رواية اشتد قيد الهوى الفصل الاربعون40 بقلم دهب عطيه

رواية اشتد قيد الهوى بقلم دهب عطيه
رواية اشتد قيد الهوى الفصل الاربعون40 بقلم دهب عطيه
وقفت نغم أمام باب الشقة متوترة قليلًا وهي تنظر إلى زوجها الذي ضغط على جرس الباب منتظرًا أحدًا من عائلته يفتح لهما....

"تلاقيهم نايمين الساعة سبعة الصبح يا أيوب... في حد يروح عند حد سبعة الصبح؟!"

قالتها نغم عابسة متعجبة من هذا التوقيت الغريب....

فقال أيوب مبتسمًا بحنو...

"عشان نلحق اليوم من أوله... وبعدين أنا صفصف مصحياني من الفجر أصلًا بتأكد 
عليا أجي بدري."

ثم رمقها بعتاب طفيف قائلًا....

"وإيه حد دي... دا بيتنا... ودول أهلك زي ما هم أهلي.... "

ثم أحاط كتفها بذراعه مقرِّبًا إياها منه وهو يقول بملاطفة...

"عادي....فُكّي كده ومتبقيش قفشة."

قالت نغم باستياء مع ابتسامة ظريفة...

"أنا مش قافشة... أنا مستغربة توقيت الزيارة... غـريـب... "

رد عليها أيوب بهدوء...

"ما غريب اللي الشيطان... اليوم الحلو واللَّمة الحلوة لازم تاخديها من أولها... "

قالت ساخرة...

"سبعة الصبح؟!"

أومأ برأسه مؤكدًا باستفزاز...

"لو عايزة قبل كده... الزيارة الجاية متعوضة."

تبرمت نغم وهي تدير وجهها إلى الناحية الأخرى ضاحكة بينما قال أيوب بملاحظة..

"بس إيه الحلاوة دي؟!.... انتي حاطة روچ؟"

ردّت بهدوء.... "دا مُلمع بس."

تجهم أيوب وهو يبعد ذراعه عنها قائلًا 
بغيرة..

"مُلمّع إيه؟.... الحاجات دي متتحطش برا أوضة النوم.... انتي عايزة صفصف تقول عليا إيه مدبحتش القِطّة؟!"

ظهر الانزعاج والتساؤل على نغم...

"قِطّة إيه؟!.... انت كذا مرة تكرر الكلمة دي ومبقاش فاهمة برضه... "

أخرج أيوب منديلاً من جيبه وهو يديرها إليه حتى تصبح أمامه وقال...

"مش لازم تفهمي...اثبتي خليني أمسحه."

رفضت نغم بدلال...

"أيوب سيبه... مش روچ قولتلك... "

نظر إليها بقوة مصمّمًا...

"اثبتي يا نغم بدل ما أمسحه بالطريقة التانية...."

مالت عليه وهي تقول بصوت مُغرٍ...

"امسحه بالطريقة التانية...أحسن من المنديل...."

جراء ردها لمعت عيناه بالعبث وابتسم بخبث

"طب ما تقولي إنك حطاه عشان كده... "

جذبها بين ذراعيه أكثر فضحكت بخفة وهي تنظر حولها فهما ما زالا أمام باب الشقة....

"هتمسحه بجد؟"

انحنى نحوها أيوب يتتبع بعينيه حركة شفتيها اللامعتين كثمرتين ناضجتين هامسًا بوقاحة مبعثرًا أنفاسه على صفحة وجهها المتوردة...

"الدنيا هادية... وشكلهم نايمين فعلًا. إيه المانع؟"

أغمضت نغم عينيها مبتسمة وهي تستقبل هذا الجنون الصباحي بروح أنثى متلهفة لكل لحظة مميزة مع حبيبها...

"إنـتـو بـتـعـمـلـوا إيــه؟!"

اخترق هذا الصوت المتهكم الهالة الوردية التي دخلا إليها فتبخر كل شيء فجأة وابتعدا عن بعضهما بحرج شديد....

كان هذا صوت صفية والدة أيوب التي فتحت الباب للتو ورأتهما على هذا التقارب الحميمي

نقلت صفية نظراتها الموبخة بينهما فقال أيوب بسرعة بديهة....

"كـنـت بـمـسـح لـهـا الروچ..."

ارتفع حاجباها للأعلى معقبة...

"إيـه؟!"

رفع المنديل أمام عينيها كمن يرفع راية السلام....

"بالمنديل."

ثم أعطى نغم المنديل قائلًا بجدية خشنة..

