
البيه يا ماما… بيسألني كنت أعرف حد من قبله ولا لأ!
اتسعت عينا والدتها بصدمة، فاستدارت نحو زوج ابنتها وسألته بحدة:
— معناه إيه سؤالك ده يا عمرو؟!
تنهد الأخر بعمق، كمن يقاوم غضب يتصاعد في صدره، ثم أجاب باقتضاب واضح حتي يحسم جدالًا لا يريد الخوض فيه:
— مفيش يا خالتي… دي حاجة ما بيني وما بين مراتي... ومشاكلنا هنحلها بنفسنا… صح يا ريم؟
ثم ألقى على زوجته نظرة نارية، تحمل تحذير صريح، لكن حماته لم تتراجع،
بل قالت بنبرة حاسمة:
— لاء يا بني… ده كلام ما ينفعش يتقال، إنت مش واخدها من الشارع، بنتي متربية، وأخوها وأبوها الله يرحمه ما كانوش بيخلوها تبص لا يمين ولا شمال، حتي النَفس كان بإذن، يعني متربية أحسن تربية.
رمقت ابنتها في محاولة أن تفهم حقيقة ما تقوله ابنتها، فاقتربت منها قليلًا وسألتها بصرامة:
— أنتي يا بت… فين الأمارة؟
نظرت الأخرى إلى زوجها نظرة سريعة، ثم استدارت متجهة إلى غرفة النوم دون أن تنطق بكلمة.
تحركت بخطوات سريعة، فلحق بها زوجها على الفور، دخل الغرفة ليجدها تقف عند السرير، تمسك ملاءة الفراش وتسحبها بعصبية واضحة.
اقترب منها بسرعة، وأمسك بذراعها يوقفها قائلًا بحدة:
— انتي واخدة الملاية ورايحة فين؟!، محدش له حق يعرف تفاصيل اللي حصل بيني وبينك.
التفتت إليه بعينين تقدحان شررًا، وقالت بغيظ مكتوم:
— والله… كنت تقول لنفسك الأول، قبل ما ترميلي كلامك امبارح.
جذبت ذراعها من قبضته بعنف، وقالت وهي تدفعه وتحدق له بازدراء:
— اوعى من وشي.
ما إن خرجت من غرفة النوم حتى اتجهت نحو والدتها، وقد كانت تلك الأخيرة تحدق في الملاءة التي تحملها ابنتها ، فوقعت عيناها على بقع الدماء القانية التي تناثرت فوق القماش الأبيض، حتى تنفست الصعداء بأريحية، كأن صخرة ثقيلة كانت جاثمة فوق صدرها فانزاحت أخيرًا.
و في غضون لحظات رمقت عمرو بنظرة خاطفة، فوجدته يتابع ما يحدث ويشعر بالحرج.
اقتربت من ابنتها، وأمسكت بيدها واخبرته بهدوء لم يخلو من الحزم:
– عن إذنك يا عمرو، هاتكلم معاها شوية.
أجابها سريعًا، وكأنه وجد في طلبها مخرج من الموقف الذي أثقل عليه:
– اتفضلي يا خالتي، خدوا راحتكم… أنا هانزل أتطمن على أمي.
قالها ثم غادر المنزل، عندها رمقت حماته ابنتها بنظرة حادة، ثم أشارت إلى الملاءة في يدها، فسألتها وسؤالها يحمل في طياته شيئًا من الريبة:
– ولما هو الدليل موجود… ليه يسألك تعرفي حد و لا لاء؟!
اضطربت الأخرى للحظة، غير أنها أخفت توترها سريعًا، أجابت بهدوء مصطنع:
– معرفش يا ماما… وبعدين أنا مش هاسكتله، لسه لما ييجي مؤمن أخويا هقوله وهخليه ياخدلي حقي.
اتسعت عينا والدتها في فزع، وسرعان ما لكزت ابنتها في كتفها لكزة خفيفة لكنها حادة، وامرتها ناهية ومحذرة:
– إياكي!... أخوكي لو عرف هيمسك في خناق جوزك وما بيشوفش قدامه، ليعملك فيه حاجة، وتبقي وديتي الاتنين في ستين داهية.
رفعت الأخرى رأسها في تحدٍ، وسألتها بحدة زائفة:
– يعني عايزاني أسكت عن حقي؟!
