
رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والاربعون45 بقلم سعاد محمد سلامه
إشتد الألم على عهد، برغم ذلك حين حملها فاروق، تفوهت بقلق واضح:
ياسين طفل صغير وبيخاف، لو صحي ولقى نفسه فى الشقة لوحده هيترعب.
نظر لها للحظة وهي تضع إحد يديها أسفل بطنها تضغط على أسنانها وهي تتحدث،شعر بشيء قاسٍ يعتصر قلبه بعنف…
كيف لها وسط كل ذلك الوجع أن تفكر بطفل ليس طفلها...
كانت بين ذراعيه ترتجف، أنفاسها متقطعة، ووجهها شاحب بصورة أخافته لأول مرة بهذا الشكل، ومع ذلك لم تقل إنها تتألم… لم تطلب النجدة لنفسها… كل خوفها كان على ياسين.
اقترب بوجهه منها قليلًا وهو يهبط بها بسرعة نحو باب الغرفة، وقال بصوت خرج أجش رغم محاولته التماسك:
هتصل على ماما تطلع تاخده.
أومأت بألم قائلة:
طب إتصل عليها الأول تطلع، أرجوك يا فاروق.
أمام أصرارها وكي يجعلها تهدأ وضعها على آريكة بالردهة، إتصل على والدته، لحظات كان عقله مُشتت بين عهد التي تتألم وخطي الدماء اللتان رغم عدم غزارة إندفاعهما،لكن يبدوا أنها تتألم،وتُكابر على الألم...دقائق ودلفت إجلال بعدما وجدت الباب مفتوحً،كان خلفها محي هو الآخر يشعر بقلق...تفاجئ الإثنين من منظر عهد،إندفع محي سائلًا:
مالها عهد،وإيه الدم اللى على هدومها ده،إيه سببه.
لم يبالى فاروق بسؤال محي وعاود حمل عهد قائلًا:
لازم أخد عهد للمستشفي بأسرع وقت، ماما خلى بالك من ياسين.
أومأت له، تفوه محي قائلًا:
هاجي معاك.
نظر له فاروق قائلًا:
هتجي بالبيحامة.
تدارك محي ذلك قائلًا:
طب بسرعة إنت وأنا هغير وأتصل عليك أعرف إنت فى أي مستشفي.
بعد قليل
بأحد المشافي... كان فاروق ينتظر أمام إحد الغرف، يقطع الممر ذهابًا وإيابًا بقلق، حتى إقترب منه محي قائلًا:
قولي إيه اللى حصل لـ عهد، كانت قاعدة بتلعب مع ياسين وبنات أخوك المسا فى الجنينة إيه اللى حصل لها.
أجابه فاروق وهو يشعر ببعض التوهان:
معرفش يا بابا، فجأة صرخت ولقيتها بتقول إنها حامل... وهذيان مفهمتش منه حاجه.
إندهش محي قائلًا بقلق هو الآخر:
حامل... والنزيف... ربنا يستر.... لما نطمن عليها أبقي أتصل بـ توفيق بنتهم ولازم منخبيش عليهم.
شفق محي على ملامح فاروق التي يظهر عليها القلق الكبير، هو حقًا كذالك يشعر بأن جسده يؤلمه...
يشعر أن الوقت يمتد والقلق ينهشه...
معرفته بحمل عهد فى نفس لحظة أنها تستغيث من الألم، فقدت مذاق ذلك الخبر، الذي تمناه كثيرًا أن يصبح بينه هو وعهد طفل ثاني يربط بينهم... أجل ثاني، فـ ياسين ليس طفل فرح فقط فهي منذ ولادته كانت قريبة منه للغاية، يعلم أن فرح كانت تُخفي عنه ذلك حتي لا يحدث بينهما نزاع، كانت تظن أنه يكره عهد، لكن هو كان عكس ذلك، ربما كان ذلك رحمة لـ فرح أن لا تكتشف أن من بقلب فاروق كانت عهد، أن من كان يخشي أن يظهر ضعيف أمامها هي عهد
عهد الآن بداخل الغرفة، وهو هنا شبة خائر القوي...
شهد على آلام فرح كان يشعر بالشفقة عليها، لكن عهد عكس ذلك يشعر بالقلق والترقُب.
مجرد دقائق لم تتعدا وقت طويل..
فُتح باب الغرفة... خرجت طبيبة، توجه فاروق نحوها، وقبل أن يسأل هي جاوبت بإيجاز:
للآسف الجنين نزل، وأنا أخدت عينة من دم المدام بعتها المعمل تتحلل عشان أعرف سبب الإجهاض.
قبل أن يسأل فاروق... صدح هاتف الطبيبة، غادرت، بينما عقل فاروق به عدة مشاعر..
قلق وذهول.. عقله غير مستوعب حديث الطبيبة أيكون هنالك سبب للإجهاض.
ربت محي على كتفه بأبوة قائلًا:
ربنا يعوض عليك، العمر قدامكم، وربنا يبارك فى ياسين.