"خديه وامسحيه بنفسك... وبطلي دلع."

ضحكت نغم بخجل وهي تأخذ المنديل بينما اقترب أيوب من والدته فاتحًا ذراعيه لها قائلًا باشتياق....

"عاملة إيه يا صفصف وحشاني… ساعة عشان تفتحي الباب... "

أجابته صفية وهي تتبادله العناق بحرارة تستنشق رائحته بشوق خالص داعيةً الله
في سرّها ألّا يحرِمها منه أبدًا...

"حمد الله على سلامتك يا حبيبي... انت وحشتني أكتر... معلش كنت بصلي ركعتين قبل الشمس ما تطلع.... اتأخرت كده ليه؟!
أنا مكلماك من الفجر..."

رد عليها أيوب وهو يدعو نغم للدخول ويغلق الباب خلفهما...

"آه... ما على ما نغم صحت من النوم. وبعدين الساعة سبعة الصبح... اليوم لسه في أوله."

مدت نغم يدها لوالدته قائلة بتودد...

"أهلًا يا طنط... اتفضلي دي هدية بسيطة."

ناولتها حقيبة الهدايا في مبادرة لطيفة...

بادلتها صفية الترحيب بتحفظ فما زال في قلبها عتاب وغصة على ما فعلته بابنها سابقًا وعلى ارتباطها السريع برجل آخر....

الأم قد تسامح في حقها إلى ما لا نهاية أما ما يمس أبناءها فلا يُنسى ولا يُتناسَى... فالإساءة إليهم جريمة لا يُغضّ الطرف عنها.

"أهلًا يا حبيبتي... مبروك."

قالت نغم بابتسامة مهزوزة من هذا التحفظ الظاهر...

"الله يبارك فيكي... افتحيها لو تحبي. يا رب تعجبِك.... "

مدت صفية يدها داخل الحقيبة لترى علبة عطر فاخرة فقالت باستنكار واضح...

"إيه ده برفان؟!..... هو أنا محتاجة أتبرفن؟!"

مال أيوب على زوجته قائلًا من بين أسنانه...

"قولتلك جيبالها عباية..."

علت الحيرة ملامح نغم وهي تقول ببراءة...

"بس دي هدية أشيك وأرق..."

تابعت صفية استنكارها بتهكم...

"طب أنا الحاج عبد العظيم كان بيقولي ريحتِك يا صفية مسك... آه والله يقولي مفيش في نضافتك ولا في حلاوتك."

أكد أيوب الحديث بملاطفة وهو يغمز لزوجته

"طبعًا يا صفصف…حد يقدر يقول غير كده؟"

أحمر وجه نغم بالحرج وقالت بنبرة معتذرة..

"أنا مش قصدي حاجة يا طنط... أنا بحب النوع ده أوي.... فقولت أكيد هيعجبك."

رفضت صفية بأسلوب الحما الغليظ...

"لا يا حبيبتي... أنا مليش في الحاجات دي. اتبرفني انتي... "

ثم انتبهت صفية إلى عبوةٍ أخرى جاءت مع العطر كهدية مرافقة....

"هي إيه العلبة دي كمان؟!"

قالت نغم سريعًا بابتسامة بريئة...

"ده كريم تفتيح... بيساعد على النضارة وبيخفي التجاعيد.... "

اتسعت عينا المرأة بصدمة كأنها سمعت كلمة نابية فبرقت نغم مثلها دون أن تفهم ما الذي يجري أما أيوب فمسح على وجهه متوقعًا الأسوأ....

قالت صفية بضيق...

"تِـ... إيه؟!...... تجاعيد؟! أنا عندي تجاعيد يا أيوب؟!....."

وحين رمقت ابنها بحدة بادر هو بالالتفات إلى زوجته متظاهرًا بالصرامة قائلًا بمزاح...

"خسئتي يا نغم... ده أنا أمي صبية في العشرينات..."

قالت نغم بتذمّر...

"إيه خسئتي دي كمان؟!"

حرك أيوب كتفيه ببساطة...

"مش عارف... سمعتها في فيديو امبارح."

ضربته صفية في صدره بتقريع...

"إنتو بتتنقور عليا إنت ومراتك يا أيوب؟!"

اقترب منها أيوب بملاطفة وهو يناولها حقيبة هدايا أخرى كانت بيده منذ دخوله الشقة...

"والله ما نقدر يا صفصف... إحنا بنهزر معاكي. الحاجات دي نغم جايباها للبنات أصلاً الهدايا اتبدلت بس... دي هديتك يا صفصف... عباية إنما إيه أحدث موديل."

