
رواية النغم الحزين الفصل التاسع عشر19 بقلم فاطيما يوسف
أول ما دخل لقى المكان هادي لحد ما قرب من أوضتهم سمع صوتها وهي بتعيط فتح الأوضة وشاف حالتها وهي نايمة وبتبكي بانهيار، قلبه وجعه عليها وقرب منها بلهفة،
حس بنغزة في قلبه وهو شايف دموعها مغرقة وشها وصوت شهقاتها عالي، ونسي كل زعله منها وبدأ ينادي عليها بصوت كله حنان وقلق حقيقي وهو بيحاول يصحيها من الكابوس اللي هي فيه:
ـ "نغم" ، فوقي إنتي هتحلمي، مالك؟
فتحت عيونها على صوته الدافي اللي أول ما قلبها يسمعه يحس بالأمان، وفي عز بكاها قامت ارتمت في حضنه وبتتمسك بحضنه جامد وبتشدد عليه وبتترجاه بضعف وكسرة إنها مش حمل بعده أكتر من كده:
ـ متسبنيش يا "سند" أني تعبانة من غيرك قوي ودنيتي وحشة من غيرك قوي بزياداك عقاب فيا وانت خابر زين إني مهعرفش أعيش من غيرك ولا هحس بالأمان غير في قربك وأنت بتطبطب علي.
اتنهد بأنفاس عالية وهي بين أحضانه وبيحاول يقاوم نفسه إنه ميضعفش قصاد رجاها وقربه منه، وريحتها اللي وحشته، حتى ضعفها بين إيديه بيزلزل كيانه، لكنه مجروح وموجوع منها، وخرجها من حضنه وحضن وشها بين كفوف إيديه وهو بيمسح دموعها بسبابته بحنان جارف وسألها وهو
بيتعمق النظر في عيونها اللي غرقت من البكا وحاول يفهم إيه اللي وصلها للحالة دي، وكان صوته فيه رنة خوف عليها رغم الوجع اللي ساكن قلبه:
ـ مالك هتبكي ليه عاد بالشكل دي فيه حد زعلك ووصلك للحالة داي؟
بصت له بعيون مليانة شوق ولهفة وحنين وجاوبته وهي لسه بتترعش من أثر الحلم اللي شافته، ومسكت في هدومه كأنها خايفة يختفي من قدامها "تاني:
ـ كنت هحلم بكابوس بشع، خليك جمبي متسبنيش تاني.
هرب بعيونه بعيد عنها وسابها وبعد عنها بأعجوبة وهو بيحاول يكون متمسك قدامها علشان متقرأش وحشتها ولهفته عليها في عيونها، وحاول يغير الموضوع ويسأل عن العيال علشان يداري ارتباكه:
ـ طب خلاص اهدي إنتي زينة وفي أمان، طمنيني العيال كيفهم؟
قربت منه وشدته من إيديه وبكف إيديها دورت وشه ناحيتها علشان تجبره برقتها إنه يبص جوة عيونها علشان تحاول تراضيه وميبعدش تاني أكتر من كده، وعاتبت قسوة قلبه عليها في بعده عنها:
ـ لو على الظاهر إحنا زين الحمد لله، أما أني وحشة خالص ومش مرتاحة وهحس باختناق وانت بَعيد عني، وكمان انت طلعت قاسي في زعلك، هنت عليك أسبوع بحاله تبعد عني، شوقك مجابكش لحدي وخلاك تحس إني مقدراش أعيش من غيرك.
وكملت بغيرة وهي بتبص له بلوم، ونار الغيرة بتاكل في قلبها من فكرة إنه ممكن يكون لقى راحته مع حد غيرها في غيبته:
ـ ولا "دعاء" خليتك مستغني عني وخلاص لقيت معاها اللي يخليك تنساني بسهولة اكده.
استفزته بكلامها وجاوبها بصرامة وهو بيحط حدود واضحة ومساواة بين حقوقها وحقوق غيرها، وأكد لها إنه مش من الرجالة اللي بتنساق وراء نزواتها وخصوصاً إنها عارفة مكانتها كويس عنده:
ـ انتِ وضع وهي وضع، وكل واحدة فيكم عارفة حالها زين تُبقى إيه، ولا إنتي تجيبي سيرتها ولا هسمح لها أبدا تجيب سيرتك، إنتي وهي حقوقكم متصانة وأني مش راجل شهواني وهمشي أريل اهنه وهناك علشان اللي في دماغك يا بت الناس.
سألته برقة وهي بتقرب منه وبتتمسح في صدره بدلال، وعيونها بتترجاه يقول لها كلمة تطمن قلبها الخايف من ضياع حبه:
ـ طيب خليني في حالي وجاوبني أني بالنسبة لك إيه ولساتك هتحبني ولا زعلك مني خلاك مطايقش تشوفني وكرهتني يا "سند"؟
وقف "سند" قدامها وكان نفَسه عالي كأنه طالع جبل، وعيونه كانت بتلف في المكان بوجع وغضب، "نغم" كانت واقفة قدامه، ملامحها دبلانة، وعيونها اللي غرقت من البكا تاني كانت بتترجاه من غير كلام، لما سألته سؤالها اللي خلاه ابتسم بسخرية على عقلها الصغير ، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة، سكت كتير، وصمته كان واجع أكتر من أي عتاب،
بص لإيدها اللي كانت بتتحسس صدره وبتدور على نبضه، ورفع عينه في عينها، النظرة كانت مليانة عتاب مر، ورد عليها بصوت واطي بس فيه هيبة تخوف:
ـ أني أكرهك يا "نغم"؟ يا ريت القلب ليه مفتاح، كنت قفلته وريحت بالي من وجع القلب ومن التفكير في اللي بيناتنا ، مشكلتي معاكي يا بت الناس مش كره كيف ما عقلك الباطن هيوهمك وإنتي خابرة زين للمرة المليون إنتي عندي تسوي ايه عاد، مشكلتي إنك هزيتي صورتي قدام حالي، أني كنت فاكر إني بنيت ليكي دار أمان ميوصلهاش خوف واصل، قمتي إنتي هديتي السقف فوق راسي عشان خايفة من بكرة، هو بكرة دي بتاع مين غير بتاع ربك اللي خلقك وخلقني؟
"نغم" رجعت خطوة لورا، بس مسبتش إيده، فضلت ماسكة فيها كأنها ماسكة في طوق نجاة، وقالت بصوت مكسور:
ـ أني خفت يا "سند" الخوف دي واعر، والواحدة منينا اللي عاشت حياتها كلاتها رعب وخوف لما بتشوف الفرح كل شوي هتبص وراها تستنى الضربة الجاية منين، أني اتضربت كَتير، وانكسرت كَتير، و"سمير" وامي "رابحة" والدينا كلاتها كانت علي، لما جيت إنت وفتحت لي باب جنتك، خفت الجنة تتقفل في وشي، قمت من خوفي منيهم قفلتها أني على حالي قبل ما تضيع مني واني فاهمه جواي إن اكده بحافظ على جنتي مش بضيعها من يدي.
