
رواية اشتد قيد الهوى الفصل الحادي والاربعون41 بقلم دهب عطيه
العودة من الموت إلى الحياة شعور تختبره روح الإنسان مع كل ابتلاء يمر به يشعر وقتها أنها ضاقت.... ضاقت إلى حد الاختناق ولم يعد هناك متسع منها ولا الفرج عنها وأنها ستستمر إلى ما لا نهاية... حتى يأتي المتسع بعد صبر عظيم ليكتشف أنه كان اختبارًا ومرَّ بمرارته وأحزانه مرَّ ليعلمنا أن الفرج آتٍ مهما طال أو ضاق بك وعليك....
وفي تلك اللحظة هي شعرت بالإحساس نفسه... أن روحها عادت إليها بعد أن غادرتها لأيامٍ وليالٍ.....
انتبهت شروق أثناء جلستها الحزينة في شرفة شقة الطابق الثالث التي تقطن بها الجدة وأبرار أن صالح قد عاد من العمل بسيارته.
بنظرة حزينة شيَّعت خروجه لتراه يترجل ثم يفتح الباب في الجهة الأخرى لكائن صغير لم يظهر منه سوى ساقيه النحيفتين.....
دققت شروق النظر إليه وقلبها يراه قبل أن تبصره عيناها.....
انتفضت ناهضة شاهقة بعينين يترقرق بهما الدمع بعد أن رأت ابنتها من بعيد يدها في يد صالح.... أقد عادت كما وعدها؟..... أم أنها تتوهم ذلك؟
لم تفكر كثيرًا تركت ساقيها للرياح راكضة إليهم روحها تسبقها قبل جسدها وأثناء مرورها في الصالة إلى باب الشقة أوقفتها أبرار بدهشة عاقدة حاجبيها بتساؤل...
"في إيه يا شروق بتجري كده ليه؟"
"ملك رجعت..."
قالتها وهي تتجاوز باب الشقة هابطة الدرج بينما وقفت أبرار في مكانها بعدم استيعاب والجدة في المطبخ قد سقطت الملعقة من يدها محدثة ضجة بعد عبارة شروق لتَهرول مسرعة بملامح منبسطة ملهوفة تبحث عن الصغيرة التي غيابها أوجع قلوب الجميع وسرق الراحة من أعينهم.....
قابلتهما شروق على السلم في منتصف الطريق بوجهٍ أحمر وأنفاسٍ لاهثة....توقفت أمامهما فانتبه صالح إلى وجودها وقطب جبينه عابسًا...
لكنها لم ترفع عينيها إليه وصوَّبت كل تركيزها ومشاعرها نحو ابنتها التي ابتسمت حين رأتها ونادت عليها بتلقائية...
"ما مـ..."
توقفت الكلمة في حلق ملك بعدما ضمَّتها أمها بقوة إلى صدرها وهي تبكي بصوتٍ عالٍ وبدأت توزِّع القبلات على وجه ابنتها وتشتم رائحتها غير مصدقة أنها بالفعل هنا وأنها لا تتوهم ذلك...
بكت ملك على بكاء أمها وهي تبادلها العناق ببراءة قائلة بحنو....
"ما تعيطيش يا ماما... عشان خاطري أنا كويسة."
وأثناء احتضانها لابنتها وقعت عيناها على الجرح في أذنها فعرفت دون سؤال أن اليد التي انتُزِعت منها الأبوة هي نفسها التي اوقعت بها هذا الأذى
"الحمد لله إنك بخير..."
قالتها شروق وهي تمسح الدموع عن وجه
ابنتها....
فجاء صوت صالح العابس رغم هدوئه...
"خلينا نطلع فوق يا شروق.... مينفعش قعدتك
دي... وبعدين إزاي تجري على السلم كده؟
إنتي ناسية إنك حامل؟"
رفعت عينيها الندية بالدموع إليه والحمراء بشكلٍ أوجع قلبه لكن نظرتها وحزنها يزيداها جاذبية خاصة.... لو تعلم أنه يبغض رؤيتها الباكية وفي الوقت نفسه هناك جانبٌ خفي يتغزل بها هكذا... لاتّهمته بالجنون....
حب الغزالة في حدّ ذاته ضرب من الجنون...
رغم الخصام.... رغم البعاد....والغضب منها
تبقى الشروق...
وما أجمل الاطلاع إلى الشروق في غيومه الحزين أو في إشراقه الجديد.....
ضمتها الجدة إلى صدرِها وقبلتها عدة قبَلاتٍ حارّة على خدها وهي تتفحص جسدها بقلبٍ موجوع...
"انتي خاسة كده ليه يا ملك.... انتي بقيتي هيكل عظمي.... يا لهوووي يا بنتي..."
عادَتْ تضمّها إلى صدرها باكية موجوعةً على حال الصغيرة وعلى الأيام التي قضتها بعيدًا عن أمها فدون أن تحكي ملكُ شيئًا كان كل شيء ظاهرًا على وجهها وجسدها... وكأنها كانت معزولة عن الحياة لسنوات وليس أسبوعًا واحدًا بعيدًا عن أمها.
روح ملك معلقة بأمها كما كانت روحُ شروق معلّقةً بابنتها طوال تلك الأيام...
شروقُ التي عادتْ من الموت حين رأت ابنتها أمامها من جديد...
"إيه يا تيته هو أنا ماليش نفس أحضن وأبوس زيّك.... وسعي كده... خليني أديها
على دماغها الجزمة دي... "
قالتها أبرار بضيق وغيرة وهي تُبعِد ملك عن جدتها لتقف أمامها ثم استقبلتها بحدّة صارمة...
"إنتي إزاي تخرجي من البيت... وتوقفي كمان مع واحد غريب... مالك إنتي ومال سواقين التكتك"
أجابتها ملك بتردد وحرج...
"كان بيسأل على حاجة..."
وضعت أبرار يدها على خصرها وقالت بتجهّم ساخط..
"وحضرتِك بقى المرشدة السياحية بتاعة المنطقة؟! مفيش غيرك؟!"
نظرت شروق إلى ابنتها الصامتة الواقفة كالمذنبة تستمع إلى توبيخ أختها الكبرى....
قالت بدفاع أم...
"براحة عليها يا أبرار..."
رفضت أبرار بصرامة...
"اسكتي إنتي... أنا مبحبش الدلع... "
سخرت الجدة بمزاح...
"عجايب دلوعة العيلة... ومش بتحب الدلع"
رفعت أبرار يدها لتوقف المزاح الدائر قائلة بلهجة شديدة....
"يا تيته لو سمحتي....ادوني فرصتي. لو
سكتنا على غلطتها دي... هتتكرر تاني وتالت... ومش كل مرة تسلم الجَرّة...حظنا
من السما إنها رجعت."
ثم وجهت نظراتها إلى والدها بتساؤل...
"هو إنت صحيح يا بابا... لقيتها فين؟"
صوب الجميع نظراتهم نحو صالح بترقّب قَلِق فأطلق تنهيدة عميقة وهو يرد بهدوء...
"مش مهم... المهم إنها رجعت. الحمدلله فضل ربنا وكرمه علينا عطرني فيها... أنا هروح أصلي ركعتين شكر لله..."
تحرَّك صالح مبتعدًا إلى الحمّام بينما ظلت شروق تحدّج في ظهره بقلق يعصف في صدرها حتى ابتعد عن بصرها......
قالت أبرار بعتاب وهي توبخ الصغيرة...
"كلنا كنا هنتجنن عليكي... كل يوم بيعدي علينا وإحنا مش بنوصل لحاجة... بيكون أسوأ من اللي قبله..."
ثم استرسلت بتذكّر شغلها الشاغل في تلك الأيام الماضية....
"تعرفي إن أنا وياسين حطينا صورتك على الجروبات اللي لها علاقة باختفاء الأطفال
وحطّينا مبلغ للي يلاقيكي... وكل يوم كنا بنستنى ونشوف لو حد يرد... حتى لو بالكذب... بس مكنش في حاجة بتحصل..."
سألتها ملك بشك...
"يعني كنتي عايزاني أرجع أعيش معاكم...؟"
لكزتها أبرار بضيق واضح...
"وبتسألي كمان يا متخلّفة؟!"
صاحت ملك والدموع تتجمع في عينيها ثم تسيل كشلالٍ منهمر....
"إنتي اللي متخلّفة.... عشان لحد دلوقتي مخدتينيش في حضنك... "
تضايقت أبرار من ردها الوقح فقالت...
"في حد يغلط في أخته الكبيرة؟! واطيّة زي"
توقفت أبرار عن المتابعة بعدما ألقت ملك نفسها في أحضانها باكية بحرقة....
رق قلب ابرار وابتسمت بحزن وهي تبادلها العناق لتربت على ظهرها بحنان....
اقتربت شروق منهما وهي تبكي مع ابنتها بصمت موجع والجدة تنظر إليهن بمحبة وحزن على ما آل إليه الحال.....
قالت ملك بصوت متهدج وجسدها يرتجف مع بكائها العنيف....
"أنا كنت خايفة قوي يا أبرار... أخاف أفضل طول عمري مع بابا... ومارجعش أعيش معاكم تاني... كنت خايفة أوي ماما تنساني... وإنتو كمان تنسوني..."
سحبتها أمها من بين ذراعي أبرار وضمتها إليها تغمرها بمشاعرها وشوقها وهي تقول بتوبيخ
طفيف....
"يا هبلة... مين اللي ينسى روحه... دا أنا روحي ردت ليا تاني لما شوفتِك..."
مرّرت أبرار يدها على شعر الصغيرة وهي تقول بحنو....
"إحنا عمرنا ما ننسـاكي يا ملك... إنتي أختي... مين ينسى أخته؟!"