أخذت صفية منه الحقيبة وتفحصت العباءة التي نالت إعجابها وظهر ذلك جليًا على ملامحها ثم قالت بعدها بحيرة مشككة...

"طب... البرفان لحد من البنات؟.... وكريم التجاعيد لمين من إخواتك.... "

أخذ أيوب منها الحقيبة قائلًا بصبر....

"ليا أنا يا صفصف متشغليش بالك. هنبقى نرجعه ونجيب مكانه برفان...."

زمت صفية شفتيها وهي تتحرك أمامهما بينما قالت نغم بغيظ خافت...

"شايف مامتك؟!"

تأفف أيوب وهو ينظر إليها بوجوم...

"أمي برضه.... وبالنسبة لكريم التجاعيد في حد يهادي ست كبيرة كريم تجاعيد؟!"

عبست ملامح نغم أكثر وهي ترد عليه...

"ده مستورد يا أيوب... مش هتلاقي زيه هنا."

هتف أيوب بسخرية لاذعة...

"ومين قالك إن أمي بتدور عليه أصلًا... خِليه مكانه."

عقدت نغم ذراعيها أمام صدرها بحزن وقد انطفأ بريق عينيها الرماديتين... فاقترب منها أيوب يحيط كتفيها بذراعه مجددًا قائلًا بصوت أجش عذب....

"متزعليش يا كل الحب.... بكرة تفهمي دماغ صفصف وتحبيها... والله مفيش أطيب من قلبها... وأنا فهمتك ليه واخدة منك موقف... وصرحتِك بكل حاجة... "

زمت نغم شفتيها متذمرة...

"شكلها هتفضل شايلة مني..."

رد عليها أيوب بصوت حانٍ مطمئن...

"هتاخد وقتها... ومع الوقت هتعرف إننا بنحب بعض ومنقدرش نستغنى عن بعض ساعتها هتنسى اللي فات."

رفعت نغم عينيها إليه بشك...

"تفتكر يا أيوب؟!"

أومأ أيوب برأسه مؤكدًا بمداعبة...

"أفتكر أوي... يا روح أيوب متفكريش في حاجة وأنا جنبِك."

ثم استرسل بمناغشة...

"وبالنسبة للهدايا... أهي حاجة تعلمك يعني لو عايزة تهادي صفصف حاجة بعد كده هديها هدية تعيش معاها عباية طرحة طقم سرير... كل ما تفرشه تفتكرك..... حاجات زي كده."

أضاف بعد لحظة تفكير...

"إنتي عارفة... لو دخلتي عليها بكيلو لِفْت
كيلو لِفت تخلله هتشيلك من على الأرض شيل... "

عقدت نغم حاجبيها بتساؤل

"لِفْت؟!....... يعني إيه لفت؟!"

رفع أيوب عينيه للأعلى متنهدًا بتعبٍ حقيقي فالمشوار طويل على ابنة الذوات وتكيفها معه ومع عائلته لن يكون يسيرًا....لكن ما يطمئنه هو حبّها الصادق له وحرصها على من يَعنونه وطيبة قلبها ورحمتها...صفات كفيلة بأن تجعل وصال الود يمتد بين الجميع وكل شيء يأتي مع مرور الوقت !.....

دلف أيوب إلى غرفة التوأم لإيقاظهما بينما دخلت نغم إلى المطبخ لتساعد والدته في محاولة منها للتقرب إليها أكثر وتحسين صورتها ولو قليلًا....

عندما دخلت المطبخ وجدت صفية تقف أمام الموقد أمام المقلاة التي اشتعلت فجأة فور وضعها لأصابع البطاطا....

"حسبي يا طنط..."

قالتها نغم مفزوعة وهي تبعد صفية عن المقلاة... ابتعدت صفية خطوة معها ليس لأجل النار التي هبت فجأة ولكن لظهور نغم أمامها....

وحين عادت النار إلى هدوئها نظرت إليها صفية بطرف عينيها قائلة ببرود...

"خايفة من إيه؟.... دي البطاطس بتتحمّر."

قالت نغم بملامح مشدوهة...

"بتتحمر كده؟..... دا خطر جدًا.. "

تحدثت صفية بأسلوب اللامبالاة...

"متكبّريش الموضوع...المية اللي في البطاطس خلت الزيت يطرطش فالنار ولعت."

زمت نغم شفتيها وهي تنظر إلى المقلاة...

