رواية النغم الحزين الفصل الحادي والعشرون21 بقلم فاطيما يوسف

رواية النغم الحزين بقلم فاطيما يوسف
رواية النغم الحزين الفصل الحادي والعشرون21 بقلم فاطيما يوسف
نعمان" انصدم لما لقى والدته بتقول اسمها وخصوصاً إنها ما شافتهاش قبل كده وفي كل مرة يجي يوريها صورتها يشاء القدر إن هي ما تشوفهاش لأي ظرف، ولقى نفسه بيسأل بذهول:

ـ إيه ده هو أنتم تعرفوا بعض؟ أنتِ تعرفي "مهرة" يا ماما؟

قربت أم "نعمان" من "مهرة" وشدتها لحضنها وهي بتسلم عليها بحرارة وقالت لها:

ـ يا سبحان الله يشاء القدر إن أنتِ اللي تطلعي من نصيب "يونس" ابني! ياه يا "مهرة" والله ما مصدقة نفسي على الموقف ده والصدفة العجيبة دي وتدابير القدر من عند ربنا سبحانه وتعالى، وحشتيني يا بنوتة يا قمر.

شددت "مهرة" على حضنها وهي بتسلم عليها بحرارة مماثلة:

ـ وأني كمان توحشتك قوي يا خالة "أمينة"، طمنيني عنك انتِ اللي عاملة إيه؟ أني زينة الحمد لله وكيف ما انتِ شايفاني بقيت الدَكتورة "مهرة" كيف ما وعدتك، وسبحان الله يشاء ربنا إننا نتقابل وتطلعي أم "نعمان".

كل ده "يونس" و "مريم" واقفين يبصوا لبعض باندهاش، لكن اللي اندهشت أكتر "أمينة" وهي بتسأل "مهرة" بنبرة دعابية:

ـ يا بنتي هو اسمه "يونس" مش "نعمان"، انتِ هتتلخبطي في اسم خطيبك من أولها؟ فوقي يا ماما.

هنا ضحكت "مهرة" وهي بتعرض عليهم يدخلوا البيت علشان ما يفضلوش واقفين على الباب:

ـ يوه دي موضوع يطول شرحه يا خالة "أمينة"، هحكيه لك علشان تاخدي لي حقي من ولدك "يونس"، واللي هو برده في وجهة نظري هيفضل اسمه "نعمان"، "يونس" دي ما أعرفهوش وما قادراش آخد عليه واصل.

هنا ضرب "يونس" كف على كف وهو بيبص لهم هما الاتنين باستغراب وسألهم بعد ما قعدوا في الريسبشن واستقروا في أماكنهم:

ـ لا بقول لك إيه انتِ وهي، إحنا قاعدين زي الأطرش في الزفة مش فاهمين حاجة، أنتم تعرفوا بعض منين وشفتوا بعض فين؟ ده أنتم خدتوا بعض بالحضن ولا كأنكم متعرفين من زمان، إيه يا جماعة نحن هنا وأنا لازم أفهم؟

الاتنين ضحكوا عليه وعلى استغرابه وجاوبت والدته وهي بتطبطب على ظهر "مهرة" بحنية وطيبة مش مصطنعين هي متعودة عليهم:

ـ ده موضوع يطول شرحه، بس أنا عارفاها من سنين ومن قبل أنت ما تعرفها كمان، من أيام ما كانت طالبة في كلية التمريض وعارفة قصتها كلها من قبل أنت كمان ما تعرفها، تصدق يا واد يا "يونس" لو كنت قابلتها تاني، وخصوصاً إن رقمها ضاع مني لما تليفوني اتحرق وما عرفتش أوصل لها تاني، كان زماني دلوقتي برشحها لك إنها تكون عروستك، بس يا سبحان الصدف.

هنا سألت "مريم" بدهشة هي كمان:

ـ ياه يا ماما! يعني انتِ عارفة "مهرة" من سنين وكمان تعرفي عنها كل حاجة؟ سبحان الله، بس اتقابلتوا إزاي؟

ابتسمت لهم "أمينة" وهي بتجاوبهم على تفاصيل مقابلتها هي و "مهرة" قبل كده:

ـ قابلتها يا ستي في الإشارة كانت شغالة وبتسعى على رزقها، واستضفتها عندي في العربية وأنا كان جوايا فضول في الوقت ده أعرف مين البنوتة القمر اللي شغالة في عز الشمس وبتسعى على رزقها، وخصوصاً إن هي جميلة في الشكل ومش وش بهدلة، وأخدت رقمها وفضلت على تواصل معاها أطمن عليها وعلى أخبارها وأشوفها بتكمل تعليمها ولا لا، وبعدها بمدة بسيطة جداً الموبايل بتاعي باظ وانقطعت الأخبار بينا.

غمز "يونس" لـ "مهرة" بانبساط ومن جواه حاسس إن هم جبال اتشال من على قلبه لأن والدته طلعت تعرف "مهرة" بكل تفاصيلها وهو بيقول لها:

ـ شفتي يا "مهرتي"؟ أنا أريد وأنت تريد والله يفعل ما يريد، طلعتي يا "مهرتي" مشهورة عند الدوك وهي اللي هتعرفني عليكي كمان وعلى تفاصيلك، يا سبحان الله أنا ربنا بيحبني أكيد، وعلشان كده ندخل في التفاصيل على طول يا عروستي القمر.

اتكسفت "مهرة" من تلميحاته ونظراته الولهانة بيها، فكمل وهو بيغازلها قدامهم:

ـ لا إحنا مش هنتكسف من أولها والخدود تحمر، بقول لك إيه أنا هاين عليا دلوقتي أروح أجيب المأذون ونتجوز واخلي ماما و "مريم" يروحوا على البيت ونقضي الليلة المفترجة من أولها دي سوا.

برقت عيونها بصدمة من جرأته قدامهم، وردت عليه والدته وهي فرحانة فيه إنه أخيراً لقى الإنسانة اللي يرتبط بيها:

ـ ياه يا "يونس" يا ابني والله ما مصدقة نفسي إن انت واقع في الحب وطابب على بوزك بالشكل ده! تعرفي يا "مهرة" انتِ عملتي مع ابني اللي ما فيش بنت في مصر كلها قدرت تعمله، لا ومخلياه قاعد مش على بعضه قدامنا علشان ست الحسن والجمال، والله برافو عليكِ أنا فرحانة فيه وفي شحتفته وإنه هيموت عليكِ بالشكل ده.