ثم أبعدت يدها فجأة متذكّرة تلك العبارة التي نطقتها ملك الآن... معلومة صادمة بالنسبة لها...
"بس إنتي قولتي إيه... باباكي؟!.... باباكي هو اللي كان خاطفِك؟!"
عبست الجدة وهي تنتبه أيضًا الى تلك المعلومة التي كانت تشكّ فيها رغم تنبيهها السابق لابنها...
قالت الجدة بقلق أم وهي تنظر إلى ملك...
"استرها يا رب... دا اللي كنت خايفة منه... صالح جابك إزاي يا ملك؟!..... اتعارك معاه؟!... احكيلنا يا بنتي..."
ازدردت شروق ريقها وهي تتشبّث بأحضان ابنتها مسبلة جفنيها تخفي خزيها وضعفها... فهي سبب شقائهما ودخولهم في حرب قذرة مع هذا الحقير....
.............................................................
كان جالسًا على سجادة الصلاة والسبحة في يده يردد الذكر همسًا خاشعًا كجسده وقلبه في تلك اللحظة في وسط غرفةٍ خافتة الإضاءة يتسلل منها ضوء بسيط عبر النافذة المفتوحة قليلًا أمام عينيه الخضراء....
في تلك اللحظة المقدسة الهادئة كان يجلس مع نفسه يفكّر بحكمةٍ وروِية في الخطوة القادمة مع ذلك الوغد فهو على يقين أنّه لن يترك الأمر يمرّ هكذا دون افتعال مشكلة جديدة.
يجب أن يحافظ على عائلته ويمنع عنهما الأذى فهما مسؤولين منه وأي خطأ أو تهوّر
قد يكلّفه الكثير....
فالأشخاص الذين يشبهون (حنش) لا يهتمون لسمعتهم ولا ما يسعون إليه لذلك وقاحتهم
وجرمهم أمرًا ليس مستبعدًا أو غريبًا.....
إنها أفعال متوقعة من أمثالهم ولهذا عليه أن يحذر ويأخذ احتياطاته وأن يُبعد هذا الرجل عن محيط عائلته بأي ثمن....
سمع صالح باب الغرفة يُفتح ثم يُغلق بهدوء
وخطواتها الرقيقة المترددة تقترب منه فيما انتشرت رائحة غسولها المعطر في المكان تمتزج مع عطر العود الخاص به لتصنع معًا عبقًا آخر شديد التميّز والحميمية....
أسبل جفنيه وهو يحرك حبات السبحة بين أصابعه يرسم التجهم على ملامحه بينما قلبه يتفاعل مع وجودها وجسده يتأهّب لاقترابها... ولمستها ولو بالخطأ !.....
رآها تفرش سجادة الصلاة الخاصة بها سجادة خضراء مبطنة بتصميم قُبة.....
ابتسم صالح وهو يراها تبدأ الصلاة خلفه على بُعد خطوتين بينما بقي هو جالسًا في مكانه متربعًا مستمرًا في التسبيح....
أنهت صلاتها بعد دقائق ثم قربت السجادة قليلًا وجلسَت بجواره.... أخذت السبحة منه بصمت وبدأت تحرّك حباتها بين أناملها الرقيقتين....
تركها تفعل ما يحلو لها لم يُعلق على شيء وفي الوقت نفسه لم يبتعد عنها لتمر الدقائق في تلك الجلسة الروحانية الهادئة بينهما....
ليرى يدها تُمسك بيده برفق وتضع السبحة السوداء في راحته ثم تميل فوق كفه تقبله تاركة طبعة شفتيها الناعمتين عليه..... طال ذلك قليلًا فحرك في داخله كل ساكن وازدرد ريقه ساحب يده منها في اللحظة التالية....
ليس نفورًا... لكنه لا يريد أن يضعف أمامها بهذه الطريقة فما زال غاضبًا وخصامه معها لن ينتهي بقبلة على كفه أو شفتيه.... إنها تعبث به... والغزالة تعرف جيدًا قوة تأثيرها كامرأة عليه وشوقه يفضحه أمامها....
ولهذا تتلاعب... وهو يكره تلاعب النساء.....
لم تستسلم شروق فمنذ متى تسمح المرأة لزوجها أن يخاصمها إن أرادت الصلح؟
إذا أرادت ستفعل المستحيل لتأخذ ما تريد.
هي فقط تركته في الأيام الماضية لأن عقلها
وقلبها كانا منشغلين بابنتها وغيابها
لكن بعد أن عادت الصغيرة إلى أحضانها ستكرّس شروق نفسها في الفترة القادمة لرضا الشيخ حتى تزيل خلافهما وتستعيد حبه ودلاله... شاء أم أبى... فهي لن تسمح له بأن يبتعد عنها أكثر.....
مالت برأسها بدلال على كتفه تستريح فشعر بقشعريرة تسري في جسده وصلتها جيّدًا
فابتسمت برضا أنثوي خافت ثم مالت أكثر عليه ووضعت يدها في يده....
تحدّث صالح بخشونة محافظًا على رباطة
جأشه...
"أنا هصلي تاني... انتي كده بتنقضي الوضوء."
قالت شروق بصوت ناعم مُغرٍ...
"هو المفروض إنه اتنقض من شوية... بعد ما بوسة إيدك..."
سألها واجمًا...
"وليه عملتي كده؟"
قالت مع تنهيدة ناعمة وأناملها تتلاعب في يده بشوق...
"المفروض أعمل أكتر من كده... قولي أشكرك إزاي بعد ما رديت روحي فيا تاني..."
التوى فكّ صالح بضيق لم يستطع إخفاءه وبغيرة لم يظن يومًا أنه سيختبرها بهذا القدر...
"بنتك هي روحك؟!... ده اللي اكتشفته الأيام اللي فاتت..."
رفعت شروق عينيها المذهولتين إليه دون أن تُبعد رأسها عن كتفه...
هل يَغار من صغيرتها.... وحيدتها....
وهي أيضًا تغار من أبرار عليه تغار من الجدة ومن زوجته المتوفّاة وذكرياتهما معًا... وتغار حتى من العطر الذي يلامس جلده ويتوغل إليه دونها.....
هي أيضًا تموت من الغيرة لكنها لا تعترف له تحترق من الداخل بصمت فهناك أشياء الاعتراف بها يُعدّ جنونًا... لن تجني منه
سوى السخرية.....
"إزاي لقيت ملك؟!....."
انطلق هذا السؤال على لسانها في انتظارٍ وترقبٍ قلِقٍ منها... لم يرد صالح عليها اكتفى بالصمت الذي أجابها أكثر من أي كلام فَسألت شروق بحذر...
"احكيلي يا صالح... إزاي لقيتها.... وقالك إيه؟..."
أطلق تنهيدة عميقة خشِنة وهو يرد باختصار...
"عندك ملك... اسأليها..... أكيد هتحكيلِك..."
زمت شروق شفتيها إلى الأمام وهي تقول بأسى
"مش عارفة أقعد معاها لوحدنا... ومش عايزاها تتكلم قدام أبرار وخالتي... هيشيلوا مني أكتر..."
نظر إليها بترقب ومال برأسه يسأل بجدية...
"ومين قالك إنهم شايلين؟... في حاجة حصلت وأنا ماعرفهاش؟..."
أسبلت جفنيها وبدأت تعبث في يديها معًا قائلة بقنوط...
"ملك قالت إنها كانت مع أبوها... نظرتهم اتغيرت وقلقهم زاد... وأنا مش بلومهم أنا كمان مرعوبة عليك أكتر منهم..."
رد عليها صالح بصوتٍ أجشّ رزين....
"مفيش حاجة حصلت تستاهل القلق ده كله... البنت كان سايبها عند ناس... استنيت لحد ما نزل وطلعت خدتها... وسكتهم بقرشين."
لم يهدأ قلبها بعد حديثه وقد بهت وجهها واتّسع القلق في قلبها حتى بلغ منتهاه وهي تقول برهبة
"حنش مش هيسكت... أكيد هيعمل حاجة..."
رفع عينيه كرصاصتين نافذتين وهو يقول بحدّة وغيرة...
"وإنتِ خايفة كده ليه؟...يورّيني نفسه أنا مستنّيه."
قالت بلوعة نادمة وعينيها تجريان عليه بلهفة خالصة...
"أنا خايفة عليك... عليك إنت يا صالح... أنا السبب في كل اللي بيحصل واللي هيحصل من ورايا. يا ريتك ما ربط نفسك بيا... إنت مالك ومال وجع الدماغ ده..."
تجهّم أكثر وهو يقول بضيق
"ربط نفسي بيكي وكلّه مقدّر ومكتوب... ومش ندمان..... بس شكلك إنتي اللي ندمانة..."
هتفت شروق بقلبٍ مكلوم تتجرع الكلمات بوله
"لا عشت ولا كنت لو ندمت... مين يعرفك ويحبك ويندم على عشرتك الحلوة؟... ده انت العوض اللي ربنا بعته ليا..."
أمام نظرتها وخنوعها تعالى نبض قلبه في حضرة كلماتها الحسية فقال واجمًا...
"يبقى خلاص... سيرته متتجبش تاني. خلصنا. وبنتِك رجعتلك زي ما وعدتك... يبقى مالوش
لازمة نفتح السيرة دي كل شوية..."
بلعت شروق ريقها بطاعة وهي تفتح مجرى حديثٍ جديد محاولة تبديد الجو بينهما...
"تحب أقوم أعملك حاجة تشربها... أو أسخّن الأكل؟..."
رفض صالح بملامح مقتضبة....
