.
أما قيس ... فظل واقف يمهم، قريب كفاية حتى رهف تكَدر تمد إيدها و تلمسه بأي لحظة.
رهف رفعت عيونها لريّا بحماس طفولي بعد البجي.
- ماما ...
- أكَدر كَله بابا من هسة لو لازم باچر ؟!
هنا ... طلعت من ريّا ضحكة من بين دموعها،
و قيس ضحك وياهم بنظرة حزينة، كأنه قلبه ما مستوعب شكَد هالطفلة دخلت بروحه بدون استئذان.
ريّا باست جبين رهف و همست:
- من هسة حبيبتي.
رهف ابتسمت أخيراً ... الابتسامة المتعبة و المنتصرة بعد بكاء طويل ...
رجعوا لجلستهم
بعدين تمددت بيناتهم على القنفة، راسها بحضن ريّا و رجلَيها على رجل قيس.
و بعد دقائق ... بدت تغفى بالتدريج.
لكن قبل لا تنام بالكامل ... رفعت إيدها الصغيرة باتجاهه بدون ما تفتح عيونها.
قيس مسكها فوراً.
و همست بنعاس:
- بابا ...
و هاي المرة ... ما صححلها.

الصالة هدت أخيراً ...
بعد موجة البكاء الطويلة، رهف تعبت بالكامل. 
بس تحركت من مكانها لحضن ريّا ... عيونها غفت بالتدريج، و هي دافنة وجهها بصدرها كأنها أخيراً حصلت الشي اللي كان ناقصها.
ريّا ظلت تمسد شعرها بهدوء، و كل شوية تبوس راسها الصغير. 
أما قيس ... فظل جالس قريب منهم، متكتف و عيونه عليهم ...
رهف تنفست نفس طويل ناعس ... و بعدها جسمها ارتخى بالكامل.
نامت.
ريّا ابتسمت بخفة، و عدلت البطانية الصغيرة عليها حتى ما تبرد.
و بهذا الهدوء ... التفت قيس عليهم، و ظل يباوع ثواني.
بعدين تمتم بنبرة متعمدة هادئة:
- دحج شلون نايمة ...
ريّا رفعت عيونها إله باستغراب.
- شنو ؟
ظل يباوع عالطفلة النائمة بحضنها، و كمل كأنه يحچي ويا نفسه:
- اي خومو حضن قيس نفس حضن ريّا !!
حصتي بس البواجي، و راحت لمكانها الستراتيجي تنام.
ثانية ... ثانيتين ...
و فجأة استوعبت.
عيون ريّا توسعت فوراً.
- عزااا شنو قصدك ؟!
قيس انفجر بضحكة خافتة ... ضحكة رجولية، نادر تشوفها منه.
و واضح جداً مستمتع لأنه نجح يخجلها.
- لا والله ما كَلت شي ... انتي شطح تفكيرج.
ضيقت عيونها عليه بخجل مصدوم منه،
- قيس !!
رفع حاجبه ببراءة مستفزة.
- هممم ؟
و قبل لا تلحق ترد ... أشر بعيونه لرهف النايمة،
- يلا... وديها لفراشها لا تبرد، و تعالي نكمل الفلم.
ظلت تباوعله ثواني، بعدها هزت راسها بخجل و شالت رهف بهدوء.
الطفلة تشبثت بقميصها حتى و هي نايمة، فابتسمت ريّا غصب عنها و طلعت بيها للغرفة.
طولت عشر دقايق ...
و رجعت للصالة بعد ما نومت رهف و شافت رغد ...
نزلت بخطوات أبطأ و كأنها ما تزال تحمل داخلها أثر كل ما حدث قبل قليل. 
دموع رهف ...
كلمة "بابا" ...
و الطريقة التي ضمها بيها قيس إلى صدره ... كل ذلك ترك في قلبها شيئاً كبيراً يصعب وصفه.
لما دخلت، كان قيس متمدد على النصف، الفلم مستمر، بس عيونه ما كانت على الشاشة ... كان ينتظرها.
أول ما وقعت عيونه عليها، حست بذاك الشعور فوراً. 
تلك النظرة الهادئة الثقيلة التي تجعلها تشعر أنها مرئية بالكامل.
اعتدل بجلسته ...
و اقتربت منه ... وقفت أمامه متخصرة،
- شنو قصدك بحچي حضن ريّا هذا ؟!
رفع عيونه إلها، و ارتسمت على طرف شفايفه ابتسامة،
- يا حچي ؟!