ضحكوا كلهم على كلام "أمينة" وطريقتها وهي بتبص لـ "يونس" وفرحانة فيه، واتكلمت "مريم" هي كمان:

ـ والله يا ماما فعلاً عندك حق جداً، "مهرة" عملت اللي ما حدش يعرف يعمله فعلاً، "مهرة" وهي "مهرة" اسم على مسمى، أمال لو عرفتِ هي عملت فيه إيه وخاصمته قد إيه وهو كان يا عيني بيسهر الليالي يعد النجوم على أمل إن الـ "مهرة" تحن عليه، مش عايزة أقول لك خليته يلف حوالين نفسه زي النحلة كده.

وحكت "مريم" لوالدتها كل التفاصيل اللي تعرفها عن حكاية "مهرة" و "نعمان"، وكلهم فضلوا يضحكوا ويهزروا مع بعض في جو مليان بالألفة وشكل ما يكون ربنا عوض "مهرة" عن أيامها وشقاها بعيلة طيبة ويكونوا هم كل حياتها، وبعدين بدأوا يتكلموا في الجد:

ـ بصراحة يا دكتورة "أمينة" إني اتشرف أكون وسطكم، لكن القاعدة داي مجرد تعارف بيناتنا، لكن "نعمان" وعدني إنه هياجي يتقدم لي في بلدي وسط أمي وأخواتي البنات وإن خطوبتنا هتتم هناك، لأن الخطوة داي مهمة جداً وما ينفعش إني أعملها اهنه في مصر بعيد عن أمي وأخواتي.

طمنها "يونس" بعيونه إنه لسه عند وعده، وردت "أمينة" على كلامها بترحاب:

ـ طبعاً يا بنتي دي الأصول إن إحنا نروح نطلبك من أهلك، وبعدين آدي فرصة نشوف الصعيد وأهل الصعيد اللي ياما بنسمع عن جدعنتهم وكرمهم، نحدد الميعاد المناسب وتاخدي لنا ميعاد مع أهلك علشان نيجي إن شاء الله ونتمم الخطوبة.

هنا اتكلم "يونس" بلهفة:

ـ معلش بقى هيبقى في تعديل بسيط يا "مهرة" بعد إذنك طبعاً يا ماما، أنا مش عايز فترة خطوبة، أنا وهي عارفين بعض كويس جداً، إحنا ممكن نكتب الكتاب على طول وتلات أربع شهور ولا حاجة ونتجوز، أنا مش حابب التأجيل أكتر من كده.

بصت "أمينة" لـ "مهرة" وسألتها:

ـ "وانتِ إيه رأيك يا "مهرة" يا بنتي في اللي عايزه "يونس"؟ أنا شايفه إن هو حل مناسب وخير البر عاجله.

اتوترت "مهرة" وهي بتفرك إيديها بخجل ومش عارفة تاخد قرار إنها توافق أو لا، وخصوصاً إن دي حاجة جديدة عليها و "يونس" كمان فاجأها:

ـ والله يا دكتورة ما عارفاش أرد عليكِ بإيه، هستشير والدتي وخواتي البنات وجوز أختي الكبيرة هو يعتبر كبيرنا وهشوف هيقولوا لي إيه وهرد عليكم، لأني ما أقدرش أعمل حاجة من راسي من غير ما أرجع لهم.

كبرت في عيونهم من ردها، وخصوصاً إن هي مصممة تبين لهم إنها مش مقطوعة من شجرة وليها أهل وعيلة وونس وكبير، فكلهم وافقوا على اقتراحها لكن قرأوا فاتحة مبدئية كنوع من التفاؤل وكلهم حضنوا "مهرة" ما عدا "نعمان" اللي قال بحسرة:

ـ يعني ينفع كده يباركوا لك وهم بيحضنوكي وأنا واقف من بعيد لبعيد؟ إيه العذاب ده يا جدعان! والله لآخد حقي منك تالت ومتلت يا ست "مهرة" بس تبقي على اسمي بس.

ضربته والدته على كتفه بخفة:

ـ ولد عيب اختشي، واعمل حساب إن إحنا واقفين، عمال تكسف في البنت بكلامك ونظراتك، اتحشم شوية واصبر على روحك يا أخويا.

والقعدة اتقلبت هزار وضحك وزغرطت "مريم" بمرح، و "يونس" جاله تليفون شغل فاستغلوا الفرصة وشغلوا موسيقى وبدأوا يغنوا ويرقصوا على الهادي، وأخيراً الفرحة دخلت قلب "مهرة" والدنيا ضحكت لها.

               ********

كانوا راجعين من عند الدكتور و "سمير" ساند على كتف أمه وبيبصوا حواليهم لقوا دبايح وناس كتير واقفين وغير الصواني المطبوخة اللي الناس قاعدة بتاكل وملمومة حواليها فاستغربت جداً لأنها ما كانتش موجودة هي و "سمير" كانوا مسافرين كان عندهم ميعاد عند الدكتور وبقى لهم تلت أيام بره البيت فندهت على "جليلة":

ـ خدي اهنه يا بت إيه اللي بيحصُل دي؟ هو إحنا حدانا فرح ولا حاجة وإحنا ما نعرِفش؟! مين اللي عامل الحاجات داي وإيه السبب؟

ردت عليها "جليلة" وهي ماسكة صينية الأكل الفاضية علشان تروح تبدلها بواحدة مليانة والابتسامة مالية وشها من الخير اللي شافته في البيت ده وعلى إيد "سند":

ـ كانك ما تعرِفيش يا حاجة! دي سي "سند" بيه عامل ليلة لأهل الله علشان ولده اللي هياجي يشرف الدنيا بعد سبع شهور من دلوك.