قطبت الأم جبينها، وقالت بلهجة جافة:
– وهو هيقولك كده ليه غير لما يكون صدر منك حاجة خلته يشك فيكي؟
وقعت كلماتها فوق رأس ابنتها كالصاعقة، للحظة شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها، ابتلعت ريقها بصعوبة وسألت بصوت خافت يكاد يختنق:
– حاجة إيه يا ماما؟
حدقتها الأخرى بنظرة نارية، واخبرتها بصرامة:
– عليا أنا يا بت؟!، ده أنا أمك… يعني تخبي على العالم كله إلا أنا، و نفيش دخان من غير نار، قولي بدل ما أخلي أخوكي هو اللي يقعد معاكي ويسألك بنفسه… وهو مش هيسألك ببوقه... أصلًا لو سمع اللي كلام جوزك هيجيبك أنتي من شعرك.
شعرت في تلك اللحظة أن الأمور تنقلب ضدها كما أخبرها سيد من قبل، فأدارت ظهرها لوالدتها، وقد احتشد في صدرها مرار قديم طال كتمانه، فأجابت بصوت منكسر يفيض بالألم:
– دايمًا كده… جاية عليا من زمان، عمرك ما طبطبتي عليا ولا أخدتيني في حضنك، على طول تهدديني بأخويا، يا إما بأبويا الله يرحمه لما كان عايش، وما ترتاحيش غير لما تشوفيهم بيعجنوا فيا، وأفضل راقدة في السرير بالأيام، مش قادرة أروح حتى الحمام، لازم تخليهم ينفذوا جملتك الشهيرة "اكسر للبت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين"، وإنتم كسرتوا كل ضلوعي.
بدت كلماتها كأنها طعنات متتالية، غير أن والدتها لم تبد متأثرة كما توقعت ابنتها، بل قالت بلهجةٍ تبريرية واهية:
– كانوا بيربوكي وخايفين عليكي، كلنا اتضربنا من أهلنا، وكبرنا واتجوزنا وفتحنا بيوت، وبنربيكم أحسن تربية.
التفتت الأخرى نحوها ببطء، وعيناها تلمعان بمرارة كثيفة، اخبرتها بنبرة مثقلة بالخيبة:
– فعلًا… ربتوني كويس أوي، وهقولك على حاجة، أنا فعلًا غلطانة إني حكيتلك على اللي قاله ليا جوزي، كنت فاكرة إنك هتجيبيلي حقي.
رفعت والدتها حاجبيها في دهشة، سألتها بنبرة مستنكرة:
– يعني بقيت أنا الوحشة دلوقتي عشان خايفة عليكي وعلى بيتك اللي لسه ما كملتيش فيه يوم عروسة؟!
هزت رأسها ببطء، وقالت في ألم:
– إنتي شايفة اللي إنتي عايزة تشوفيه وبس، لكن أنا آخر همك، عارفة لو عمرو ده شيطان وهيعيشني في جحيم، أنا موافقة أفضل في جحيمه وناره أحسن من جنتكم، أهو على الأقل هرتاح منكم.
رمقتها بنظرة امتزج فيها العتاب بالاستياء، وتعجبت بصوت خافت:
– بقى كده يا ريم!... متشكرة يا بنتي، عمومًا أنا وأخوكي كل همنا نشوفك سعيدة ومتهنية، وجوزك راجل جدع ومحترم، ياريت تحطيه في عينيكي وتعتبريه أهلك وناسك… طالما إنتي شايفانا إحنا وحشين أوي.
ثم همت بالذهاب، لكنها توقفت لحظة عند الباب، واستدارت نحوها قائلة:
– ونسيت أقولك… صباحية مباركة يا عروسة، بيت أبوكي مفتوحلك في أي وقت.
قالتها ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها، وغادرت المنزل، بينما ريم ظلت في مكانها، كأن الزمن تجمد حولها، لم تكن تدري ما الذي أصابها، أكان ما قالته تمثيلًا اعتادت عليه لتنتصر في معاركها الصغيرة، أم أنه كان اعتراف متأخر بحقائق دفنتها في أعماقها منذ زمن بعيد، ولم تجرؤ على البوح بها حتى لنفسها؟!
انتبهت فجأة إلى صوت زوجها خلفها، فقد دخل لتوه دون أن تشعر بوجوده، ولم تدرك حضوره إلا حين اخترق صوته الغاضب سكون المكان، فالتفتت إليه على حين غرّة.