ضيقت عيونها بخجل،
- قيس ... لا تغشم روحك.
ضحك بصوت منخفض، ثم مد إيده و أمسك بطرف أصابعها قبل ما تبتعد،
- والله ما كَلت شي غلط.
- إي طبعاً ...
حاولت تسحب إيدها، لكنه ما تركها. وقف و جذبها بخفة لما صارت أقرب ... أقرب مما توقعت.
صار قلبها يدق أسرع.
رفع راسه شوية و هو ينظر لها من هذا القرب، ثم قال بصوت هادئ:
- عليش استفزج الحجي ؟!
احمر وجهها فوراً.
- قيس ... كافي.
ابتسم، و نبرته فقدت مزاحها تدريجياً.
- تره مشتاكَلج.
الجملة نزلت بقلبها دفعة واحدة ... كل ما الي كان بينهم خلال الأيام الماضية ذاب بلحظة.
نزلت عيونها، و همست بصوت خافت:
- هواية تزعلني صاير ...

تقرب منها أكثر، لنا صار ما بينهم إلا سنتيمترات معدودة،
- زين ... شلون ارضيج ؟
رفعت عيونها إله، و للحظة ما عرفت ترد،
كانت نظراته مختلفة هذه المرة، هادئة ... ثابتة ... مليانة حب واضح ما حاول إخفاءه.
شعرت بالتوتر يملأها، فقالت بصوت يكاد لا يسمع:
- ما أعرف ...
ابتسم ابتسامة صغيرة،
- اني اعرف.
رفع إيده ببطء، و مرر أطراف أصابعه على خدها ... لمسة خفيفة جداً، لكنها خلت أنفاسها تتسارع.
ظلت تنظر بعيونه مطولاً ... و لأول مرة، ما حست بالخجل منه بس، بل بالأمان ...
همست دون أن تفكر:
- عيونك ... حلوة.
تجمدت للحظة فور سماع صوتها ... كأنها ما صدقت إنها قالت الي قالته بصوت مسموع ...
اتسعت عيونها بخجل، و دارت وجهها بسرعة و كأنها تنسحب.
- تصبح على خير ...
لكن إيده أمسكت بمعصمها برفق،
- تعالي جاي ...
توقفت ... و قلبها صار يدق طبول ...
سحبها بخفة لما رجعت لمكانها أمامه ... رفع حاجبه بابتسامة هادئة.
- شكَلتي ؟!
عضّت شفتها بخجل، و نزلت عيونها،
- ما كَلت شي.
تقرب وجهه منها أكثر، لما حست بحرارة أنفاسه،
- سمعت زين ... بس اريد اسمعها مرة الاخرى ...
غمضت عيونها لحظة، ثم رفعت نظرها إله، و بصوت مرتجف، بالكاد خرج من بين شفايفها، همست:
- عيونك ... حلوة.
بهذه اللحظة تغيّر شي بنظراته ... هدأت ابتسامته، و امتلت عيونه بشعور يختلف عن كل المشاكسات،
كأن هذه الكلمات الصغيرة أصابت قلبه بمقتل ...
رفع إيده الثانية لخدها ... مرر إبهامه ببطء على بشرتها، و ظل يتأملها لحظة طويلة ... كأنه يحفظ ملامحها من هذا القرب.
و مال نحوها بهدوء شديد.
هي شهقت نفس صغير مرتبك ... لكنها ما ابتعدت.
ظلت عيونها معلقة بعيونه حتى آخر لحظة،
ثم ... قبلها.
قبلة هادئة ... دافئة ... مليانة شوق أكثر من الجرأة ... ما كانت سريعة، ولا مندفعة، بل قبلة طويلة بما يكفي ليخبرها بكل ما كتم طوال السنين الماضية ...
اعتذار ... اشتياق ... حنين ... و وعد صامت بأنه صار إلها بالكامل.
حست كأن العالم كله اختفى ... لا صوت للفلم ... لا صوت للبيت ... بس قلبها ... و دفء شفايفه ... و هذيك الرعشة الي مرت بجسمها كله.
ابتعد عنها سنتيمترات قليلة ...
ظل جبينه ملاصق لجبينها ... أنفاسهم متداخلة، و عيونها مغمضة من شدة ارتباكها ...
همس بصوت منخفض متعب، مليء بالحب:
- هسة رضت ريّا ... لو بعدها ؟
فتحت عيونها ببطء ... خدودها محمرّة و أنفاسها مخربطة ...