"حضرتِك كده مش بطمنيني... إنتي بتقلقيني أكتر.... "

سألتها صفية بفضول...

"هو إنتي ما بتقليش بطاطس في بيتك...
دا حتى أيوب بيحبها أوي."

أجابتها نغم بصراحة مطلقة....

"هو حقيقي أنا لسه ماقلتش حاجة... بس عندي الأير فراير.... "

تبرمت صفية...

"ويطلع إيه ده كمان؟!"

أجابتها نغم بهدوء....

"دي قلاية برضه يا طنط... بس بالكهربا... بتقلي من غير زيت غزير... وحاجة صحية."

تنهدت صفية بضيق وهي تقول بأسلوب الحماة...

"حاجة صحية....هي البطاطس المحمرة تبقى بطاطس غير وهي غرقانة في الزيت؟!.... ما بلاش أكل العيانين ده..غذي جوزِك دا شقيان وتعبان ليل ونهار.... "

غيّرت نغم مجرى الحديث قائلة...

"اللي تشوفيه يا طنط... تحبي أساعدك في حاجة؟"

رفضت صفية دون النظر إليها...

"بلاش تتعبي نفسك... روحي ارتاحي...
إنتي لسه عروسة."

قالت نغم بأسلوب لبق...

"بس أنا حابة أساعدك... ما ينفعش أقعد وحضرتِك في المطبخ."

رفعت صفية عينيها عليها قليلًا وحين رأتها مُصرّة ومنتظرة قالت على مضض...

"خلاص... قطعي طماطم للجبنة. هتلاقي كل حاجة في التلاجة."

نفذت نغم ما أمرتها به بمنتهى الهدوء والتفاني والدقة.... أخرجت الطماطم وغسلتها جيدًا ثم بدأت بتقطيعها على القطاعة بحرص وهدوء لا يخلو من الأناقة...

أناقة تتحدث عن ابنة الذوات تلك التي نادرًا ما تدلف إلى مطبخ وتُعِدُّ وجبة وإن حدث يصبح حدثًا تاريخيًا لا يتكرر إلا مرة كل 
عام.

هزت صفية رأسها مبتسمة بحزن وهي تتأمل وقفة نغم تلك عن قرب فهي كانت تتمنى لابنها امرأةً تشبههم في المستوى والتفكير... لكن النصيب يضع كلمته الأخيرة والقلوب ليس عليها سلطان....

رق قلبها كأم تجاه الفتاة فسألتها عن والدها..

"وأبوكي عامل إيه يا نغم؟..... بخير؟"

أجابتها نغم وعيناها مركزتان على الثمرة والسكين بين يديها....

"الحمد لله... كنت عنده إمبارح وقضيت اليوم معاه لحد ما أيوب رجع من الشغل وخدني."

قالت صفية بشفقة...

"ربنا يشفهولِك يا بنتي... هو اللي عنده ده حادثة؟"

نمت الغصة في حلق نغم وهي تقول بحزن..

"لأ... نفسية بعد موت ماما صحته بدأت تتدهور لحد ما تعب بالشكل ده."

لانت نظرات صفية بالحزن والتأثر...

"ربنا يرحمها... يعني ملكيش إخوات؟"

أجابتها نغم وهي تضع قطع الطماطم في 
طبق الجبنة...

"مليش حد غير بابا...حتى قريبنا علاقتنا بيهم سطحية مش بنشوفهم غير في المناسبات."

قالت صفية بعتاب...

"يعني إحنا روحنا فين...ما إحنا برضه زي أهلك... "

ابتسمت نغم وهي تنظر إليها بمحبة...

"مش زي... إنتوا أهلي فعلًا يا طنط أهل
أيوب هم أهلي كمان."

قالت صفية بمناغشة...

"طب ما بلاش طنط دي... ومشيها يا صفصف زي ما عيالي بينادوني."

ضحكت نغم وهي ترفع طبق الجبنة بين يديها فخورة بهذا الإنجاز...

"طب كده تمام يا صفصف..."

قالت صفية بمحبة ترفع من معنوياتها أكثر...

"تسلم إيدِك... يلا اغسلي الخيار كمان وقطعيه لحد ما الهوانم يصحوا."

ردت نغم بانصياع...

"حاضر... من عنياا يا صفصف."

عادت صفية إلى المقلاة لتتابع ما تفعله متنهدة باستسلام في سرها...

(شكلي هحبك يا بنت الأكابر... وشكل ابني كان عنده حق...)

شعرت ندى بالماء البارد ينزل فوق وجهها دون مقدمات فضاقت أنفاسها فجأة وهي تستيقظ صارخة بهلع...