أومأ له صامتً، بنفس اللحظة كانت عهد تخرج من تلك الغرفة الى غرفة أخرى.
عير الهاتف
تسألت إجلال:
خير يا محي عهد..
قاطعها بآسف:
كانت حامل والجنين نزل.
أغمضت إجلال عينيها بغصة قائلة:
ربنا يعوض عليهم، وفاروق.
أجابها بغصة:
فاروق زعلان، إنتِ عارفة هو بيحب عهد.. كنت عند الدكتورة من شوية، قالت إن عهد هتفضل فى المستشفى لحد بكرا المسا تتابع حالتها.
_ليه
هكذا سالت إجلال ثم أكملت:
مش النزيف وقف.
أجابها بتوضيح:
الدكتورة قالت كده، الصبح قرب يطلع، هبقي أتصل على توفيق يعرف هو ومراته، عشان ميزعلوش بعد كده، إن محدش قالهم، عهد هي اللى فاضلة لهم بعد المرحومة فرح.
شعرت بوخزات فى قلبها قائلة:
الحمد لله قدر ولطف وقدامهم العُمر يعوض عليهم ربنا... كويس إنك مع فاروق.
غص قلبه قائلًا:
فاروق مش ضغيف يا إجلال، وأكيد مؤمن بقضاء الله.
❈-❈-❈
انتهت الليلة
مع صباح جديد
بمنزل الدباغ
بغرفة يارا
كانت تجلس على أريكة خلف شباك زجاجي كبير يطل على حديقة المنزل، تضم ساقيها إلى صدرها.. بصمت، وعيناها معلقتان بحديقة المنزل الغارقة فى هدوء ثقيل...
لفت نظرها تلك الشجرة القريبة من السور… أزهارها شبه ذابلة، تتمايل مع الهواء بضعفٍ كأنها تحاول التمسك بالحياة رغم إنهاكها.
ظلت تحدق بها طويلًا… ثم ابتسمت ابتسامة باهتة مؤلمة.. ذ.
غريب كيف تشبهها بتلك الدرجة...
تمددت أصابعها فوق حافة الكوب البارد بجوارها، بينما تسللت الأفكار داخل رأسها بلا رحمة.
منذ متى وهى تشعر بهذا الذبول، مدة قليلة تجاهل نديم اطفأ وهج بداخلها.. جعلها
أصبحت تستيقظ كل صباح وكأنها تؤدى واجبًا ثقيلًا لا رغبة لها فيه...
أغمضت عينيها للحظة، لكن صوت ضحكات بعيدة من الحديقة جعل قلبها ينقبض أكثر.
البيت ممتلئ بالحياة… إلا هى..
فتحت عينيها مجددًا على تلك الزهور الذابلة، وهمست بصوت خافت بالكاد سمعته هى نفسها:
حتى الورد… لما بيتساب لوحده بيدبل.
تهكمت بغصة فى قلبها وهي تتذكر باقات الزهور الذي كان يرسلها نديم كأنها كانت بديل عن غيابه معظم الوقت عنها،بل كُل الوقت.
قبل أن تتملك منها تلك الحالة الباردة انتبهت لصوت طرق خفيف على باب غرفتها…
ترددت لثانية قبل أن يأتى صوت مألوف من الخارج:
يارا… إنتِ صاحية.
نفضت عنها العبوس قائلة:
أيوا صاحية، إدخلى يا غزال.
فتحت الباب غزال ودخلت ترسم بسمة قائلة:
صباح الخير يا يارا.
_صباح اانور، تعالي نقعد نتكلم شوية، إنتِ خلصتي إمتحانات بقي وبقيتي فاضية.
حاولت أن تستعيد بعض من حيويتها ومرحها، الاثنين يعشرن بوخزات الخذلان فى قلبهن من أزواجهن... وإن كانت يارا أفضل منها، بالنهاية استطاعت التمرد، وجدت من يحتويها لكن هي تتحمل، لكن يطول ذلك.
اثناء جلوسهن دخلت إجلال.. تبسمت لهن، شعرت بغصة على الإثنين.
بعد وقت قليل استأذنت غزال بذوق لان تتركهن معًا، ربما يريدن بعض الخصوصية.
نظرت إجلال لـ يارا بآسف فرغم بسمتها لكن باهتة... فى البداية تحدثن بأشياء جانبية حتى وصلت إجلال لقولها:
نديم إتصل على باباكِ.
توسعت عيني يارا فتنهدت اجلال قائلة بتوضبح:
بيقول إنك مش بتردي لا على اتصالاته ولا الرسايل.
صمتت يارا... تفهمت إجلال سائلة:
لغاية دلوقتي لا أنا ولا باباكِ عرفنا سبب نزولك مصر،بدون نديم.
تهككت يارا قائلة:
نديم مش فاضي،انا كنت بشوفة زي اللى ساكنين مع بعض، مش. متجوزين من فترة قصيرة، حتى الساكن بيبقي وقت أطول، أنا مليت من إنى طول اليوم لوحدي أنتظر رجزعه وهو يرجع يقولى هلكان مفيش بينا كلام حتي خبر حملي ضاعت زهوته.
