
رواية النغم الحزين الفصل الثامن عشر18 بقلم فاطيما يوسف
نعم، أَحبَبتُكَ أيها النعمان بِكلِّ جَوَارِحِي، وَمَا زَالَ طيفُك يَسْكُن مَسارِبَ الرُّوحِ وَيُؤَرِّقُ مَضجَعِي،
لقد كَانَ حُبُّكَ قَيْدا من نَارٍ، يحـ.ــرق فؤادي بشوقٍ لَا يهدأ، ويطعن كبريائي بِنَصْلِ الغِيَابِ المُرِّ،
كل نبضةٍ فِي صدري تهتف بِاسْمِكَ رغم جروحي، وَكُلُّ دمعةٍ سَكَبْتُهَا كانت تَرْوِي حِكَايةَ وَجَعٍ لَا يَنْتَهِي،
أَتَرَى كيف صَارَ العشق جَلَّادًا؟ أَمْ تَرَى كيف صار الحنين نَزفًا يمزق أَستَارَ صمتيَ الطَّوِيلِ؟
إنني أَتَعَذَّبُ بين ذكراكَ التي تُحْيِينِي وَبَيْنَ حَاضِرِكَ الذي يقتـ.ــلني، فَهَل يدرك قلبُك معنى الغَرَقِ؟
فـأَنْتَ الخَصْمُ وَأَنْتَ الحَكَمُ، وَفِي عينيك أَقْرَأُ انْتِصَارَي وهزيمتي على كل مُحاولاتي للنسيانِ والقسوة،
ما كان الهَوَى يَوْمًا سهلاً، لكنه معك صار ملحمةً مِن الألمِ المُقدسِ الذي لَا أريد منه شِفَاءً.
طلع على بيته وهو بيحاول يستدعي الهدوء، الوقت كان منتصف الليل و"دعاء" نايمة في سبات عميق ومش دريانة باللي بنتها وصلت له، بص على أوضة بنته لقى نورها قايد، وقرر يدخل لها وحاول يهدي أعصابه بقدر الإمكان لأن العصبية ورد الفعل العنيف مع بنته مش هيجيب غير نتيجة عكسية،
قرر يدخل لها ويتكلم معاها من غير ما يعرفها إنه عارف عنها كل حاجة، خبط على الباب قبل ما يدخل كانت البنت اتعدلت في نومها وقالت له بابتسامة مزعومة وهي بتقفل الشات اللي كانت فاتحاه على موبايلها وقالت له:
ـ اتفضل يا بابا أني لساتي منمتش.
قرب منها وشد راسها وباسها بحنية وسألها:
ـ إيه اللي مصحيكي لحد دلوك؟
جاوبته بملل:
ـ الساعة لساتها ١٢ يا بابا وأني هنام على أربعة اكده؟
حاول يكون هادي بقدر الإمكان وهو بيرد عليها:
ـ طيب ليه اكده يا حبيبتي السهر غلط عليكي وكلاته أضرار.
وكمل نصيحته وهو بيدخل لها من نقطة البنات بتترعب منها:
ـ أول ضرر إن السهر بيهلك الجسم وبيخلي وظايف الجسم متستمرش بطبيعتها اللي ربنا خلقنا عليها، وأهم حاجة بقى إنه هيخلي البشرة مهلكة وبيسبب سواد تحت العين ويخلي التجاعيد تظهر في الوش أسرع.
وقرصها من خدها وهو بيهزر معاها:
ـ يعني كمان هبابة وهتلاقي الخدود الجميلة داي مكرمشة في بعضها ووشك اللي كيف البدر دي هيبان إنك كَبيرة في السن؟
انصدمت من كلامه وهي بتمسك موبايلها تشوف ملامح وشها في شاشته وبتحسس على وشها ولقت فعلاً ملامحها دبلانة ووشها مش كله لون موحد وسألته بصدمة:
ـ انت هتتحدت صُح يا بابا ولا أنت هتخوفني على الفاضي؟"
اصطنع الجدية وجاوبها بتأكيد:
ـ صُح الصُح كماني، ولو مهتصدقينيش اسألي جوجل وهو هيأكد لك كلامي.
فتحت الموبايل وفتحت جوجل وسألته علشان تتأكد وفعلاً طلع كلام باباها صح وانصدمت وقامت فتحت النور الأبيض وقفلت النور الأصفر وبصت في المراية لقت ملامحها باهتة ووشها أصفر ودبلان، فقام "سند" ووقف قدامها ومسك وشها بين إيديه وحسس على ملامحها بحنان أبوي:
ـ تعرِفي يا "سما" لما كنتي طفلة صغيرة كنتي هتحبيني قوي وكنتي هتجري علي أول ما أدخل البيت علشان تترمي في حضني وتحكي لي يومك كان كيف، ومين اللي مزعلك، إيه رأيك لو ترجعي كيف زمان وتحكي لي يومك وتفاصيل حياتك وأياً كان اللي هتحكيه أني مهعتبرش حالي أبوكي وهتعصب على اللي شايفه غلط، هعتبر حالي صاحبك وأياً كانت حكواكي حتى لو اللي هتعمليها في السر علشان شايفانا إننا هنعنفك علشانها هنتكلم فيها بمنتهى الشفافية من منطق الصحوبية مش من منطق الأبوة؟
استغربت من كلام أبوها المختلف معاها، وطريقته في إقناعها وقربه منها وحاولت تتهرب:
ـ إنت هتكبر المواضيع ليه يا أبوي أني زينة ومهعملش حاجة واصل وهسمع كلامك وهقعد في حالي مهعملش غلط ولا هروح ولا باجي."
ابتسم لها بحنان وهو بيعاول يزرع أمانه وإنها تطمن له جواها وواجهها بصوت هادي بدون انفعال:
ـ طيب لو إنتي صادقة صُح وحياتك تمام ممكن تفتحي لي موبايلك وتسلميه لي بيدك وأشوفك تمام ولا لااه؟ عندك الشجاعة لاكده يابت أبوكي؟
اتحركت من قدامه ومسكت موبايلها وخبته جوة صدرها وبصت له بنظرة مليانة خوف ورعب لدرجة وجعته واتلجلجت وهي بتجاوبه:
ـ انت هتشك فيا يا بابا؟ الموبايل فيه حاجات خاصة بيني وبين أصحابي مينفعش إن حد يعرِفها ولا يشوفها داي أسرار وفتش السر حرام؟
شد منها الموبايل بكل هدوء لدرجة إنها اترعبت وفكرت فعلاً إنه هيفتحه، لكنه رماه بعيد عن السرير بإهمال وهو بيأكد لها عرضه:
ـ متخافيش مهعملهاش يا "سما" أني هحب الخصوصية في حاجتك وداي أول حاجة في الصحوبية اللي هتُبقى بيناتنا أني هديكي الثقة والأمان ومهحبش أعرِف حاجة غير اللي نَفسك هتحبي تحكيها.
وكمل وهو بيحسس بإيده على شعرها بحنان:
ـ "الصحوبية كمان وياي مش معناتها كلاتها حكايات عن أسرارك واللي يخصك لاااااه، معناته إني ممكن دلوك أخدك أعزمك على البيتزا اللي هتحبيها في المكان اللي هتحبيه، ونتمشى أني وانتِ لحد الفجر كمان لو تحبي، وكمان ممكن نشتري أي حاجة وأي لبس نفسك فيه أو حتى مستلزمات تجميل لوشك القمر دي.