"مش عايز حاجة... اكّلي بنتك وغذيها... هي اللي محتاجة الاهتمام ده دلوقتي. عوّضيها عن الأيام اللي غبتها عنك..."
سألته برقة...
"طب وإنت؟..."
رفع عينيه الخضراوين عليها يتأمّل حسنها والشوق يطفو على ملامحها يستجديه بالاقتراب بالهوى... بالنسيان.....
جاء صوته من الأعماق باهتزازٍ طفيف تأثرًا بأمراتها ونظرتها القادرة على سلب أنفاسه قبل خفقات قلبه
"أنا لِسه مصفّتش يا شروق... ومش عايز تعويض دلوقتي..."
"صالح... كفاية بُعد... إنت وحشتني..."
مالت عليه في محاولةً لرأب الصدع بينهما بأقرب الطرق لها تعبر عن شوقها وعشقها بالكلمات وأصابعها تغوص في لحيته وشعره كأنها ترسمه بأناملها ببطء... بتَرَوٍّ... بشغف... بلوعة...
"وحشني حضنك وقُربك... ولمستك... كل حاجة فيك يا حبيبي..."
نظر إليها وهي تقترب أكثر وأصابعها تلامسه بنعومة تحرّك كل ساكن فيه تجعل من الجليد نيرانًا مستعرة...
وهمساتها تزداد عذوبة وحرارة...
"حن عليا... وأنا أوعدك مش هخرج عن طوعك تاني..."
أبعد يديها عنه بصعوبة وكل ما فيه يناديها... لكن كرامته تأبى.... وكبرياؤه يعترض...
سألته شروق بدهشة وهي تنظر إلى يده التي أبعدتها عنه...
"معقول مش وحشاك؟!..."
تنحنح صالح وهو يتركها وينهض ثم بدأ بالسعال عدة مرات حتى يجد صوته الذي تبعثر مع كلماتها كما تبعثر كيانه مع لمساتها....
"أنا هنزل أصلي في الجامع..."
تركها خلفه وغادر بينما بقيت هي في مكانها حزينة محبطة يداها في حجرها بيأس بعد أن فشلت في استعادته...
همست بقلبٍ مفطور تحدق في النافذة التي أسدل الغروب ستائره عليها حتى غرقت الغرفة في ظلامٍ طفيف ولم تنتبه لظلمة المكان إلا بعد أن غادر....
"آه من حبك... وآه من خصامك... وآه من قسوتك يا شيخ..."
همست بتلك الكلمات وقلبها يرتجف تحت وطأة الإحساس الذي تسلل إليها بقوة...
..............................................................
وقفت أمام المرآة تضبط حجابها بعد أن ارتدت إسدال الصلاة ثم نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة قليلاً شاعرة بأنها تحتاج لوضع شيءٍ قبل الصعود...
رفعت قلم الكحل وبدأت تمرره على حدود عينيها الجميلتين ثم مررت ملمع الشفاه ذي اللمعة الوردية الخفيفة على شفتيها الرقيقتين...
أما البودرة المورِّدة لوجنتيها فاكتفت بالقليل منها فهي تشع احمرارًا طبيعيًا دون حاجة إليها...
تحركت بخفة وبين يديها سلة الغسيل التي تحوي ثلاث قطع لا غير...
سارت بشموخ في صالة البيت ومرت على جدتها التي تشاهد التلفاز على أحد المسلسلات القديمة التي لا تمل منها...
انتبهت الجدة لوجودها ولِسلة الغسيل بين يديها فسألتها بتعجب وهي ما زالت جالسة في مكانها...
"رايحة فين يا أبرار؟!.... وإيه الهدوم دي؟!"
أجابتها أبرار ببعض التردد...
"دي هدومي يا تيته... طقم محتجاه ضروري. هطلع أنشره فوق السطح..."
انعقد حاجبا الجدة عابسة ثم قالت...
"فوق السطح؟! ليه... ما عندناش بلكونة
وفيها منشر كمان؟!"
أومأت أبرار برأسها وهي تقترب من جدتها وتجلس بجوارها...
"أيوه صح عندنا... بس أنا لسه قايلالك إن الطقم محتجاه بكرة ضروري وهينشف
أسرع فوق السطح..."
ارتسمت الحيرة على وجه الجدة وهي تقول باستغراب...
"إنتي غسلتي على الغسالة القديمة.. مغسلتيش ليه على الأوتوماتيك اللي
طالعة بيها السما؟!"
زمت أبرار شفتيها بشقاوة قائلة بأسلوب مسرحي...
"معرفش يا تيته... أول ما شوفت غسالتك حاجة كده قالتلي اغسلي الطقم فيها يا بت
يا أبرار... عيشي عيشة أهلك..."
لكزتها الجدة في كتفها بغيظ...
"إنتي بتسرحي بيا يا بنت صالح؟!"
ابتسمت أبرار وهي تمرر يدها على كتفها
بتألم....
"أنا برضه يا تيته؟!.... ده إنتي الحتة اللي
في القلب..."
تبرمت الجدة قائلة بضيق...
"الحتة اللي في القلب بكاشة زي خطيبك استني استني تكونيش عاملة الحوار ده
كله عشان تطلعي تقعدي معاه فوق السطح؟!"
رفرفت أبرار أهدابها بسرعة تثير الشك وهي تبعد وجهها عن جدتها بارتباك... فقالت الجدة بحدة...
"لا وحاطة كحل كمان وأحمر وأخضر يا قليلة الحيا... "
مطت أبرار شفتيها قائلة بتبجح..
"جرالك إيه يا تيته دي زبدة كاكاو.. شفايفي مشققة... والكحل علشان عيني بتوجعني.. "
تابعت الجدة عنها ساخرة...
"والحمار اللي في خدودك ده حساسية...
مش كده؟!"
أومأت أبرار برأسها باستحسان فالكذبة اعجبتها.....
"آه بالظبط.....حساسية."
صفعتها الجدة على مؤخرة عنقها وهي تقول بحرقة....
"يا كدابة... إنتي عارفة لو أبوكي شافكم تاني هيطين عيشتكم... ده إحنا ما صدقنا خطبكم لبعض...عدوها على خير لحد ما نقنعه بالجواز..."
ضحكت أبرار دون مرح قائلة بوجوم..
"جواز؟! معتقدش... دي حاجة مستبعدة من بابا... هو قال الجواز مش هيتم غير بعد ما أخلص الجامعة..."
تأففت الجدة قائلة بنبرة مهمومة...
"لو الدنيا رايقة وهادية وما كانش حصل اللي حصل كنت ضغط عليه يجوزكم ونخلص... وتكملي دراستك في بيت جوزك..."
ضيّقت أبرار عينيها في فضول وسألتها...
"تفتكري يا تيته... طليق شروق ده هيعمل حاجة تانية؟..."
قالت الجدة بعد تنهيدة طويلة وقد ارتعد صوتها من القادم...
"الله أعلم... قلبي مش مطمن ده رد سجون ووشه مكشوف... تتوقعي منه أي حاجة. بعد ما أبوكي كادة ورجع البِت لحضن أمها..."
صاحت أبرار بحمائية....
"ما هو لازم ترجع يا تيته هتعيش إزاي مع واحد رد سجون زي ما إنتي لسه قايلة؟! الأحسن تتربى وتكبر وسطنا.. "
لمعت عينا الجدة بالحزن وهي تقول باستياء موضحة مشاعرها كأم أيضًا...
"أنا مش ممانعة يا بنتي... ملك يتيمة وغلبانة زي أمها... وأنا مقدرش أحرم أم من ضناها. بس خوفي من الشراني اللي هيحط أبوكي
في دماغه..."
هتفت أبرار برعب....
"ممكن ياذي بابا؟!"
هزت الجدة رأسها مؤكدة وهي تقول بتخوف أكبر...
"ده أكيد.... أو يؤذي الغاليين عليه. عشان كده أبوكي منبه عليا... خروجِك من البيت يبقى بعربية بسواق... ورجوعِك بنفس الطريقة. والمشاوير الضرورية بس يا أبرار... بلاش مرقعة لحد ما الأيام الغبرة دي تعدي على خير..."
استنكرَت أبرار الوضع الجديد المفروض عليها فقالت بشراسة...
"ودي تبقى عيشة يا تيته؟! بابا خايف من إيه؟ طب يجرب اللي اسمه حنش ده يقربلي كده وأنا أفتح كَرشه في ساعتها... "
أمعنت الجدة النظر في حفيدتها الهزيلة وقِصَر قامتها فلوّحت بيدها باستخفاف وقالت....
"اتنيلي... إنتي فيكي خبطة عشان تفتحي كرش راجل؟!.... ده إنتي عندك أنيميا..."
فغرت أبرار شفتيها مصدومة من رد الجدة
ثم قالت بغضب...
"حاساكِي بتشتميني... مش بتفكريني بحالتي الصحية... "
تنهدت الجدة قائلة بصبر...
"قصره يا أبرار... اسمعي الكلام لحد ما ربنا يعديها على خير ويغور الزفت ده بشرّه..."
وزعت أبرار نظراتها في أنحاء المكان ثم
سألت جدتها همسًا...
"هي شروق هنا؟!..."
لوت الجدة شفتيها مندهشة من مدى ذكاء حفيدتها التي تسأل بعد أن أفرغَا كل الحديث
"يعني لو هي هنا... هتكلم أنا وإنتي براحتنا كده؟!.... نزلت من بدري مع بنتها وأبوكي خرج وما رجعش لحد دلوقتي..."
نهضت أبرار مسرعة وهي تقول بابتسامة واسعة....
"طب تمام أوي....أنا طالعة أنشر بقى..."
هتفت الجدة من خلف ظهرها باستهجان...