ضحك "سند" ضحكة كلها مرار وسخرية، ورد عليها وهو بيبص للسقف بوجع:
ـ قفلتيها على حالك؟ لا يا "نغم" إنتي قفلتيها في وشي أني، حرمتيني من حلم كنت هبني عليه دنيتي الجاية، أسبوع بحاله يا "نغم" وأني موجوع وحضن الحنان اللي كنت هرتمي فيه جوة ضلوعك وهحس انك هدية القدر طلع وهم كَبير، وإنتي اللي كنت هقول عليكي راحة البال ألاقي الغدر مستخبي لي في حباية دوا وهمتك إنك اكده في امان .
قربت منه أكتر وقالت بلهفة:
ـ غدر يا "سند" ؟ والله ما كان غدر، أني كنت بداوي خوفي بغلط، بس وحياتك عِندي انك وحشتني.. وحشتني لدرجة إني كنت بشوف خيالك في كل حتة، وأسمع صوتك في الهوا، هان عليك تنام بَعيد عني؟ هان عليك تسيبني للكوابيس تاكل في قلبي لحالي؟
بص لها نظرة قاسية، وصوته على فجأة زي الرعد:
ـ وهان عليكي تخدعيني؟ هان عليكي تخليني أحلم بالضنا وأني مخدوع؟ أني "سند الناجي" يا "نغم"، اللي كلمته سيف، واللي أمانه عهد، إنتي كسرتي العهد دي، والغيرة اللي هتحكي عنها دي مش غيرة، دي قلة ثقة فيا، أني لو رايد راحتي مع غيرك مهستناش إذن منك، بس أني اخترت قلبي، وقلبي اختارك إنتي، ليه بتصغري صورتي في نظرك بالشكل ده؟
مقدرتش تقاوم أكتر، ارتمت بين أحضانه وهي بتبكي بوجع يقطع القلب، وماسكة في هدومه وبتعتذر بكسرة:
ـ حقك عليّ، وبزياداك زعل واني عرفت عليكي بس متسبش حضني تاني ، الدنيا من غيرك مسخ، واللقمة في بوقي مرار، أني بغير عليك من الهوا، وبخاف عليك من نفسي ومن خوفي، سامحني المرة دي، وعهد الله عندي لو طلبت روحي ما تغلى عليك يا "سند".
خلصت كلامها وقعدت في الأرض تبكي زي عادتها دايما حتى وهي كانت مع "سمير" اللي عودها تترجاه وهي تحت رجليه علشان يسامحها عن غلطها المزعوم في وجهة نظره ويخفف عقابه عنها، "سند" نزل لمستواها، ورفعها من الأرض بقوة، وعيونه كانت بتطق شرار وحزن في نفس الوقت على استهانتها لنفسها :
ـ قومي، قومي ومتميليش راسك تاني واصل مهما حُصل ولا لاي بني ادم على وجه الارض ، أني محبيكش "نغم" الضعيفة اللي هتبوس الأيادي، أني حبيت "نغم" اللي كانت هتشوف في عيوني الأمان وتطمن، اوعاكي في يوم من الايام أبدا تستضعفي حالك وتذلي نفسك لأي مخلوق على وجه الأرض ، إنتي وجعتيني وجع ميتنسيش بالساهل.
وكمل بلهفة وشوق:
ـ بس وحشتيني.. وحشتيني يا بت الناس لدرجة خلتني أجي النهاردة وأني حالف اني هحافظ على كرامتي ورجولتي اللي جرحتيهم بيدك، بس أول ما سمعت صوتك هتموتي من الخوف، قلبي طار مني.
بدأ "سند" يلف في الأوضة بضيق، ويبص للأوضة اللي شهدت اجمل أوقات قربهم ويبص لها، والغيرة والغضب والحب كلهم بيتصارعوا جواه. وفجأة، وقف قدامها وقال بصوت حاسم:
ـ هنسى يا "نغم" و هسامح علشان بقيت حافظك اكتر من نفسك، وعشان قلبي اللي عصاني وطاعك إنتي، بس قسماً بالله يا "نغم" ، لو حسيت مرة تانية إنك مدارية عني ولو حتى النَفس، مهتلاقيش غير غباري في الدار دي فاهمة؟
هزت راسها بسرعة والدموع نازلة زي المطر، بس الفرحة بدأت تبان في عيونها، قربت منه بحذر، وحطت إيدها على قلبه، وقالت بهمس :
ـ فاهمة، والله فاهمة. طيب وقلبك لساته شايل مني؟
خد نفس طويل، كأن جبل انزاح عن صدره، ومسك إيدها وضغط عليها بقوة:
ـ قلبي دي هو اللي هيدفع تمن ضعفه وياكي ،تعالي يا "نغم" تعالي في حضني، خلينا نداوي اللي انكسر، لعل وعسى ليلنا دي يمسح سواد الأيام اللي فاتت.
وفي لحظة، جذبها ليه بقوة، وغرقوا في حضن طويل، حضن فيه ندم ولهفة وشوق ملوش آخر، كانت بتتشبث فيه كأنها خايفة يختفي، وهو كان بيشدد في ضمتها وهو بيغمض عينه، وبيستشعر دقات قلبها اللي كانت بتنادي باسمه، سكت الكلام، وبقيت لغة الأنفاس والقلوب، بيعلنوا نهاية أسبوع الجمر وبداية صفحة جديدة، غسلها دمع "النغم الحزين" على صدر "السند" اللي مبيعرفش يميل،
وبعد العتاب اللي هز كيانهم، هدي كل شيء، "سند" شالها وحطها في سريرهم بحنان، وقعد جنبها يمسح على شعرها، وعينه بتقول كلام ووعود ليهم ألف معنى، نامت وهي متشبسة في أحضانه، و"سند" فضل سهران بيفكر في اللي جاي، بس الأكيد إنه الليلة رجع قلبه وكيانه لبيته الحقيقي.
******
دخلت "مريم" على أخوها "يونس" وهي بتفرك إيدها ببعض بابتسامة خبيثة، وكأنها ماسكة عليه ذلة أو خبر هيخليه يلف حول نفسه من الغيرة:
ـ تعالى ده أنت فايتك حاجات كتير قوي هتخليك تولع نار يا حظابط.
بص لها "يونس" بضيق وهو بينفخ، لأنه عارف إن دخلة "مريم" دي ديماً وراها مصايب أو أخبار بتعكر صفو يومه وتقلب دماغه:
ـ في إيه يا أخبار النكد يا وش الهم انتِ أنا عارف إنك مش هيجي من وراكي غير الأخبار اللي تسد النفس.
لوت بوزها بتمثيل وهي بتعمل نفسها زعلانة، وقررت تضرب ضربتها القاضية وتجيب سيرة "مهرة" علشان تشعلل النار في قلبه وتشوفه وهو مكوي بنار الحب منظر كان نفسها تشوفه من زمان:
ـ كده طب تمام ابقى شوف بقى مين هيعرفك أخبار حبيبة القلب "مهرتي" صاحبتي القمر اللي عن قريب هتبقى عروسة.
اتنفض من مكانه وعيونه برقت من الغضب، وحلف بيمين إنه ممكن يقلب الدنيا فوق دماغ الكل لو الموضوع ده طلع حقيقي:
ـ إيه! عروسة مين دي إن شاء الله أقسم بالله آجي أهد عليكم المستشفى باللي فيها أنا جبت آخري خلاص.