اتحمست لفكرة إنها هتخرج معاه وفي وقت زي ده مش مصدقة أصلاً إن باباها يعرض عليها عرض زي ده وردت عليه وهي بتسأله عشان تتأكد:
ـ بجد يا بابا إحنا ممكن نخرج دلوك عادي ونتمشى ونجيب حاجات نفسي فيها وتعزمني على البيتزا كيف ما بتقول؟
شدها لحضنه وهو بيبوسها من راسها وشايف فرحتها:
ـ بجد يا قلب بابا يلا البسي وجهزي حالك وأني مستنيكي بره على أقل من مهلك.
وقبل ما يخرج طلب منها بكل هدوء:
ـ البسي حاجة زينة ومتحشمة وبلاش تخرجي شعرك بره انتِ هتخرجي ويا "سند الناجي" يا بت أبوكي.
حركت راسها بطاعة وقالت له بحماس:
ـ حاضر يا بابا.
خلصت لبس وأخدها وخرج وكل ده و"جليلة" واقفة مستغربة كانت مفكرة إن هو هيجي يديها علقة موت ويأخذ منها الموبايل ويديها كلام زي السم في جنابها، كانت واقفة بتبص على أثرهم وهي متنحة وحاطة صباعها في بقها وقالت باندهاش بعد ما خرجوا:
ـ يا أبوي دي سي "سند" بيه جه قعد يهزر ويضحك وياها ولا كأني قلت له حاجة من اللي بيته كانت هتقوله وهتعمله، عملها كيف داي "سند" بيه؟
وكملت وهي بتتاوب ورايحة ناحية أوضتها:
ـ أما أروح أكمل نوم أهو أني جيت البيت دي علشان أشوف العجايب من كل اللي فيه حريم ورجالة وعيال، أروح أنام بلا هم."
بعد ما خرجوا وداها مطعم وطلب لها البيتزا اللي بتحبها وقعدوا يأكلوا وكل شوية بتعمل زي البنات ما بتعمل بتتصور بأوضاع مختلفة وخلت "سند" يتصور معاها علشان يعيش الأجواء بتاعتها زي ما هي عايزة بالضبط، ولأول مرة كان يحس إنه بنته مختلفة معاه غير كل مرة، حس بابتسامتها وفرحتها وهي خارجة في وقت زي ده وبيعمل لها كل اللي هي عايزاه وبعد ما خلصوا أكل سألها:
ـ تحبي نروح فين دلوك؟ لو هتحبي نروح أي مكان مفتوح تشربي فيه حاجة أو نروح على البحر وأجيب لك اللي هتحبيه ونقعد نتحدث ويا بعض ولا نتمشى؟
سقفت بإيديها بسعادة وهي بتشده من إيديها وكأنه فعلاً صاحبها مش باباها وودته ناحية راجل واقف بيعمل حمص الشام وفشار وطلبت منه:
ـ رايدة حمص الشام وفشار وتاكل وياي وإحنا بنتمشى.
اتحرك ناحية العربية اللي واقفة بتعمل المقرمشات دي وجاب لها اللي هي عايزاه وجاب لنفسه معاها وفضلوا ماشيين وكل شوية تطلب منه يصورها وهي بتعمل أي حركة أو بتاكل بطريقة معينة زي البنات بالضبط وهو بيشاركها كل اللي عايزاه بمنتهى البساطة والرضا،
وبعدها طلبت منه طلب غريب:
ـ إيه رأيك يا بابا نعمل تيك توك أني وأنت؟ بجد هموت وأعمل أكده يا سلام بقى لو وافقت هبقى ما صدقتش حالي وهعتبرك صاحبي بصُح؟
رفع حاجبه بدهشة وذهول وهو بيستنكر طلبها:
ـ واه يا "سما" بقى "سند" الناجي يعمل تيك توك كأنك نفوخك اتخربط عاد يا بت أبوكي!
ضحكت على طريقة أبوها في الاستغراب والرفض وهي بتشده من إيديها إنهم يقفوا تحت تمثال معين علشان يعملوا المشهد ده مع بعض:
ـ يا بابا هنعمل التيك توك أني وياك ومش هنوريه لحد واصل، وما حدش هيعرف عني حاجة هحتفظ بيه لحالي هموت وأعمل أكده وياك يا بابا؟
ـ يا بتي عيب على الهيبة والشنب صدقيني ما بعرفش أعمل الكلام دي واصل؟
طلعت الموبايل بتاعها وفتحت الواتساب على حالة صاحبتها وهي بتوري له بنت مدرس وشيخ في المسجد عامل مع بنته تيك توك هزار وبتقول له:
ـ أها اتفرج يا بابا مش دي عمي عبد الحميد اللي أنت هتقعد وياه في كل مكان وهتصاحبه؟ أهو هيعمل تيك توك مع بته عادي جداً وحداه شنب كيف شنبك، ماله الشنب بالتيك توك عاد؟
"سند" كان بيتفرج على الفيديو وهو مندهش بس الفيديو اللي مختارينه فيديو فكاهي لمشهد لإسماعيل ياسين هو وخطيبته، وكان صاحبه بيعمل دور إسماعيل ياسين، والفيديو كان طريف وما فيهوش حاجة تكسف وخصوصاً إنه كلام كوميدي كله فسألها:
ـ طيب اختاري لنا مشهد يكون حلو والهيبة ما تضيعش فيه، وكمان توعديني إنك ما تنزليهوش في أي مكان وتحتفظي بيه لحالك.
"سما" برقت عينيها بصدمة إن أبوها وافق بسهولة:
ـ بجد يا بابا يعني أنت وافقت تعمل وياي التيك توك؟
ـ بجد يا قلب أبوكي علشان تعرفي إن ما حدش هيحبك في الدنيا كد أبوكي يا "سما".
وفعلاً الاتنين قعدوا يختاروا كتير مشهد يعملوه مع بعض ويكون مناسب، اتفرجوا على أكتر من عشرين فيديو لحد ما "سند" وافق يعمل معاها التيك توك على مشهد من فيلم إشاعة حب ليوسف وهبي وسعاد حسني وبدأوا يمثلوا المشهد بالشكل ده:
"سما" بتعيط ومنهارة:
ـ يا بابا أنا خلاص قررت، أنا لازم أنتحر حالا!
"سند" وهو بيمثل البرود:
ـ تنتحري؟ طيب يا حبيبتي، بس يا ريت بسرعة.
"سما" بصدمة:
ـ بسرعة؟ إنت مش خايف عليا يا بابا؟ أنا هموت نفسي بجد!"
"سند":
ـ خايف طبعاً، خايف تضيعي وقتنا ع الفاضي وتجوعينا والنايب ييجي يحقق.
"سما" بتمثل إنها بتزيد في العياط:
ـ لوسي سابني يا بابا.. لوسي اللي كنت بكتبله جوابات بدمي!
"سند":
ـ بدمك؟ يا شيخة ده إنتي لو شوفتي شاكة دبوس بيغمى عليكي، بطلي مكنة الكدب.
"سما" بتقعد بانهيار:
ـ مكنة كدب؟ ده حب عمري، أنا ماليش مكان في الدنيا دي.
"سند" كان معاه نضارة في جيبه طلعها ولبسها من أول المشهد وبص لها من تحت النضارة:
ـ الدنيا دي واسعة يا سميحة، لوسي هو اللي ضيقها عليكي.
"سما":
ـ يعني مش فارق معاك؟ أنا هرمي نفسي من البلكونة دلوقتي حالا!