"خفي يا أبرار... أبوكي أول ما بيرجع بيطلع عند برج الحمام... معرفش مين الذكي فيكم اللي قال للتاني يتقابلوا فوق السطح... "
هزت أبرار كتفيها وهي تفتح باب الشقة وتهمّ بالخروج....
"أكيد حفيدك... أنا أذكى من كده... "
وصلت إلى السطح ووضعت السلة أرضًا ثم مالت عليها لتأخذ ما أسفلها فكانت تخبئ زجاجة حمراء من عصير الرمان المفضل لديهما منذ الصغر حتى الآن...
ضمتها إليها وراحت تفتش عنه بعينيها الكحيلتين منادية عليه بصوت مُدلّلٍ
شقي...
"ياااسين.... سينو..... إنت يا واد... "
ظهر من خلف برج الحمام مقتربًا منها وهو يجيب بنفس أسلوبها...
"عايزة إيه يا بِت.... "
علقت بحنق...
"بِت؟!"
وقف أمامها والجيتار في يده الأخرى قائلاً بمشاكسة...
"ما أنا واد... يبقى سيادتك إيه بِت..."
ضمت الزجاجة إلى صدرها قائلة بعناد
طفولي....
"والله طيب... خسارة فيك عصير الرمان.. "
هتف ياسين مبتسمًا بجاذبية...
"إحنا اتفقنا... إنتي هتجيبي عصير الرمان
وأنا هاغنيلِك... "
قالت بتشرط...
"لعمرو دياب..."
فأجاب بطاعة والحب يشع من عينيه نحوها
"زي ما تحبي يا برتي....بس إيه الجمال
دي... "
سألته ببلاهة....
"الإسدال عجبك؟"
رقّت عيناه أكثر عليها وهو يتمعن بالنظر إلى وجهها المزين بشكلا جميل....
"الإسدال؟!.... الإسدل مش جديد عليا
الجديد اللي في وشك ده.... إنتي عملتي
كده عشاني؟..."
كانت تود لو تعترف بأنها فعلت ذلك لأجله وحده... فإيماءة خجولة منها كانت ستُشكّل جوابًا صريحًا...
لكنها أبت الاعتراف بحرج وجاء اعتراضها السريع كقطارٍ بلا مكابح...
"لأ طبعًا.... دي زبدة كاكاو عشان شفايفي مشققة....والكحل عشان عيني بتوجعني وخدودي الحمرة دي... "
تابع عنها ياسين بشك....
"سخونية؟!"
قالت بتصحيح....
"لأ... حساسية..."
تبرّم ياسين بإحباط واضح...
"ظلمتك بصراحة.... افتكرتك زي البنات اللي بتتزوّق عشان خطيبها... "
قالت أبرار بكبرياء...
"أنا مش محتاجة الحاجات دي... أنا حلوة من غير حاجة... "
ابتسم ياسين بجاذبية موكدًا...
"إنتي قمر من غير أي إضافات...بس بالإضافات قمرين"
سألته بلهفة...
"بجد؟!..... يعني شكلي حلو؟"
أكد بنظرة مداعِبة عابسة قليلًا وهو ينظر إلى الإسدل....
"حلوة قوي يا أبراري.. بس كان نفسي تجتهدي شوية وتغيري الإسدل... "
قالت باستحياء...
"لما نتجوز هبقى أغيره..."
تململ ياسين وهو يتحرك أمامها....
"آه يا ديني ويديكي طولة العمر... تعالي نقعد بدل الوقفة دي...إيه الهدوم دي صحيح؟"
جلسا على البساط أمام باب الغرفة التي شهدت الكثير في طفولتهما....
أجابته أبرار وهي تجلس بجواره....
"تمويه.... عشان أعرف أطلع.... "
سألها عابسًا...
"هو أبوكي تحت؟.... "
هزت رأسها نفيًا قائلة بجدية....
"لأ طبعًا.... ولا مية تمويه يدخلوا على صالح الشافعي... هيشم كدبي من على بُعد... ده عشان تيته ما تتشكش في حاجة..."
ارتفع حاجبا ياسين ورسم الاهتمام ببراعة على محياه....
"وعلى كده... دخل عليها التمويه اللي بتقولي عليه؟"
تجلى الإحباط على وجه أبرار قائلة...
"ولا بلعتُه حتى... واضح إن تمثيلي فاشل.. "
ضحك ياسين فهو كان متأكدًا من النتيجة
لكنه أبدى اهتمامًا كي يسمعها على لسانها..
ثم سألها باهتمام حقيقي...
"على كده..... ملك كويسة؟!"
أجابته بهدوء...
"كويسة... مع مامتها تحت في شقتهم... "
استفسر ياسين بملامح جادة...
"معقول الكلام اللي حكتيه ليا في التليفون؟!... طلع أبوها هو اللي خطفها؟"
أكدت أبرار وهي تندمج معه في الحديث قائلة باستفاضة....
"اللي مش معقول... اللي ممكن يحصل الفترة الجاية... وقلق بابا عليا من الراجل ده متخيل إنه ممكن يأذيني انتقام منه.. ده موصي تيته إني أروح وأيجي بعربية بسواق بعد ما كنت بروح بموصلات عامة عادي..."
أوغَر صدر ياسين بالغيرة وقال بنبرة خشنة
"وليه عربية بسواق؟!... أنا موجود وهبقى معاكي في أي حتة تروحيها.... رِجلي على رِجلك..."
فتحت فمها مستهجنة معترضة وهي تقول
بضيق.....
"ياسين؟!..... انت كمان.... دا انا جايه اشتكيلك من الخنقة اللي هبقا فيها تخنقني معاهم....."
هتف ياسين مستنكرًا....
"فين الخنقة لما تشوفيني كل يوم بدل ما إحنا بنشوف بعض زي الحرامية كده.... والدبلة اللي
في إيدك ابوكي لسه مش معترف بيها.."
قالت ابرار.....
"بس بابا عنده حدود لكل حاجة......"
لمعة عينا ياسين بالسخرية وهو يعقب
بخبث....
"حدود آه شا الله ياحدود...... حدود معايا انا بس....أيام أم ملك مشوفناش الحدود دي...."
رمقته ابرار بغضب قائلة....
"ما تحترم نفسك.....إيه قفشته ماسك ايدها زي ما قفشفنا كده في المطبخ......"
أفحمها ياسين بالرد....
"لا ياختي بس قفشتوا عينه مش بتنزل من عليها....ولا غيرته...أكيد فكره.... "
زفرة ابرار قائلة بقنوط.....
"يوووه ماهي بقت مراته بقا خلاص......"
هتف ياسين بنبرة جادة متلهفة.....
"مانا برضو عايزك تبقي مراتي...طالب الحلال انا ومش عايز غيره......"
قالت ابرار بنعومة.... "الصبر ياسينو....."
أبعد وجهه عنها بحزن قائلاً بثبات
"صابر يا قلب سينو.... أما نشوف آخرتها
مع أبوكي.... "
ثم استأنف الحديث قائلاً بصلابة...
"المهم... توّهتينا من الحوار الأهم دلوقتي إنت مش هتروحي في حتة غير معايا... لا سواق ولا غيره.... اتفقنا؟"
زمت فمها قائلة بتفكير.....
"حاضر... هقول لتيتة تقول لبابا."
صاح ياسين على نحو مفاجئ.....
"يعني أبوكي ممكن يرفض... هيأمّن عليكي
مع السواق الغريب أكتر مني.... من ابن أخوه وخطيبِك؟!"
قالت أبرار بتروٍّ محاولة تغيير الحديث..
"مش عارفة.... يمكن يوافق. هشوف. يلا نشرب العصير... أنا ما جبتش كوبايات
هنشرب من الإزازة.... "
هتف ياسين بغِلاظة...
"يع بجد.... أنا بقرف بصراحة."
رفعت أبرار شفتيها للأعلى بتهكّم ثم قالت بتكبّر...
"يا سلام... انت تطوّل أصلاً تشرب من بعدي!"
وبنظرة مداعبة من عينيه عقّب بخبث...
"أنا مش عايز أشرب من بعدِك بس... أنا عايز حاجة تانية... "
نهرته بخجل...
"إنت قليل الأدب..."
فرد عليها بزهو...
"من يومي والله."
بدأ كلٌّ منهما يأخذ رشفة من الزجاجة ثم يمرّرها للآخر مستمتعين بمذاق الرمان المميّز الذي ظل كما هو منذ الطفولة... لكن اليوم مختلف بمشاعرهما وحياتهما معاً كعاشقين.
قالت أبرار بمرح...
"كان نفسي أعمل معاها زلابية... كانت هتبقى حلوة مع العصير... حاجة حلوة تتاكل كده..."
نظر إليها ياسين بنظرة حانقة قائلاً باعتراض جاد...
"ما بلاش البتاع دي... عملتلي عقدة نفسية. حتى لما نتجوز.... مش عايزِك تعمليها...."
سألته بتعجّب...
"ليه بقى؟"
رد بملامح مقتضبة...
"أخاف وقتها ألاقي أبوكي طالع لي من حوض مطبخنا.... "
انفجرت أبرار ضاحكة ملء شدقيها ضحكة أنثوية تشع شقاوة ومرح وظهرت غمازتاها الجميلتان معها كنجمتين منقوشتين على وجنتيها....
"إنت فظيع..."
ثم قالت وهي تشير للجيتار بعينيها بمحبة...
"سمعني حاجة بقى بالجيتار اللي اشتريتهولك بفلوسي....."
عض على شفته بتوعّد يرمقها بتحذير قائلاً
"هكسره فوق دماغِك والله..."
ضحكت أبرار وقالت بمسكنة....