ضحكت "مريم" بانتصار وهي بتهديه ببرود مستفز، وكأنها بتمن عليه بإنها أنقذت الموقف وطيرت العريس من قدام صاحبتها:
ـ اهدى بس إحنا محتاجينك تهدي أعصابك يا باشا، أختك العبدة لله خلصتك من الموضوع ده وطيرت الدكتور اللي كان هيموت عليها ومش عايزة أقول لك الراجل حزين قد إيه علشان ما وافقتش بيه.
استغفر ربه وهو بيحاول يسيطر على أعصابه، وسألها بلهفة ممزوجة بعتاب عن هوية الدكتور ده وإزاي مكنش عنده علم بكل اللي بيحصل:
ـ استغفر الله يا رب، ممكن أفهم دكتور مين ده إن شاء الله وعايز منها إيه وإزاي تقدم لها كذا مرة و انتِ ما تعرفينيش؟
والله العظيم مش أنا أخوكي وهي صاحبتك أنا حاسس إنك بتحبيها وبتقفي صفها أكتر مني.
ردت عليه بفتخر وهي بتأكد على جدعنة "مهرة" وإنها بتعتبرها زي أختها، ودافعت عن الستات بطريقتها اللمضة اللي بتجننه:
ـ آه صاحبتي وحبيبتي ما أحبهاش ليه بنت جدعة وبمليون راجل وبتحبني وكمان ما عندهاش النوايا الخبيثة اللي قابلتها في بنات كتير ليه بقى ما أحبهاش وأتعلق بيها، وبعدين إحنا نسوة زي بعض لازماً ندافع عن بعض وانتم الرجالة اللي لازم تصالحونا وتتحايلوا كمان.
رفع حاجبه باستنكار من منطقها الغريب، وسألها بسخرية عن إزاي الرجالة هما اللي يشيلوا الليلة ديماً حتى لو الستات هما اللي بدأوا بالنكد:
ـ يا سلام يعني انتم اللي تنكدوا وتعملوا المشاكل وإحنا اللي نصالح كمان؟
خبطت كف على كف وهي بتضحك بخفة، وردت عليه بمنتهى الثقة وكأن ده حق مكتسب للستات مفيش فيه نقاش:
ـ الله يعني إحنا ننكد وكمان نصالح ده إيه الجبروت ده يا جدع اللي في الرجالة.
هز راسه بيأس من لسانها اللي مبيخلصش، وطالبها تدخل في المفيد وتحكي له حكاية الدكتور "حازم" ده من البداية:
ـ أنا عارف إن انتِ لمضة ولسانك طويل ومش هخلص معاكي انجزي وقولي إيه حوار العريس ده؟
بدأت تحكي له بالتفصيل عن الدكتور "حازم" وإعجابه بـ "مهرة" من أول يوم، وإزاي بيحاول يتقرب منها ويخليها في فريقه بالعافية:
ـ "ده دكتور حازم دكتور العلاج الطبيعي يا سيدي من يوم ما استلمت وكيوبيد الحب صابه وعشق الدكتورة "مهرة" ومن يومها وهو بيحاول بكل الطرق يخليها تحت فريقه، وبدأ يقرب منها وهي كانت مستغربة بس إحنا كنا فاهمين يعني لحد ما طلبها للجواز وهي رفضت وطلبها تاني وهي رفضت وسمعت إن هو رشحها في المؤتمر اللي إحنا رايحينه كمان أسبوع وقرر إن هو يفاتحها في الموضوع تاني هناك في بلاد الغرب.
جز على أسنانه بغل وهو بيتوعد لـ "مهرة" وللدكتور:
ـ نهارها مش فايت هي والدكتور حازم ده كمان، الهانم بتستغفلني والله ما هعديها لك يا "مهرة".
نصحت "مريم" أخوها إن العناد مش هيجيب نتيجة مع "مهرة"، وقدمت له الحل السحري :
ـ لا بقول لك إيه اهدى على نفسك العند مش هيجيب نتيجة مع "مهرة" خالص أنا سمعت إن المؤتمر بتاعنا خطير وهيحتاج تأمين من وزارة الداخلية فأنت دورك يا باشا إن أنت تيجي المؤتمر مع فريق الأمن.
استغرب "يونس" من اقتراحها وسألها إزاي هيتحول من ظابط مخابرات لظابط عمليات تأمين، وكأن الموضوع بالبساطة دي:
ـ يا بنتي أنا ظابط مخابرات مش ظابط عمليات هعملها إزاي دي؟
اتحدته بذكاء وهي بتفكر بإن "يونس الهلالي" يقدر يعمل المستحيل لو حب، وشجعته يستغل علاقاته علشان يضمن مكانه في السفرية دي:
ـ بقى انت "يونس الهلالي" مش هتعرف تعملها إزاي انت حر بقى، أنا قلت لك الطريقة اللي هتعرف تتكلم معاها وكمان لما تشوف مخاطر شغلك هتعذرك اكتر، كلم أي حد من حبايبك يحطك وسط المؤتمر ولو حتى ضيف شرف يا سيدي.
وافق "يونس" في النهاية وهو ناوي ينهي كل الحوارات دي في السفرية، وعيونه بتلمع بتصميم إنه مش هيسيب تاني أي حد يقرب من ملكيته:
ـ تمام اعتبريني معاكم ومش راجع من السفرية دي إلا وكل حاجة خلصانة، بس أما أشوفها تفكر إزاي تخلي راجل يقف يتكلم معاها ويعرض عليها الجواز كمان.
******
قرب منها وعيونه كانت بتطلع شرار وهو بيحذرها بلهجة قوية من كلامها مع الدكتور اللي بيحوم حواليها:
ـ قسماً عظماً يا "مهرة" لو ما بعدتِ عن الدكتور الملزق ده وأخدتِ لك سكة وكنيتِ نفسك في أم السفرية الهباب دي لهكون مفشفش لك عضمه خالص، ما تطلعيش غضبي وجنونتي كفاية عنادك وراسك الناشفة علشان أنا جبت آخري.
كانت ماسكة تقرير في إيديها بتراجعه أول لما شافته جاي عليها وغضب الدنيا مالي عيونه عرفت على طول هو جاي لها ليه وعملت نفسها مشغولة ومش سامعاه ولما لقى تجاهلها مسك التقرير من إيديها بغضب وكمل كلامه بأمر
وبص لها بحدة وهو بيحط النقط على الحروف بلهجة مفيهاش تراجع وكأنه بيفرض عليها أمر واقع ملوش تاني:
ـ اعملي حسابك كتب كتابنا بعد ما نخلص من المؤتمر ده ونرجع وده آخر كلام ما بيني وما بينك.
فتحت عيونها بدهشة ورفعت حاجبها بذهول واستنكار، وردت عليه بكل قوة وثبات وهي مش هاممها العصبية اللي هو فيها ولا صوته العالي:
ـ هو إيه اللي هتقوله دي يا حضرة الرائد؟! هو انت مفكِر حالك و الدخلة اللي انت دخلتها علي داي وحبة الصوت العالي دي معناته إني خفت واترعبت ولا خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم؟!
وكملت كلامها وهي بتحضن الورق اللي شدته من إيديه بين صدرها وبصت له بتحدي، ووضحت له شروطها في الراجل اللي ممكن تقبل ترتبط بيه وتديله قلبها:
ـ أني يوم ما أفكر أتجوز وأرتبط بحد لازم يكون عنده ثقة فيا ويحكي لي كل حاجة عنه من يوم ما اتولد وأهم حاجة بيناتنا تكون الصدق.