"سند" بيعمل نفسه ماسك ورقة وبيقراها:
ـ طيب يا روحي، بس استني لما أمك تنشر الغسيل عشان ما تقعيش فوقه.
وخلصوا المشهد وبعد ما عملوه قعدوا يتفرجوا عليه وهم بيضحكوا، وفي الآخر "سما" ارتمت في حضن أبوها وهي بتقول له:
ـ انت طلعت جميل قوي يا بابا، كيف ما كنتش هتحدت وياك وهسمع كلامك لما تقول لي تعالي لما نخرج سوا؟ اعمل حسابك بعد اكده تخرج وياي وتفسحني فسح كيف دي وتعمل وياي تيك توك.
شدد "سند" على حضنها وهو بيوافقها على كلامها واستغل الموقف وطلب منها:
ـ تمام أني موافق على العرض دي بس رايد منك إنك تحكي لي على كل حاجة وأي حاجة ممكن تحكيها لي اعملي حسابك إني هسمعها بصدر رحب وهتقبلها منك، وفي نفس الوقت ما عايزكيش تعملي الغلط اللي ممكن يوقعك ويخليكي توطي راس أبوك يا "سما".
"سما" اتوترت من كلام أبوها ودارت وشها بعيد عنه وسألته:
ـ غلط إيه يا أبوي صدقني أني ما هعملش حاجة من وراك.
ـ في حاجات كتير البنات هتفتكرها إن هي صح وهتعملها من ورا أهلها وهي من جواها كل الغلط اللي في الدنيا، وعلشان تفرقي بين الصح والغلط دايماً تاجي تترمي في حضن أبوكي وتحكي له على كل أسرارك حتى لو هتفتكري إنها ممكن تزعله أني بوعدك إني ما هزعلش وهسمعك كأنك بتتحدتي ويا حالك وكمان ما هجبركيش على حاجة ما مقتنعاش إن هي غلط إلا لما تكتشفي إن هي غلط بذات نفسك، اتفقنا يا "سما"؟
سكتت شوية وهي سرحانة وبعدين ردت عليه وهم مروحين:
ـ اتفقنا يا بابا.
بص لها بتحذير وهو بيشاور لها بإيديه:
ـ اوعاكي الفيديو اللي عملناه سوا توريه لحد ولو حتى أمك، الحاجات دي هعملها علشان خاطرك وهتُبقى أسرار ما بيني وما بينك، وكيف ما هحفظ أسرارك كيف ما هتحفظي أسرارنا.
ـ حاضر يا بابا ما تقلقش عاد والله ما هوريه لحد واصل.
وفضلوا طول الطريق يتكلموا في العربية مع بعض وهو بيحاول ياخد منها أي معلومة عن حياتها الخاصة أو تتكلم عن الولد اللي هي بتكلمه في التليفون، لكن لحد دلوقتي جواها خوف إنها تحكي حاجة زي دي وهو قرر إنه يسيبها هي اللي تحكيها بس هيفضل دايماً مراقبها وعينه عليها من خلال "جليلة" من غير ما تعرف.
ووصلوا البيت، دخلوا من البوابة الكبيرة اللي بتجمع بيوتهم جنب بعض، كانت "نغم" واقفة في البلكونة من ساعة ما خرجوا هو وبنته، وأول ما سمعت صوت العربية خرجت البلكونة جري علشان تشوفه وهما راجعين لأنها كانت قلقانة عليهم جداً، وأول ما شافتهم نزلت جري ووقفت قدامهم وهي بتسألهم بقلق:
ـ طمنوني عليكم انتم بخير؟ إيه اللي خرجكم في الوقت المتأخِر دي؟ واتأخرتوا بره قوي أني قلقانة عليكم من وقت ما خرجتم؟
"سما" بصيت لها بنظرة خاوية، أما "سند" طلب من "سما":
ـ اطلعي يا حبيبتي علشان تنامي بقى انتِ سهرتِ كَتير وأني جاي وراكي.
البنت سمعت كلامه وطلعت، أما هو جاوبها بنبرة باردة:
ـ إحنا زين الحمد لله، إيه اللي مسهرك لحد دلوك؟
بصيت له بعيون بتتفحصه باحتياج ولهفة وتمني وحزن على حالهم وهي بتجاوبه:
ـ وهعرف أنام كيف وانت بَعيد عني وكمان زعلان مني؟ انت من وقت ما مشيت امبارح وأني تعبانة وكل لما أكلمك ما هتردش علي، ما تعاقبنيش عقاب التجاهل والخصام يا "سند" صدقني ما هتحمَلش.
كان بيبص لها بنظرة فيها من الوجع أميال وهو زعلان منها وحزين عليها وعلى عيونها المنتفخة من كتر الدموع وواضح جداً على ملامحها ونظرة عينيها المكسورة، لكن هو كمان مكسور منها جداً من اللي عملته وقال لها:
ـ يا ريت التجاهل والخصام اللي هتحكي عنيهم هيقدروا يشفوا جرح القلوب والنفوس، كانت الدنيا بقت سهلة يابت الناس.
جت تحط إيديها على إيديه علشان تشده ناحية بيتهم وهي بتترجاه إنه يطلع معاها، شد إيده من إيديها وكأنه مش طايق لمستها، خلى عيونها دمعت وعاتبته:
ـ للدرجة داي ما طايقش لمستي ولا حتى تسمع صوتي؟! صدِقني لو طولت زعلك وياي بالشكل دي أني ما هتحمَلش، أرجوك يا "سند" عاقبني حتى وانت وياي ما يُبقاش عقاب وخصام وبعد ما هتحملش، ما هحسش بالأمان غير وانت وياي.
بص لها بنظرة ساخرة ورد عليها:
ـ ما اني كنت وياكي ومديكي كل الأمان بكل جوارحي وقوتي ليكي وعلى اللي حواليك اللي هيأذوكي وما كان منك غير إنك صدمتيني فيكِ صدمة العمر اللي ما عرفش هتصداها كيف وهرجع أتعامل وياكي عادي.
وقبل ما يتحرك من قدامها، بعد ما مشي خطوة بص لها:
ـ اطلعي على دارك روحي لولادك وما تشغليش حالك بالمجروحين ولا الموجوعين، ليهم رب هو اللي هيخفف عنهم وجعهم.
خلص كلامه وسابها وماشي، واقفة مكانها دافنة إيديها بين وشها وبتبكي بشدة وهي شايفة القهر والوجع في عيونه منها، ما كانتش متخيلة إن ضعفها هيوصلها معاه للدرجة دي.
*******
كانت قاعدة في الكافيه مستنية "مريم" تجيي لها في الميعاد اللي متفقين عليه، وماسكة تليفونها وفاتحاه على صورته قبل ما يتغير، وبتقلب في صورهم سوا، وكان من ضمنهم صورة كان لقطتها له وهو بيقول لها؛ بحببببك، عيونها سهمت على الصورة دي وهي بتتعمق بنظرها فيها جامد، وبقت تكبر في الصورة أكتر وحنينها ليه خلاها تلمس ملامحه في الصورة وكأنه بين إيديها، معشوق روحها اللي بتحبه ومقدرتش إنها تنساه ولو لحظة وعمره ما هيطلع من قلبها لحد آخر العمر وبسببه حرمت قلبها وعيونها إنهم يشوفوا ويعشقوا ويحسوا براجل غيره، وفجأة حطت إيديها على قلبها اللي بيدق بعنف كأنها بتطبطب عليه من الوجع والحنين مع صوت آهات خفيفة طالعة من روحها المجروحة منه، وكل ده وهو واقف وراها من أول ما دخل المكان وعينه لمحتها من ضهرها اتسابق قلبه قبل خطواته ناحيتها وقبل ما يتكلم بعد ما قرب منها لمحها من ورا ضهرها وهي فاتحة صورته بس بهيئة "نعمان"، على قد ما هو اتوجع لوجعها وقهرتها منه على قد ما كان واقف وراها بدقات قلب هتنط من الفرحة جوة ضلوعه علشان بقى واثق إنها لسه بتعشقه، واتكلم أخيراً بعد ما سمع صوت آهاتها:
ـ طيب إيه بقى ما أنا لسه في القلب والعين والروح أهو يا ست "مهرة"، أنا على فكرة ممكن أغير اسمي من "يونس" لـ"نعمان" لجل عيون القمر اللي مدوخاني ومدوباني وعلمتني الأدب بجد.