"يا سلام... وعلى كده أهون عليك؟"
تنهد بسأم وهو يعدل وضعية الجيتار بين
يديه قائلاً....
"متهونيش..... يا أم لسان طويل."
وأمام عينيها السوداوين المتلألئتين انساب العزف على الأوتار لحنًا رقيقًا يتسلل إلى القلب قبل أن تلتقطه الأذن اندمجت معه أبرار حتى جاء صوته العذب مكمل الصورة في عينيها
وقلبها.....
.................................................................
دلف من باب الشقة بعد أن انتهى اليوم الحافل في العمل..... نزع عنه حذاءه ووضعه جانبًا
وقبل أن يضع قدمه على السجاد كان في الجوار خُفٌّ أنيق يُرتدى داخل البيت فهذا هو استخدامه لكنه تجاهله لم يعتد أبدًا أن يسير في بيته بهذا الشكل....
فلأكثر من واحدٍ وثلاثين عامًا كان يسير حافيًا في بيته دون قيود أو قواعد غريبة كتلك لكن ابنة الذوات في مملكتها يرى معها العجب.
سمع صوت ضجيج يأتي من المطبخ ورائحة الطعام تتسلل إليه....
أخذ يقترب وهو يفتح أول أزرار قميصه بينما عيناه في مراقبة فضولية لما يحدث في الداخل....
رآها تقف عند الموقد في كامل أناقتها المبهرة بثوبٍ بيتيٍّ قصيرٍ مغرٍ وفوقه ترتدي مريول المطبخ وترفع شعرها للأعلى في كعكة فوضوية شديدة الجمال... كانت ملامحها شديدة التركيز في تلك اللحظة أثناء طهيها للطعام....
الطعام الذي لا يعرف نوعيته لفارق الثقافات بينهما في عدة نقاط فهو كل يوم يأكل وجبة أغرب من الأخرى من حيث المذاق والتنفيذ. في الحقيقة يريد أن يمنعها من دخول المطبخ حتى تتعلم الطعام المصري فالغربي لا يروقه أبدًا ومعدته تستغيث....
"مساء الخير يا حلوة..."
نطق تلك العبارة بمداعبة وهو يستند على إطار المطبخ بجاذبية مهلكة...
شهقت نغم وهي تلتفت إليه قائلة بضيق...
"أيوب جيت إمتى؟!..... خضتني..."
اقترب منها وعيناه تأسره بشوق....
"لسه قايل مساء الخير يا حلوة... فين الخضة في كده؟!..... بتعملي إيه؟!"
أرجع خصلة من شعرها خلف أذنها وهو ينظر إلى جانب وجهها بشوق.. بينما لم تلاحظ هي تلك النظرات وحرارتها وعادت إلى ما تفعل مجيبة بابتسامة فخورة بنفسها...
"بطاطس بوريه واستيك....وجنبها خضار سوتيه...وجبة كاملة متكاملة هتعجبك أوي."
أبعد عيناه عنها بصعوبة وهو ينظر إلى الطعام الغريب بالنسبة له وعقّب كزوج مصري أصيل يحب التنظير...
"كان ممكن تعملي البطاطس والخضار طاجن تورلي.... ولحمة شوربة وجنبهم شوية رز بشعرية وكانت هتبقى وجبة كاملة برضه وهتعجبني أكتر.... "
قالت نغم بصبر...
"وعملتلك الحلو... كريم كراميل."
رد واجمًا...
"بس أنا بحب الرز بلبن أكتر."
رمقته نغم باستنكار بعد أن أغضبها بعدم رضاه عن شيء....
"جرالك إيه يا أيوب؟!.... ليه مفيش حاجة عاجباك؟!.... كل يوم تعلق على اللي بعمله... مش ملاحظ أصلًا إني مش بحب أقف في المطبخ وبعمل ده عشانك.... "
مط أيوب شفتيه قائلًا بصراحة مطلقة...
"مقدر يا حبيبتي... بس بصراحة بتعملي أكل مش مفهوم... غريب... وطعمه غريب... مش متعود عليه.... "
قالت بتسلّط...
"المفروض تتعود."
جادلها أيوب بنبرة جادة...
"طب ما تتعودي إنتي على الأكل بتاعنا... الأكل المصري العادي... وفكك من الوصفات الغريبة دي."
قالت بدهشة...
"طب ما ده أكل مصري."
عقّب مستهجنًا...
"اتقي الله... المصريين بياكلوا خضار سوتيه وبطاطس بوريه؟!"
أومأت برأسها ببراءة...
"أنا كنت باكلهم من وأنا صغيرة عادي."
رد مبتسمًا بإعجاب...
"إنتي حالة نادرة في الوجود."
جزّت على أسنانها بغيظ وظنت أنه يسخر منها لكن في الحقيقة كان جادًا ففي عينيه هي استثنائية... ابنة ذوات.....
"قصدك إيه؟!.....إني مش زي البني آدمين؟!"
ابتسم أيوب بمداعبة وهو يضغط على أرنبة أنفها....
"في بني آدم حلو ومسمسم كده... لا وعينه حلوة كمان... أشك بصراحة."
وكأن ابتسامته عدوى جميلة أصابت شفتيها فقالت ببسمة تشع فتنة...
"بعيدًا عن دخلتك اللي تخض وكلامك اللي يزعل... بس بجد وحشتني."
اعتقل خصرها بين ذراعيه وهو يقربها أكثر إليه وعيناه تنهال من حسنها الاستثنائي...
"وإنتي وحشاني حتى وانتي قدام عنيا... رجعتي إمتى من الشركة؟"
أجابته وهي تذوب أمام عينيه الحبيبة...
"من ساعتين زي ما اتفقنا... يدوب قولت أعمل حاجة بسرعة.... "
عبس أيوب قائلًا بتذكر آخر مكالمة حدثت بينهما....
"إحنا اتفقنا إني هطلب أكل من برا لحد ما أوصل....وبلاش تتعبي نفسك.... "
زمت فمها بإحباط وبنظرة مسامحة قالت...
"تقدر تعمل كده طالما الأكل اللي عملته مش عاجبك...."
رفض أيوب بأسلوب حنون يرفع من
معنوياتها...
"وهنرميه يعني؟ أنا لسه مدقتوش يمكن يعجبني... وبعدين أنا عايز أحلي بكريم الكراميل بعده.... إنتي أول مرة تعمليلي
حاجة حلوة مع الغدا."
ومضت عيناها الرماديتان بسعادة وهي تقول بحرارة...
"هيعجبك أوي أنا شاطرة جدًا في عميله..."
غمز لها قائلًا...
"بعد الغدا أحكم بنفسي."
هبطت عينا نغم إلى الأرض فجأة تسأله عابسة....
"أيوب إنت ليه ماشي حافي؟! ليه ملبستش حاجة في رجلك؟!"
استنكر تعليقها وقال بجدية خشنة....
"نسيت... وبقولك إيه فكك من شغل ست الناظرة ده... أنا مش واقف في الشارع أنا واقف في شقتنا... "
قالت نغم بهدوء بعد أن شعرت بحنقه...
"الموضوع ملوش علاقة بالشارع... هي نضافة أولًا زائد تعود... لو مش حابب خلاص."
لم يعجبه ردها...
"قصدك إيه بـ نضافة؟!"
قالت بتوضيح بسيط...
"في المجمل هي نضافة وحماية لرجلك... بس لو مش حابب خلاص.... مش هنتعارك... دي حاجة بسيطة..."
ثم ابتعدت عنه وهي تغلق الموقد الكهربائي
"روح غير على ما أحضر الأكل...هو خلص."
"بما إنه خلص أنا رايح آخد دش... تعالي ساعديني.... ولا النضافة عندك حاجات وحاجات؟"
رأته ينزع عنها بخفة مريول المطبخ ثم في اللحظة التالية وجدت ساقيها ترتفع عن
الأرض لتستقر بين ذراعيه فقالت شاهقة بصدمة من فعلته...
"أيوب نزلني... هعمل إيه معاك انا في
الحمام؟!"
"هتليّفيني زي أي زوجة أصيلة..."
قالها بوقاحة وعيناه تتوعدان لها بلحظة لن تنطق فيها شفتيها سوى اسمه همسًا محببًا
إلى أذنيه....
يعشقها في تلك اللحظة حين تكون على سجيتها ليست ابنة ذوات بل عاشقة يطفو الهيام على ملامحها منصهرة كقطعة سكر
أمام حرارة الحب بين يدي زوجها.....
قالت نغم معترضة رغم قبولها الداخلي...
"إييوب... احترم نفسك... وبطل قلة أدب."
لمعت عينا أيوب أكثر وهو يتحرك بها خارج المطبخ بخفة...
"قلة الأدب جاية متقلقيش... بس إيه الحلاوة دي؟!..... إيه اللي على شفايفك ده؟!"
مال عليها فجأة وسلب أنفاسها بهذا الهجوم العاطفي وحين حررها ضربته في صدره بدلال وهي تخفي وجهها في عنقه.....
وجهها المشع كوردةٍ أزهرت بعد ريّ بينما قال هو مستمتعًا بمذاق بقايا القبلة على شفتيه..
"غيرتي نوع الروج...ده أحلى بكتير...."
ضحكت بخجل بين ذراعيه وهي تتشبث به أكثر بينما هو يداعبها بالكلمات والقبلات
معبرًا عن مدى اشتياقه لها في تلك الساعات الماضية من العمل حتى دلف بها إلى الغرفة مغيرًا وجهته والشوق يقوده إليها بلهفة العشق.....
اقتربت منه نغم وفي يدها طبق الحلوى
(كريم كراميل) قطعة دائرية بيضاء تعلوها طبقة كراميل تذوب على الحواف ببطء كالعسل....