خلصت كلامها ومشيت من قدامه بأقدام مسرعة وهي شايفه ملامحه مصدومة والغضب ماليها، اتجنن من كلامها وجري وراها ومسكها من دراعها وخلاص الصبر نفذ وقال لها بغضب وبأمر لا يقبل النقاش وهو بيعلن ملكيته ليها، وشد عليها في الكلام وهو مش قادر يسيطر على غيرته، وأكد لها بلهجة حاسمة إنها ملكه هو وبس ومش هيسمح لأي قوة في الدنيا تبعدها عنه:
ـ انتِ ملكي يا "مهرة" وفاهمة كويس إني عمري ما هسيبك وكفاية بقى عناد لحد كده، صدقيني يا "مهرة" العناد ما بينا مش هيولد غير القهر والوجع، إيه يا ماما كفاية بقى لحد كده بجد يعني هعمل لك إيه تاني.
وكمل بلسان حاد وعصبية وهو بيحسسها بمدى ضغطه النفسي بسبب شغله الصعب وتجاهلها لمشاعره الصادقة، وكأنه بيخيرها بينه وبين روحه:
ـ يعني أموت لك نفسي يعني مثلاً عشان تستريحي وتعرفي إن شغلي صعب؟
عند الكلمة دي ما قدرتش تتحمل وفجأة حطت إيديها على شفايفه وهي بتنهاه بخوف حقيقي بان في عيونها، ونطقت بلهجتها الرقيقة وهي بتدعي له بطول العمر:
ـ إيه الكلام اللي هتقولوا دي؟ بعد الشر عنك.
سهم عيونه جوة عيونها وفرح جدا لما قرأ الخوف جواهم عليه واتمسك بإيديها وهو بيعتذر لها بلهفة، وبيأكد لها إنه مش شايف ولا عايز يشوف ست غيرها في الدنيا دي كلها:
ـ طب خلاص حقك عليا نهدى بقى ونتصافى علشان انتِ عارفة إنك كل حاجة ليا وإني بحبك بجد وما أقدرش أشوف نفسي مع ست غيرك وفي نفس الوقت ما أقدرش أسيبك لراجل غيري تبقي بتحلمي.
شدت إيديها منه بهدوء وهي بتبلع أنفاسها بصعوبة وبتقول له وهي بتدي له ظهرها، وبدأت تحكي له عن الوجع والصراع اللي عايشة فيه بسبب فرق المقامات اللي شايفاه:
ـ انت ما هتفهمش الصراع اللي جواي عامل كيف يا "نعمان"، قبل سابق أني حبيتك عشان ظروفك كيف ظروفي، إحنا الاتنين اتولدنا في بيئة صعبة ونفس ظروفنا الاجتماعية هي هي، أما دلوك انت في مكانة تانية واصل بعيدة عن مكانتي، انت فوق في السما وأني لسه تحت مكاني، هتواجه بيا المجتمع كيف؟
وكملت وهي بتلف وشها وعيونها سكنت عيونه وبتسأله سؤالها المرير اللي كان جواها آلام تكفي العالم كله من ساعة ما عرفت حقيقته ومكانته الجديدة:
ـ هتقول لهم إني كنت هلف بين الإشارات وأبيع مناديل؟ هتقول لهم إن أبوي كان صاحب كيف وهيشغلني أني وإخواتي البنات بلقمتنا؟ هتقول لهم إني اتولدت فقيرة وعشت فقيرة واتمرمطت في الدنيا لحد ما وصلت للي أني وصلت له دي كيف؟
سكتت لحظة وهي بتفكر في عيلته ورد فعلهم، وحست إن السكينة بتدبـ.ــح في قلبها كل يوم وهي بتفكر إن حبهم ده ممكن يكون مستحيل بسبب الماضي:
ـ طب سيبك من المجتمع، هتقول إيه لوالدتك عني وعن الماضي اللي يخصني؟ انت ما فاهمش الصراع اللي جوايا هيموتني وهندبـ.ــح كل يوم بسكـ.ــينة تلمة وأني هفكر إننا ما ننفعش لبعض؟
قرب منها ومسكها من كتافها وهو بيشدد عليهم بقوة وبيأكد لها إن كل الظروف دي متهمهوش، وإن فكره وعقله هم اللي اختاروها مش مستواها المادي:
ـ ظروف اجتماعية إيه اللي انتِ بتتكلمي عنها دي يا "مهرة"؟ أنا حبيتك انتِ وقت ما حبيتك ما فكرتش انتِ مين ولا بنت مين، ولما قلبي اتعلق بيكي ما فرقش ما بين كونك غنية أو بسيطة، الحاجات دي ما بقتش موجودة زي زمان دلوقتي اللي بيقرب الطبقات من بعض هو العلم والفكر وانتِ ما شاء الله اسمك الدكتورة "مهرة" وأنا الرائد "يونس"، إيه اللي يمنع إن الرائد يتجوز الدكتورة على سنة الله ورسوله؟ الماضي ماليش علاقة بيه نهائي.
وكمل وهو بيقرب منها شوية وبيتعمق النظر جوه عيونها وبيأكد لها إن كفاحها ده هو اللي خلاه يعشقها، وإنها في نظره أغلى وأشرف بنت في الدنيا:
ـ صدقيني يا "مهرة" انتِ بالنسبة لي أغنى بنت في الدنيا بشرفك وأخلاقك وكفاحك اللي لو الدنيا كلها عرفته هيتمنوا منهم يعرفوكي ويتشرفوا إنهم يصاحبوكي ويقربوا منك كمان، صدقيني انتِ عمرك ما كنتِ قليلة أبداً ولا هتكوني، أمال أنا قلبي حبك ليه؟ من قوتك وكفاحك، انتِ اللي زيك يتبني لها تمثال.
كانت قدامه ضعيفة ومكسورة وشبح الماضي بيدور في دماغها، ورغم إن كلامه كان بلسم لجروحها إلا إن خوفها من نظرة الناس كان لسه مسيطر عليها:
ـ أني فاهمة كلامك زين ومقدرة إنك هتشوفني بعين الحبيب، لكن فكر تشوفني بعين المجتمع والناس، هتلاقي إن ما فيش تكافؤ اجتماعي ما بيني وما بينك، صدقني الناس ما هترحمكش ولا هترحمني، لما تقابلنا وانت حبتني وأني حبيتك كنت انت الطالب اللي بيشتغل حارس عمارة علشان يصرف على حاله ويكمل تعليمه ويبني مستقبله، وأني كنت البنت اللي بتشتغل وبتكافح علشان تصرف على تعليمها وعلى إخواتها وأمها المريضة وأحس إن ليا كيان واسم، وقتها كان في تكافؤ ما بيني وما بينك في الظروف، أما دلوك قل لي هتواجه المجتمع إزاي بالماضي بتاعي وخصوصاً إني كان حوالي ناس هيتمنوا لي كل الشر في كل مكان.