تفهمت أجلال قائلة:
يعني هو ده السبب بس.
نظرت لها يارا قائلة باستفهام:
وده مش سبب كفيل يا ماما.
تبسمت اجلال قائلة:
لا مش سبب يا يارا... لازم تفهمي إن حياتك إتغيرت مش زي قبل ما تتجوزي، محي كان مديكي حرية كبيرة ودلع، فاتعودتي على كده... بس الحياة الزوجية بتختلف عن العزوبية، يا يارا
الحياة الزوجية مشاركه، غلطانه لو فكرتي فى نفسك وبس، فى طرف تاني كمان له طموخاته، مش بقول يبقي تجاهل، هحكي لك حاجة حصلت مشابهه فى بداية جوازي من باباكِ، كان لسه يادوب صاخب مدبغة على قده، وعنده طموح.. كان بيغيب بالايام كاملة ومش بشوفه، قاعدة فى البيت أنا وحماتي نناكف فى بعض بمحبة طبعًا، ولما يرجع كان يلاقيني ببتسم له، ولا كأني كنت مضايقة من غيابه.. الطموح كتن واخده، شاب وفى قلبه الحماس، عاوز يوصل لهدف، لو أنا عملت زيك وكنت سيبت البيت ونكدت عليه، يمكن هو كمان كان نكد عليا عيشتي، لكن فهمت واتقبلت، مع الوقت هو اللى بقي يمل من الشغل والغياب الكتير، لانه بيحرمه من لذة تانيه فى الخياة، لذة الاحتواء، من الحبيب أو الحبيبة، بقي يوازن بين الاتنين، فهم من نفسه، نفس الشيء معاكِ يا يارا، إنت كنتِ واخدة عالانطلاق، مش بلومك أكيد إنت لوحدك فى بلد غريبة، بس أحب أقولك بكره لما تخلفي وتنشغلى فى إبنك أو بنتك، هتقولى ياريت لحظة هدوء من اللى كنت بضايق منهم وبحس بالملل، أنا مش هقولك إستسلمي.
صمتت يارا طويلًا بعد كلام والدتها…
كانت عيناها معلقتين بالشجرة شبه الذابلة خلف الزجاج، بينما كلمات أمها تتسرب إليها ببطء… ببطء موجع.
ابتلعت غصة صغيرة وهمست بنبرة مترددة:
بس أنا حاسة إني تايهة يا ماما… كأني مش عارفة نفسي..
أنا طول عمري عندي ناس حواليا… حركة… صوت… صحاب… خروج… حتى بابا كان دايمًا مدلّعني وحاسس بيا قبل ما أتكلم…
دلوقتي بصحى من النوم ألاقي البيت ساكت… وهو برا طول اليوم… ولما يرجع يبقى مرهق، بالكاد عنده طاقة يتكلم.
تنهدت اجلال بهدوء، لكن قبل أن تتحدث أكملت يارا بصوت مخنوق:
أنا مش زعلانة عشان الشغل نفسه… يمكن زعلانة عشان بقيت حاسة إني لوحدي أوي...
وأوقات… أوقات بحس إني مش مهمة فى يومه زي زمان.
رق وجه اجلال قليلًا، ثم قالت بحنان هادئ:
وده الطبيعي فى أول الجواز يا يارا… أصعب فترة أصلًا...
إتنين بيتعلموا يعيشوا مع بعض، ويتقبلوا اختلاف بعض...
إنتِ شايفة إنه اتغير، وهو أكيد شايف إنك بقيتي حساسة زيادة… والحقيقة إن الاتنين بس لسه بيتعودوا.
خفضت يارا عينيها وهمست بعناد طفولي خافت:
بس أنا مش عاوزة أبقى زوجه مستنية جوزها وخلاص.
ابتسمت اجلال ابتسامة صغيرة وقالت:
ومين قال كده.. .
اعملي لنفسك حياة هناك… ادرسي حاجة بتحبيها عالنت ، اشغلى نفسك بنفسك… متخليش كل يومك واقف على معاده وهو راجع إمتى...
الزوج مش المفروض يبقى العالم كله… وإلا هتختنقي منه وهو كمان هيختنق.
سكتت يارا قليلًا… ثم قالت بصوت أهدأ:
يعني أنا ظلمته.
هزت أجلال رأسها بالنفي:
لا… إنتِ موجوعة بس.
بس الوجع ساعات بيخلينا نشوف الدنيا من زاوية واحدة...
وجوزك واضح إنه بيجري عشان يبني مستقبل يليق بيكم… مش هروب منك.
نظرت يارا مجددًا نحو الشجرة بالخارج…
كانت الأزهار الذابلة تتحرك مع الهواء الخفيف، وفجأة انتبهت أن بعض الأغصان ما زالت مزهرة… فقط لم تكن تراها من زاويتها.
❈-❈-❈
بالمشفي مساءً
صدمة قاسية من الطبيبة وهي تُخبر فاروق عن نتيجة ذلك التحليل..