كان يقف لدى عتبة الغرفة، ملامحه متجهمة وعيناه تقدحان بشرر مكتوم، سألها بحدة واضحة:
– إنتي قولتي إيه تاني لمامتك خلاها نازلة والدموع في عينيها؟!، مش مكفيكي الكلام اللي قولتيه… برغم إني محذرك؟
تقدم نحوها بضع خطوات، حتى وقف قبالتها مباشرة، واخبرها بصوت أكثر انخفاض، لكنه لم يخل من التوتر:
– عايزة تعرفي ليه سألتك كده امبارح؟!
نظرت إليه نظرة طويلة، وفي أعماقها كانت تدرك الإجابة جيدًا... فقد كانت تعلم أن ذلك الغشاء الزائف وحده ليس دليل كافي ليطمئن قلب رجل تسربت إليه الشكوك.
هناك أمور أخرى… تفاصيل صغيرة، وإشارات خفية، تجعل الرجل يشعر بفطرته أو بما سمعه وتناقله الشباب بينهم إن كانت المرأة عذراء قلبًا وقالبًا… أم لا!
صحيح أنه لم يسبق له الزواج من قبل، ولم يخض تلك التجربة، لكن ما يدور بين الرجال من أحاديث ومعلومات مبعثرة كان كفيلًا بأن يزرع في رأسه أسئلة لا تهدأ، وظنون لا تنطفئ.
ظل كلاهما يتبادل النظرات في صمت مشحون، عيناه تبحثان عن الحقيقة، بينما شعرت هي أن الأرض تنسحب من تحت قدميها… وأنها تقف الآن على حافة الهاوية.
وفي لحظة خاطفة، لمعت في رأسها فكرة، لم يكن أمامها سوى أن تستحضر آلام الماضي التي عاشت تحت وطأتها، وأن تحولها إلى سلاح يدرأ عنها الخطر.
وفجأة… أجهشت في البكاء، ارتمت بين ذراعيه كطفلة منكسرة الجناح، وتعلقت به وهي تقول من بين شهقاتها التي هزت قلبه:
– ما تعملش زي أهلي يا عمرو… هم عمرهم ما حبوني، وياما ظلموني، أنا ماليش غيرك، إنت جوزي وحبيبي وأهلي، حقك عليّا أنا آسفة، مش هقول أي حاجة ما بينا تاني ليهم، أنا آسفة.
شعر الأخر بالتوتر للحظة، لان وجهه وضمّها إليه بقوة كأنما يخشى أن تنكسر بين يديه، راح يربت على ظهرها ويمسده بحنان، وقال لها بصوت دافئ:
– اهدي يا حبيبتي… ما تخافيش، أنا معاكي وعمري ما هاجي عليكي، ربنا يعلم أنا بحبك، وكنت بحلم باليوم اللي ربنا يجمعنا فيه سوا.
رفعت رأسها قليلًا، وعيناها مغرورقتان بالدموع، نظرت إليه نظرة امتزج فيها الانكسار بالمكر الخفي:
– أنا عمر ما حد لمسني غيرك يا عمرو… ما تخليش الشيطان يدخل ما بينا.
جذب رأسها إلى صدره مرة أخرى، محاولًا أن يطرد تلك الشكوك التي كانت تنهش رأسه بلا رحمة، كان شيء داخله يصرخ مطالبًا بالحقيقة، لكن قلبه المثقل بحبها أقوى من عقله في تلك اللحظة.
كل ما كان يهمه الآن هي، وهكذا نجحت في أن تنتزع عطفه، وتستحوذ على قلبه ومشاعره، بينما شكوكه فقد ألقى بها خلف ظهره، طغى حبه عليها حتى غلف عقله بغلالة من الغفلة، جعلته يغرق في سبات مؤقت عن الحقيقة.
❈-❈-❈
يقود السيارة علي الطريق بسرعة حادة،
يسود الصمت الأجواء، صمت مشحون بغضب مكبوت، وأسئلة لم تُطرح بعد، ومشاعر قديمة كالندوب تُركت سنوات دون أن تلتئم.
جلست فايا ملتصقة بباب السيارة، تضم ذراعيها حول جسدها في محاولة بائسة للاحتماء من البرد… أو ربما من هذا الذي يرمقها من طرف عينيه كل حين و آخر.