اتمسك بيها وبقربها وبوجودها في حياته بكل قوته وهو بيأكد لها مراراً وتكراراً، وقلب الآية عليها علشان يثبت لها إن الحب الحقيقي مبيعرفش فروقات:
ـ اللي يقول يقول واللي يعيد يعيد مالي أنا ومالهم ومال تفكيرهم العقيم، تعالي نبدل الأدوار، لو كنتِ انتِ صاحبة المال والواجهة وإنك سيدة مجتمع وأنا الطالب الغلبان اللي بيصرف على نفسه وقابلنا بعض وحبينا بعض، هل كنتِ وقتها هتسيبيني وهتقولي تكافؤ اجتماعي؟
بص لها بعمق وهو بيوعدها إنه مش هيلاقي زيها تاني أبداً، وإن قلبه اختارها هي من وسط كل البنات اللي شافها في حياته:
ـ ما افتكرش يا "مهرة" إني هلاقي زيك تاني مهما عشت ومهما شفت، ما فيش غير "مهرة" واحدة بس اللي قدرت تأسر قلب "النعمان" مهما لف ودار بلاد العالم كلها، أنا متمسك بيكي لآخر نفس في عمري.
سألته بتردد وهي لسه شايلة هم أهله، وخايفة إن الماضي بتاعها يكون عائق قدام قبولهم ليها في العيلة:
ـ طب ووالدتك وأختك هتحكي لهم عن الماضي بتاعي وهتقول لهم إيه ويا ترى رد فعلهم هيكون إيه عن حياتي اللي فاتت؟
جاوبها بكل شجاعة وهو بيطمنها إن أهله ناس طيبين ومكافحين، وإن كفاحها في الشوارع زمان هو وسام شرف مش حاجة تتخجل منها:
ـ أمي وأختي يتمنوا لي كل الخير اللي في الدنيا، وعلى فكرة ماما ست مكافحة جداً وبابا لما اتجوزها كانت من عيلة بسيطة يعني الحاجات دي عندنا عادية جداً، أما موضوع إنك كنتِ بتلفي بين الإشارات ده شغل زيه زي أي شغل طالما بشرفك وكنتِ في الشارع أحسن من أي راجل بيشتغل، ما حدش له حق يعترض على كفاحك وتعبك اللي المفروض يحصل فعلاً هو إنك لازم تشوفي الفخر في عيون كل الناس على طريقك الصعب يا "مهرة".
عيونها كانوا بيلمعوا بالدموع وهي بتسمع كلامه واعترفت له بحبها الكبير، وطلبت منه يواجه أهله بالحقيقة من البداية علشان تدخل بيتهم وهي مرفوعة الراس:
ـ أني حبيتك لااه عشقتك يا "نعمان" وما تفتكرش إنك لما رجعت قاوحت حالي كتير وكان ممكن أسامح وخصوصاً إنك رجعت لي بخير، بس موضوع التكافؤ اللي ما بيني وبينك كان السبب الرئيسي في إني أتعذب وأعذبك وياي، فممكن تتكلم مع والدتك وأختك وتعرفهم ظروفي وحياتي علشان البيت اللي هدخله لازماً يكونوا عارفين عني كل حاجة وما هسيبش حاجة للظروف هي اللي تعرفها لهم علشان نكون على نور من البداية، ولما نشوف رد فعلهم وقتها هتلاقيني فاتحة لك قلبي وروحي وكل البيبان بكل ترحاب.
نفخ بضيق وضرب كف على كف وهو مش طايق دماغها الناشفة، وقرر ينهي الموضوع بذكاء ويغير المجرى لموضوع الغيرة اللي حـ.ــرق دمه:
ـ يادي أم الدماغ الناشفة دي أنا على آخري يا "مهرة" منك ومن عنادك ودماغك أنا ماليش فيه الكلام ده، انتِ في المؤتمر ده تبعدي نفسك خالص عن أي زميل علشان الأخ اللي كان بيحوم حواليكي قال إيه وعايز يخطب حضرتك وشايفك فتاة أحلامه علشان شايف إن الهانم مش مرتبطة بحد وأنا مش هقدر استحمل كده يا "مهرة"، وإذا كان على ماما بسيطة نكلمها فيديو دلوقتي أنا وانتِ وأعرفك عليها لحد ما نرجع والنقط تتحط على الحروف.
برقت عيونها بدهشة من استعجاله اللي ملوش حدود، وردت عليه وهي بتحاول تهدي ريتم الأحداث السريع اللي هو عايزه:
ـ جرى إيه يا حضرة الرائد هو سلق بيض ولا إيه؟ اصبر لما نرجع وبعدين كل حاجة تتم بالأصول.
مخلصتش كلامها وبص لقى الدكتور اللي ديما بيخترع أي أسباب علشان يتكلم معاها جاي عليهم، فجز على أسنانه بغضب ووصفه بالبني آدم السمج:
ـ أهو التناحة اللي في الدنيا كلها جاي هناك أهو بني آدم سمج، وعليه ابتسامة باردة شبهه.
ابتسمت بصمت على طريقته وكلامه وطلبت منه يبعد علشان تشوف شغلها، وده اللي خلاه يتعصب أكتر ويصمم إنه مش هيتحرك من مكانه:
ـ هو هتلاقيه جاي في شغل وبيطلب مني حاجة علشان الاجتماع الطبي بتاع بالليل، يعني شغل يا "نعمان" ممكن تبطل الأفكار اللي في دماغك دي وتمشي علشان أشوف شغلي وبعدين نبقى نتكلم بعدين.
رفع لها حاجبه بسخرية واتكلم بنبرة حادة وتصميم، وهو بيديها تعليمات إزاي تتعامل مع الدكتور ده ببرود لحد ما يطفش:
ـ أمشي مين؟! طب أنا واقف ومش هتحرك من مكاني وأما أشوف مين فينا اللي هيمشي، عايزك تتعاملي معاه ببرود ووش خشب خليه يحل بقى ويفارق يا إما أنا اللي هتعامل معاه مش ناقصة هي تناحة تجنن الواحد.
استغربت "مهرة" من طلبه ودافعت عن الدكتور بإنها محتاجة الفرصة دي في المؤتمر، وخايفة إن "نعمان" يبوظ لها كل اللي وصلت له بطريقته دي:
ـ وه بقى! عايزني أتعامل ويا الدكتور اللي هشتغل تحت يده وكان السبب إني آجي المؤتمر وآخد فرصة عظيمة كيف داي بالطريقة المهينة داي؟ أرجوك يا "نعمان" ما تبوظليش شغلي؟
رد عليها بعصبية وهو بيعرفها إنه كاشف كل حركات الدكتور ده:
ـ بلا "نعمان" بلا زفت، عايز حاجة منك تخص الشغل يطلبها منك على جروب الشغل بتاعكم اللي انتِ مفكراني مش عارف عنه حاجة، ما ياخدهاش حلوانة في سلوانة وكل شوية يتلكك ويجي يقف معاكي، ما تفكرينيش مش عارف إن هو طلب إيدك للجواز وتقولي أنا نايم في العسل أنا عارف كل أستاذة.
خبطت على صدرها بدهشة من معرفته بكل التفاصيل، وعرفت إن أخته "مريم" هي اللي بتوصل له كل الأخبار أول بأول:
ـ وه! حتى كمان داي هتعرفها؟ هي أختك ما بيتبلش في بقها فولة؟ يعني أفضفض لها بكلمتين تروح تفضيهم في حجرك على طول؟ ماشي يا "مريم".
ابتسم بنصر وهو بيأكد لها إن أخته في صفه وبتحب مصلحته، وإنها بتساعده يوصل لحبيبته ويحميها من أي حد يقرب منها:
ـ أختي يا ستي وبتحب أخوها وبتخاف على مصلحته وبتساعدني علشان أستقر مع اللي بحبها.