زي ما توقعت سبب النزيف أدوية إجهاض
تجمدت ملامح فاروق بالكامل…
كأن الكلمات لم تصل لعقله فى البداية… فقط ارتطمت بصدره بعنف.
نظر للطبيبة لثواني طويلة دون أن يرمش، قبل أن يخرج صوته خافتًا وخشنًا فى آنٍ واحد:
إنتِ قولتي إيه…؟
تنهدت الطبيبة بحذر، ثم دفعت الملف الطبي نحوه قليلًا:
التحاليل وضحت وجود نسب واضحة من مواد بتستخدم فى الإجهاض… والنزيف اللى حصل لعهد متوافق جدًا مع تأثير الأدوية دي.
ظل ممسكًا بطرف الملف دون أن يفتحه…
أصابعه فقط كانت تنقبض تدريجيًا حتى ابيضّت مفاصلها... يهمس:
مستحيل…
قالها ببطء… وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أي شخص آخر.
رفعت الطبيبة عينيها إليه قائلة بعملية:
أنا مقدرة صدمتك… بس لازم نعرف إذا كانت أخدتها بإرادتها ولا حد اداهالها من غير ما تعرف.
عند تلك الجملة…
رفع رأسه فجأة، واتسعت عيناه بعنف.
عهد...
عهد التى كانت ترتجف خوفًا على جنينها
عهد التى كانت تضع يدها على بطنها كل دقائق وكأنها تحميه من العالم كله.
خرج صوته محتقنًا:
لا… مستحيل عهد تعمل كده.
ساد الصمت للحظة، قبل أن تضيف الطبيبة بهدوء:
على العموم… الحمد لله قدرنا نسيطر على النزيف مؤقتًا، لكن حالتها النفسية والجسدية محتاجة هدوء شديد. وأى ضغط عليها دلوقتي خطر.
أومأ لها دون تركيز…
ثم استدار ببطء خارج المكتب.
لكن فور أن أُغلق الباب خلفه… تبدلت ملامحه بالكامل.
فكه اشتد بعنف.
أنفاسه أصبحت ثقيلة بصورة مخيفة...
وعروقه برزت فى عنقه بشكل واضح...
وقف بالممر للحظات يحاول التنفس… لكن صورة عهد وهي تتألم، تبكي، وتتمسك ببطنها، كانت تحرقه من الداخل.
ثم تحرك بخطوات سريعة نحو غرفتها…
فتح الباب بقوة.
كانت عهد مستلقية على الفراش، شاحبة بصورة موجعة، المحلول معلق بجانبها، وعيناها نصف مغلقتين من الإرهاق.
ما إن رأته حتى همست بضعف:
فاروق…
توقف مكانه.
نظر إليها طويلًا… طويلًا جدًا…
حتى شعرت بالخوف من ذلك الصمت.
اقترب ببطء… ثم جلس أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بشكل أربكها.
همست بتوتر:
مالك.
ابتلع الغصة التى تخنقه، قبل أن يسألها بصوت منخفض بصورة مخيفة:
إنت أخدتي دوا إجهاض عن قصد يا عهد.
صمتت، صمتها جواب، كاد يتعصب أكثر لكن إبتلع ريقه بصعوبة وتمالك عصبيته حين دخل توفيق الى الغرفة ينظر لهما الاتنين، وملامحهما الواجمة.
❈-❈-❈
ليلّا
عاد محسن متأخرًا نسبيًا، لكنه فور دخوله الشقة شعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.
الهدوء كان ثقيلًا أكثر من المعتاد…
خلع ساعته ببطء، ثم لمح رابيا نائمة على الكنبة بالصالة، رأسها مائل بتعب وكفها فوق بطنها بشكل غريزي.
تجمدت خطواته فورًا.
اقترب منها بسرعة:
رابيا…
فتحت عينيها ببطء، وبمجرد ما رأته اعتدلت قليلًا وهي تخفي ألمها تلقائيًا:
أنت جيت يا محسن.
لكن صوتها وحده كان كافيًا ليعرف أنها ليست بخير.
جلس أمامها مباشرة، وعينيه تتحرك فوق ملامحها الشاحبة بقلق واضح:
مالك؟
هزت رأسها سريعًا:
مفيش… شوية تعب بس.
نظر إلى يدها الموضوعة فوق بطنها، فعقد حاجبيه فورًا:
بطنك وجعاكي.
صمتها للحظة كان أخطر من أي إجابة.
فجأة نهض واقفًا بعصبية:
ومن امتى؟.
ارتبكت من نبرته: — من بعد الضهر شوية…
مرر يده في شعره بضيق شديد:
وإنتِ سايبة نفسك كده ما كلمتنيش ليه.
رفعت عينيها له، وكانت ممتلئة بشيء أعمق من الألم الجسدي:
أصلّي خوفت…
توقفت الكلمات بحلقها، لكن محسن فهم فورًا.