خصلات شعرها المبتل تلتصق بوجنتيها وعنقها، بينما قميصها الأبيض ما يزال رطبًا أسفل سترته التي ترتديها.
بينما هو يقود السيارة بوجه متجهم كالصخر، يحدق أمامه بعينين قاتمتين، قبضته المشدودة على المقود أوحت بأنه يقاوم رغبة حقيقية في تحطيم شيء ما لاسيما رأس تلك التي تجلس جواره.
وأخيرًا قطع هذا الصمت، انطلق صوته بارد وحاد:
— هو من إمتى بالظبط وإنتي قريبة من جسار كده؟
التفتت إليه ببطء، وقد انعقد حاجباها بدهشة ممزوجة بالنفور:
— تقصد إيه؟!
قهقه بسخرية خافتة لا تحمل ذرة مرح:
— أصل اللي يشوفكم في الجاردن يقول إنكم أصحاب من زمان، مش حارس شخصي و بنت عم الراجل اللي بيشتغل عنده.
ارتفع الغضب في عينيها:
— حضرتك كنت شوفت اللي حصل إزاي أصلًا؟!
أجابها دون أن ينظر إليها:
— شوفته وهو واقف يضحك معاكي، و واخد عليكي لدرجة إنه يقلع جاكيت البدلة ويدوهلك تلبسيه، و كمان رايح يوصلك مخصوص بعربية صفوان.
التوت شفتيها، فسألته و تعلم الإجابة جيدًا، لكنها تريد سبر اغواره:
— وده مضايقك في إيه؟
هنا فقط، التفت إليها فجأة، يحدق إليها بنظرة حادة أربكت أنفاسها رغمًا عنها،
ثم اخبرها ببطء قاتل:
— يضايقني إنه ما ينفعش أي راجل يفكر إنه يقرب منك.
اتسعت عيناها بذهول، فاستدار بعينيه للطريق مجددًا، كأنه لم يقل شيئًا، لكن قلبها كان قد اضطرب بالفعل.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت محاولة استعادة ثباتها وألا تضعف أمامه مجدداً:
— وأنا مالي؟!… دي مشكلتك إنت.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة مستفزة:
— فعلًا… إنتِ مالك.
ثم أردف بتهكم لاذع:
— واضح أوي إنك كنتي مبسوطة أصلًا باهتمامه بيكي… لاء والهانم واقفه قدامه بقميصها المبلول و هدومك اللي تحت باينة قدام عينيه، ما كنتي تقلعي له القميص كان عرف يستمتع بمنظرك أكتر.
شحب وجهها من حديثه الذي فاق الأدب و كل الحدود، رمقته بصدمة حقيقية، وكأن كلماته صفعتها، فصاحت في وجهه:
— إنت قليل الأدب.
ضحك بسخرية:
— لما أنا ابقي قليل الأدب، تبقي أنتي إيه إن شاء الله؟!، أي راجل يشوفك بالمنظر ده ويقعد يلف حواليكي، أكيد مش هايبقي لطيف معاكي لله، بالتأكيد غرضه منك حاجة تانية، والواد ده مش محترم و أنا هعرف شغلي معاه كويس.
اشتعلت عيناها بالغضب:
— جسار راجل محترم غصب عنك.
و إذ فجأة صدر صوت احتكاك حاد للإطارات بالطريق، بعد أن ضغط المكابح بعنف جعل جسدها يندفع للأمام بقوة، قبل أن يجذبها الحزام بعنف إلى الخلف.
شهقت بفزع، والتفتت إليه بعينين مرتجفتين، يرمقها بنظرة مخيفة هادئة أكثر مما ينبغي، وذلك الهدوء تحديدًا كان مرعبًا للغاية، فقال لها بتحذير جلي:
— ما تجيبيش اسمه على لسانك، و لو لاقيتك واقفة معاه تاني مش هقولك هعمل فيكي إيه؟
ارتجف شيء داخلها رغمًا عنها، لكنها تماسكت وقالت بعناد:
— وهتعمل إيه يعني؟!
ظل يحدق فيها لثوان طويلة، وفجاة
مال بجسده نحوها، اتسعت عيناها بفزع، تراجعت حتى التصق ظهرها بالباب، وقد تسارعت أنفاسها بعنف وهي تظنه على وشك أن يفعل شيئًا متهور وأحمق.