أول ما سمعت صوته وعرفت إن هو واقف وراها وشاف اللي هي بتعمله اتخضت وانتفضت من مكانها وهي بتبص له بعيون مذهولة من وجوده وقالت بتوتر:
ـ أنت اهنه من ميتى؟ وإيه الكلام اللي هتقوله دي؟
وكملت وهي بتحاول تهدي أعصابها المتوترة وأخدت نفس طويل وهي بتداري وشها بعيد عنه:
ـ وبعدين انت إيه اللي جابك من الأساس اني معادي مع دَكتورة "مريم" مش معاك، ولا انتم متفقين علي؟
ابتسم لها بوله وغرام، ومن جواه كان عايز يقرب منها ويشدها لحضنه ويعبر لها عن مدى اشتياقه وحبه ليها، وقرب منها وهمس لها بخشونة وصوت أجش خلاها اتزلزلت:
ـ وحشتيني قوي قوي يا "مهرة"، وحشني صوتك وكلامك وحتى لهجتك، وحشني حتى كوباية الشاي اللي من إيديك وكانت بالنسبة لي أغلى وأرقى مشروب شربته في حياتي علشان كان بس بيتعمل من إيدك.
وكمل كلامه ببرود أعصاب استدعاه مخصوص علشان يعرف يتعامل معاها ويوصل لحل، وهو حاسس إنه حابس أنفاسها، وكمان علشان ميلفتش الانتباه ليهم وهو بيتحرك بخطواته وقبل ما يقعد فتح جاكيت بدلته وشاور لها تقعد:
ـ ممكن نقعد بقى علشان يومنا طويل، وكمان علشان الناس اللي عمالة تبص لنا وحاسين من نظراتك المتعجبة إني متطفل عليكي مثلاً.
بصت له بنظرة طويلة فيها معاني كتير قوي لكن أهم معنى منهم أنها "مهرة الحناوي" اللي لا يمكن تتحط قدام الأمر الواقع أبداً مهما كانت موجوعة ومحتجاه ومحتاجة قربه إلا إن كرامتها وكبريائها فوق كل اعتبار، وفي لحظة جت تمد إيديها علشان تشد شنطتها وتمشي، كان فهم تفكيرها لأنها حافظها عن ظهر قلب وقبل ما إيديها ترفع شنطتها كان مثبت كف إيده على كف إيديها في حركة وقفت الزمن ما بينهم، خلت أعصابهم تفككت ورعشة خفيفة في جسمهم من لمسة الكفوف لبعضها خلتها غمضت عيونها بوجع، حاول يخرج من حالة الاحتياج والإحساس بقربها وطلب منها وهو متمسك بكف إيديها:
ـ ممكن تقعدي ونتكلم مع بعض شوية، بجد يا "مهرة" كفاية عقاب بقى لحد كدة، أنا وإنتي بنحب بعض يبقى ليه نتعذب بالشكل ده، وأنا يا ستي بعترف لك إني غلطان مليون مرة، وبعتذر لك عن خطأي الغير متعمد، ومستعد أعمل أي حاجة ترضيكي كمان بس اقعدي يا "مهرة" نتكلم بس.
اتنفست بصعوبة وهي بتحاول تشد إيديها من إيده لكنه كان متمسك بيها جداً ولقت نفسها بتقعد، وفيه صراع جواها في اللحظة دي ما بين قلبها وعقلها، ما بين كبريائها ولهفتها بس إنها تسمع صوته، ما بين كرامتها وحنينها ليه ولكلامه ولنظرات عيونه، مقدرتش تمشي ولأول مرة "المهرة" الجامحة تغير قوانينها وتخضع، فكمل وهو بيستغل نظرات الضعف والاشتياق واللهفة ليه اللي قرأها في عيونها ووصلت بدون أي مجهود، أصل عاشق مين اللي ميفهمش نظرات معشوقه ويقرأ اللهفة جوة عيون حبيبه ليه وخصوصاً العاشق لما يكون ولد الهلالي:
ـ انتي بتحبيني على فكرة زي ما بحبك، ومحتاجة وجودي جمبك أطبطب على قلبك المجروح مني أكتر ما محتاجة البعد والخصام، اهربي مني ليا يا "مهرة"، أنا حبيبك وروحك صدقيني قدرنا بقى واحد.
بصت له نظرة طويلة فيها كل معاني الشجن والضعف وفي نفس الوقت فيها معنى الملام والقهر لسنة بحالها كانت بتموت فيها في اليوم ألف مرة، سنة بحالها مليانة ساعات ملهاش عدد كانت بتنقهر من جواها على حبيبها الضايع، بلعت ريقها بصعوبة شديدة واعترفت له:
ـ وهنكر ليه حب موجود في قلبي كيف ما هتقول؟ أني حبيبي فعلاً موجود جوة قلبي، ذكرياتنا سوا مبتفارقش خيالي، أيامنا الحلوة فاكراها بالساعة والثانية والدقيقة، أحلامنا وآمالنا بنيناها سوا ورسمنا مستقبل كفاحنا ويا بعض.
وكملت وهي بتتعمق النظر جوة عيونه تدور فيهم على حبها الضايع وهي بتسحب إيديها من كف إيديه:
ـ أني حبيبي اللي حبيته كان اسمه "نعمان"، حبيبي اللي عرفته ومشفتش زيه حد كان بسيط وحبيته وقتها بسيط علشان لقيته شبهي، كيف رايدني أحبك وانت مش انت؟ مقدراش أستوعبها يا حضرة الرائد؟ والله مقدراش، هحس إني هخون صورة حبيبي اللي رسمناها سوا، امشي انت وخليني على ذكراه وأعيش وهو جوايا وأموت وهو نفس الصورة.
اتنفس أنفاس عالية وهو بيبص لها بأسى، وشبك إيده الاتنين ببعض وأكد لها:
ـ أنا هو يا "مهرة" حبيبك بنفس الصورة ونفس الطباع ونفس الأحلام والآمال.
وفجأة قلع جاكيت البدلة ورماه بإهمال على الكرسي اللي جنبه، وفك زرار الأكمام لقميصه وشمره وفتح أول زرار من على صدره وكمل:
ـ أهو يا حبيبي خلعت الشيء اللي مخليكي شايفاني مختلف ومش أنا، وإذا كان على الاسم أنا كرهت اسم "يونس" وحبيت إسم "نعمان" ومش عايز أسمع غيره منك، بس أرجوكي كفاية بقى.