قالت بصوت حماسي وهي تضع الطبق بين
يديه......
"خُد دوق وقولي رأيك....."
ابتسم أيوب وهو يرى حلوته الشهية تُقدَّم إليه
طبق حلوى وتظن أنه أفضل منها في المذاق؟!.....
وما حدث قبل ذلك يؤكد أنها أشهى وألذ حلوى تذوقها في حياته وتلك العلامات الحمراء التي
اعتاد تركها على بشرتها البيضاء تؤكد حديثه أنه لا يكتفي منها مهما نال......
كان قد أنهى تناول طعام الغداء الغريب... ورغم غرابته لا ينكر أنه شهيّ لكنه لا يوافق ذوقه في الطعام....
فلو أنها أعدت تلك المكونات بطريقةٍ أخرى بوصفاتٍ مصريةٍ أصيلة كما أخبرها قبل لكان قد ملأ بطنه منها منتشيًا لكنه تناول الطعام كما يفعل كل يوم بدافع الجوع وارضاءٍ لها لا للاستمتاع بالمذاق لسبب غرابة الوصفات التي يأكلها....
والآن يقف أمام طبق حلوى يتذوقه من يدها للمرة الأولى غير أنه يحمد الله أن لديه خلفيةً لا بأس بها عنه....
وأمام عينيها الرماديتين الجميلتين المراقبتين
غرس الملعقة في الحلوى فانسابت بنعومة
ثم وضعها في فمه لتذوب ذوبانًا مقبولًا على
لسانه بنعومة رائع ومذاقٍ سكريٍّ مضبوط
يختمه الكراميل بمرارة خفيفة تصنع بينهما
توازنًا...
"قول بصراحة..... عجبك ولا...؟"
كان رد أيوب قبلةً حارةً على جانب عنقها
جعلتها ترتجف وهي تتشبث بذراعه بضعف
ثم همس هو بالقرب من أذنها...
"تِسلم إيدِك يا كُلّ الحب...طعمه حلو قوي
بس مش أحلى منك.... "
وغزلُ (أيوب عبدالعظيم) ليس كغيره لمساته ليست عابرة...وقُبلاته تطبع على قلبها قبل بشرتها كل ما فيه يُربكها بلطف....كلُّ شيءٍ فيه ساحر....حضوره القوي وافعاله تتسلل إليها بقوة ليغمر قلبها بالهيام.....هيام يلازمها نحوه بلا نهاية.....
ابتسمت نغم وهي تنظر إلى عينيه بعد أن ابتعد عنها وقبل أن تغرس الملعقة في طبقها لتأكل هي أيضًا وجدته يسبقها بملعقته كي تتناول من يده...
ففعلت وعيناها العاشقتان تذوبان في جمال مقلتيه قبل أن يذوب الكريم كراميل على لسانها...
أسبلت جفنيها خجلًا وهي تتابع تناول الحلوى من طبقها وهو فعل مثلها مستمتعًا بصحبتها حتى في صمتها ونسًا لقلبه......
بدأ يتحدث معها حول العمل كما اعتاد كل يوم فقبل أن تصبح حبيبته وزوجته كانت صديقة وزميلة عمل... تفهم أصول العمل ولديها خلفية لا بأس بها عن السوق لذلك كان الحديث معها من أمتع وأجمل الأوقات التي يقضيها في يومه.....
قالت نغم وهي في حالة استنكار...
"يعني لسه مصمم على سلامة إنه هو اللي يعرض شغلك؟!...... أنا مش مقتنعة أوي بصراحة...."
سألها أيوب باهتمام حقيقي برأيها...
"شايفة إنه مش هييجي منه؟"
أجابته نغم بنظرة ثاقبة بعد تفكير...
"مش دي الفكرة ممكن ينجح جدًا معظم الموديل بنفس الهيئة يعني الفوضوية اللي
هو فيها من ناحية الشكل بتعجب البنات وبتلاقي عليها ترويج عالي...."
عقب أيوب بحاجب معقود...
"فوضوية؟!..... مش فاهم....."
أوضحت حديثها بـ....
"القصد إنه وسيم مش هنكر بس وسامة فوضوية ليها محبيها..... آاااه....."
تأوهت نغم وهي تضع يدها على كتفها بعد أن صفعها أيوب عليه لتساؤله بصدمة..
"ليه كده؟!....."
سأل بتذمر كطفل غيور...
"عشان قولتي وسيم..... هو أوسم مني؟"
ضحكت نغم بدهشة وهي تهز رأسها نفيًا قائلة بصدق نابع من قلبها المُدلَّه بحبه...
"بذمتك ده سؤال يتسأل؟! معتقدش إن في حد أوسم منك في عينيا على الأقل......"
الإجابة نالت رضاه قليلًا ففك عقدة حاجبيه قائلًا بصبر...
"ماشي كملي عايز أسمع...... ليه معترضة عليه؟"
تركت نغم طبقها جانبًا بعد أن أنهت نصفه تقريبًا وقد فعل أيوب مثلها لكنه أنهى حصته بأكملها...
"لأن نسبة النجاح مش مضمونة...كان الأفضل لو عرضت شغلك من خلال حد معروف أكتر...."
رد أيوب بهدوء...
"بُكرة يتعرف.... أنا واثق فيه....."
زمت فمها بعدم رضا معقبة...
"إنت عايز تساعده يا أيوب بأي طريقة زي ما على طول بتعمل معاه....."
أوضح أيوب بأسلوب دفاعي عن صديقه
"بالعكس سلامة مش محتاج الخطوة دي
أصلًا بس أنا عايز أفتح له سِكّة واتنين
وتلاتة يمشي فيهم لحد ما يلاقي نفسه
ويبطل يحس إنه أقل من حد....."
ثم استرسل أمام عيني نغم غير المقتنعتين تمامًا بالحديث لكنها تحاول...
"سلامة جدع يا نغم والله اتغير عارف إن بداية معرفتك بيه كانت ملغبطة بس حتى
أنا كنت في نظرك واحد حرامي نطّ من سور فيلتكم عشان يسرق خاتمك الألماظ...ولما عرفتيني بجد غيرتي نظرتك.....
وعشان أنا عارف سلامة بحكيلك عنه عشان تصدقي إنه فعلًا اتغير للأحسن....."
قالت نغم بأسلوبها المعتاد ما بين العملية والتعالي كابنة ذوات كما عرفها دومًا...
"أنا معنديش مشكلة معاه يا أيوب اتغيّر للأحسن أو للأسوأ ده راجع ليه... أنا كل اللي يهمني إنت في الأول والآخر إنت..... مش عايزاك تخسر في شغلك بسببه....."
أضافت نغم بنظرة جادة ناصحة...
"في الشغل يا أيوب مفيش حاجة اسمها صاحبي ومساعده....عشان تكتسح في سوق العمل لازم تبص لنفسك بس...."
استنكر أيوب حديثها....
"معتقدش إن كمال الموجي عمل كده....."
ابتسمت نغم ابتسامة لم تصل لعينيها وهي تؤكد بفخر...
"بيتهيألك.... بابا في بدايته عمل أكتر من كده ركز في شغله والأهداف اللي حاططها في دماغه ومكنش بيدي فرصة لحد إنه يوقفه
أو يقلل منه...."
تجهم أيوب وعقّب بنبرة خشنة...
"وأنا بعمل كده. سلامة شغال معايا وبيشتغل بجد وأنا معتمد عليه في حاجات كتير. مش معايا شفقة يعني.... هو في ضهري وزي أخويا يا نغم.... يعني بثق فيه أكتر من أي حد...."
تأففت نغم وظهر الإزعاج والضيق على ملامحها وهي تقول بتذمر....
"علاقتكم غريبة وغيظاني....حقيقي يا أيوب أنا عمري ما غيرت من راجل قد ما غيرت من سلامة ده وصحوبيتك وحبك ليه......"
حدق فيها أيوب للحظات ثم انفجر ضاحكًا بعد تعليقها فهي أخبرته يومًا منذ بداية معرفته بها أنها لأول مرة تغار من رجل واليوم تكرر الجملة وهي حبيبته وزوجته.....
صدقًا كيف يتذكر..... وكيف ينسى كل ما مرّ به معها منذ البداية الغريبة إلى النهاية غير المتوقعة في هواها.....
أين أصبحنا حبيبتي؟! صدقًا لم أتوقع أن تكون ابنة الذوات المتعجرفة زوجتي وحبيبة قلبي وأن آتي من العمل كي أتناول الطعام من بين يديها.....
ونتناقش حول أصول العمل على فراشنا بعد أن تناولنا للتو الكريم كراميل التي أعددتها خصيصًا لي......
رد أيوب عليها وهو يمد يده يداعب وجنتيها الناعمتين...
"حد يغير من سلامة برضه؟!... وبعدين إنتي واخدة القلب كله مفيش غير أماكن صغيرة للناس اللي في حياتي..... والباقي كله ليكي إنتي يا كل حياتي....."
ابتسمت نغم إليه ثم غيرت مجرى الحديث متذكرة...
"قولي صحيح ناوي تدخل المسابقة اللي قولتلي عليها؟"
أكد أيوب وهو يوضح الأمر بعزم حاسم...
"ناوي إن شاء الله دعواتك.... المسابقة دي لو نجحت فيها هعدي يا نغم.... والبراند بتاعي هيتشاف ويتسمع في الدول العربية كلها
مش في مصر بس....."
سألته نغم ببعض التردد...
"بس دي مش مسابقة سهلة يا أيوب كمان فيها أسماء تقيلة..... مش قلقان؟!"
"مرعوب....."
أجابها على غير المتوقع منه مما جعلها تفتح فمها مصدومة من تصريحه وهي تقول...