مد يده نحو الدرج الأمامي أسفل التابلوه،
فتحه بعنف، ظهر سلاح ناري، فشهقت الأخرى بذعر:
– إيه ده؟
قلبها يخفق بعنف من ما ترى، فارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة خبيثة:
— إيه؟، خوفتي؟!
احتقن وجهها فورًا، وانكرت ما تشعر به:
— لاء.
همهم بسخرية مستفزة:
— غريبة… شكلك اللي عامل زي الفار المبلول بيقول غير كده.
أشاحت بوجهها نحو النافذة واخبرته:
– لأن شبعت من ألاعيبك دي معايا من زمان.
قال ببرود مصطنع:
– كان علي هواكي أي حاجة بعملها معاكي، حتي بعد ما اتجوزت أختك.
ألتفت له بصدمة، نظرت إليه طويلًا… ذلك الرجل يجرحها بكلمات قاسية ومهينة، لم يمهلها التفكير فسألها دون أن يكترث لمشاعرها، سؤالًا يرضي نرجسيته المريضة:
— ليه كل ما أقرب منك بتبقي خايفة؟
ترددت للحظة… ثم همست بصدق خرج رغمًا عنها:
— عشان إنت شخص مؤذي.
اشتدت ملامحه فورًا، لكنها أكملت قبل أن يقاطعها:
— طول عمرك بتتعمد تخوفني منك و من أفعالك… حتى زمان.
تجمدت يداه فوق المقود للحظة خاطفة، وهي فما إن أدركت ما قالته حتى عضت شفتها بندم، التفت إليها ببطء شديد
وعيناه هذه المرة لم تكونا غاضبتين، بل شيء أسوأ.
شيء جعل قلبها يرتجف بعنف، قال بصوت خافت أجش:
— زمان!
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة غامضة، موجعة:
— يعني لسه فاكرة كل حاجة بينا و مانسيتيش؟
شعرت بحرارة التوتر تصعد إلى وجهها،
فأشاحت بصرها عنه بسرعة، امتدت يده نحوها دون تفكير.
أمسك يدها وشعر برجفة أناملها:
— استني… هاشغلك التكيف دفاية.
حول المكيف إلي مدفأة، ثم امسك يديها بين يديه، لحظة قصيرة جدًا… إلا أنها كانت كافية لتقلب شيئًا عتيقًا في داخلهما.
شعرت بأنفاسها تختنق، بينما هو فتصلبت ملامحه وكأن تلك اللمسة أعادته سنوات كاملة إلى الخلف، يرى أمامه الفتاة الصغيرة ذات الخامسة عشر عامًا والتي كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالإعجاب الساذج، مشاعر دفنها عمدًا حين اختار شقيقتها.
تذكر عندما كان يقترب منها و ينهال من رحيق شفتيها، وهذا ما أراد أن يفعله للتو، وجهها البرئ ونظرات الخوف التي في عينيها كلما يقترب منها، كل هذا يثيره أكثر نحوها، ود أن يخلع عنها سترته ويليها قميصها المبتل ويفعل بها ما يحلو له.
اقترب منها للغاية، وشفتيه علي مقربة شديدة من خاصتها، و قبل أن يتمكن من تقبليها فاوقفته بقولها الذي جعله يفيق:
– اللي عمري ما هانساه، أنك تبقي جوز أختي.
ساد التجهم ملامحه، ترك يدها فجاة، وسرعان عاد إلي النظر نحو الطريق أمامه، بينما صوته خرج خشنًا بصورة غريبة، أمرها قبل أن ينطلق نحو القصر:
— اربطي حزامك كويس.
تنفست الصعداء، و اعتدلت في جلستها، هيهات وانتفضت عندما انطلق بالسيارة مجددًا.
❈-❈-❈
و لدي هناء، تجلس أمام جسار، تشعر بتوتر وقلق وهي تراه يمد يده بهدوء، ويفتح حقيبة سوداء بعد أن وضعها أمامه فوق الطاولة الخشبية.
وما إن انفرجت سحابها حتى ظهرت رُزم المال المتراصة في الداخل، أوراق نقدية متكدسة.
دفع الحقيبة قليلًا نحوها، واخبرها بصوت هادئ لا يخلو من سُلطة خفية:
– اتفضلي… زي ما وعدتك، ده باقي حقك، وزيادة كمان عن اللي المكتوب الوصولات.