ذلك الخوف القديم… حملها السابق… ليلة النزيف التي ما زالت محفورة داخلهما حتى الآن...
تذكر جيدًا كيف كانت ترتعش بين يديه وهي تبكي وقتها، وكيف قضى ساعات أمام غرفة العمليات يشعر بالعجز لأول مرة في حياته.
اقترب منها بسرعة وجلس بجوارها:
بصيلي…
لكنها لم تستطع.
همست بصوت مهزوز:
حسّيت نفس الوجع القديم يا محسن… نفس الإحساس… خفت يكون بيحصل تاني.
تبدلت ملامحه بالكامل. اختفى غضبه فجأة، ولم يبقَ سوى خوف حقيقي.
أمسك وجهها برفق:
متقارنيش… سامعة؟ متفكريش بالطريقة دي.
لكنها انفجرت فجأة:
أعمل إيه يعني؟! وأنا أصلًا طول اليوم بفكر لوحدي!
سكت لحظة… ثم فهم أن كلامها لم يكن عن الحمل فقط.
رفعت عينيها له أخيرًا:
أنت غيرت نفسك فجأة… وأنا أصلًا تعبانة وخايفة ومش ناقصة أفكار أكتر من كده.
تنفس ببطء، ثم ابتعد قليلًا وهو يضغط على فكه بقهر واضح:
أهو ده اللي كنت خايف منه.
نظرت له بعدم فهم.
ضحك ضحكة قصيرة متعبة:
إن بيتنا يبقى كله خوف وشك بسبب كلام مالوش لازمة بيتزرع كل يوم في دماغك.
فهمت فورًا من يقصد.
همست بتحذير:
ماتدخلش ماما في الموضوع.
ما إن قالت رابيا بصوت باهت:
ماتدخلش ماما في الموضوع…
حتى انفجر محسن أخيرًا.
ابتعد عنها فجأة وكأنه لم يعد قادرًا على احتواء غضبه أكثر، ثم وقف في منتصف الصالة يضحك بمرارة عصبية:
لا طبعًا… ما ندخلهاش! ما هي أصلًا قاعدة بينا على الكنبة دلوقتي
اتسعت عينا رابيا بصدمة قائلة بنبره تحذيرية:
محسن!
أشار بيده بعنف مكبوت قائلًا:
لأ اسمعيني المرة دي! لأنّي ساكت بقالى سنين… ساكت عشان بحترم إنها أمك… وساكت عشان كل مرة أقول الحمل والتعب والضغط. بس خلاص… أنا تعبت
نهضت واقفة رغم ألمها:
أنت بتكبر الموضوع.
استدار لها بعينين حمراوين من القهر: بكبره ده أنا حاسس إني متجوز تلاتة يا رابيا… إنتِ… وخوفك… وصوت أمك اللي عمره ما ساب بيتنا
ارتجفت ملامحها قائلة:
ماما خايفة عليا.
قهقه بسخرية موجوعة:
خايفة عليكِ من إيه مني؟! أنا الراجل اللي شايل البيت ده فوق كتفه من سنين! عمري رفعت عيني في ست غيرك… عمري كسرتك… ولا حتى خليتِك تحتاجي حد غيري.
ضرب بكفه فوق صدره بعنف:
ومع ذلك كل يوم أتحاسب كأني خاين لسه راجع من مصيبة!
نزلت دموعها وهي تهمس:
أنا ماقولتش إنك خاين…
قاطعها بصوت مرتفع لأول مرة:
بس بصتك قالت! تفتيشك في هدومي قال.. خوفك المرضي من أي تغيير فيا قال.
ساد صمت ثقيل للحظة… ثم اقترب منها خطوة، لكن صوته هذه المرة خرج أخفض… أخطر:
تعرفي أكتر حاجة كسرتني إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
قال وهو ينظر مباشرة لعينيها:
إنك بقيتي تصدقي عني أي حاجة وحشة بسهولة… كأنك مستنية مني أقع.
شهقت بخفوت:
مش حقيقي…
هز رأسه بعنف:
بل حقيقي! وكل ده عشان واحدة فضلت طول عمرها تحلفلك إن الرجالة خونة… لحد ما بدأتي تشوفيني بنفس العين.
أغمضت عينيها بألم:
ماتتكلمش عن ماما كده…
صرخ فجأة:
وأنا مين يتكلم عني مين يدافع عني وأنا كل يوم داخل بيتي حاسس إني متراقب.
سكت لحظة يلهث من انفعاله، ثم أكمل بصوت متحشرج:
حتى النهارده… أنا اتأنقت عشان ألفت نظرك ليا… عشان أحس إن مراتي لسه شايفاني راجل مش مجرد أب لعيالها.
نظر لبطنها ثم عاد بعينيه إليها: — بقالي شهور بحاول أقرب منك… كل ما ألمسك أحس إنك بعيدة… خايفة… متحفزة… كأني هكسرك مش هحضنك.
بدأت تبكي بصمت، لكنه كان لأول مرة أعمق من أن يتراجع بسهولة.