حاولت تقول شي ... بس ما قدرت.
فاكتفت بإنها تتقرب منه، و دفنت وجهها برقبته بخجل شديد، أول مرة تحسه ...
ضحك بصوت خافت، و لف إيديه حواليها ... 
ضمها لصدره كما لو أنه مكانها الي عادت له و أخيراً ...
و هو يطبع قبلة صغيرة على شعرها، همس يم أذنها،
- كل عام و انتي بخير يا عيون قيس ...
ظلّت دافنة وجهها برقبته، و أنفاسها بعدها مرتبكة من القبلة الأولى ... 
و من كل ما حدث هذه الليلة ... من دموع رهف، ومن كلمة "بابا"، ومن الطريقة التي احتواهم بيها ...
و لما همس بأذنها،
- كل عام وانتي بخير يا عيون قيس ...
تجمّد جسمها بين إيديه.

ابتعدت عنه شوية، بما يكفي حتى ترفع وجهها و تنظر إله بدهشة حقيقية.
- شنو ؟!
كانت عيونها متّسعة، كأنها لم تستوعب ما سمعت.
ابتسم ابتسامة هادئة، الابتسامة الواثقة التي تخليها تشعر إنه يعرف عنها أشياء حتى هي تنساها أحياناً،
- باچر عيد ميلادج.
ظلت تحدق بيه لثواني.
ثم همست بصوت متفاجئ فعلًا:
- والله ... نسيت.
اتّسعت ابتسامته أكثر، و مرر إبهامه تحت عيونها يمسح أثر دمعة جديدة بدأت تتكوّن.
- اني ما أنسى.
قالها ببساطة شديدة ... لكن وقعها على قلبها كان هائلاً.
كأنّه لا يتحدث عن تاريخ فقط، بل عن كل شيء فيها. عن يوم ميلادها ... عن خوفها ... عن تفاصيلها الصغيرة ... عن الأشياء التي لا تقولها لكنها تسكن فيه.
انملت عيونها دموع و تسأله،
- من شوكت تعرفه ؟!
نظر بعيونها نظرة مطولة و رد بحلو لسانه،
- لا تسألين شوكت، بس ما مر عليّ يوم واحد خمسة بلا ما أذكرج ...
انكسرت آخر مقاومة داخلها.
نزلت دموعها بحرارة، و ابتسمت وسطها بعاطفة عاجزة عن الكلام.
- قيس ...
مد يده و أخذ ايدها بلطف.
- تعالي وياي.
قادها بهدوء لغرفة أبوها الي يقيم بيها ...
الغرفة كانت مضاءة بإضاءة جانبية دافئة .. مرتبة كالعادة ... هادئة، و بيها ذاك الإحساس الذي يشبهه ... وقار ... نظافة ... و سكينة.
اتجه للطاولة الجانبية، و فتح أحد الجرارات.
طلع علبة مغلّفة بعناية ملفتة ... ورق كريمي ناعم ... شريط أخضر زمردي ... و فراشة ذهبية صغيرة مثبتة على الأعلى.
ناولها العلبة.
و قبل لا تفتحها، أشر لها على البطاقة الصغيرة المثبتة عليها.
ارتجفت أصابعها و هي تفتحها.
قرأتها بقلبها،
- إلى المرأة التي أعادت إلى قلبي معنى البيت ...
إلى من دخلت حياتي بهدوء، لكنها غيّرت كل شيء فيها.
شكراً لأنك منحتِني حباً لم أكن أظن أنني سأعيشه مرة أخرى ... 
كل عام و أنتِ أجمل هدية منحها الله لي.
أحبك.
... قيس ...
ارتجفت شفايفها، و نزلت دموعها.
رفعت نظرها إله، عاجزة عن الكلام.
ابتسم و هو يمسح دموعها بأطراف أصابعه.
- افتحيها.
نظرت للعلبة، و إله، و همست،
- هسة ؟!
مال شوية نحوها، و نبرته دافية،
- هين ... جدامي ...
فتحتها ببطء.
و تحت الورق الحريري ظهرت علبة ذهبية ... بداخلها إسوارة ذهبية رقيقة جداً.
ثلاث سلاسل ناعمة متداخلة، خرزات ذهبية صغيرة، أحجار خضراء بلون الزمرد، و فراشات ذهبية رقيقة تتحرك مع كل لمسة.
رقيقة ... أنثوية ... هادئة ...
تشبهها تماماً ...
شهقت شهقة صغيرة ، و خلت إيدها على فمها.