نطقت بنبرة تعجب:

ـ واه! هي "دعاء" بت أختي حبلت وأني آخر من يعلم؟ كيف ده يُحصُل؟

جاوبتها وهي بتحرك راسها برفض:

ـ لاااه يا ست الحاجة مش الست "دعاء" هانم هي اللي حبلة، داي الست "نغم" هانم هي اللي حبلة، وسي "سند" بيه هو اللي أمر بالدبايح والحاجات دي كلاتها من عشية وإحنا هنجهز فيها، وحكم علينا كلاتنا إننا نلف على دوار دوار في البلد وياكلوا من لحمة الندر اللي كان نادره بحبل الست "نغم"، وقال لازمن طول النهار ولمدة تلات أيام البلد كلها تاكل وتشبع في دواره علشان البركة تحل على ولده من الست "نغم" قبل ما ياجي الدنيا.

الاتنين بقوا واقفين مصدومين من اللي بيسمعوه وعيونهم مبرقة ما كانوش متخيلين إن ده ممكن يحصل أو عقولهم الباطنة رافضة تصدق الفكرة من الأساس، و "سمير" بقى واقف عروق رقبته برزت من الغضب وقرب من "جليلة" وهو بيمسكها من دراعها وبيهزها بعـ.ــنف شديد وغضـ.ــب الدنيا مالي عيونه:

ـ هتقولي إيه يا بت المركوب انتِ؟ كانك اتجنيتي في عقلك إياك! "نغم" مين اللي حامل؟ وليلة إيه داي اللي هتعملوها؟ وبلد إيه اللي لفيتو فيها داي؟

"جليلة" بقت واقفة مرعوبة وهو بيهزها بعـ.ــنف وخايفة منه وعيونها بتنطق بالرعب، أمه شدت إيديها وأمرتها إنها تمشي من قدامهم وشدت "سمير" على داره والاتنين خطوات الغضب بتسبقهم قبل خطوات رجليهم، دخلوا الدوار وبقى يكسر أي حاجة تقابله لحد ما إيده جت على المسدس بتاعه اللي عينه في الدرج وبيتوعد لها:

ـ الله الوكيل لا تكون مقـ.ــتولة هي واللي في بطنها النهاردة وما حدش هيقدر يحوشني عنيها، وسعي من قدامي ياما.

حاولت "رابحة" تقف قصاده وتتلقى ضربات غضبه وعيونها مبرقة برعب حقيقي، مش خوفاً على "نغم"، لأ، ده خوفاً على ابنها اللي لسه رجليه متجبرة وداير يكسر في أثاث الأوضة كأنه ديب مجروح، مسكت إيده اللي كانت بتترعش وهي مستقوية على مقبض المسدس الحديدي، وصوتها طلع حاد ومكتوم في نفس الوقت علشان الحريم والغفر بره ما يسمعوش الفضيحة:

ـ اعقل يا "سمير"! اتحكَم في عَقلك يا ولدي ونزّل السلاح دي من يدك! هتحبس حالك وتضيع مستقبلك عشان حرمة لا راحت ولا جت؟! نزلِ السلاح يمين الله لو حد سمعك بره ليكون "سند" هينهي عليك قبل ما تخطي خطوة واحدة برة الأوضة داي!

"سمير" كان بينهج ونفسه طالع زي النار، وعروق جبهته كأنها حبال زرقاء هتطق من كتر الغل، زق أمه بقوة وعنـ.ــف خلوها تترد لورا وتسند على ضهر الكرسي، وصوته طلع بغضب جهوري مرعب هز جدران الدوار:

ـ اوعي من طريقي ياما! أني ما عادش فيا عقل واصل! "نغم" حبلة؟! "نغم" اللي كانت معاي سنين وما شفتش منها غير إنها نافراني ومشفتش في عينيها غير الكره، دلوك وبسرعة داي تحبل من أخوي اللي اتجوَزها غصبانية وعلى إنها أمانة عنديه؟! من "سند" اللي عامل حاله غفير وواصي عليها وعلى عيالي؟! البلد كلاتها بتاكل وتشبع على حس فضيحتي وأني قاعد اهنه كيف الحريم مش قادر أصلب طولي؟! يمين الله ما هتبرد ناري ولا هينطفي البركان اللي في صدري دي إلا لما أشوف دمها سايح تحت رجلي، هي واللي في بطنها! ولد "سند الناجي" منها مش هيتولد على وش الدنيا دي وأني عايش!

"رابحة" لمت شتات نفسها بسرعة وقربت منه تاني، بس المرة دي ملامحها اتغيرت تماماً؛ ملامح الوجع والشفقة اختفت، وظهر مكانها سواد وحقد قديم دفين في قلبها من ناحية "نغم"، عيونها ضاقت ونبرة صوتها بقت زي فحيح الحية وهي بتحاول تملى مخزن الغل اللي جوه "سمير" بس بطريقة تخدم مصلحتهم:

ـ وأني كمان قلبي قايد نار يا "سمير" من اللي عِملته البت داي ولفت حبالها كيف الحية على اخوك المظلوم اللي لقى واحدة جَميلة قصاده، كان هيعمل ايه وهيقدر على كيدها العظيم دي واصل! كيف المسخوطة داي تفرح وتعمل راسها براس أسيادها؟ وكيف أخوك "سند" يكسر ضهرك بالدبايح والزغاريد دي كلاتها قدام النجع؟! لكن القتـ.ــل مش هو اللي هيشفي غليلك يا ولد "رابحة" ، القـ.ــتل هيريحها ويهنيها بالشهادة، وهيخلي أخوك يقيم عليها المآتم ويبكيك دم طول عمرك، إحنا رايدين نكسر عينيها، رايدين نخليها تبكي بدل الدموع دم وهي شايفة عزك ورجولتك مع غيرها! نزل المسدس دي واسمعني زين.

"سمير" رمى المسدس على السرير بغضب أعمى وقعد على طرف السرير وحط راسه بين كفوفه وهو بيصرخ بقلة حيلة وقهر:

ـ أكسر عينها كيف ياما؟! الستات بره عمالة تزغرد، و"جليلة" عاملة كيف الراديو هتدور في النجع كله تقول "نغم" هانم حامل بواد تالت لـ"سند الناجي" ! الإشاعة اللي شيعتها في البلد وجرجرت بيها هيبة "سند" في الطين، اتمحت في ليلة واحدة بفضل بطنها الحبلة منه! الناس دلوك هتقول عليا إني كنت كداب، و"سند" هو الراجل اللي صان وعمر الدار! أني مكسور ياما، مكسور والوجع واكل في جتتي وفي قلبي وكل.