قبل ما يكمل كلامه كان الدكتور وصل وهو بيبتسم لها بسمته الهادية، وسأله بفضول عن هويته وهو معتقد إنه مجرد حارس أمن للمؤتمر:
ـ مساء الخير يا حضرات، أظن حضرتك من فريق الأمن اللي جاي تبع المؤتمر؟
ابتسم له "يونس" بسماجة وهو بيجاوبه بحزم وبأكد له رتبته ومكانته، وعرفه كمان إنه أخو الدكتورة "مريم" :
ـ أنا قائد فريق الأمن من مكتب العمليات الرائد "يونس الهلالي" وكمان أخو الدكتورة "مريم الهلالي"، تشرفنا.
اتحمحم الدكتور وهو بيبص له بنظرات غريبة بسبب طريقته الباردة، ورد عليه بذوق وهو بيتمنى السلامة للكل في المهمة دي:
ـ تشرفنا يا حضرة الرائد وربنا معانا كلنا ونرجع بلدنا بالسلامة.
وبص لـ "مهرة" وهو بيبدل ملامح وشه المتهجمة لملامح مبتسمة، وعرض عليها عرض العشا اللي خلى "نعمان" يفقد أعصابه تماماً:
ـ بقول لك إيه يا دكتورة الاجتماع تقريباً اتلغى لظروف أمنية حضرة الرائد أكيد عارفها، إيه رأيك أعزمك على العشا النهاردة وبالمرة نتكلم مع بعض؟
هنا قرب "يونس" منه وهو بيمد له إيده ببرود، وأعلن عن مفاجأة الخطوبة قدام الدكتور علشان يكسفه ويحط حد لتصرفاته:
ـ نسيت أكمل لك بقيت تعريفي بنفسي، وأبقى خطيب دكتورة "مهرة" وعن قريب هنعلن خطوبتنا، ويا ريت بلاش العروض بتاعتك دي علشان ما عندناش بنات تخرج مع رؤسائها يعني من الآخر يا دكتور طريقك زراعي.
الدكتور اتصدم من الرد والموقف المحرج اللي اتحط فيه، وبلع ريقه بصعوبة وهو بيعتذر لـ "مهرة" بلهجة فيها عتاب إنه مكنش يعرف إنها مرتبطة:
ـ ألف مبروك، طب ليه حضرتك ما قلتيش إنك مخطوبة وأنا كنت احترمت كده؟ عن إذنك يا دكتورة "مهرة"؟
"مهرة" كانت واقفة مكسوفة جداً ونفسها الأرض تبلعها من الموقف، وزاد كسوفها لما سمعت رد "نعمان" الساخر والدكتور ماشي بكل ذوق:
ـ مع السلامة يا دكتور وما تقطعش الجوابات ونبارك لك في الأفراح بإذن الله.
حطت إيديها على بقها بصدمة من طريقته اللي اتغيرت وبقت شديدة وحادة، ولومته على إحراجه للدكتور "حازم" بالشكل المهين ده:
ـ إيه طريقتك داي يا "نعمان"؟! ولا "نعمان" إيه بقى اللي كان بيجبر الخواطر ويعامل الناس كلاتها بوقار، أني نسيت إنك مش حارس العمارة اللي حبيته وإنك حضرة الرائد "يونس"، انت كسفته جداً والله ودي الدكتور "حازم" محترم جداً.
رفع حاجبه بسخرية من كلامها ورد عليها وهو مش ندمان أبداً، وشايف إن تصرف الدكتور ده هو اللي مكنش فيه احترام من البداية:
ـ طب ما يتكسف هو كان من بقية أهلي ولا حاجة؟ وبعدين هو إزاي البني آدم ده يعرض عليكي إنه يخرج معاكي بالليل هو ده الاحترام من وجهة نظرك؟
وكمل بنبرة حادة وهو بيسألها بعيون صارمة، واستغرب إزاي هي زعلانة على الدكتور ومش مقدرة الغيرة اللي هو فيها كراجل بيحبها:
ـ وبعدين مال جنابك زعلانة عليه كده ليه ما يزعل ولا يفلق دماغه في الحيط، هو البعيد أعمى مش شايفك واقفة مع واحد طول بعرض وجاي يقول لك نخرج؟ والله كان هاين علي أدي له بوكسين يفوقوه علشان يبطل شغل السهتنة اللي ميلقش على الرجالة ده، لا وكمان دكتور.
برقت "مهرة" بعينها وهي مستغربة من تبدل لسان "نعمان" والكلمات الجديدة اللي مكنتش متعودة تسمعها منه أبداً:
ـ هااااا، انت بتتحدت أكده كيف يا "نعمان"؟! أنت لسانك حتى كمان غيرته واتبدل وبقى واحد تاني؟!
رد عليها ببرود وهو بيأكد لها إن دي طريقته مع أي حد يقرب منها، وإن رفضها المتكرر للدكتور ده كان لازم يتقابل برد فعل قوي:
ـ أها هي دي طريقتي طول ما بشوف حد بيقرب منك، وخصوصاً إنه عارف إنك رفضتيه بدل المرة اتنين، ما يحس على دمه ويفهم كده من غير كلام إنك مرتبطة ولا لازم نكتبها له في روشتة ونوصفها له في دوا تلت مرات بعد الفطار والغدا والعشا؟
هزت راسها بذهول وهي لسه مش قادرة تستوعب الشخصية الجديدة اللي قدامها، وحست إنها بتتعامل مع واحد غريب مكنتش تعرفه من قبل:
ـ هااااا! "نعمان" بجد أنت اتغيرت اكده كيف إنت واحد أني معرفهوش؟
اتنهد بضيق من كلامها اللي بتعيده كل شوية، وطالبها إنها تتعود على أسلوبه الجديد وتقطع علاقتها بالدكتور ده تماماً:
ـ يادي أم النغمة بتاعتك دي، بكرة تتعودي يا حبيبتي، ويكون في علمك الدكتور ده بالذات تقطعي أي حوار معاه ده حتى دمه تقيل.
سألته باستنكار عن إزاي أعلن خطوبتهم وهي لسه مخدتش قرارها ولا وافقت على عرضه للجواز من الأساس:
ـ انت كيف تقول له إنك خطيبي وانت مش خطيبي لسه ولا أني وافقت من أساسه؟
رد عليها بصبر نافذ وهو بيأكد لها إن الموضوع منتهي بالنسبة له، وإن الجواز هيتم بمجرد ما يرجعوا من المؤتمر ده:
ـ بس بقى بطلي استفزاز فيا أكتر من كده علشان أنا الصبر جاب آخره معايا، إن شاء الله نخلص المؤتمر المليان بالحوارات ده ونرجع بالسلامة ونكتب الكتاب وكفاية كده بقى عناد.
حست بصعوبة في استيعاب التغيير الجذري في شخصيته، وقالت له إنها محتاجة وقت علشان تقدر تنسى صورته القديمة وتتقبل صورته كـ "يونس":
ـ وه! مش تسيبني أستوعب طريقتك الجَديدة داي والتغيير الكلي اللي شايفاه في شخصيتك وتشوفني هوافق على التغيير ده واني أشيل الصورة اللي حاطها لك في قلبي وأبدلها بصورة تانية؟ الموضوع صعب جداً والله.