- يا الله ...
رفع حاجبه يراقب وجهها بقلق خفي،
رغم ثقته بنفسه ... كان يريد يعرف رأيها.
- عجبتج ؟!
نظرت له بعيون مدمعة،
- كلش حلووة ...
ابتسم أخيراً و رد بحب،
- لأن كل شي بيها يشبهج ...
طلع السوار من العلبة.
و مدت له إيدها ...
أمسك معصمها برفق، و لبسها الاسوار بحركات بطيئة،
و رفع كفها لشفايفه قبلها بحب،
وهو يهمس:
- لاكَت لج فوكَ ما تصورت ...

ما تحملت أكثر ...
رفعت له عيونها و بيهن امتنان و حب و عاطفة جارفة.
ثم لأول مرة ... كانت هي من بادرت.
بإيديها حاوطت وجهه، و قربته إلها، و قبّلته.
قبلة خجولة في بدايتها ... لكن صادقة تماماً.
و للحظة، بدا و كأنه تفاجأ.
ثم انقطع آخر خيط من ضبط النفس داخله.
حاوط خصرها بقوة، و جذبها إله لحد ما التصقت بيه بالكامل.
وردّ قبلتها بلهفة صامتة، قبلة أطول ... أعمق ... مليانة بكل الشوق الي كتمه سنوات.
لما ابتعد عنها أخيراً، كانت أنفاسهم متسارعة.
جبينه ملاصق لجبينها ... و ذراعه محاوطتها بإحكام.
غمض عيونه، و أخذ نفس عميق كأنه يحاول استعادة السيطرة على نفسه.
ثم همس قرب أذنها بصوت منخفض،
- امشي نامي ... كَبل لا آكلج.
ضحكت بخجل، و دفنت وجهها بصدره.
ضحك بخفوت، و باسها بشعرها مرة أخرى.
ثم شدها إله لحظة أطول، و كأنه ما يريد أن يتركها أبداً.
و همس أخيراً:
- كل عام و عيونج احلى عيون شافتها عيوني ...
صباح الأول من مايو ...
دخل ضوء الصباح بهدوء من خلال الستائر البيضاء.
الغرفة كانت ساكنة.
رهف نايمة بعمق، متشبثة بثوب ريّا حتى و هي غارقة بالنوم ... كانت بغرفتها بس بالليل حست بيها ريّا تتسلل لغرفتها، و لحضنها، و هاهي متمسكة بيها كما لو أنها تخشى أن تستيقظ وتكتشف أن ما حدث الليلة الماضية مجرد حلم ... و أن "بابا قيس" ما كان حقيقة.
ريّا فتحت عيونها ببطئ.
بالبداية شعرت بثقل صغير فوق صدرها.
رهف ...
ثم شعرت ببرودة الذهب الناعمة على معصمها.
رفعت إيدها أمام الضوء.
السوار الذهب لمع مع أول خيط شمس.
ابتسمت فوراً.
و عادت إلها كل أحداث الليلة السابقة دفعة واحدة.
دموع رهف ... كلمة "بابا" ... هديته ... رسالته ... قبلته ... و همسه الأخير:
"كل عام و عيونج أحلى عيون شافتها عيوني."
غمضت عيونها لحظة، و ملتها السكينة.
رغد دخلت للغرفة متسللة، تقول،
- صباح الخير لأحلى أخت بالدنيا ...
ابتسمت ريّا تأشر بسبابتها على فمها حتى لا تصحى رهف ...
و دنكَت رغد تبوسها و تقول،
- كل عام و انتي بخيير ...
باستها ريّا تقول،
- و انتي بخير حبيبتي ...
استقامت رغد و لاحظت الاسوار
فتحت عيونها، و انتبهت فوراً للمعة الذهبية و الحجر الأخضر بمعصم ريّا ...
ارتسمت على وجهها ابتسامة تعرف زين معناها،
همست بخبث لطيف،
- ها ... واضح أكو أحداث مهمة البارحة.
احمرّ وجه ريّا مباشرة.
و حاولت أن تخفي إيدها تحت الغطاء.
- رغد ...
تقربت رغد أكثر و هي تنصي صوتها حتى لا تكَعد رهف.
- هذا شغل ابن عمنا ؟
ابتسمت ريّا بخجل، و اكتفت بالنظر إلى السوار.
شهقت رغد بحماس مكتوم.
- حلوو يعرف عيد ميلادج بدون ما نكَول ... اني ردت اكَولّه. بس ردت اشوفه يعرف من نفسه لولا، و نجح بالاختبار ... و بتفوق ...