قعدت "رابحة" جنبه على ركبتها، وحطت إيدها على كتفه بتطبطب عليه بقسوة، وعيونها بتلمع بشر وتخطيط شيطاني:

ـ ما عاش ولا كان اللي يكسر ولد "رابحة" ، اسمعني يا قلب أمك، الحبل دي لساته في أوله، والشهور جوالة، ومحدش خابر الواد دي هينزل واصل ولا هينقطع في بطنها بحسرة ونكد.، سيبك منيها ومن بطنها دلوك، التخطيط اللي في راسي عليها يسد عين الشمس، بس أني لسه جاية معاك من عند الحكيم، وقال رجلك عاد فيها الأمل وخلال شهر هتصلب طولك وتدب على الأرض كيف الحصان.

بص لأمه بنظرة مليانة يأس ومرارة:

ـ وبعد الشهر ياما؟ هقوم ألاقيها شايلة واد من أخوي، وألاقي عيالي ملمومين في حضنه وهو سيد الدار والكفر كلاته.

وقفت "رابحة" بطولها ونفضت جلبابها بثقة عمياء، وضحكت ضحكة صفرا :

ـ بعد الشهر؟ لااااه، دي من بكرة يا ولدي! الكسر الحقيقي اللي هيحـ.ــرق قلب "نغم" ويخلي الغيرة تأكل في جتتها لحد ما تسقط اللي في بطنها من القهر، هو إنك تروح تتجوز زينة بنات الصعيد، البنتة اللي نقيتهالك عينها خضرة وطول بعرض، وأبوها من كبارات النجع وعنده من الجاه والمال ما يغطي عين الشمس، لما "نغم" تسمع إن "سمير الناجي" خطب وعامل فرح تتحاكي عنه البلاد، وإن عروسته الجديدة ست الحسن والجمال وهتبقى هي سِت الدار بجد، وقتها بس هتعرف قيمتك وتتحسر على الأيام اللي رمت حالها فيها على أخوك اللي حداه مرة غيرها هتشاركها فيه وانت هتجلع عروستك.

"سمير" رفع عيونه الشاردة المليانة بغموض وشر، وبدأ كلام أمه يدخل عقله ويداوي كبريائه المجروح بوهم، مسك إيد أمه وضغط عليها بشدة وسألها بنبرة فحيح حادة:

ـ صُح ياما؟ تفتكري هتنكاد وتبكي؟ تفتكري العشرة اللي بيني وبينها والعيال هيخلوها تموت من القهر لما تشوفني عريس مع غيرها وهي لساتها في أول حبلها؟

ردت بمنتهى التشفي والحقد:

ـ الست ما تكسرهاش السكينة يا ولدي، تكسرها الحرمة الزينة اللي تاخد مكانها وتعيش في عز جوزها الأولاني! "نغم" هتندم ندم عمرها، وهتعرف إن "سند" مجرد حيطة شرك لجأت ليها، وانت ابو عيالها السند الحقيقي اللي خسرت كل حاجة لما سابته، بكرة يا ولدي.. بكرة الصبح هناخد كبارات العيلة ونروح نتقدم لزينة البنات، وهنخلي البلد كلاتها تتشغل بخطوبتك وتنسى زغاريد "نغم" وحبلها .

                     ********

ـ إلا قولي لي يا مهرتي إنتي شعرك لونه ايه، وشكله ايه، أنا بتخيلك شعرك سايح وحرير ولونه أصفر شكل الأجانب بالظبط، أصل إنتي شقرا فأكيد ده يبقى لون شعرك .

ضحكت بصمت وهي بتحاول تكتم ضحكتها على قد ما تقدر وردت عليه:

ـ هو أنا اه فعلاً شعري أصفر بلون الشمس بالظبط إنت مغلطتش خالص و... 

لسه بتكمل كلامها قاطعها وهو بينتفض من على سريره وبيتغزل فيها بطريقته المعتادة:

ـ يا سلام عليكي وعلى حلاوتك يا مهرتي، انا ربنا بيحبني وكان شايل لي الجمال والدلال كله، لا وايه ملامح أجنبية قلبا وقالباً، ده إحنا ليالينا فل إن شاء الله.

المرة دي ضحكت جامد و مقدرتش تكتم ضحكاتها وصدمته:

ـ بس أني شعري مش ناعم على فكرة، أني شعري غجري ومجعد شوي بس لايق على شكلي جداً ومهتمة بيه، بس هتصحى الصبح هتلاقي شعري منكوش عادي جداً كيف اي ست في الدنيا.

رجع سند ضهره على السرير بملامح عابثة وهو بيسألها:

ـ أها إنتي بقى من اللي غنى لهم عبدالحليم الشعر الغجري المجنون، وهتصحى من النوم شعرك مسافر في الشرق والغرب يا مهرتي؟

ابتسمت وهي واقفة قدام المراية بتظبط خصلات شعرها وبتبص على هيئتها الساحرة الجميلة:

ـ على فكرة أني كان عِندي استعداد أعمله بروتين، بس أني شايفاه لايق على ملامحي أكتر من الشعر الناعم، فلو حابب اني أخليه لك حرير وسايح عادي جداً الدنيا اتطورت دلوك ، بس يكون في معلومك الشعر الغجري هو الموضة دلوك والبنات هتدفع ألافات علشان تعمل شعرها غجري .

قعد يفكر شويه وبعدين قالها بعبث:

ـ لاااا متعمليش حاجة، انا لما أعاين ممتلكاتي بنفسي هشوف هرتاح أكتر في ايه، اياكي تقربي من شعرك .

ـ ممتلكاتك؟!... قالتها بتعجب وكملت بسخرية مصطنعة:

ـ ايه هو اني فاظة ولا حاجة علشان تقول ممتلكاتك، دي شعري واصل يعني مليكش صالح بيه من الاساس.