ظلت لحظة تحدق في الحقيبة كأنها تخشى أن يكون ما تراه سرابًا، لكن دهشتها سرعان ما انقلبت إلى سعادة جارفة، فمدت يدها ترتب الرزم بأصابع مرتجفة، ثم قالت بلهفة واضحة:
– شكرًا أوي أوي يا جسار بيه… اتفضل، كل الوصولات والشيكات اللي ماضيها مؤمن.
وأخرجت من حقيبتها أوراقًا عدة، ناولته إياها بعجلة، وكأنها تخشى أن يتراجع عن قراره.
أخذها بهدوء وألقى عليها نظرة سريعة قبل أن يطويها بعناية، رفع بصره إليها، واخبرها بنبرة صارمة لا تحتمل الجدال:
– وجودك هنا في الشقة ما بقاش ينفع، لازم تمشي من هنا النهارده قبل بكرة، عشان كلها يوم أو يومين، ومؤمن هيخرج، وأول حاجة هيعملها هييجي على هنا، مش هيسيبك، لإنه هيفهم ويعرف إن فيه اتفاق ما بينّا.
تبدل لون وجه هناء فجأة، وانسحبت السعادة من ملامحها، وضعت يدها فوق بطنها بحركة غريزية، كأنها تحتمي بما تحمله في أحشائها، ثم قالت بتردد:
– لا مؤاخذة يا بيه… أنا ما رضيتش أسأل حضرتك قبل كده، هو مؤمن حواره إيه معاك خلاك تعمل عليه فيلم القبض عليه ببودرة مضروبة… يعني عايز إيه منه في الآخر؟
نظر إليها طويلًا، وعلي شفتيه ابتسامة لم تصل إلى عينيه؛ بل بقيتا باردتين خاليتين من أي أثر للود.
اخبرها باقتضاب مخيف:
– عليه ليا حساب… وبقفله.
عبست قليلًا، ولم تستطع كبح فضولها فسألته:
– حساب!... اللي هو إيه يعني؟
و هنا لم يجبها بل احتدت عينيه بنظرة جعل قلبها يرجف من الخوف، نهض من مقعده ببطء، أغلق زر سترته، ثم التقط متعلقاته وهمّ بالمغادرة.
وقبل أن يتجه إلى الباب، التفت إليها بنظرة حادة، واخبرها بنبرة قاطعة:
– الفضول مش حلو… وأحيانًا بيودينا في سكة اللي يروح ما بيرجعش.
ثم أردف وسألها ببرود:
– صح يا مدام هناء؟
زاد خوفها أكثر،فما كان بيدها سوى أن تومأ برأسها سريعًا:
– أيوه… أيوه صح يا بيه.
تلاشت النظرة الحادة من عينيع وحل مكانها ابتسامة مقتضبة، وبلباقة ظاهرها الاحترام وباطنها التحذير:
– عن إذنك… مضطر أمشي، و زي ما اتفقنا إحنا و لا اتقابلنا و لا نعرف بعض، و ده لمصلحتك ومصلحة اللي في بطنك.
اتسعت عينيها وتضع يدها علي بطنها بخوف، تسأل نفسها، كيف علم بأمر حملها؟!
بينما هو غادر الشقة بخطوات ثابتة، تركها خلفه غارقة في أفكارها، فقد ظلت في مكانها لحظات، كأنها تحاول استيعاب ما حدث.
ثم اقتربت من الحقيبة ببطء، وجلست أمامها، وراحت تمرر كفيها فوق رُزم المال بذهول يكاد يلامس الجنون.
همست بصوت خافت، كأنها تبرر لنفسها ما اقترفته:
– معلش يا مؤمن… كان لازم آَّمن ابني.
ثم وضعت يدها فوق بطنها مرة أخرى، وأضافت بمرارة:
– اللي إنت عايزني أسقطه.
❈-❈-❈
بعد مرور يوم آخر… ما زال مؤمن قابعًا في تلك الزنزانة الضيقة التي يلتهمها الظلام، حيث تتكدس الرطوبة في الجدران ورائحة عطنة تملأ المكان.
لم يعد يشعر بشيء في جسده سوى الألم؛ ألم جسدي ينهش عظامه، وآخر نفسي أشد قسوة ووخزًا، يضغط على صدره كصخرة ثقيلة تسحقه كحب الرحى.