ضحكت ريّا تقول،
- امشي ولي صايرة ما تنكَدرين ...

بعد قليل، و بينما كانت ريّا بالحمام تساعد رهف تغسل وجهها، نزلت رغد للطابق الأرضي بهدوء.
لقت قيس بالمطبخ، واقف يحط قوري الشاي ع النار.
ملامحه هادئة، و عينيه تحمل رضا رجل قلبه مليان.
رفع نظره إليها.
- صباح الخير.
ابتسمت بخجلها المعتاد.
- صباح النور ... و أعتقد عندك شغل مهم هسة.
رفع حاجبه بابتسامة خفيفة.
- مو اكَول شعدها نازلة من غبشة و اليوم ويكند !!
تقربت خطوة، و استندت إيديها على طرف الكاونتر.
- أريد نسوي لريّا عيد ميلاد بسيط ... يفرحها.
ابتسم فوراً، و كأنه كان ينتظر هذه الكلمات.
- شنسوي ؟!
بدت رغد تتكلم بحماس،
- تحب كيك الفستق الحلبي ... الورد الأبيض ... الريوكَ علية اليوم ... شموع زغيرونات هم عليك ...
قيس كان يصغي لها باهتمام حقيقي، و كأنها شريكته الصغيرة في مهمة مهمة جداً ...
أضاف بهدوء:
- اجيب بطاقة انتي اكتبي عليها ... و اليوم ما تخليها تسوي شي ...
ابتسمت رغد بإعجاب واضح.
ثم خفضت صوتها، و بين التأثر بصوتها،
- شكراً ... على اللي سويته وية رهف البارحة.
رفع عيونه الها يقول،
- ما تريدين تكَولين بابا انتي اللخ ؟!
و هي ردت بعفوية تضحك،
- لالا عمو سلمان سبقك يصير ابوية ...
ضحك يسألها،
- هاي هسة كلهن ؟!
و هي دلته على محل بمنطقتهم عنده كل شي ...
ابتسمت له بامتنان، و صعدت إلى الأعلى بسرعة، 
ريّا كانت تمشط شعر رهف.
الطفلة شبعانة نوم و مستسلمة لإيدين ريّا الي تمشط شعرها،
- ماما ... بابا قيس هنا ؟!
ابتسمت ريّا و باست شعرها،
- إي حبيبتي ... جوا.
ابتسمت رهف مطمئنة، و رجعت مستسلمة لتمشيط شعرها ...
أما ريّا، فكانت تنظر إلى السوار بين حين و آخر.
و بقلبها إحساس هادئ ما عاشته من زمن طويل.
للمرة الأولى ...
صار أكو رجل يتذكر تاريخ ميلادها ... و يحتضن أختها الصغيرة ... و يحتوي قلبها و مشاعرها الي ما عاشت مثيلتها من قبل ...
خلصت رهف و بقت ريّا واقفة أمام المراية، تمرر أصابعها على السوار للمرة العاشرة منذ استيقاظها.
الفراشات الذهبية الصغيرة تتحرك مع كل التفاتة من معصمها، والأحجار الخضراء تلمع بهدوء يشبهها تماماً ...
كانت تبتسم وحدها كلما تذكرت نظرته وهو يلبسه لها، والطريقة التي قبل إيدها بيها كأنها شيء ثمين لا يقدّر بثمن.
دخلت رغد للغرفة بسرعة، لكنها توقفت لما رأت ريّا شاردة أمام المرآة.
ابتسمت بمكر لطيف،
- لا واضح بعدج عايشة بالبارحة.
احمر وجه ريّا فوراً،
- رغد !
قفزت رغد على السرير و جلست متربعة، ثم قالت و هي تربت على المكان بقربها:
- تعالي، عندي سوالف أهم من السوار و من سوالف ابن عمي ...
التفتت ريّا إلها بخجل مصطنع،
- انتي سمعتي شي ؟!
رفعت رغد حواجبها،
- ما سمعت ... بس أعرف اختي من شكلها.
ضحكت ريّا أخيراً وجلست بجانبها.
سكتت رغد لحظة، و صار صوتها أقل هدوء،
- تعرفين ... البارحة عمو سلمان شحچالي ؟!
رفعت ريّا عيونها باهتمام.
- شنو كَالّج ؟
تنهدت رغد، و ما زالت كلمات سلمان ترن في قلبها.
- كَلّي إنّه من البداية ما كان موافق على رائد.