قاطعها بتصميم :

ـ لا بقى ، شعرك ملكي، وعيونك ملكي، وحتى أنفاسك ملكي، إنتي مهرتي يعني بتاعتي، أنا راجل بقى عشت حارم نفسي من جنس حواء نهائي علشان لما أقابل اللي خطـ.ـفت قلبي تعرف إنها ملك ولد الهلالي.

ابتسمت "مهرة" وعيونها لمعت بنظرة فيها كبرياء وتحدي، لفت خصلة من شعرها الغجري المتمرد حوالين صباعها وهي بتبص لنفسها في المراية، ورغم إن دقات قلبها كانت سريعة من كلامه اللي زي السحر، إلا إنها حبّت تتقل عليه وتفهمه إن "المهرة" الصعيدية مش سهل أي حد يروّضها، وقالت بنبرة هادية بس مليانة ثقة ورسيان:

ـ واه! عاد إنت واخد مقلب في حالك قوي يا ابن الهلالي! مين داي اللي بتاعتك وممتلكاتك؟ أني مهرة حرّة، اتربيت من تلقاء نفسي على إن كرامتي وذاتي هما غلاي في الدنيا، ومفيش راجل مهما كان يتملكني بالكلمتين دول عاد.

وكملت بدلال:

ـ وبعدين إيه حوار هعاين دي يا حضرة الضابط؟ أني على استعداد أسحرك وأزلزلك من نظرة عين بس.

يونس اتعدل في قعدته تماماً، وبقت عيونه بتلمع بنيران العشق والاشتياق اللي بدأوا يقيدوا في صدره من طريقتها ، التقل والدلال اللي فيها ورساوتها هما اللي جننوه من الأول، خلوا الراجل اللي مكنش بيبص لستات يحس إنه واقف قدام قلعة حصينة مش هيرتاح إلا لما يفتح أبوابها بحبه، ضحك ضحكة رجولية واضحة وقال بصوت فيه بحّة من كتر اللهفة:

ـ أوبا على التُقل والدلال اللي يحق لك يا مهرتي، أحبك أنا وانتي هتسحريني وتزلزليني وتخليني هيمان في قرب المهرة، ونشوف مين فينا بقى وقتها الغالب والمغلوب، وزي ما إنتي عندك ثقة في نفسك انا كمان كلي ثقة إني هأثرك، وبعدين إنتي فاهمة كلامي غلط يا مهرتي، أنا لما أقول ممتلكاتي، مش قصدي تملك قهر وسيطرة، أنا قصدي تملك عشق، الراجل لما بيعشق بجد بيتحول لطفل أناني عايز يبعد بحبيبته عن الدنيا كلها، ولا حد يلمح لمعة العيون دي غيره، وبغير عليكي غيرة قتالة .

سكنت ملامحها شوية، وحست إن كلامه بيخترق حصونها وبيلمس حتة جوة قلبها كانت عطشانة للأمان ده، بس رجعت لثباتها وتقلها بسرعة وقالت بمكر وهي عاجبها كلامهم جداً:

ـ طب هو فيه داعي للغيرة داي انت اكده هتصعب علي والله تاعب روحك على الفاضي، مكانش حوار مع الدكتور اللي رايد يتقدَم لي وخلص، وانت من وقتها واخدني على الحامي وهتتصل علي كل شوي في الشغل وناقص تعد علي الأنفاس، اهدى على حالك شوي يا حضرة الرائد.

يونس اتنهد بوجع مصطنع ونبرة مليانة اشتياق وحرقة:

ـ "أهدى إيه بس؟! إنتي فاكرة إني تلاجة؟ يكون في علمك بقى أنا الدكتور ده مش مرتاح له نهائي، سمج ومجرد شغلك معاه بيخليني عايز أطبق في زمارة رقابته.

واتنهد بعشق وهو بيأكد لها بثقة ووقاحة كعادته:

ـ وعايزك تعرفي إن التقل بتاعك ده كله هيدوب أول ما الباب يتقفل علينا، ساعتها هوريكي ولد الهلالي لما بيعشق بيعمل إيه، أنا مشتاق لك قوي يا " مهرة" مشتاق أشوفك في بيتي، وأشوف شقاوتك وعنادك ده تحت سقفي، ووقتها مش هتلاقي غير حضن 

"يونس الهلالي" تدوبي جواه.

لفت وشها بعيد عن التليفون عشان خجلها ما يظهرش في نبرة صوتها، ودقات قلبها بقت مسموعة لدرجة خافت إنه يسمعها ، وقالت بتمرد خفيف عشان تداري خجلها:

ـ "إنت واقح قوي في حديتك يا يونس عاد! هو كل كلامك عن الأحضان والحوارات داي،

وبعدين الكلام دي ما يصحش يتقال واصل وإحنا لساتنا متخطبناش حتى.

يونس ضحك بصوت عالي، ضحكة هزت الأوضة عنده، وكان حاسس بسعادة غامرة لأن تمردها ده هو الرد الحقيقي اللي بيثبت له إنها بتعشقه بس بكبرياء أنثى، وقال بنبرة مليانة مكر :

ـ طب هو فيه احلى ولا أطعم ولا ألذ من الكلام عن الأحضان؟

زمت في التليفون على شقاوته معاها فكمل باعتذار وهمي:

ـ خلاص.. خلاص يا ستي، توبة! كتمنا النفس ولمينا اللسان لحد ما نشوف أخرتها مع المهرة العندِية دي، بس وحياة كل دقة قلب دقت ليكِ من يوم ما شفتك، أنا هاخد حقي تالت ومتلت منك على دلالك اللي بيجنني ده، هقتحم حصونك بكل قوة ووريني بقى شطارتك في مواجهة غزوة عشقك قصاد ولد الهلالي.