"الكلمة دي جديدة منك إنت بالذات.... أيوب عبدالعظيم الواثق في نفسه وفي موهبته مرعوب؟!"
أومأ برأسه شاردًا وهو يتحدث معها بصراحة صادقة قائلًا باستفاضة لمست الكلمات قلبها..
"أي مسابقة دخلتها قبل كده مكنتش معلق عليها أهداف... كانت بالنسبة لي يا صابت يا خابت هي ونصيبها طالما أنا عملت اللي عليا..... بس المسابقة دي بالذات نجاحها بالنسبة لواحد لسه بيقول يا هادي في
المجال ده كأنك كده طلعت بالأسانسير ومخدتش السلم درجة درجة......"
تنهدت نغم قائلة بتمنٍّ نابع من أعماق قلبها...
"يارب تنجح يا أيوب.... وتفوز عليهم كلهم وتاخد المركز الأول بجدارة....."
ابتسم أيوب لعينيها وهو يسألها بنبرة
معاتِبة...
"يارب يا حبيبتي... وانتي جنبي ومعايا.... المرادي.... هتبقي معايا مش هتسيبيني؟!....."
خفق قلبها بوجع وهي ترى العتاب واللوم يتناثر على ملامحه وعينيه مما جعل عينيها تترقرق بالدموع معتذرة وهي تلقي نفسها بين ذراعيه بخجل من نفسها ومنه...
"مقدرش أسيبك يا حبيبي.... ده أنا ندمانة على كل لحظة مكنتش جنبك فيها من البداية.....سامحني يا أيوب..... كان غباء مني......"
مسد على شعرها وهو يضمها إليه أكثر
قائلًا بصوت حانٍ...
"مسامح يا كل الحب.... مسامح بس أوعي ترجعي وتتغابي تاني المرادي بموتك يا بنت الذوات...."
ابتسمت وهي تتمرغ على صدره بحب قائلة بهمسة ناعمة...
"لا خلاص حرمت....مين الغبية اللي تسيب الحضن ده وتمشي؟!...... بحبك... بحبك أوي
يا حبيبي...."
قبل قمة رأسها ثم دفن أنفه في شعرها يشم عبيره المميز وهو يجيبها بنبرة تملؤها
العاطفة....
"وأنا بعشقك يا قلب حبيبك....."
..............................................................
كانت جالسةً في أحد المقاهي الفاخرة تسند ذقنها إلى كفها شاردةً بحزنٍ ثقيل تتأمل المشروب الموضوع أمامها ريثما يصل الشخص الذي اتفق معها على لقائها للحديث في أمرٍ بالغ الأهمية....
كانت تدرك تمامًا أن المهم في نظر (جاسر العبيدي) لا يخرج عن كونه
( أيوب عبدالعظيم) فذلك التقدّم المذهل الذي يحققه في عمله والعلامة التجارية الخاصة به والتي يوشك على طرحها في الاسواق
والاكتساح بالإضافة الى المسابقة التي ينوي خوضها وقد انتشر الخبر بين الجميع أنّ اسمه أُدرج فيها كمصمم أزياء صاعد يُشار إليه.....
هذا التقدم لم يكن ليروق لجاسر العبيدي فغريمه يتجاوز الجميع بجدارةٍ واستحقاق.....
ومع ذلك وجدت نفسها تتساءل بدهشةٍ عن سبب موافقتها على مقابلته المريبة وهي تعلم جيدًا نواياه تجاه ربّ عملها.....
هل تنوي الخيانة؟
أم تسعى إلى الانتقام بعد زواجه من نغم الموجي؟
ولِمَ لا..... أن اعجبتها الخطه ورأت من خلفها نفعًا فلماذا لا تفعلها هل ستهتم بخسائره وهو لم يلتفت يومًا إلى خسارتها؟
انها منهارةً ومحطمةً بعد تلك الزيجة وبد يتضاعف حقدها وغلها تجاه نغم التي سرقت حلمها وحبها منها...
وايضًا يشتعل غضبها من أيوب كلما رأته يعاملها ببرودٍ وبلا مبالاة كأنه لا يشعر بوجعها ولا يدرك مقدار العذاب الذي تعيشه بسبب
اختياره لأخرى لا تستحق تلك المكانة في حياته....
فهي الأَولى به وهي من بقيت إلى جواره حتى تلك اللحظة إلى جانبه لكنه لا يرى سوى تلك المغرورة البغيضة......
ضغطت على أسنانها بقوة وشعرت بأن رأسها يكاد ينفجر من فرط التفكير فيه...وفي تلك المغرورة....
"اتأخرت عليكي يا ليان..."
جاء صوت جاسر وهو يسحب المقعد المقابل لها ويجلس عليه بكامل أناقته المبالغ في إظهارها للجميع.....
ردت ليان بكآبة...
"يعني... أهلا يا جاسر..."
ابتسم بردٍّ باقة....
"أهلا بيكي... تحبي تشربي إيه؟"
أجابته بوجوم....
"طلبت وبشرب زي ما إنت شايف..."
ادّعى الاهتمام سائلًا....
"ده أنا شكلي اتأخرت عليكي جامد عشان كده مضايقة قوي..."
قالت ليان نافية....
"مش ده اللي مضايقني..."
سألها جاسر بنظرة لئيمة....
"أمال إيه؟... الموضوع ليه علاقة بالشغل ولا بصاحب الشغل... ولا تكونش مرات صاحب الشغل؟"
أكدت ليان بحقد واضح...
"هي الأخيرة دي السبب في كل حاجة بتحصلي..."
ضحك جاسر وهو يرى الطريق يُفتح أمامه دون مجهود يُذكر فقال بخبث...
"ده شكلك واقعة على الآخر... أنا كنت حاسس من ساعة شغلك معاه بس دلوقتي اتأكدت..."
لوت ليان شفتيها مستهجنة....
"كل واحد بياخد نصيبه يا جاسر بيه... وإنت سيد العارفين..."
تنحنح جاسر بزهو وهو يضبط ياقة قميصه قائلًا بكبرياء....
"إنتي هتقوليلي؟.. كلنا في الهوا سوا... الفرق بيني وبينك إني شوفت مصلحتي واتجوزت هانم برقبتها.... يعني مبقاش فارق معايا..."
عبست ليان قليلًا وهي تعقب....
"غريبة... افتكرتك جايبني هنا عشان فارقة معاك.... وإننا هنحط خطة ونفرق بينهم..."
ارتفع حاجبا جاسر للأعلى في استنكار وتعجب من تلك الساذجة المغيبة عن العالم والتي عليه أن يسايرها ليصل إلى ما يريد....
"نفرق بينهم؟!... إيه شغل الأفلام ده يا ليان ما يولعوا ببعض... أنا عايز أنتقم منها وفي نفس الوقت أجيب مناخير أيوب ده الأرض عشان يبطل يتحداني ويقف في وشي..."
نظرت إليه ليان بملامح مبهمة قبل أن تسحب حقيبتها ناوية المغادرة....
"آسفة... مش هقدر أساعدك. جيت لشخص الغلط..."
أوقفها جاسر قبل أن تتحرك وهو ينوي تغيير الخطة فالصراحة مع تلك الساذجة ستفسد مخططه....
"استني بس... إنتي زعلانة عليه ليه؟.. خوفك عليه واهتمامك بيه ضعف..ظ إنتي مش مستفادة حاجة سواء نجح أو فشل كله
راجع لمراته... ونجاحه مش في صالحك لأنه كده كده راجع لنغم اللي هي مراته قصاد الناس..."
ثم تابع بنبرة ماكرة...
"لكن لو فشل وخسر في المسابقة احتمال كبير تطلب منه الطلاق وتسيبه.... ما إنتي عارفاها واحدة مغرورة ومش بتفكر غير في نفسها وشكلها قدام الناس...يعني خسارته في المسابقة فرصتك عشان هو يعرف مين
معاه ومين عليه..."
قالت ليان بتردد بعد التفكير في حديثه...
"المسابقة دي مهمة قوي بالنسبة لأيوب..."
تلاعب جاسر بالكلمات بمنتهى المكر...
"ومهمة بالنسبة ليا أنا كمان... ومهمة ليكي إنتي كمان لو خسر.... مش هيلاقي غيرك جنبه... اسمعي مني أنا عارف بنت الموجي وتفكيرها... المظاهر أهم حاجة عندها..."
رمقته ليان بنظرة مرتابة وقد ارتسم الاضطراب على ملامحها....
تابع جاسر الحديث متقنًا الحزن والأسى في صوته وعلى قسمات وجهه...
"إنتي تعرفي إنها قلعت الخاتم من إيدها يوم ما انا خسرت في المسابقة قصاد أيوب
قالتلي إن شكلها قدام الناس أهم من أي حاجة....وخسارتي قصاد أيوب خلتها تعيد النظر في ارتباطنا... فسبتني وتاني يوم رجعتله..."
توسعت عينا ليان بصدمة فالمعلومة جديدة وغريبة بالنسبة لها....
"معقول؟!"
أضاف جاسر بأسلوب لئيم...
"ومش معقول ليه؟ ما أخدتيش بالك من التوقيت... إحنا سيبنا بعض بعد المسابقة على طول... وده اللي هتعمله مع أيوب لو خسر..."
أسدلت ليان جفنيها بتردد تفكر في حديثه بينما التوى فم جاسر بابتسامة خبيثة وهو يرى تلك الساذجة تترنح في مكانها لا تعرف أي طريق تسلك....
"اعتبر سكوتك تفكير في كلامي..."
سألته ليان بعد تنهيدة مرتابة...
"إنت عايزني أعمل إيه بالظبط؟"
لمعت عينا جاسر أكثر وهو يأمرها....