تجمدت ريّا شوية.
- صدك ؟
أومأت رغد.
- كَال إنه بالبدابة رافض بدون سبب بعدين عرف الأشياء الي عرفناها من قيس. بس تعمّد ما يتدخل مباشرة، وخلى القرار بإيدي.
اتسعت عيون ريّا بدهشة.
- ليش ؟
ابتسمت رغد بحنان.
- كَال جنت اريد اعرف إذا بنتي تعرف قيمة نفسها لو ترضى بنصيب أقل من مقامها ؟!
هنا رقّت نظرات ريّا،
- و شنو بعد كَالّج ؟
ابتسمت رغد و هي تستعيد نبرته الأبوية الثقيلة.
- كَتله إذا عندي عم مثلك ... ما أريد اتزوج ابد ...
ضحكت ريّا من بين دموع بدأت تتجمع بعيونها،
- و شرد عليج ؟
نصت رغد صوتها، مقلدة دفء سلمان و هيبته،
- كَال لي إنتن بناتي ... ما كَاصر عليجن رجال يخليلجن قدر و قيمة ... كَدرجن عالي، و الزواج إذا ما يزيدچ عزّة و راحة، ما يستحق حتى تفكرين بيه.

توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أكثر تأثر،
- و كَال رغودة ما أنطيها الا لرجال يخليها تاج على راسه لو تظل أميرة ببيتي ... مثل ريّاوي ...
ابتسمت ريّا
هذه الكلمات لامست مكان عميق بروحها.
همست بصوت متأثر،
- الله يخليه إلنا.
ابتسمت رغد و ربتت على إيدها.
- و يخلي لج قيس هم.
ضحكت ريّا بخجل ...
نظرت إلى الساعة فجأة، وانتفضت.
- كَومي عيب قيس كل يوم يسوي الريوكَ و احنا متأخرين ...
وقفت بسرعة، لكن رغد سبقتها للباب.
- لا، اليوم اني اسويه.
رفعت ريّا حاجبها بدهشة.
- انتي ؟
ابتسمت رغد و هي تفتح الباب.
- إي ... اليوم ممنوع تدخلين المطبخ.
طلعت خطوة و رجعت تقول،
- البسي فستان الفراشات الابيض اليوم ويكند و الريوكَ مو عليج ...
ثم نزلت الدرج بسرعة قبلها.
بقت ريّا لحظة وحدها.
نظرت مرة أخرى إلى السوار.
مررت أصابعها على الفراشات الذهبية.
وأخذت نفس عميق و نفذت تعليمات رغد ...
بعد ربع ساعة تقريباً نزلت الدرج.
ما إن وصلت إلى آخر درجة ...
حتى أضاءت الصالة دفعة وحدة.
و انطلق الجميع بصوت واحد:
- كل عام وانتي بخير !!!
وقفت بمكانها مصدومة،
اتسعت عيونها بدهشة طفولية صادقة،
الطاولة أمامها كانت مزينة بشكل بسيط و دافئ.
ورود بيضا صغيرة.
كيكة الفستق ... الشموع ...
و فطور كامل مرتب بعناية واضحة.
عرفت فوراً إنه هاي سوالف رغد ...
و شافت رهف تنطط بحماس و هي تصرخ،
- عيد ميلاد رياوي !!
ثم ركضت نحوها و حضنتها بكل قوتها.
- كل عام و انتي بخيير ...
ضحكت ريّا، و احتضنتها بقوة.
رفعت راسها.
و قيس كان واقف يم طرف الطاولة.
هادئ كعادته.
لكن عيونه ممتلئة بحب واضح لا يحتاج أي تفسير.
نظر لها نظرة طويلة، ثم قال بصوته العميق الي وصل مباشرة لقلبها،
- كل عام و انتي بخير ريّاوي ...
هنا ما كَدرت تتمالك دموعها
وضعت يدها على فمها، و انهمرت دموعها بحرارة.
همست بصوت مكسور من شدة التأثر:
- هاي شمسوين من الصبح ؟!
رغد شاعلة الشموع و حضنتها جانبياً تقول،
- مو وكت دراما شموعج هسة تحركَنا ...
مسحت دموعها و ضحكت تمشي للطاولة، و قبل لا تنفخ رغد صاحت،
- تمني أمنية ...
غمضت عيونها و فتحتها تدور عليهم، تتأملهم بحب و همست،
- الله لا يحرمني منكم ...
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا
تعليقات



<>