قفلت السكة وهي بتتنفس بسرعة، وحطت إيدها على صدرها وهي بتضحك بفرحة طايرة بيها السما، بصت لنفسها في المراية تاني، وشافت وشها اللي بقى أحمر زي الورد من كتر الخجل والبهجة،  وهي حاسة إن نيران الاشتياق اللي حكا عنها "يونس"  بدأت تسري في عروقها هي كمان، بس واخدة عهد على نفسها إنها تفضل المهرة التقيلة الراسية اللي تخليه يلف حوالين نفسه وعمره ما يشبع من غرامها ابدا.

                      *******

التلت بنات بيتكلموا فيديو كول مع بعض و "نغم" قالت لهم على موضوع حملها:

ـ أني على فكرة حامل يا بنات في الشهر التاني.

باركت لها "شيماء" بسعادة:

ـ يا حلاوة أهي داي الأخبار اللي تفرح القلب صُح وهبقى خالتو لتالت مرة.

باركت لها "مهرة" هي كمان بسعادة:

ـ أخيراً عاد يا بت أبوي لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة، وبالمناسبة الحلوة داي يا بنات رايدة أعرفكم بخبر هيسعدكم جداً.

واتحمحمت بخجل وهي بتكمل:

ـ إن شاء الله أني متقدم لي عريس واتعرفت عليه هو وأهله وعارفين كل ظروفي والدنيا تمام وقلت هاجي البلد علشان يخطبني من أمنا وأنتم تكونوا حوالي وكمان أهل البلد يعرفوا إني خلاص اتخطبت عشان يبطلوا كلام عني شوي.

زغرطت "نغم" بهدوء يشبهها وهي بتبارك لها بسعادة:

ـ يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك لحبيبة قلبي، قطع لسان اللي يجيب سيرتك يا غالية، هي الناس وراها إيه غير إنها تجيب في سيرة خلق الله؟ ربنا الأعلم انتِ تعبتي كد إيه علشان توصلي للي وصلتي له وأكيد ربنا جبر بخاطرك ورزقك بعريس زين، وبصراحة هو كمان ربنا هيحبه لأنه واخد ست البنات كلاتهم.

"شيماء" باركت لها هي كمان:

ـ إيه الأخبار القمر اللي ورا بعضها النهاردة داي يا بنات؟ وبالمناسبة بقى خدوا الخبر التالت من أختكم اللصغيرة علشان أفرح قلوبكم، الحمد لله أني نجحت وأخدت البكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف وطلعت التانية على الدفعة كالعادة وهنتظر جواب تعييني في الجامعة ان شاء الله.

"مهرة" الفرحة ما كانتش سايعاها وهي شايفه تعبها وشقاها طول السنين دي كلها في نجاح "شيماء" وعيونها لمعت بالدموع لأنها بتعتبرها بنتها مش أختها الصغيرة:

ـ يا حبيبة قلب أختك ألف مليون مبروك يا عمري تستاهليها، انتِ تعبتي كتير علشان توصلي للمستوى ده وما خذلتنيش، وما تقلقيش إن شاء الله هتتعيني وهتاخدي دورك لأنك طالعة الأولى على الدفعة سنتين والتانية سنتين متتاليات، استريحي شوي علشان هيدخل عليكِ مرحلة ماجستير ودكتوراه وليلة كَبيرة قوي يا أصغر دَكتورة قمر.

ابتسمت "شيماء" ابتسامة رقيقة تشبه ملامحها الصغيرة الجميلة وهي بتشكر "مهرة" بعرفان:

ـ تعرِفي اللي أني وصلت له دي تعبك وياي بعد فضل ربنا سبحانه وتعالى، لولاكي  كنت ضعت وما كنتش هبقى الدَكتورة "شيماء"، انتِ ضحيتي بحاجات كَتير قوي في حياتك كلها علشان أني أنجح، طول عمرك هتشيلي اللقمة من بقك علشان تأكليها لي، هتلبسي الهدوم القديمة علشان تلبسيني الجَديد، هتسهري الليل وتشقي طول النهار علشان أني أتعب وأذاكر وأرتاح، كان لازمن أشرفك وأتعب وأعمل كل اللي علي وزيادة علشان تُبقى داي المكافأة ليكي، وأهم من دي كلاته إنك كنتِ هتدفعي أذى أبوي عني، انتِ عظيمة قوي يا "مهرة"، كنتِ وياي كيف الجندي المجهول اللي حاربتي الفقر والظروف والقسوة ودفنتي شبابك بالحيا واتمرمطي علشان أني أبقى حاجة.

والتلاتة فضلوا يبكوا على كلام "شيماء" وعلى وجع سنين عمرهم وعلى قسوة الأيام والناس والأب عليهم، لغاية ما "نغم" اتكلمت وهي بتمسح دموعها:

ـ خلاص يا بنات بزيادانا بكا عاد إحنا الحمد لله كلاتنا دلوك في أمان، إحنا أخيراً الدنيا ضحكت لنا وودعنا الحزن، معايزينش نكد، ربنا كريم شاء إنه يعوضنا كلاتنا على سنين عمرنا.

وكملت وهي بتسأل "مهرة":

ـ "إلا قولي يا "مهرة" "نعمان" دي شغال إيه بقى دكتور زيك؟ي

جاوبتهم بحماس وهي بتمسح دموعها ورجعت البسمة نورت وشها:

ـ "أولاً هو اسمه "يونس" مش "نعمان"، "نعمان" اسم أبوه بس أني بحب أناديه بيه، ثانياً هو مش دكتور هو ظابط شرطة وأخته هي اللي دكتورة وياي في المستشفى ووالدته دكتورة نسا كبيرة، وعيلة ونسب يشرفوا، وهو شاريني وهيحبني قوي."

وكملت بنفس الحماس:

ـ ودلوك عايزة منك طلب يا "نغم"، عايزاكي تكلمي "سند" يعمل ترميم للبيت ويظبطه ويدّهنه وهبعت فرش جديد للبيت من دمياط بس مش هأكد الحجز والاستلام إلا بعد ما "سند" يعمل ترميم للبيت ورايداه يخلص في خلال أسبوع، وأني هبقى أكلمه في التليفون علشان أعرفه كل حاجة ويكون موجود وقت المقابلة هو في مقام أخوي الكبير، هبعت لكِ مبلغ على إنستا علشان تدّيه لـ "سند" وتخليه يبدأ من بكرة طوالي لأن بيتنا مهلوك جامد وما ينفعش نقابل فيه ناس وكمان كفاية على أمنا تعيش في البيت اللي كلاته رطوبة ومبهدل بالشكل دي.