قال بقهر:
وأنا كمان بخاف يا رابيا! بخاف أصحى يوم ألاقي بيتنا كله بقى قائم على الشك… وبخاف أكتر إن بناتي يكبروا شايفين أبوهم متهم طول الوقت لمجرد إنه راجل
ارتجفت شفتاها وهي تضع يدها على بطنها بتعب واضح.
لكن محسن لم ينتبه فورًا، كان غارقًا في انفجاره الذي كتمه سنوات:
أنا مش مطالب كل يوم أثبت إني كويس! مش مطالب أدفع تمن خيانة ناس تانية لا أعرفها ولا شبهي
ثم فجأة…
توقف.
لأن رابيا انحنت قليلًا وهي تضغط على بطنها بألم واضح هذه المرة، وخرج منها تأوه خافت جعل الدم يهرب من وجهه فورًا.
اختفى غضبه في لحظة.
اندفع نحوها بذعر:
رابيا؟! مالك بصّيلي! الوجع زاد.
أمسكها محسن بسرعة قبل أن تسقط، لكن رابيا دفعت يده عنها بعناد رغم ارتجافها.
رفعت عينيها له، ممتلئتين بدموع موجوعة: متلمسنيش دلوقتي…
تجمد مكانه.
تنفس بعنف، بينما هي تهمس بصوت مكسور: أنت عمرك ما فهمت أنا بخاف ليه…
أغلق عينيه للحظة، ثم قال بإرهاق حقيقي: وأنا كمان عمرك ما فهمتي أنا تعبت قد إيه.
ضحكت بخفة باكية:
تعبت؟… من إيه؟ من واحدة حامل وخايفة؟
مرر يده فوق وجهه بعصبية، ثم قال فجأة، بصراحة خرجت كأنها انفلتت منه:
آه… تعبت. تعبت من إنك بعيدة طول الوقت… خايفة طول الوقت… حاسس إني عايش مع ست مستنياني أغلط.
رفعت رأسها ببطء تنظر له، لكنه أكمل قبل أن يتراجع:
وتعرفي الأسوأ إيه.
سكتت.
نظر لها مباشرة، وعيناه مليئتان بصدق مرهق: إني فعلًا… فكرت.
شهقت أنفاسها.
أما هو فأكمل بصوت منخفض، خشن:
فكرت أدور على واحدة تانية… واحدة تضحكلي… تحسسني إني لسه مرغوب… مش مجرد راجل داخل على مسؤوليات وخناق وخوف كل يوم.
شحب وجه رابيا بالكامل.
لكن محسن تابع بسرعة، وكأنه يحاكم نفسه قبل أن تحاكمه هي:
بس كل مرة… كل مرة كنت بقرب من الفكرة… ما بشوفش غيرك.
أشار نحوها بانفعال: حتى وإنتِ مرهقة… حتى وإنتِ بتخنقيني بشكك… حتى وإنتِ موجوعاني…
صوته اختنق فجأة:
ماعرفتش أتخيل غيرك في بيتي… في سريري… في حياتي.
بدأت دموع رابيا تنزل بصمت، بينما هو يضحك بمرارة:
عارفة الإحساس ده عامل إزاي؟ إنك تبقى محتاج تهرب من واحدة… بس قلبك ما يعرفش يحب غيرها هي.
وضعت يدها على فمها بصدمة موجوعة:
ليه تقولّي كده؟…
اقترب منها خطوة، وعيناه حمراء من الانفعال: عشان تعرفي إني بني آدم يا رابيا! مش ملاك… ومش حجر.
ضرب كفه فوق صدره:
أنا راجل… ولما مراتي وتفضل شاكّة فيا، وتخليني حاسس إني غريب في بيتي… أكيد هتعدي أفكار سودا في دماغي.
اهتزت شفتاها بعنف:
يعني كنت هتخوني…
صرخ فورًا:
لا! لو كنت عايز أخونك كنت عملتها من زمان!
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة…
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
أنا كنت بدور على طريقة أحس بيها إنّي لسه عايش… وفي الآخر كل الطرق كانت بترجعني عندك إنتِ.
انكسرت رابيا أكثر وهي تراه لأول مرة بهذا الضعف، بهذا الغضب، بهذا الصدق المؤلم.
أما هو… فوقف أمامها يلهث كأنه أخرج أخيرًا كل القبح والخوف والاحتياج الذي دفنه سنوات داخل صدره.
ظلت رابيا تنظر إليه بصدمة، وكأن الكلمات التي خرجت منه منذ لحظات ما زالت تصفعها واحدة تلو الأخرى.
أما محسن… فكان واقفًا مكانه يلهث، عيناه مشتعلتان، وكأنه هو نفسه لم يتوقع أن يخرج كل ما دفنه بهذا الشكل.
ساد صمت ثقيل…
ثم فجأة ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي راحة، وأدار وجهه بعيدًا عنها.
همس بمرارة:
شوفي وصلنا لإيه…
تحرك ناحية الطاولة بسرعة، التقط مفاتيحه وهاتفه.