سمعت ضحكاتٍ غليظة مستمتعة فجزّت على أسنانها بغيظ ومسحت على وجهها بيدها مستغفرة وهي تقول بضيق...

"إنت إيه اللي جابك عندنا يا بوب؟..إنت مش بقا ليك بيت وست مسؤول منها... جاي عندنا ليه؟"

تبرم أيوب قائلًا...

"إيه المقبلة اللي زي وشّك دي؟!... وكأنك بتشوفيني كل يوم... "

تململت ندى باستنكار...

"ما لحقتش توحشني بصراحة... أمك مش مقصرة ليل ونهار في سيرتك...وكإنك هجرت مش اتجوزت... "

ألقت ندى جسدها مجددًا على الفراش وسحبت الغطاء فوق وجهها فانتزع أيوب الغطاء عنها وهو يقول بذهول...

"إنتي هتنامي تاني؟!... ده أنا مخلّص عليكي لتر ونص مية..."

قالت ندى بعناد وهي تفتح عينيها نصف فتحة....

"والله لو حطيتني في المحيط هنام يعني هنام... ده يوم إجازتي... "

ضرب أيوب كتفها بغلاظة الأخ...

"قومي يا بت.... عشان تفطريني."

قالت ندى بغيظ...

"ومراتك ما تفطركش ليه قبل ما تيجي؟"

ابتسم أيوب بسماجة...

"لا... ما أنا وهي جايين نفطر هنا.. "

نهضت ندى جالسة على الفراش ثم لوحت بيدها في ضجر...

"هي المشرحة ناقصة قتلى يا عم بدل ما كنا بنفطرك إنت بس... هنفطرك إنت ومراتك..."

رمقها أيوب بقرف...

"وإنتي زعلانة ليه؟.... بناكل من لحمِك؟"

دخلت نهاد إلى الغرفة وهي تجفف وجهها بالمنشفة قائلة من بين أسنانها بتحذير 
لأختها...

"وطي صوتك يا بنتي... نغم مع ماما في المطبخ."

سألتها ندى بتعجب معاتبة...

"إنتي صحيتي إمتى يا نهاد وسيباه يحميني بالمية... "

قالت نهاد بتهكم وهي تبدأ في تمشيط شعرها

"استحميت قبلك والله...وكنت في الحمام. يلا قومي ادخلي غيري هدومك...عندنا ضيفة."

عقب أيوب بجدية....

"نغم مش ضيفة... نغم مرات أخوكم وأختكم ولازم تعاملوها على الأساس ده."

قالت ندى بلؤم وهي تُبعد الغطاء عنها 
وتنهض....

"مفهوم مفهوم يا بوب... قولي بقى جبتلي إيه معاك من شهر العسل؟"

نظر إليها أيوب بوجوم...

"ندى يا حبيبتي... أنا ما كنتش في المالديف. أنا كنت في فندق *** في إسكندرية برضه.. "

مطّت شفتيها بإحباط...

"يعني ما جبتليش هدية بمناسبة جوازك؟"

هزت نهاد راسها بقنوط....

"مين يجيب لمين هدية يا استغلالية؟!"

قالت ندى بتجهم....

"اسكتي إنتي... ها يا بوب فين هديتي؟"

زفر أيوب بقلة صبر وهو يضع يده في جيبه وأخرج مبلغًا ماليًا ووضعه في يدها...

"خدي دول... وابقَي انزلي اشتري بيهم الهدية اللي تعجبك."

تهللت أسارير ندى وهي تبدأ في عدّ المال بسعادة عارمة...

"حبيبي يا بوب.... من يد ما نعدمها.. "

بينما نظر أيوب نحو نهاد سائلًا بمناغشة...

"مش عايزة هدية إنت كمان يا مارد وشوشني؟"

ضحكت نهاد بخجل وبرقة وقالت...

"مش هتنسى أبدًا... بس أنا مش محتاجة حاجة....كفاية إني شوفتك وطمنت عليك."

لكز أيوب كتف ندى قائلًا بمناكفة....

"شايفة الناس الحسّاسة؟"

لوت ندى شفتيها بسخط...

"بس الإحساس ما بيأكلش عيش اليومين دول..."

قالت نهاد وهي تتأمل أخاها بمحبة...

"عيني عليك باردة يا أيوب... رجّعت الفرحة لعينيك من تاني.... "

أضافت ندى بمشاكسة..