ردت "نغم" بنفس الحماس:

ـ عندك حق وأني كمان هساهم وياكي، أني محوشة مبلغ بتاع 200 ألف جنيه، "سند" هيديني فلوس بزيادة وكان هيقول لي دول مصروفك الشخصي هاتي بيهم اللي انتِ رايداه طول السنتين دول وأني مش متعوَدة على التبذير ولا الإسراف وكنت هحوش منهم على جنب، وإن شاء الله هنخلي البيت من عتبته لسقفه حاجة زينة تشرفك يا دَكتورة، وكمان هعمل لهم عزومة كَبيرة تليق بمقام الدَكتورة "مهرة"، وإن شاء الله في خلال أسبوع هنخلص ما تقلقيش وهجيب أمي و "شيماء" يقضوا الأسبوع دي وياي على ترميم البيت ما يخلص.

واستمرت المكالمة بحماس وفرحة وكلمت "مهرة" والدتها واطمنت عليها وفرحتها.

                      ********

في نفس الليلة كانت قاعدة قدام مرايتها بتسرح شعرها وملامح الفرحة مالية ملامحها، رجع "سند" من شغله بعد ما اطمن على ولاده بشوق ولهفة لحبيبة العمر والأيام اللي ربنا رزقه بيها. أول ما دخل وبص لها وشاف جمالها اللي بيسحره من غير ولا كلمة ولا نظرة حتى منها، مجرد بس الطلة في وشها بالنسبة له كانت جبر من ربنا لقلبه، رمى السلام وخلع عبايته وراح وقف وراها وأخد المشط منها وبدأ يسرح لها شعرها وهو بيبتسم لها بحب:

ـ شوفي الحلو حلو لو لساته صاحي من النوم، وانتِ كيف القمر والبدر يا "نغمي"، هتفضلي تعلي في سقف الحلا والدلال دي لحد ميتي يا قلب "سند"؟

قامت من مكانها ودورت وشها ليه وحضنت وشه بين كفوف إيديها وجاوبته بدلال:

ـ انت اللي عيونك حلوين علشان اكده هتشوفني حلوة بزيادة، لكن لو الحلا والرجولة والجدعنة والقلب الطيب يُبقى مفيش غير واحد بس هو "سند الناجي" زين الرجال اللي عامل كيف الوحش اللي هيحابي على الأميرة وهيحميها ويفديها بروحه وعمره كلاته.

قرب منها و"سند" جبهته بجبهتها وبتحضن كفوفه خدودها اللي بيزينهم حَمار الخجل والرقة وهمس لها بخشونة وصوت مبحوح وعيونه بتتشبع من ملامحها الجميلة:

ـ يا أبوي على الكلام الزين اللي هيخلي الوحش يقلب كيف العيل اللصغير في حضن أمانه وحنانه، بزياداكي عاد يا بت الناس دلال ورقة وطيبة هيخلوني معايزش أفوتك ولا أهملك لحظة، "سند الناجي" دايب في هواكي.

ابتسمت له برقة، شدته من إيديه وقعد على الكنبة وبدأت تدلك له كتافه ورقبته بحنان وسألته:

ـ تحب أعمل لك قهوة ولا شربتها انت و"مازن" كالمعتاد؟ رايدة اتحدت وياك شوي في موضوع يخصني.

استغرب من كلامها وجاوبها وهو بيلتفت لها:

ـ لاااه مشربتش ويا "مازن" الليلة دي، يوم خروجه مع صحابه، وبعدين هو فيه مواضيع تخصك متخصنيش ولا إيه عاد؟!

هزت راسها وفركت إيديها بتوتر لأنها مش متعودة تطلب منه حاجة تخص أخواتها، وبالرغم من كده إلا إنه مش مقصر معاهم وخصوصاً مع والدتها جاب لها أحسن دكاترة وبدأت رحلة علاجها عند دكاترة كبار خصوصي وصحتها اتحسنت كتير عن الأول:

ـ أممم... أصل ميخصنيش أني لوحدي عاد، لاااه يخص خواتي كمان.

وبدأت تحكي له على كل حاجة وعريس "مهرة" وترميم البيت:

ـ وانت عارف اني هغرق في شبر ماية لحالي ومهعرفش الحاجات داي بتتعمل كيف، وكمان ما أحبش أتقل عليك وعارفة إن مسؤولياتك كَتيرة بس أني ما ليش غيرك وخواتي ما لهمش حد وأني أختهم الكَبيرة.

وطلبت منه بخجل وهي بتوطي وشها للأرض:

ـ وكمان كنت رايدة أجيب أمي و"شيماء" يعيشوا وياي على ما البيت يتظبط، بس خجلانة منك وخايفة من أمي "رابحة" لو عرفت إنهم قاعدين حداي تقوم الدنيا متقعدهاش، وأني أمي عزيزة النفس قوي ومرضانة ومهتتحملش بهدلة.

شدها من إيديها وقعدها جنبه وجذبها لحضنه وباسها من راسها ومسك إيديها وباسهم برقة وحنان وبدأ يطمنها:

ـ طب ودي كلام معقول بردو؟! أولاً مينفعش آخد منك انتِ وأختك فلوس علشان طلب بسيط كيف دي، ترضيها لـ "سند الناجي" يا بت الناس؟ ثانياً آني مني لحالي كنت مكلم مقاول هياخد البيت من بابه وهيعمل فيه اللازم، وهكلمه دلوك وهأكد عليه يشتغل من بكرة ويأجر عمال يخلصوه ويشتغلوا فيه ليل ونهار متقلقيش عاد، تالتاً بقى أمك كيف أمي وأختك كيف أختي ومحدش هيتعرض لهم واصل، ولا حد هياجي ناحيتهم ولا بكلمة ولا نظرة متقلقيش.