كانت قاعدة قدامه حاسة بتوتر لأنه بيحاصرها بكلامه ونظراته ما كانتش عاملة حسابها إن هي هتشوفه ولا مرتبة رد فعل ولا حتى مقوية حالها إنها تعرف تصد قصاد هجوم مشاعره ومشاعرها وردت عليه:
ـ انت ليه متخيل إن المشكلة هي تغيير حروف الاسم وتغيير الهيئة يا حضرة الضابط بس؟
وكملت كلامها وهي بتشرح له مشاعرها المجروحة منه:
ـ الموضوع إني حبيت شخص له طريقة معينة في كلامه هي اللي حببتني فيه، حبيت شخص مكافح وكان بسيط ورغم كده ما كانش هيحرمني من إنه يشجعني ويحتفل معايا بكل نجاحي رغم إن هو بسيط ومحتاج إلا إنه كان بيهتم بيا وبكل تفاصيلي، طريقتك في الكلام ونظراتك اني شايفاها متغيرة، انتوا إزاي بتقدروا تغيروا من نفسكم ومن هيئتكم بالشكل دي وكأنكم شخصيات تانية خالص؟
بلع ريقه بصعوبة وهو حاسس بوجعها وبعتابها وجاوبها:
ـ طبيعة شغلنا غصب عننا بتحكم علينا إننا لازم نعمل كل حاجة ولازم نمشي على التعليمات زي ما قال الكتاب، صدقيني يا "مهرة" كل حاجة ما كانتش بإرادتي، انتِ ما تتصوريش الست شهور اللي قضيتهم في العملية اللي كنت بقوم فيها في سينا كانوا بالنسبة لي عاملين إزاي وأنا كل يوم أفتح صورك وأدخل على الأكونت بتاعك وأشوف الحزن في منشوراتك والفيديوهات الحزينة اللي كنتِ بتنزليها، كنت ببقى عامل إزاي؟ حالتي كانت صعبة وقلبي كان بيوجعني بطريقة لا تتخيليها، وزيدي عليهم ضغط الشغل إنك بتخرجي كل يوم وشايلة روحك على إيدك.
ضمت شفايفها وهي بتحاول تكتم دموعها وبتحاربهم إنهم ما يهربوش من عيونها ويشوفهم وردت على كلامه بنبرة فيها سخرية:
ـ ياه على كرمك يا حضرة الضابط، كنت بتقطع في اليوم ألف مرة وأني بدور عليك في كل مكان وبلف عليك كيف المجنونة وأنت شايف حزني وحاسس بيه وما هانش عليك تبعت لي رسالة حتى تقول لي إنك موجود أو تلمح لي بأي حاجة وتريح قلبي؟!
وفي الآخر عايزني أتقبل اللي انت عِملته فيا بالسهولة داي؟
حتى لو كنت في مهمة رسمية ما ينفعش أي حد يعرف عنها حاجة بس أني كنت "مهرة" حبيبتك مش أي حد، الموضوع كلاته إني ما كنتش في حسبانك، ما كنتش عارف إنك هتحبني وهتتعلق بيا وقبل ما تمشي من غير ما تقول لي ما كنتش لسه اتأكدت من مشاعرك ناحيتي فعلشان اكده فراقك ليا كان سهل بالنسبة لك.
حرك راسه برفض وهو بيأكد عليها:
ـ كنتِ "مهرة" حبيبتي؟! انتِ كنتِ ومازلتي وهتبقي حبيبتي وليا لآخر العمر لازم تكوني عارفة كده يا "مهرة" ولازم تكوني واثقة ومتأكدة إنك في قلبي وجوه ضلوعي زي دمي بالضبط.
ابتسمت بوجع وقالت له:
ـ تعالى نبدل الأدوار وأعمل أنا فيك نفس اللي أنت عملته فيا، أختفي سنة بحالها حتى لو كنت بعمل عمل بطولي ما يقلش عن عملك من غير ما تعرِف عني أي حاجة، إيه ساعتها هيبقى موقفك يا حضرة الضابط؟ زيد عليهم كمان إن اسمي ما يطلعش اسمي وشكلي وهيئتي ولبسي متغيرين تماماً حتى طريقة الكلام، انت ما هتتخيلش حجم الوجع اللي انت سببته لي كد إيه؟
وكملت وهي بتأكد عليه السؤال وبتبص جوه عيونه:
ـ انت كسرتني واللي انكسر عمره ما يتصلح ، رد علي كان هيبقى موقفك إيه لو أني سبتك سنة بحالها مع اختلاف الأسباب وانت ما هتعرفش عني أي حاجة؟ هل قلبك دلوك هيحس بحجم الوجع وانت هتحط حالك مكاني؟
ما تخيلش إن هو يبقى مكانها رغم إن هو كان بعيد إلا إنه كان عارف عنها كل حاجة وعارف تفاصيل حياتها وتفاصيل يومها ماشية إزاي بطريقة سهلة جداً هم واخدين عليها في شغلهم، ورد على كلامها:
ـ صدقيني أنا عارف إن أنتِ اتوجعتِ لأن أنا ما أقدرش أتحمل إن حبيبتي ما أكونش عارف عنها أي حاجة، بس اللي خلاني أختفي إني ما كنتش عارف إني هرجع لك تاني، قلت لو مت مش هتعرفي عني أي حاجة ولو عشت هرجع لك وأقدم لك كل الاعتذارات وكنت خايف عليكِ لا تتأذي بسبب شغلي صدقيني يا "مهرة"، بس اللي منعني عنك الست شهور التانيين إصابتي والغيبوبة اللي أنا كنت فيها، أنا كنت بين الحياة والموت.
قلبها وإحساسها كانوا مقهورين عليه وعلى اللي حصل لهم:
ـ أني فقدت الثقة والأمان فيك، يعني افرض لا قدر الله كان جرى لك حاجة ومشيت واختفيت من غير ما أكون عارفة عنك أي حاجة كنت هفضل طول عمري عايشة على ذكرى إنك ترجع وانت مهترجعش؟
وكملت بأسى وهي بتقوم من مكانها وبتشيل شنطتها:
ـ والثقة والأمان هي أساس كل حاجة في العلاقة ما بين الراجل والست يا حضرة الضابط، وللأسف قصة حبنا انتهت قبل ما نبتدي علشان عدم ثقتك فيا.
قبل ما تمشي قام وقف قدامها بسرعة ومسكها من دراعها وهو بيحاول يمسك أعصابه وما يغضبش من تمسكها بالفراق وهو بيبص جوة عيونها بإصرار:
ـ مش هتمشي يا "مهرة" غير لما نصفي كل اللي بينا، انتِ فاكرة إيه؟ إنك هتنهيها بسهولة كده؟ انتِ بتحبيني وأنا بحبك فليه تعذبي نفسك وتعذبيني معاكي بجد وخصوصاً إني معترف بغلط يا ستي؟! انسي بقى أرجوكي وأنا أوعدك إنها مش هتحصل تاني، انتِ ما تتصوريش أنا بتعذب قد إيه وأنا شايف جرحك مني.
وكمل بنبرة شجن وصوت مبحوح وعيونه بتتشبع من ملامحها بتمني:
ـ مش قادر يا "مهرة" أبعد أكتر من كده أرجوكي ادينا فرصة إن إحنا نتعرف على بعض يا ستي حتى من جديد، أنا رجعت من الموت وأنا بتحداها علشانك.
دموعها سبقوا كلامها لأول مرة وهي بتحاول تشد دراعها من إيديه وجاوبته وهي بتحاول ترطب شفايفها الجافة من بكاها:
ـ أني كنت لسه بتعرف على "نعمان" وحبيته وما كنتش لسه عرفته وقتها قوي، هديك فرصة علشان أتعرف على واحد تاني اسمه "يونس" كيف؟!