طمنها بكلامه الرقيق وأكد لها إن مشاعره ناحيتها متبدلتش، وإن غيرته دي هي دليل حبه اللي بيحاول يسيطر عليه بصعوبة:
ـ بقولك إيه، انتِ عارفة إن أنا بحبك وإن أنا مشاعري ناحيتك ما اتغيرتش واستحملت منك غضبك وخصامك وعنادك كتير، وأنا هو أنا بس انتِ قبل كده ما جربتيش تختبري الغيرة عندي سواء قبل كده أو دلوقتي، فأنا عايزك تهدي حالك وتروقي أعصابك وتكبري دماغك وترجعي "مهرة" العاقلة اللي أنا عرفتها وحبيتها وسيبك من جو الخصام ده.
حاولت تنهي النقاش وترجع لشغلها وهي لسه مش واعدة بقرار نهائي، وقالت له إن الوقت هو اللي هيحدد كل حاجة لما يرجعوا لبلدهم:
ـ تمام أروح أشوف شغلي وبعدين لما نرجع بلدنا هنشوف الموضوع هيمشي ولا لا.
رد عليها بكل ثقة وتصميم وهو بيبتسم، وبيأكد لها إن مفيش خيار تاني غير إن الموضوع يمشي زي ما هو عايز:
ـ مافيش لا يا روحي بإذن الله هيمشي أو هيمشي مافيش حل غير كده.
بصت له بدهشة من جرأته الجديدة اللي ظهرت فجأة، ووصفت حالته بإنها بقت بلوة كبيرة مكنتش عاملة حسابها:
ـ دي انت طلعت بلوة كَبيرة يا "نعمان".
ضحك بخفة وهو بياكد لها إن اللي جاي أكتر، وإن لسه فيه مفاجآت كتير هتشوفها معاه في المستقبل:
ـ انتِ لسه شفتِ حاجة يا قلب "نعمان"؟ ياما في الجراب يحاوي بس اتكي على الصبر.
هزت راسها بقلة حيلة وهي بتستعد تمشي، وقالت له إن المفاجآت اللي شافتها النهاردة كفاية عليها قوي:
ـ أتكي على الصبر؟! لااااه بزياداني عاد مفاجآت منك النهاردة أني هروح أشوف شغلي.
ودعها وهو بيبص لها بحب وخوف، وطمنها إن عيونه هتفضل مراقباها وتحميها في كل خطوة بتخطيها جوه المؤتمر:
ـ خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، أو ما تقلقيش أنا عيوني في كل مكان.
******
كانت الأوضة ضلمة، كأنها بتعبر عن السواد اللي ساكن جوه قلب "علي"، قعد على الأرض، ساند ضهره على السرير، ودافن راسه بين إيديه بقوة، كأنه بيحاول يعصر دماغه عشان يبطل تفكير، بس خيال "شيماء" مكنش بيفارقه، صورتها وهي مرعوبة منه، وكلماتها اللي نزلت عليه زي السياط؛"أني بكرهك يا "علي"... إنت شيطان كانت بتتردد في ودانه زي صدى صوت مرعب،
#فلاش باك
غمض عينه بوجع، وفجأة، الحاضر اختفى، والحيطان وسعت، ولقى نفسه رجع "علي" الصغير، طفل عنده عشر سنين، وقاعد على المكتب كانت الدنيا حر، وأنفاسه كانت مكتومة وهو شايف المدرسة داخلة عليه وبتقفل الباب وراها بالمفتاح،
كان بيترعش، مش فاهم ليه المدرسة اللي المفروض تعلمه، بتبص له النظرة دي كانت تقرب منه، تلمس شعره، وبعدين إيدها تنزل لمناطق تخليه يتنفض من مكانه بخوف، فنطق بصوت طفولي مهزوز وهو بيترجاها تبعد:
ـ في ايه يا ميس، خلينا نذاكر، أني عايز أحل المسائل عشان ماما لما تاجي تلاقي الواجب خلصان وتحكي لها اني شاطر، هي دايما تقول لي باباك مات وسابك أمانة في رقبتي وانت راجل وكدها ولازمن تُبقى شاطر.
كانت تضحك ضحكة صفرا، وتقرب منه أكتر وهي بتهمس في ودنه بكلام أكبر من سنه بكتير، كلام بيخليه يحس بإن جسمه مش ملكه، وبتقوله بإغراء مسموم:
ـ المذاكرة ملحوق عليها يا "علي" وسهلة إنت شاطر وبتفهم، بس لازم تتعلم كيف تبسطني عشان أخليك أشطر واحد في الفصل.
كان بيحاول يزق إيدها، يهرب منها، يروح ناحية الباب، بس كانت بتشده بقوة، وتهدده إنها هتقول لأمه إنه فاشل ومش بيذاكر، وكانت بتستغل براءته وتجبره على حاجات خلته يكره نفسه وهي بتمسك ايده وبتعلمه ألف باء في التحرش بيها بدل ما تأدي رسالتها معاه وتعلمه ازاي يكون تلميذ شاطر،
وفي مرة تانية عقله الباطن بيسترجع ذكراه المريرة اللي مبتطلعش من دماغه مهما طال الزمن، وهو بيجري على أمه أول ما رجعت من الشغل، كان بيعيط ومنهار، مسك في هدومها وهو بيقول بكسرة ودموعه مغرقة وشه:
ـ يا أمي، أبوس يدك، مرايدش المدرسة داي تاني، معايزهاش تدخل بيتنا واصل، أني بكرهها يا أمي، بكرهها.
أمه بصت له وهي بتعدل طرحتها بتعب، وبالها كله في أوراق الشغل والمصالح، وردت عليه بحدة وهي شايفة إن ده مجرد دلع وهروب من المذاكرة:
ـ واه يا "علي"! إنت رجعت للدلع بتاعك دي تاني؟ المدرسة داي هي اللي خلتك الأول على المدرسة، هي اللي بتفهمك المعلومة في دقيقة، إنت عايز تتهرب من الدروس عشان تلعب، وأني مينفعنيش الكلام دي، المدرسة هتفضل معاك، ودي آخر كلام عِندي بطل دلع.
صرخ الطفل جواه:
ـ يا أمي اسمعيني، داي بتأذيني!"، بس أمه كانت خلاص دخلت أوضتها وقفلت الباب، وسابته يواجه الغول اللي بياكل في طفولته كل يوم لوحده.