"ووشك نور... كده ما بقاش محتاج مسك القهوة ولا الكركديه... "

قالت نهاد بشقاوة...

"نغم سرها باتع يا ندوش."

أكدت الأخرى بخبث...

"بركاتِك يا بنت الأكابر... "

نقل أيوب عينَيه بينهما بضيق وهو يهمّ بالخروج قائلا بتباهٍ....

"إنتو هتتسلوا عليا ولا إيه يلا بينا نفطر... أنا ميت من الجوع.... أما أشوف مراتي عاملالنا فطار إيه... "

قالت ندى من خلفه بصيحة شقيّة....

"إنت هتحور علينا...فطار إيه اللي هتعمله.. ما إحنا عارفين إن ضُفرها أغلى حاجة عندها...."

عاد أيوب وألقى في وجهها الوسادة ثم غادر فضحكت الفتاتان معًا...

اجتمعت العائلة حول سفرة الإفطار. جلست نغم بجوار زوجها والتوأم والأم في الجهة الأخرى...

قال أيوب وهو ينظر إلى الإفطار بشهية مفتوحة...

"هو ده الفطار مش تقوليلي أكل الفندق التعبان ده..."

ثم نظر إلى أمه وأثنى قائلًا...

"مافيش أحسن من أكل البيت... وأكل صفصف."

ربّتت أمه على كتفه مبتسمة بمحبة...

"بالف هنا يا حبيبي..."

بينما قالت نغم بودٍّ ووئام....

"عندك حق... الفطار معاكم ليه طعم تاني
بجد كفاية لمتكم..."

عقبت نهاد بحفاوة...

"ربنا يديم لمتنا دايمًا... نورتينا بجد يا نغم."

ردت عليها نغم بتودد...

"بنورِك يا دكتورة... لِسه بدري على تخرجك."

ضحكت نهاد قائلة...

"يدينا ويديكي طولة العمر... لسه المشوار طويل أوي."

تدخلت ندى في الحوار بشقاوتها المعهودة..

"أنا بقى فاضلي سنتين... سنتين وأخلص من الجامعة وقرفها...."

اندمجت نغم معها في الحديث قائلة...

"على فكرة... لما تجربي سوق العمل هتعرفي إن الجامعة كانت أرحم."

قالت ندى باستهجان...

"ماعتقدش إن في حاجة أَنيل من شوية الكفار اللي بيدرسولنا..."

همست لها نهاد بتحفظ...

"يا بنتي مش بنقول كده..."

قالت ندى بعدم اكتراث...

"أنا بقول أَنيل من كده في سِري..."

هزت نهاد رأسها بسأم...

"طب خليها في سرك أحسن..."

صمت الجميع لثوانٍ ثم قطع الصمتَ أيوب مستلذًا بطعم الجبن سائلًا بلؤم...

"الطماطم بالجبنة دي حلوة أوي... مين عملها؟"

كان يعلم جيدًا كيف تقطع والدته الطماطم على الجبنة ويعرف أن تلك القطع الصغيرة خرجت من بين يدين صغيرتين حريصتين 
في التقطيع...

قالت نغم بخجل...

"أنا يا حبيبي... عجبتك؟"

لمعت عينا أيوب بالحب وهو يتمعن النظر إليها قائلًا على مسمع الجميع...

"عجبتني بس؟!... دي مش جبنة... دي قشطة قشطة بالكرز..."

احمرّت وجنتاها خجلًا وتسارع نبض قلبها بوله ونظرات أيوب تداعبها...

بينما زمت ندى شفتيها وهي تنظر إلى طبق الجبنة بشك قائلة لأختها همسًا...

"فين القشطة دي؟... أنا شايفاها جبنة بطماطم عادي يعني..."

همست لها الأخرى ساخرة...

"الحب بقى وكده..."

قالت نغم ببراءة...

"كمان قطعت الخيار شرايح..."

تنهد أيوب ونظراته تلتهمها وهو يقول
بمداعبة...

"والله مافي حد متقطع شرايح غير قلبي..."

صاحت الفتاتان معًا بملل واضح وقد ارتسم الضجر على ملامحهما...

"سلامة قلبك... ممكن نفطر بقى؟ كفاية تلزيق... "

رمقهما أيوب بغضب متوعدًا ثم قال لزوجته همسًا...

"عدوين الفرح... ريا وسكينة..."

ضحكت نغم بخجل وهي تتابع تناول طعامها فقال أيوب بعد لحظات...

"ومين اللي عامل الفلافل؟"

قالت والدته بحدة...