وشدت دراعها من إيده وهي بتمشي من قدامه وبتحاول تمسح دموعها وهي حاطة إيديها على قلبها الموجوع، وسابته واقف مكانه بيحاول يستوعب محاولته اللي فشلت في استرجاعها ليه، وجواه حاسس بألف وجع عليها وبيفكر إزاي عاشت سنة بحالها موجوعة في بعده وبتتعذب كل يوم والتاني في مشهد القدر هو اللي بيحكمه.
*********
كانت مروحة من الجامعة وماشية بتعدي الطريق وبتمشي شوية لحد ما توصل لمكان ركنة الميكروباص،لقيته فجأة نزل من العربية وهو بيعرض عليها يوصلها ورفضت بشدة :
ـ انتي ليه بتتهربي مني يا "شيماء" ، ما أني وعدتك إني هتغير وبقيت بروح لدكتور نفسي وبتعالج علشان خاطر مع بعض؟
ـ انت مبتفهمش يا بني آدم انت، اللي بيني وبينك انتهى، أني بقيت بشوفك شيطان مش بني آدم ، أني بكرهك يا "علي" ، بكرهك .
شدها من ايديها بقوة وفي لمح البصر دخلها جوة عربيته وقفلها بسرعة بالريموت اللي في ايده جت تتحرك علشان تنزل من الناحية التانية كان ركب بسرعة وقفل العربية وطار بيها وكل ده وهي بتضـ.ـربه بعـ.ـنف في كل حتة في جسمه وهو كان بيبص لها بهيستريا وجنون وكل اللي في دماغه إنها لازم تحبه وتكون معاه زي ماهو بيحبها، ازاز العربية بتاعته من النوع اللي مبينيش اللي جواها، مكانتش عارفة تستنجد بحد ينقذها، وصوتت بهيستريا وكانت مرعوبة من إن اللي حصل المرة اللي فاتت يتكرر تاني:
ـ نزلني يا سافل يا حقير، أني بكرهك وعمري ما هحبك، انت بني آدم مريض يا " علي" .
وقف بالعربية في مكان هادي مبيعديش منه بني ادم وهي من كتر الصويت والعياط بقت مش قادرة تاخد نفسها وهي بتترجاه بوهن:
ـ نزلني حرام عليك، انت هتستغل إني يتيمة وضعيفة وهتستقوى على حرام عليك، اعتبرني كيف أختك .
اخد نفس بصعوبة وهو بيتكلم معاها بهدوء:
ـ متخافيش اني مهعملكيش حاجة ولا عقرب منك ، أني هحبك وعمري ماهئذيكي أبدا.
بلعت ريقها بصعوبة وهي بتسأله:
ـ طب انت رايد مني إيه وخطـ.ــفتني ليه؟
جاوبها بوجع :
ـ محتاجك، محتاج اتحدت وياكي بصراحة عن اللي تاعبني، محتاج ملاك كيفك يسمعني ويحس باللي جواي يا "شيماء".
كانت بترتجف وخايفة منه :
ـ بس أني هسمعك كيف وأني خايفة منك ؟
رفع إيده بتلقائية في الهوا وهو بيأكد لها إنه مش ناوي على غدر، ونبرة صوته كانت هادية بشكل مريب مقارنة بطبيعته العصبية وهو بيقول:
ـ والله ما هاجي ناحيتك ولا هلمس يدك حتى بس أني محتاجك تسمعيني.
بلعت ريقها بصعوبة وهي بتحاول تكون هادية أكتر من اللازم وخصوصاً مع شخصية "علي" وإنها محبوسة معاه في عربية وممكن في ثانية يتحول لو عارضته:
ـ طب ممكن تقول لي رايد مني إيه وما تطولش علشان أمي مريضة وهتستناني في البيت وما حدش هيرعاها غيري؟
بص لها بضعف وبدأ يتكلم وعيونه بتلمع بدموع نادرة، وكأنه بينزع قناع القوة اللي كان لابسه طول عمره قدام الناس واعترف لها:
ـ أني لأول مرة هفتح قلبي لحد وأتحدث وياه بكل صراحة، أني أول مرة أحب وأتعلق ببنت، أني بحلم بيكي ليل ونهار، شكل ما يكون ربنا بعتك ليا علشان عارف إني اتظلمت قد إيه في حياتي ومحتاج يد تشدني من الوحلة اللي أني فيها، واثق إنك أنتِ اليد اللي ربنا بعتها لي في "شيماء" مدي لي يدك بالخير أرجوكِ ما تتخليش عني.
ابتسمت بسخرية من حكم القدر في إنه يوقعها في "علي" ويخليها تحبه رغم كل ظروفها الصعبة والقاسية إلا إنها تقع في ظروف أصعب وأقسى مع حبيب غريب:
ـ تعرِف إيه أنت عن الوجع وعن قساوة الدنيا على الضعفا واللي ما يملكوش من أمرهم حاجة غير السمع والطاعة وما حلتهمش غير الضعف سندهم وونيسهم.
وكملت ودموعها سبقوها وهي بتفتكر عجزها وقلة حيلتها وسط كل اللي بيحصل لها في حياتها من قهر وكسرة نفس:
ـ أنت اخترت غلط، اخترت اللي تسمعك وهي أصلاً ما تعرفش حاجة عن الدنيا واللي فيها غير من ورا نظارة بيسموها كعب كوباية وبتشوف الدنيا كلها رمادي."
هز "علي" راسه بالرفض وهو بيقرب منها شوية، وعيونه بتحاول تخترق المسافة اللي بينهم عشان يوصل لها صدق مشاعره اللي اتولدت من رحم القسوة:
ـ بالعكس انتِ طيبة وما فيش زيك كَتير وداي أكتر حاجة جذبتني ناحيتك وخليتني أتعلق بيكي غصب عني، حتى بعد ما كنت بتريق عليكِ معاهم بقيت بشوفك بنظرة تانية وبلوم نفسي على اللي كان هيحصل مني وياكي."
عدلت نضارتها بإيد بتترعش وهي بتبص للناحية التانية، وقلبها بيدق بعنـ.ــف ما بين رغبتها في تصديقه وخوفها الفطري منه:
ـ طيب ممكن تروحني وما تتعرضليش تاني لأني ما انفعكش ولا انفع أسمعك، انت محتاج حد قوي ينتشلك من اللي انت فيه ويوقفك على الطريق الصح.
بص لها بإصرار غريب وهو بيحاول يواجهها بمشاعرها اللي هي نفسها خايفة تعترف بيها، وكأنه بيقرأ اللي مكتوب جوه روحها:
ـ أيوه بس انتِ هتحبيني كيف ما أني ما هحبك، وعيونك هي اللي هتعترف وهتفضحك قدامي وما تفكريش إني لما بكون واقف بعيد ألمحك وأنتِ هتبصي علي إني ما أخدش بالي إنك في قلبك وفي دمك يا "شيماء".
نزلت راسها في الأرض بخجل ممزوج بوجع، وهي حاسة إنها مكشوفة قدامه بكل ضعفها، وردت بنبرة حاولت تخليها قوية:
ـ عادي إني أحبك وفي نفس الوقت ما أكونش ليك وما انفعكش، بعد كل اللي حصل بيناتنا والشرخ اللي جواي بسببك هيخليني ما أشوفكش غير إنك إنسان وحش مهما كانت مبرراتك.