حسست بكف إيديها على صدره برقة وشكرته بنعومة:

ـ منحرمش منيك أبداً يا أجدع وأجمل راجل في الدنيا بحالها، بس لازمن تاخد الفلوس ولا هتستقل بينا آني وخواتي؟

رفع حاجبه بدهشة من تفكيرها:

ـ وه! وليه الظن السيء دي يا بت الناس عاد؟! الحوار مش حوار قلة نهائي، الحوار إنك متجوَزة راجل، وانتِ وأمك واخواتك مسؤولين مني طالما بوكم مات الله يرحمه وداي الأصول وملهاش علاقة بالجدعنة، داي تُبقى عيبة كبيرة قوي في حقي لو مديت يدي على مليم واحد من فلوسكم داي، وبعدين جهاز "مهرة" كمان أني مسؤول منه هي أختي الصُغيرة، والكلام دي لو أني راجل مش مقتدر وربنا مديني من وسع، الحمد لله خير ربنا كَتير يا بت الناس متخليش الأوهام والظنون تلعب براسك.

حركت راسها برفض واتكلمت بتصميم:

ـ ولو يا "سند" كل كلامك والله على راسي من فوق، بس "مهرة" لايمكن أبداً توافق إنك متصرفش على البيت من الفلوس داي، أختي دماغها ناشفة وأني خابراها زين، وهي كمان حالتها متيسرة الحمد لله وشغالة دَكتورة في الجامعة وحكيمة كبيرة في مستشفى الحسين وغير المحاضرات اللي هتدرسها أونلاين للناس بلاد برة ودخلها المادي زين والحمد لله، وأني الفلوس اللي معاي محوشاها من خيرك بردو ورايدة أكبر باخواتي.

زعل منها ورد عليها:

ـ يعني الفلوس اللي كنت هديها لك علشان تجيبي بيها لنفسك حاجات نقصاكي وتدلعي نفسك وما تخليكيش محتاجة أي حاجة كنتِ هتحوشيها؟ ممكن أعرف إيه السبب اللي كان مخليكي هتحوشيها غير إنك ما هتحسيش بالأمان لحد دلوك وياي ولساتك شايفه إن أني وانتِ ممكن نفترق في يوم من الأيام؟

أكدت له بتصميم ونفي:

ـ لا والله مش كيف ما أنت فاهم، أني من النوع اللي اتعودت على المصاريف القليلة واني أكفي حالي بالموجود، وعلشان اكده ما كنتش بصرف الفلوس على أي حاجة والسلام، مش في دماغي موضوع الفراق دي خالص يا "سند" والله العظيم، دي كل اللي في نيتي، وانت كمان ما مخلينيش محتاجة حاجة أجيبها وهتجيب لي أحسن هدوم وأحسن وكل ومعيشني في بيت فيه أحسن فرش ولا فرش القصور وما مخليش ولادي محتاجين حاجة فمش معقول هروح أرمي الفلوس في الأرض وأصرفها على الفاضي واصل.

رد عليها هو كمان بتصميم:

ـ خلاص فلوسك اشتري بيها دهب والبسيه واتزيني بيه ومش هاخد مليم منها، وإذا كان على فلوس "مهرة" هاخدها وهمشي لها اللي هي رايداه وأني برده هعمل اللي في راسي، فلوسها هتتركن على جنب هجيب لها بيهم دهبات هي كمان وما تجيبيلهاش سيرة أبداً.

ارتمت في حضنه وهي بتشدد على أحضانه قوي وهمست له برقة:

ـ ياه! شكل ما يكون ربنا كان شايل لي الحلو اللي في الدنيا كلاته فيك يا "سند"، انت بجد اسم على مسمى، ربنا بعتك ليا ولأخواتي اليتامى ولأمي المريضة "سند" بجد، شكل ما يكون برده ربنا زرع جواك حنية الدنيا بحالها ورجولة وجدعنة ما شفتش زيها في حياتي، هخاف أحسد حالي عليك تضيع من يدي، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبداً يا نصيبي الحلو كلاته.

شدد هو كمان على أحضانها وطبطب على ضهرها وهو مقرب منها وأنفاسه اتغلغلت بريحتها الجميلة اللي سحرته وقربها الناعم وقال لها بعبث:

ـ طب إيه أني لحد دلوك مباركتلكيش على النونو ولدي اللي في بطنك، مش لازمن ياخد تحية أبوه ويسلم عليه ويآنسه ويوانسه ولا إيه عاد؟ هنقضيها حديت وكلام وخلاص يا "نغمي".

باسته من رقبته واتجاوبت معاه برقة ونعومة:

ـ وه كيف دي يحصُل؟! دي أني هروقك وهبسطك وهمزكك على الآخر وهدلعك دلع مشفتهوش في حياتك يا عمري إنت.

وخرجت من حضنه وطلبت منه:

ـ بس كله على الهادي، تعالى الأول أعمل لك كوباية قهوة وأجيب لك طبق فيه ماية سخنة وتركيبة اكده هعملها لنفسي وأدلك لك رجليك و اعمل لك مساج وأظبط لك الدنيا، الليل لساتَه طويل.

ـ يابوي على الدلع اللي هتُبقى فيه يا "سند"! هتحطي لي رجلي في ماية وملح كمان؟ ولا سي السيد اكده هتعود على الدلع دي؟

ـ وماله لما تتعوَد؟ دي إنت مهنيني ومدلعني وباسطني وهتجيب لي الغالي كلاته يُبقى لازمن أروق عليك وأنسيك هموم الدنيا بحالها بس انت تؤمر تطاع.

ـ واه يا بت الناس كبرت أنى على الدلال دي، والله الدنيا بتضحك لي معاكي يا "نغمي" على رأي سيد مكاوي اللي هيغني دي.

وانتهى كلامهم على أغنية "سيد مكاوي":

مش بس أوقاتي بتحلو دي العيشة والناس والجو، والدنيا

الدنيا بتضحك لي.. بتضحك لي معاك

من كتر حلاوة الأيام
ونعيمي وسعدي بلياليك
مش هحسب فات منهم كام يوم
ولا بقدر أفكر غير فيك
والليل وياك.. يساوي زمان
والليل وياك.. يساوي زمان
وأكتر يا زمان من مية بكرة.
تعليقات



<>