"أنـا... إيـه مـش عـاجـبـاك؟"

اخذ أيوب قضمة منها قائلًا بارتياع...

"لا يا صفصف... دي بُفتيك تسلم إيدِك..."

ابتسمت والدته وهي تهز رأسها ملتزمة الصمت وأكمل الجميع طعامهم وسط جوٍّ عائلي دافئ يملؤه الحب والترابط الأسري...
..............................................................
دلفت إلى الغرفة فداهم أنفَها عطرُه المميز ورغم عدم مبيته فيها لأكثر من أسبوع إلا أنها ما تزال تحمل رائحته وتدل عليه في كل ركنٍ منها....

غرفةٌ رجوليةٌ بحتة بسيطة مرتبة ونظيفة. لم تكن المرة الأولى التي تراها فيها لكن دخولها الآن بصفتها زوجته كان شعورًا مختلفًا يغمرها بالدفء وبعض الغرور....

ارتجفت تلقائيًا مذعورة وتوقفت الشهقة في حلقها بعد أن وجدته يعتقل خصرها من الخلف بذراعَيه القويتين....

ضحكت نغم بعدها مسترخية بين ذراعيه مسندةً ظهرها إلى صدره مغمضةً عينيها بنعومة واستمتاعٍ أنثوي بهذا القرب العاطفي....

حتى هو ظل على تلك الوضعية لدقيقتين يضُمها إليه من الخلف مستشعرًا دفئها وجسدها الغض بين يديه... هشة كالبسكويت ناعمة كالكريمة ورائحتها شهية كالحلوى...

وعند تلك الخاطرة راودته رغبة لا تُقاوَم فوجد نفسه يدنو منها تلقائيًا حتى التقط من عنقها قَضمةً شغوفة.....

انكمشت نغم على نفسها متأوهة بضيق وهي تدفعه بعيدًا عنها متحسّسةً عنقها ثم رمقته بملامح معاتبة وقالت برقتها المعهودة...

"إنت إيه حكايتك بالظبط يا أيوب.... ليه كده... "

ردّ عليها أيوب وعيناه تلتهمانها...

"مش عارف... كل ما بشوفِك حاجة لا إرادية بتقولي البت دي طَعْمَة أوي....خُد حتة منها.."

ضحكت نغم وهزت رأسها باستياء لذيذ ثم وقفت أمام المرآة لترى العلامة الحمراء التي ظهرت سريعًا على بشرتها البيضاء...

"بجد حرام عليك..... إنت عضاض"

وقف خلفها وصورته تنعكس معها على المرآة وهو يقول بصوت شغوف....

"دي محبة على فكرة... "

زمت شفتيها بدلالٍ متذمرة....

"مـحـبـة؟!..... أشـك... "

قال مازحًا....

"بطلي تحلوي وأنا هبطل أعضك…"

عقبت بزهوٍ أنثوي لائق بها....

"في دي بقى مقدرش أوعدك... "

ضحك أيوب مبتعدًا نحو الفراش الواسع الجديد وجلس عليه ثم سألها بمناكفة....

"آه يا واد يا واثق… انتي إيه اللي دخلك أوضتي صحيح؟"

أجابته نغم بنبرة رقيقة...

"اليوم لسه في أوله.... قولت أدخل أرتاح شوية... وطبعًا أقرب أوضة ليا ولقلبي أوضة مين؟..... جوزي حبيبي.... "

ومض العشق في عينيه وهو يربّت على المكان الفارغ بجواره مناديًا عليها بشوق...

"وجوزِك حبيبِك بيقولك تعالي في حضنه... عشان هو كمان فاصل وعايز يريح ساعتين.."

سألته وهي تقترب منه...

"ومامتك مش هتضايق؟!"

رد بصوتٍ أجش...

"هي اللي قالتلي ادخلوا ارتاحوا شوية... وعلى العصر هتصحينا على الغدا... شوفتي كرم صفصف؟"

حين وصلت إليه تراجعت خطوة للخلف وقالت بتفكير...

"لأ طبعًا مينفعش... لازم أروح أساعدها…"

أمسك أيوب ذراعها قبل أن تبتعد أكثر ثم أجلسها على حافة الفراش بجواره...

"تعالي هنا.... انتي بتعرفي تطبخي أصلًا؟"

أجابته ببديهية...

"عادي هساعدها زي الفطار.... مانا عملت جبنة بالطماطم وعجبتك.... "

قطّب أيوب حاجبيه عابسًا.....