قرب منها أكتر وهو بيبص لها برجاء، وكأنه بيشحت منها نظرة رضا أو فرصة أخيرة تخرجه من الضلمة اللي هو عايش فيها:
ـ طب اديني فرصة أتغير على يدك، لو ما اديتنيش فرصة أني هضيع أكتر من الأول علشان أني أول مرة أحب بجد.
نفخت بضيق وهي بتمسح دمعة خانتها ونزلت على خدها، وحست إن الدنيا بتجبرها على اختيار هي أضعف بكتير من إنها تتحمله:
ـ ما أقدرش أديك فرصة، الحياة ما إدتهاليش، أني أجبن وأضعف من إني أجرب وياك حاجة مش ضامنة هطلع منها سليمة ولا لأ، وخصوصاً إني ما هعرفش أدافع عن حالي، وإني أستمر معاك هبقى بظلم قلبي أكتر إنه يتعلق أكتر وياجي يفارق ما يعرِفش، أرجوك بعد عن طريقي.
كل محاولة منه ناحيتها جت بالفشل ومهما يحاول إنه يقنعها إنهم يقربوا من بعض وإنها تسمعه وإنها تقف جنبه إلا إنها بتصد كل محاولاته بكل الطرق لأنها ما بتحسش بالأمان وهي معاه فصعب جداً إن هي تكمل وهي خايفة منه، وهو قرأ الخوف والرعب في عينيها وعلشان يطمنها إن عمره ما يئذيها وإن هو كان عايز يتكلم معاها ويسمعها، اتحرك بالعربية وهو راجع علشان يوصلها أقرب مكان لبيتهم وقال بنبرة مكسورة:
ـ هرجع بيكي دلوك علشان تعرفي إن عمري ما هأذيكي تاني ولا هاجي ناحيتك بس أني كنت محتاج منك إنك تسمعيني وتقفي جنبي، هصبر لحد ما تطمني إني عمري ما أقدر أمسك علشان تبقي حاسة بالأمان وإني فعلاً محتاج فرصة معاكِ."
ومشي بالعربية من غير ما يتكلم ولا كلمة وهي كانت ضمة إيديها على جسمها وهي حاضنة شنطتها وبتبص ناحية الشارع بعيد عنه ومن جواها دقات قلبها بتتسارع ما بين حبها ليه وخوفها منه، وأول ما وصلت نزلت من العربية من غير ما تبص له علشان ما تضعفش قصاد نظرات عيونه اللي لأول مرة تشوفها ضعيفة وتحس فعلاً إن هو محتاجها، بس صعب إنسان اتربى على الضعف والخوف إنه يساعد إنسان ضعيف وخصوصاً لما يكون خايف منه.
******
قامت "دعاء" من النوم، لقيت " سند" صاحي كان بيتكلم في التليفون لأمر في الشغل وسألته بفضول ممزوج بضيق عن سهرته مع بنتها اللي طولت لوش الفجر شكل ما تكون خايفه على بنتها من ابوها:
ـ صباح الخير يا "سند" ممكن أعرف أنت أخظت "سما" بالليل وخرجتوا رحتوا فين ورجعتوا وش الفجر؟
وقف "سند" قصادها وهو بيحاول يبلع عصبيته من كلامها، وبص لها بجمود وهو بيعاتبها على إهمالها الواضح في تربية "سما" وتجاهلها لكل تحذيراته:
ـ صباح الخير يا "دعاء"، لقيتها صاحية فحبيت أخرجها وأتكلم وياها شوية وأحاول أديها من وقتي، علشان بتك في الضياع وانتِ ما عارفاش عنيها أي حاجة بالرغم من إني قايل لك خلي بالك منها وانتِ وعدتيني إنك هتقربي منها أكتر، وطبعا كالعادة كلام الليل مدهون يصبح عليه النهار يسيح.
لوت "دعاء" شفايفها واتحركت في المكان بملل، وردت عليه بطريقتها اللي ديماً بتقلب فيها الطاولة عليه وتطلعه هو اللي ظالم وقاسي في معاملته:
ـ يوه رجعنا لطبعك الصعب وطريقتك الناشفة في الكلام، ولا انت ما بتبقاش حلو وطريقتك كويسة إلا لما تكون رايد حاجة في دماغك مني وقتها بتُبقى بني آدم تاني خالص غير اللي اني شايفاه دلوك، ولما نُبقى بنتكلم طبيعي زينا زي أي زوجين في مشاكل ولادنا لازماً تطلعني أني الغلطانة واني مقصرة في حقهم مع إن كل وقتي وحياتي مدياها لهم.
برق "سند" عينه بصدمة من كلامها اللي ملوش علاقة بالموضوع الأساسي، وقرب منها وهو بيشرح لها الكارثة اللي اكتشفها بخصوص بنته وسهرها على التليفونات:
ـ انتِ بتقولي إيه انتِ؟! إيه دخل الحوارات اللي في دماغك بمشكلة عند بتنا اللي من حقي أسألك عنها، بتك يا هانم هتكلم شاب هي متعرفة عليه وهتكلمه كل يوم وتسهر وياه لحد الفجر على التليفون و انتِ ما دريناش، وفي الآخر هتلفي يمين وشمال على حوار ما فتحناش فيه نهائي، انتِ أكيد مش في وعيك ولا هي دي طبيعتك من أصله واني معرفكيش بعد العمر دي كلاته؟
خبطت "دعاء" على صدرها وكأن الكلام مش عاجبها، ودافعت عن بنتها باستماتة وهي شايفة إن "سند" بيتبلى عليها وبيرمي عليها تهم من خياله:
ـ يوه أني نفسي أعرف أنت هتتوهم وهتجيب الخرافات دي منين؟ أني بتي ما بتتكلَمش مع أي حد، بطل تشوفها وحشة وقليلة رباية على الفاضي والمليان.
هز "سند" راسه بيأس وهو عارف إن الكلام معاها ملوش نهاية، وقرر ينهي الحوار بكلمتين يحملها فيهم المسؤولية كاملة تجاه "سما" وتصرفاتها:
ـ أني خابر إني مش هاخد معاكي ولا حق ولا باطل وعارف إن عمرك ما هتعترفي بغلطك أبداً، خلي بالك من بتك يا "دعاء"، صاحبيها وادخلي جوه قلبها واعرفي حياتها كيف وهتتكلَم ويا مين هي هتحكي لك انتِ أكتر مني.
هزت كتفها بلامبالاة وهي بتعدل هدومها قدام المراية ، وردت ببرود وكأن الموضوع ميهمهاش أو كأنه حمل تقيل وعايزة تخلص منه:
ـ تمام إن شاء الله هبقى أشوف الموضوع دي بعدين طالما انت مصمم بقى إن هي بتعمل حاجة غلط.
سكت "سند" شوية وهو بيفكر في حالتها اللي مأثرة على ولادهم ،وفتح معاها موضوع العملية اللي الدكتور أكد عليها علشان حياتهم تبقى طبيعية يمكن تغير من نفسها وتشوف الصح صح والغلط غلط:
ـ في موضوع تاني عايزك فيه، الدكتور كلمني اللي إحنا متابعين معاه حالتك وهيقول إنك محتاجة عملية ضرورية علشان ترجعي طبيعية؟
شهقت "دعاء" بصوت عالي وبان عليها الرعب من سيرة العمليات، واتحججت بسنها وتعبها علشان ترفض أي محاولة للإصلاح أو العلاج:
ـ نعم! عملية إيه دي وأني داخلة على سن الأربعين اللي انت رايدني أعملها؟!