فجأة، انقطع الفلاش باك على صوت خبط على باب الأوضة، وفتحت الباب بقوة، "علي" اتنفض من مكانه والدموع مغرقة وشه، لقى أمه واقفة قدامه، لسه واصلة من السفر بشنطتها، وشها اصفر أول ما شافت منظره على الأرض،
جريت عليه بلهفة وهي بتحاول تلمس كتفه وتطمن عليه، وقلبها مقبوض من شكل ابنها اللي عمرها ما شافته مكسور بالشكل ده:
ـ يا مراري يا "علي"! مالك يا ولدي؟ إيه اللي مقعدك القعدة داي وإيه الدموع داي كلاتها؟
"علي" أول ما حس بإيدها على كتفه، نفضها بعـ.ــنف كأنه لمس نـ.ــار، وقام وقف وهو بيصـ.ــرخ فيها بوجع السنين كله وصوت ملهوف للحرية من الماضي:
ـ متلمسنيش! متلمسيش جسمي بيدك واصل! إنتي من ميتى أصلاً كنتي هتسألي عليّ ولا هيهمك وجعي ، جاية دلوك تسألي مالي؟
أمه اتصدمت، ورجعت خطوة لورا وهي بتقول بذهول، وبتحاول تفكره بتضحياتها اللي عملتها عشان توصله للمكانة اللي هو فيها دلوقتي:
ـ إيه الكلام اللي هتقوله دي يا دكتور؟ دي أني أمك، أني اللي شقيت وبعت اللي ورايا واللي قدامي عشان أخليك في المستوى دي. أني كنت بشتغل ليل ونهار عشان متتحوجش لحد بعد ما أبوك سابنا بدري وقابل وجه رب كريم، كنت عايزة أعيشك في العز اللي إنت فيه دي وكبرتك وعلمتك وضحيت بسعادتي وهناي ومدخلتش راجل غريب عليك علشان محدش يتحكم فيك .
ضحك "علي" ضحكة هستيرية، والدموع نازلة زي الشلال، وبدأ يفرغ اللي جواه ويحسسها إن كل الماديات دي مكنتش تغنيه عن حضنها واهتمامها بيه:
ـ عز؟ إنتي فاكرة إن العز هو الشقق والعربيات والمنصب؟ العز كان إنك كنتي تسمعيني مرة واحدة وأني طفل! العز كان إنك تحسي بناري وأني بصـ.ــرخ لك وبقول لك؛ المدرسة دي مهحبهاش هتخليني اعمل حاجات وحشة وهتعلمني العيب وكنتي تفكريني هتهرب من دروسي بأي حجج، بس إنتي كنتي عميا مكنتيش هتشوفي غير الشطارة والدرجات النهائية، مكنتيش هتشوفي ابنك اللي كان بيتدبـ.ــح كل يوم على يد واحدة فاجـ.ــرة تحت سقف دارك.
برقت عينها، والشنطة وقعت من إيدها، ورجلها مالت بيها وقعدت على الكرسي وهي بتقول بصوت مرعوب وغير مصدق للي بتسمعه:
ـ إنت... إنت هتقول إيه يا "علي"؟ مدرسة إيه؟ وحاجات إيه داي؟
"علي" قعد على ركبه قدامها، وبدأ يحكي والقهر بياكل في صوته، وهو بيفتح الجروح اللي فضلت تنزف جواه سنين طويلة من غير ما حد يحس:
ـ المدرسة اللي كنتي متمسكة بيها عشان شاطرة، أني كنت شاطر خلقة ربنا، كنت بفهم وبستوعب من عند ربنا، بس هي كانت بتستغل ذكائي عشان تغطي على قذارتها، كانت بتمارس عليا كل أنواع العذاب النفسي والجسدي، وأني عيل لا حول ليا ولا قوة، كنت باجي أشتكي لك، كنت ببوس رجلك تقعدي معاي، وإنتي كنتي تقولي لي روح ذاكر، خلت عندي عقدة من كل ستات الدنيا، خلتني أشوف البنات كلهم فريسة لازم أكسرهم عشان أحس إني قوي، دمرتني يا أمي، خلتني دكتور جامعي قدام الناس، ومن جوه جثة متعفنة!
كمل بكسرة وهو بيخبط على صدره، واعترف لها إن تصرفاته مع "شيماء" وكل البنات كانت محاولة منه لإخفاء ضعفه القديم اللي اتزرع جواه:
ـ بسببها بقيت بلاحق البنات، وبقيت عايز أملك البنت الوحيدة اللي حبيتها بالعافية وللأسف بقيت هتشوفني قذر وعِندها حق ، عشان خايف تضيع مني وأرجع أحس بإني الطفل الضعيف اللي كان بيترمى بين إيدين المدرسة دي، أني ضعت يا أمي وحياتي كلها بقت سواد.
أمه في اللحظة دي حست إن الدنيا لفت بيها، وبدأت تبكي بشهقات مكتومة وهي بتفتكر كل مرة "علي" كان بيعيط فيها وهي كانت بتصده، فشدت راسه لحضنها وهي بتشهق:
ـ يا ويلك يا "منال" ، يا ويلك من ربنا! يا ابني، يا حبيبي والله ما كنت أعرف، والله ما كان ياجي على بالي إن فيه شياطين في لبس بني آدمين بالشكل دي، سامحني يا "علي"، سامحني يا قلب أمك، أني اللي قصرت، أني اللي كنت فاكرة إن الفلوس والمستقبل هما كل حاجة وكل حاجة هقول لك انت بتتدلع.
فضلت تبكي وتمسح على شعره وتتأسف له بأحر الكلمات، ووعدته إنها مش هتسيبه تاني وهتعوضه عن كل اللي شافه من وجع وإهمال:
ـ حقك علي يا ضنايا، لولا إنها ماتت وغارت في داهية، كنت شربت من دمها، بس والله ما هسيبك، والله لهعوضك عن كل دقيقة وجع، إنت مش وحش يا "علي"، إنت ضحية، والضحية لازم تتعالج عشان ترجع بني آدم سوي.
"علي" كان مرمي في حضنها زي الطفل اللي لقى أمه بعد توهة سنين، كان بيبكي بحرقة، وطلب منها تساعده يرجع إنسان طبيعي بيعرف يحب:
ـ أني محتاج مساعدة يا أمي، أني مش عايز أبقى اكده، أني بحب بنت اسمها "شيماء" بس بخوفها مني بعدت عني، أني عايز أرجع "علي" اللي كان نفسه يلعب ويضحك من غير خوف.
أمه رفعت راسه وبصت في عينه بصدق، وأكدت له إنها هتفضل معاه في رحلة علاجه خطوة بخطوة لحد ما يتخطى كل الماضي الأليم ده:
ـ هتتعالج يا "علي" ،هنروح لأكبر دكتور نفسي، وهروح معاك في كل جلسة، ومش هسيبك لحظة واصل، هنرجعك أحسن من الأول، والبنت اللي بتحبها لو ليك نصيب وياها هتُبقى ليك، مش هتاخدها غير وإنت إنسان جديد، إنسان بيعرف يحب مش بيمتلك، قوم يا ولدي، قوم في حضني، إنت النهاردة اتولدت من جَديد.
*******
كان ماسك العكاز وبيتمشى وبينفذ تعليمات دكتور العلاج الطبيعي وامه قاعده جنبه في الجنينة بتونسه فحس انه تعب وقعد جنبها وهو بيقول لها بزهق:
ـ محامي الغبرة دي قال لك ايه على القضية اللي رفعها علشان اخد العيال منها؟
عيونها انقلبت بنظرة كلها حزن حقيقي على حال ابنها الموجوع على مراته وعياله وهي مش بايديها حاجة تعملها له :
ـ هنعمل ايه يا ابني ادي الله وادي حكمته هو رفع القضيه وخبرني ان هي هيجي لها ميعاد بالجلسة الأولى كمان أسبوعين ، وطمني ان عيالك هيبقوا في حضانتي طالما أم امهم مريضة .
بص لقدام بنظرات كلها شر وهو بيتوعد لـ"نغم" إنه هيوريها الجحيم على الأرض ، وهيخليها تبكي بدل الدموع دم وهو بيرد على أمه ..