"عايز تصاميم كولكشن المسابقة اللي رسمها أيوب تكون عندي... أكيد عندك فكرة عنهم..."
هزت رأسها نفيًا مجيبة بصوت حاسم..
"للأسف معنديش أي فكرة... ولحد دلوقتي أيوب مخلاش حد يشوف الكولكشن ولا ادّى فكرة عنه وهو قرر إن مفيش حد هيشوف حاجة غير وقت المسابقة..."
ضاق صدر جاسر غضبًا من ردها فقال
بحدة....
"لازم تحاولي تجيبيهم... مش المفروض يكونوا في ورشة الخياطة؟!"
حركت كتفيها علامة على عدم معرفتها
وقالت بوجوم...
"احتمال يكونوا في مكتب الورشة أو في شقته... معظم الحاجات المهمة بيحطها في درج المكتب وبيقفله بالمفتاح ودي نسخة واحدة معاه هو بس..."
هتف جاسر بخشونة....
"لازم تاخديه منه وتفتحي الدرج ده... أكيد هتلاقي التصاميم اللي رسمها..."
سألته بتعجب...
"ولو ملقتهاش؟"
رمقها بغيظ ثم قال على مضض...
"هنفكر تاني إزاي نوصلها... لسه قدامنا وقت على المسابقة...المهم تقولي إنك بقيتي معايا ولا لسه بتفكري؟"
علت الحيرة ملامحها وهي تقول بتردد وعذاب ضمير....
"لسه بفكر يا جاسر... مش سهل أعمل كده في الشخص اللي بحبه..."
استنكر جاسر ردها وقال بإهانة لاذعة...
"هتعملي كده عشان بتحبيه لو فضلتي مكانك هتشيلي عيالهم قريب وهتفضلي في حياته مجرد سكرتيرة... مش ده موقعك حاليًا في الورشة الكحيانة اللي فتحها؟"
بهت وجهها أكثر بعد حديثه وغامت عيناها بالحزن ورغم قسوة كلماته إلا أنها الحقيقة التي قد تصل إليها إن بقيت مكانها هكذا تشاهد دون اعتراض....
.................................................................
وقف أمامهم يغلي من شدة الغضب كبركانٍ على وشك الانفجار وهو يكرر جملة صديقه بعدم استيعاب....
"يعني إيه سهتكم وخرجت؟!"
تبادل الزوج مع زوجته النظرات بقلق من شرٍ ينطلق من عيني ممدوح نحوهما فقال الزوج بتلعثم....
"يا حنش يا خويا...يعني إحنا هنعمل إيه؟ العيال طلعوا يلعبوا برا..... وأمهم كانت في المطبخ.... وأنا في الشغل زي ما إنت عارف.
مفيش دقايق سميحة تبص عليها في الأوضة ملقتهاش.... ولقت الباب مفتوح...."
ثم استرسل بثبات لا يدع للشك....
"قعدت تدور عليها في الشارع وخلت العيال يلفّوا عليها ملهاش أثر... قولي بذمتك نعمل إيه أكتر من كده؟!....ما تقولي حاجة يا سميحة"
أكدت سميحة بإيماءة من رأسها بملامح باردة....
"معلوم هو ده اللي حصل يا ممدوح. اسأل أم شوقي اللي قدامنا.... هتأكدلك على كلامي...."
ضاقت عينا ممدوح وهو ينقل نظراته الحانقة عليهما بتساوٍ ثم سأل صديقه بقرف....
"خدت كام من شيخ المنصر ده عشان تديلو البت؟!...."
توتر صديقه بشدة لكنه تماسك مع نظرة زوجته وقال بمناورة....
"الله.... وإيه لازمة الكلام ده يا صاحبي معقول شاكك إني أبيعك؟!"
صاح ممدوح بعنف....
"إنت تبيع أمك وأبوك عشان الجني... "
استهجن الآخر الرد وقال بثبات....
"إنت تعمل كده... لكن أنا حدّ الله بيني وبين الحرام...."
نفد صبر ممدوح ففي اللحظة التالية كان يهجم عليه قابضًا على ياقة قميصه وهو يزمجر بشر....
"انطق يا جعر وبلاش لف ودوران... البت راحت معاه مش كده؟!"
هتف صديقه بارتباك....
"معرفش... بنتك مشيت من غير ما نشوفها. الله أعلم بقى راحت عنده ولا إيه اللي جرالها...."
صاح ممدوح بنفاد صبر....
"ما بلاش شغل التلات ورقات ده ورد عليا.."
تعلقت سميحة بذراع ممدوح وهي تصرخ بخوف....
"ما تسيب الراجل هيموت في إيدك ما قولنالك مشيت من ورانا.... إيه عايزنا نقعد لها حرس أربعة وعشرين ساعة؟!.... وإنت خاطفها وحارمها من أمها.... "
ترك ممدوح صديقه بعد أن تجمع الجيران على صوت سميحة وصرخاتها....
فقال قبل أن يرحل متوعدًا....
"حسابي معاك جاي يا جوز سميحة... ما تتقالش غير كده... "
صاحت سميحة من خلفه بشفاه ممطوطة بسخرية....
"جوز سميحة أحسن ما يبقى المخلوع يا عنيا
روح دور على اللي اداك الخازوق التمام...
مش جاي على الغلبان اللي فتح بيته ليك ولبنتك...."
ثم تابعت رغم خروجه من الشقة....
"ولعلمك لو فكرت تقرب مننا تاني هلبّسك مصيبة آه مش كل الطير اللي يتاكل لحمه
يا عنيا...."
هتف زوجها بنبرة معاتِبة حانقة....
"قولتلك مش هيسيبنا في حالنا...."
لم تهتم سميحة وقالت بشراسة النمور....
"يبقى يفكر يقربلنا.... وهو هيشوف شغل سميحة اللي على حق...."
في صباح اليوم الثاني......
وقف ممدوح خلف سور الحوش في حالة تأهُّب وترقُّب عيناه معلَّقتان ببيت آل الشافعي يترقب خروج الشيخ على أحر من الجمر...
وفي جيبه المدية يربت عليها بين الحين والآخر والفكرة تلمع في عينيه وقد سهل الشيطان الصورة أمامه فالشر والحقد
يملأ صدره في تلك اللحظة...
همَّ صالح بمغادرة الشقة لكنه سمع صوتها الناعم يناديه على استحياء...
"شيخ صالح..."
رفع عينيه الخضراوين إليها فقالت بنبرة
متدلِّلة...
"متنساش معادنا مع الدكتورة النهارده..."
ردَّ باقتضاب...
"روحي مع أبرار..."
اقتربت بخطواتها منه حتى تيبَّس جسده متأهِّبًا للخطوة القادمة...
وقفت أمام باب الشقة المغلق بوجهها الصبوح
وعطر غسولها القوي يداعب حواسه بكل لمحة
مغرية منها...
ازدرد ريقه أمام عيني الغزلان لتقول بترجٍّ...
"بس أنا عايزة أكون معاك... معقول مش عايز تطمِّن على ولادك؟"
أسبل عينيه قائلًا بخشونة...
"هشوف ظروفي الأول..."
أمسكت يده وقالت برقة..
"لا إله إلا الله..."
ردَّ عليها بثبات...
"محمد رسول الله..."
لم تتحرك من عند الباب ظلت مكانها وهي تقول بنعومة...
"لما أرن عليك رد... متكبرش دماغك مني يا شيخ..."
ردَّ بهدوء...
"ساعات ببقى مشغول..."
قالت بنبرة متلهِّفة ثقلت معها أنفاسه وتسارعت خفقات قلبه...
"دقيقتين عشاني مستهلش من وقتك؟
دقيقتين..."
العمر كله لكِ يا غزالة الشيخ...
قالها بقلبه ولم يتفوه بها لسانه لكن عينيه المعلَّقتين بها قالت الكثير والكثير...
"هشوف... حاضر..."
مرَّرت شروق يدها على كتفه تزيل شيئًا
وهميًّا وهي تقول بعينين عاشقتين...
"مع السلامة... خد بالك من نفسك..."
أومأ برأسه وهو يشير لها أن تبتعد...
"وسعي طيب من عند الباب... ليه واقفة كده؟"
قالت بابتسامة مهزوزة...
"مش عارفة قلبي مقبوض... ما تخليك وخلاص..."
رفض صالح بنظرة حازمة...
"شروق وسعي... اتأخرت على الشغل..."
"مـامـا..."
جاءهم صوت ملك المرتبك من غرفتها فأشار لها صالح وهو يفتح الباب ويهمُّ بالخروج...
"ملك صحت روحي شوفيها..."
تحركت شروق بسرعة نحو ابنتها وحين فتحت الباب قالت ملك بنبرة خائفة وهي
تفتح ذراعيها لأمها....
"ماما.... إنتي فين؟"
اقتربت منها شروق وضمتها إلى صدرها تمسد
على رأسها وهي تقول بحنان...
"جرالك إيه يا ملك؟ مانا موجودة جنبك أهوه...طول الليل بتقومي مفزوعة... مالك
يا حبيبتي؟"
أغمضت ملك عينيها وهي تقول..
"مش عارفة... نامي جنبي أنا خايفة يا ماما...
هي الساعة كام؟"
أجابتها شروق وهي تدثرها جيدًا أسفل
الغطاء....
"لسه بدري يا حبيبتي... نامي وأنا هفضل جنبك..."
ثم راحت تمرر يدها على شعرها وهي تتلو بعض السور القصيرة بهمسًا حتى غفت الصغيرة بعد دقائق بين ذراعيها مطمئنة...
لتسمع شروق في اللحظة التالية مشادة كلامية عالية أقرب إلى شجار وشيك