انتبهت رابيا أخيرًا:
محسن… رايح فين.
لم ينظر لها وهو يرتدي ساعته بعنف:
أي حتة بعيد عن هنا.
ارتجف صوتها:
وإنت سايبني بالحالة دي.
توقف للحظة… قبض بقوة على المفاتيح حتى برزت عروق يده، لكنه لم يلتفت.
قال بصوت متحشرج:
لو فضلت دقيقة كمان هقول كلام يوجعنا إحنا الاتنين أكتر من كده.
اقتربت منه بخطوات مرتبكة:
محسن اسمعني…
استدار فجأة، وعيناه مليئتان بانكسار مرعب: لا… إنتِ اللي تسمعيني. أنا بقيت داخل البيت خايف. خايف أي تصرف يتحسب ضدي… أي تغيير فيا يبقى خيانة… أي تأخير يبقى ست تانية.
أشار ناحية صدره بعنف:
وأنا والله تعبت… تعبت أحارب علشان أفضل كويس في عين ست كل اللي حواليها بيقنعوها إني وحش.
نزلت دموع رابيا وهي تهمس:
أنا ماكنتش عايزة أوصلك لكده…
ضحك بوجع:
بس وصلتي.
ثم نظر لبطنها… وللحظة اهتزت ملامحه كلها، وكأنه على وشك التراجع.
لكن شيئًا داخله كان مكسورًا بالفعل.
قال بصوت أخفض:
أنا محتاج أبعد شوية… قبل ما أكره نفسي… أو أكرهك.
اتسعت عيناها بذعر:
تمشي وتسيبني دلوقتي
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال دون أن ينظر إليها مباشرة:
أنا لو قعدت هنا النهارده… هنهار.
تحرك نحو الباب سريعًا.
محسن.
نادته بصوت مرتجف موجوع، لكنه هذه المرة لم يتوقف.
فتحت الباب خلفه بسرعة:
محسن..
لكنه كان قد نزل أولى درجات السلم بالفعل.
وقفت عند الباب تبكي بصمت، تراه يبتعد دون أن يلتفت حتى.
أما هو… فكان ينزل الدرج بخطوات سريعة، يمرر يده فوق وجهه بعنف محاولًا التحكم في نفسه.
لكن الحقيقة التي كانت تخنقه الآن… أنه لم يخرج من البيت لأنه لم يعد يحبها...
بل لأنه يحبها أكثر مما يحتمل...
أغلقت رابيا الباب ببطء بعدما اختفى صوته تمامًا من السلم...
ثم استندت عليه فجأة، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها أكثر...
البيت كله بدا فارغًا بشكل مخيف…
صوته… غضبه… حتى انفجاره… كان أهون من هذا الصمت.
وضعت يدها فوق بطنها تلقائيًا وهي تتنفس بصعوبة، بينما عقلها يعيد كلماته بلا رحمة:
"فكرت أدور على واحدة تانية…"
أغمضت عينيها بقوة، لكن الجملة التالية كانت الأقسى:
"بس ما شفتش غيرك."
انزلقت دمعة ساخنة فوق خدها.
لأول مرة منذ شهور… شعرت أن محسن لم يكن غاضبًا فقط.
كان وحيدًا.
جلست على الأرض بجوار الباب، تضم ركبتيها إليها بتعب، وفجأة شعرت بذلك الألم في بطنها يعود أقوى.
شهقت بخفوت وهي تضغط مكان الوجع بكف مرتجفة:
يا رب…
أخذت نفسًا سريعًا تحاول تهدئة نفسها.
لكنها لم تستطع منع عقلها من العودة إلى حملها السابق… إلى الدم… إلى صراخها… إلى محسن وهو يحملها مذعورًا وقتها.
ارتجف جسدها بالكامل.
وفي نفس اللحظة، كان محسن يقود سيارته بسرعة أكبر مما ينبغي.
قبض على المقود بعنف، وعيناه جامدتان على الطريق، بينما صدره يعلو ويهبط بعصبية.
كان غاضبًا… منها… من نفسه… من تدخل والدتها … من كل شيء.
لكنه فجأة سمع صوت رابيا في رأسه وهي تقول بخوف:
"حسّيت نفس الوجع القديم…"
ضغط الفرامل فجأة عند أول إشارة.
أغمض عينيه بقوة، ثم ضرب المقود بقبضته: غبي… غبي.. يا محسن ضغطت عليها جامد.
مد يده سريعًا لهاتفه.
اتصل بها.
رن مرة… اثنتين… ثلاثة…
لا رد.
عقد حاجبيه فورًا وأعاد الاتصال.
وفي الشقة… كان هاتف رابيا يهتز فوق الطاولة بينما هي منحنية على نفسها قرب الباب، تحاول التحكم في ألمها وأنفاسها المرتجفة...
فتحت عينيها بصعوبة على صوت الرنين المتكرر...
نظرت لاسم محسن فوق الشاشة…
وشعرت بشيء داخلها ينكسر أكثر...