"الجبنة بالطماطم مش مؤهل يخليكي تطبخي بط وفراخ وتحشي ورق عنب…"

اتسعت عيناها قليلًا....

"مامتك هتعمل كل ده على الغدا لوحدها؟!"

أومأ برأسه....

"إن شاء الله البنات معاها…"

وضعت يدها على بطنها المسطحة مصدومة
من تلك الوليمة التي تعد على شرفهما....

"أنا لو كلت الأكل ده يا أيوب... الدايت اللي عاملاه هيبوظ... "

اجتاحها أيوب بنظرةٍ عابثة وهو يدنو منها قائلًا بمغازلة....

"دايت مين صلي على النبي... إحنا عيلة مش بنعتمد الحاجات دي... أنا عايزك بطة...وزة
فاهماني؟"

تورّدت وجنتاها وهي تهرب من نظراته قائلة بدلال...

"طب ابعد شوية.... إنت مقرب كده ليه؟"

مال عليها أكثر مبعثرًا أنفاسه الساخنة على وجهها وهمس بخفوت....

"مفيهاش حاجة لما أقرب.... أنا جوزِك على فكرة... "

رفرفت نغم بأهدابها وهي تنظر اليه
بخجل....

"أيوب.... إنت عايز إيه بالظبط؟"

حاصرها بين ذراعَيه وشفتيه تعرفان طريقهما إلى حلوته المفضلة وهو يقول برغبةٍ جامحة

"موضوع يطول شرحه... وأنا أحسن واحد يشرح.... "

وفجأة سمعا صوت شيءٍ ينكسر أسفلهما كتحطّم الخشب ثم هوى بهما الفراش دفعة واحدة.... اتسعت عينا نغم وهي تتشبث بعنقه صارخةً بفزع...

"أيـوب.... إيه ده؟!"

نظر أيوب الى السرير النائمين عليه وقال
عابسًا....

"السرير الجديد اتكسر…"

قالت نغم مذهولة....

"مامتك هتقول علينا إيه دلوقتي؟!"

وقبل أن يجيب جاءتهم طرقات على الباب وصوت نهاد القلق...

"أيوب إيه اللي هبد عندكوا ده.....إنتوا كويسين؟!"

تبادل مع نغم النظرات للحظة ثم اجاب اخته
بصوت مرتفع قليلا....

"مش عندنا يا دكتورة.... ده فوق عند الجيران... "

لم يسمع ردًّا آخر من نهاد فقد ابتعدت سريعًا عن باب الغرفة بينما هو نظر الى نومتهما فوق الفراش الذي بدا وكأنه انهار من تحتهم فجأة...

ثم انفجر ضاحكًا ما جعل حاجبي نغم يرتفعان 
في ضجر منه....

"بتضحك بجد.... عاجبك كده؟! هننام إزاي دلوقتي؟!"

قال وهو يمد ذراعه لها....

"هنام عادي إحنا بيهمنا.. تعالي في حضني... "

سحبها بين ذراعيه غير مبالٍ بالوضعية العجيبة واستراح على الفراش المائل وجعلها تتوسد صدره مستلقية فوق بطنه...

"أيــوب... "

نادته نغم وعلى ثغرها بسمة هيام…

رد بهمهمة هادئة فقالت بتساؤل...

"بتحبني؟"

أجاب بغلاظة....

"مش عارف بصراحة.... "

ضربته في صدره...

"متهزرش... "

ضحك وهو يضمّها أكثر....

"ما انتي عليكي أسئلة غريبة... بعد ده كله بتسألي؟"

قالت بدلال...

"عشان عايزة أسمعها منك على طول... "

قبّل قمة شعرها دافنًا أنفه فيه كأنه أكسير حياة وقال بتوله....

"أنـا بـمـوت فـيـكـي يـا نـغـم انـتـي حـب حـيـاتـي....وكـل حـيـاتـي.... وكـل الَحـب…"

تمرغت على صدره كقطةٍ شقية وهي تهمس بنعومة...

"وانـت قـلـبـي وعـيـونـي…"

شاكسها أيوب قائلًا...

"بمناسبة العيون… دي عينِك بجد ولا عدسات؟"

اتسعت ابتسامتها وهي تتثاءب بنعاس...

"عدسات.... تصبح على خير…"

ضمها إليه أكثر ثم أرخى جفنيه وأنفاسُه تهدأ وتنتظم... فوجودها فوق صدره يكفيه ويغنيه عن العالم أجمع....
...........................................................
استمع أيوب إلى حديث ليان بتركيز وكانت تجلس في الجهة المقابلة
تعليقات



<>