أني ولا هروح ولا هاجي كفاية الدوا اللي هاخده علشان أبسط جنابك وأرضيك هيقلب لي معدتي وهاخده غصب عني، شوف بقى أني ولا هعمل عملية ولا هروح أي حتة وما عنديش أي جهد ولا حيل للحوار دي، وبعدين انت راجل متجوز واحدة غيري دلع نفسك على كيفك وياها وشيلني من دماغك.
بص لها "سند" بحيرة شديدة وهو مش قادر يستوعب إزاي فيه ست كده، وسألها بصدق واستغراب عن شعورها وهي بعيدة عنه كزوج:
ـ هو انتِ إزاي كــست طبيعية بعد ما جربتِ قرب جوزك منك ودقتِ طعمه الحقيقي إزاي ما اتمسكتيش إنك تكوني عايزاني؟ أني مستغرِب بجد.
قعدت "دعاء" على الكرسي وهي حاسة بتعب وهمي، وبدأت تبرر رفضها للعملية بإنها مش عايزة تعيش في دوامة أوجاع وعلاج ملوش آخر في نظرها:
ـ أني كنت مفكرة إني هاخد الدوا لوقت معين زيه زي أي علاج لكن اكتشفت إنها حاجة مؤقتة وهبقى بالليل في حالة وأصحى الصبح ألاقي نفسي في حالة تانية نفس طبيعتي، ما كنتش أعرِف حوار العملية دي، أني مش مستعدة أجازف بنفسي ولا أتحمَل وجع أكتر من اكده وأني في السن دي.
اتنهد "سند" بتعب وهو شايف إن الدنيا بتتسد في وشه، وحاول يفهمها إن إهمالها ده هيقلب بمرض نفسي يهد البيت كله فوق دماغهم:
ـ أني بجد احترت فيكي وفي أمورك، الدكتور هيقول إن اللي حداكي هيسبب لك مرض نفسي مش مرض عضوي بس، ودي اللي هيخليكي ما ترعيش ولادك وتاخدي بالك منيهم زيك زي أي ست طبيعية.
قامت وقفت وهي بتنفض إيديها وبتقفل الكلام نهائي، ورفضت تسمع أي نصيحة طبية وكأنها بتتحداه وتتحدى نفسها في العناد والرفض:
ـ مالكش صالح بعلاقتي بولادي ومعاملتي وياهم، بلا مرض نفسي بلا مرض عضوي بلا وجع دماغ، كلاته كلام فاضي.
جز "سند" على أسنانه بغضب مكتوم وزقها بعيد عنه وهو مش طايق دماغها الناشفة، وسابها ودخل الحمام يتوضأ ويستعد ليومه وهو عارف إن الكلام معاها ضايع،
"عاش "سند" في صراع بين واجباته وصبره اللي بدأ ينفد، ولبس هدومه بسرعة ونزل على شغله وهو شايل هم "سما" و"دعاء" وحمل البيت اللي مبيخلصش وهو عارف إن كلامه معاها لايسمن ولا يغني من جوع.
*******
مر أسبوع بحالة مشافتهوش كانت قاعدة مقهورة وحاسة باختناق هيزيد جواها كل يوم عن اليوم اللي قبله، في الأول لما كانت متجوزة "سمير" كانت بتتمنى يبعد عنها والأسبوع اللي كان يسافر فيه أي حتة كان بالنسبة لها أجمل أيام عمرها أما "سند" من وقت ما اختفى وهي حاسة بالانهيار والتعب،
غمضت عيونها وهي ساندة على شباك سريرها وسرحت لبعيد ودماغها وديتها وقت ما كانت متجوزة "سمير" وكان مسافر أسبوع وكان ماشي وهم متخانقين وضاربها علقة موت ولما قعدت مع نفسها قررت إنها تحاول تفك النفور اللي جواها منه وترضى بالأمر الواقع وإنه بقى أبو ابنها ولازم المركب تمشي،
قامت خدت شاور ولبست زيها زي أي ست هتستقبل جوزها لأنه قال لها إن هو جاي، ونيمت ابنها ما كانتش لسه خلفت البنت، ورجع "سمير" من السفر دخل وشاف هيئتها وجمالها، رمى شنطته بإهمال وقرب منها وهو بيشدها بغشم ناحيته وأول ما قربت منه شمت ريحة غريبة وتقريباً كانت ريحة هدومه فبعدت عنه شوية،
حست بضيق شديد أول ما أنفاسه قربت منها واكتشفت إنه مهمل في نفسه كالعادة، وحاولت بلطف إنها تقنعه يدخل ينضف جسمه من تعب الطريق وريحة الشرب اللي طالعة منه:
ـ انت ما غيرتِش هدومك داي من بقالك كد إيه؟ ريحة نفَسك شرب وريحة هدومك مش حلوة خالص تعالى وياي هجهز لك الحمام خد دش واني هستناك.
"سمير" كان من النوع اللي مهمل في نظافته الشخصية لأنه أصلاً بطبعه كسول وكان مهمل في لبسه وهيئته، وده كان بيخلي "نغم" بتنفر منه كتير من ضمن الأسباب اللي هي ما كانتش بتحبه يقرب منها بسببها، وكانت مهما تحاول تغير منه وتخليه يهتم بنفسه وبنظافته الشخصية كانت كل محاولاتها بتفشل، غير إن ريحة أنفاسه بسبب الشرب كانت لا تطاق بالنسبة ليها،
أول ما شافها بتبعد عنه وبتنفر منه مسكها من شعرها وبيلويه بين إيديه وهو بيعـ.ــنفها كالمعتاد ويهينها بكلام يسم البدن ويحسسها إنها قليلة قدامه:
ـ انتِ قرفانة مني يا لمامة، دي أني جايبك من بيت ريحة العفن هتملاه من كل مكان وسكنتك سرايا، جوزك راجع من السفر وهيقرب منك وهتبعديه بيدك وانتِ قرفانة منه؟
حاولت تفك شعرها من إيديه وهي بتترجاه بضعف زي كل مرة، وجسمها كله بيترعش من الخوف والوجع اللي حاسة بيه في فروة راسها بسبب شدته القوية:
ـ حرام عليك سيب شعري والله ما قرفانة منك بس انت راجع من سفر وهدومك متعفرة واني كنت جاهزة ومستنياك وبقول لك تعالى واني هساعدك تتحمم، حرام عليك سيب شعري.
جرها من شعرها ناحية السرير كطبيعته وقلع هدومه ورماها وبدأ يمارس حقوقه معاها زي كل مرة غصبانية من غير ما يديها حق إنها تحس بيه ما كانتش بتحس غير بالوجع وكانت بتصرخ بين إيديه زي كل مرة،
كل ده بتفتكره وهي نايمة ودموعها اللي كانت نازلة بصمت اتحولت لبكاء عالي، في الوقت ده كان رجع "سند" لأنه مش قادر يبعد أكتر من كده حتى لو هو زعلان منها من حقها عليه السؤال وإنه يطمن عليها وعلشان ما يوجعهاش ببعده عنها خالص أكتر من كده،
أول ما دخل لقى المكان هادي لحد ما قرب من أوضتهم سمع صوتها وهي بتعيط فتح الأوضة وشاف حالتها وهي نايمة وبتبكي بانهيار، قلبه وجعه عليها وقرب منها بلهفة،
حس بنغزة في قلبه وهو شايف دموعها مغرقة وشها وصوت شهقاتها عالي، ونسي كل زعله منها وبدأ ينادي عليها بصوت كله حنان وقلق حقيقي...