أما هو، فبمجرد عدم ردها تبدلت ملامحه كلها.
اختفى الغضب تمامًا.
ولأول مرة منذ خروجه… دخل قلبه خوف حقيقي مرعب.
همس لنفسه بذعر:
رابيا… ردي عليا.
❈-❈-❈
فى شقة كنان
وقفت غزال لعدة دقائق فى منتصف الغرفة… أصابعها ترتجف حول ذلك التيرمومتر الصغير وكأنه يحمل حكمًا كاملًا على حياتها، لا مجرد نتيجة عابرة...
عيناها كانتا معلقتين بالخطين الواضحين أمامها… واضحين بصورة لا تقبل الشك...
_حامل…
خرجت الكلمة داخل رأسها بطيئة، ثقيلة، كأن عقلها يرفض استيعابها رغم وضوحها القاسى.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم جلست على طرف الفراش فجأة بعدما شعرت بأن ساقيها لم تعودا تحملانها...
مرّت يدها فوق بطنها بلا وعى… حركة صغيرة مرتعشة، لكنها جعلت قلبها ينتفض بعنف.
_كنان…
أغمضت عينيها بقوة، وكأن مجرد التفكير باسمه الآن يزيد الأمر تعقيدًا...
منذ أسابيع وهى تشعر أنه ابتعد عنهت … خوفها الدائم، وكلمات راندا السامة التى ظلت تنهش عقلها:
الرجالة بيتغيروا بسرعة… خصوصًا لما الشغف يهدى.
لكن هذه اللحظة…
هذه النتيجة الصغيرة التى بين يديها… جعلت كل مخاوفها تتكدس دفعة واحدة فوق صدرها...
_هل سيفرح؟
أم سيشعر أنها حملت عليه مسئولية جديدة
ارتجفت أنفاسها، ونظرت مرة أخرى إلى النتيجة كأنها تتمنى أن تختفى...
لكن الخطين بقيا ثابتين… واضحين… مثل الحقيقة تمامًا...
وفجأة انفتحت باب الغرفة بهدوء.
دخل كنان وهو يفك أزرار كُمّ قميصه بإرهاق، لكن خطواته تباطأت فورًا عندما رآها بتلك الحالة… شاحبة، جامدة، وعيناها حمراوان بصورة أقلقته فورًا.
عقد حاجبيه مقتربًا بسرعة قائلًا:
غزال… مالك.
رفعت عينيها إليه ببطء… ثم أنزلت نظرها نحو الشيء الموجود بيدها.
تتبع كنان نظرتها، قبل أن يمد يده ويأخذ التيرمومتر منها دون فهم حقيقى.
ثانية…
ثم ثانية أخرى…
وببطء شديد تبدلت ملامحه.
كأن العالم كله توقف داخل عينيه...
رفع بصره إليها مرة أخرى، غير مصدق، وهمس بصوت خافت خرج مهتزًا على غير عادته:
إنتِ… حامل.
❈-❈-❈
بالمشفى…
بعد وقت طويل من القلق والأسئلة والوجوه المتوترة، خرجت الطبيبة أخيرًا من الغرفة لتطمئن الجميع أن حالة عهد مستقرة، وأن بقاءها الليلة بالمشفى فقط تحت الملاحظة لبضع ساعات...
تنهد الاتنين بارتياح...
أما فاروق…
فبقى واقفًا بصمته القاسى قرب باب الغرفة، كتفاه مشدودتان وعيناه ثابتتان على الباب وكأنه يخشى أن يبتعد عنه للحظة...
اقتربت منه والدة عهد قائلة برفق متعب:
إحنا هنمشى دلوقتى يا ابنى… الدكتور طمنا، وأنت موجود جنبها.
اكتفى بهزة خفيفة من رأسه.
ربت والدها على كتفه قبل أن يقول بصوت هادئ:
أهم حاجة متحسسهاش بضغط… شكلها تعبان نفسيًا.
تصلب فك فاروق قليلًا عند الجملة، لكنه أخفى اضطرابه سريعًا مرددًا:
حاضر.
غادروا بعدها بهدوء، لتسقط الممرات فى حالة سكون ثقيل...
وقف فاروق لثواني مكانه… ثم دفع باب الغرفة ببطء ودخل.
كانت عهد مستيقظة فوق الفراش، مازالت بشرتها شاحبة بصورة أوجعته رغم محاولته التماسك... لكن تبدوا هادئة، عكس المتوقع، ذلك دليل آخر عن أنها تناولت ذاك الدواء قصدًا
اقترب بخطوات بطيئة حتى جلس على المقعد الملاصق للفراش.
ظل يحدق بها طويلًا دون كلمة… بعينين مرهقتين تحملان غضبًا، خوفًا، ووجعًا لم يعرف كيف يفرقهما عن بعضهما...
ثم أخيرًا مد يده يمسك كفها البارد بين يديه، وضغط عليه بقوة
همس بصوت خافت متحشرج بغضب سائلّا
ليه يا عهد… ليه تعملي فى نفسك كده.