ذلك الإحساس المرير بأن النهاية قد اقتربت، وأنه سيدفع ثمن أخطائه كلها دفعة واحدة، بلا مهلة ولا رحمة.
ظهره مسنود إلى الحائط البارد، وعيناه شاخصتان في الفراغ، كأنهما تبحثان عن مخرج من متاهة أغلقت أبوابها عليه.
وفجأة…انفتح باب الزنزانة بصرير حاد، قطع هذا العذاب الصامت.
وقف العسكري عند الباب، ونظر إليه بوجه خال من التعبير، آمره بازدراء:
– قوم قدامي… على مكتب البيه رئيس المباحث.
رفع رأسه ببطء وصعوبة، فالحركة نفسها عبء ثقيل على جسده، حاول أن ينهض، لكن الألم شد أوتاره، فشعر بثقل هائل يجثم فوق كتفيه، ومع ذلك قاوم ودفع جسده للوقوف، متكئًا على الحائط، يسحب قدميه بصعوبة كأنه لايشعر بهما. بدا كهيئة رجل منكسر مهزوم، بينما ما خفي في صدره كان أعظم بكثير.
سار خلف العسكري في الممر الضيق، حتى توقف الأخير أمام غرفة مغلقة، طرق الباب ثم فتحه وأشار إليه بالدخول.
دخل مؤمن متثاقل الخطى، وقعت عينيه علي رجل يجلس خلف المكتب… رجل يعرف كيف يملأ المكان بحضوره دون أن يتحرك.
استقبله بابتسامة هادئة، ثم نهض من مقعده مرحّبًا:
– حمدالله على السلامة يا مؤمن.
نظر إليه الأخر نظرة طويلة متفحصة، يحاول أن يستحضر من ذاكرته أين رآه من قبل، فهذا الوجه مألوفًا له… لكن التفاصيل لا تزال مبهمة.
اتسعت ابتسامته ثم أشار إلى المقعد المقابل له قائلًا:
– تعالى يا مؤمن اقعد واستريح… وهعرفك بنفسي، رغم إنك لسه شايفني من قريب أوي… واختصارًا للوقت عشان ما بحبش أضيع وقت على الفاضي… هقولك.
أردف بثقة واضحة:
– أنا جسار التهامي.
هبطت عينا الأخر تلقائيًا نحو اللوحة الخشبية المثبتة أعلى المكتب، وقد نُقش عليها اسم آخر، اسم لا يمت بصلةٍ إلى الرجل الجالس أمامه، التقط جسار تلك النظرة في لحظة فاخبره:
– ماجد العلايلي رئيس المباحث يبقى صديق قديم… وبيعزني جدًا، وبيخدمني برموش عينيه.
ثم مال قليلًا للأمام وأضاف بنبرة تحمل شيئًا من التفاخر:
– أول ما قولتله عايزك تكرملي ضيف عزيز عليّا… ما ترددش لحظة.
تابع بثقة باردة:
– وعندي حبايب عُزاز كتير زيه… في كل جهة رسمية وأمنية.
وفي تلك اللحظة… بدأت خيوط اللغز تتجمع داخل رأس مؤمن، كأن صورة مشوشة بدأت تتضح شيئًا فشيئًا؛ من لحظة فرح شقيقته… إلى تلك اللحظة المشؤومة التي وُضعت فيها القيود في يديه.
اتسعت عيناه فجأة، واندفعت القوة في جسده كما لو أن الحقيقة نفسها أشعلت فيه شرارة جديدة.
نظر إلى جسار بعينين تقدحان شررًا، وسأله علي الفور:
– إنت الراجل بتاع صفوان الشاذلي؟
ارتسمت على شفتي الأخر ابتسامة إعجاب باردة، ثم اخبره بإيجاز:
– برافو.
قبض الأخر يده بقوة، رغم الضعف الذي ينهش جسده، كان صوته واهيًا، لكنه خرج بروح مقاتل لا يعرف الخوف:
– قول للباشا بتاعك… مش هعمله اللي هو عايزه وأعلى ما في خيله يركبه.
وهنا… وقف أمام العاصفة، لا يملك درعًا يقيه ولا ملجأً يلوذ به، وبالرغم من ذلك فتح ذراعيه كمن استسلم لمصير لم يعد يملك دفعه.
عيناه غارقتين في صمت ثقيل، صمت يسبق الانفجار.
نهض جسار من خلف المكتب ببطء ودار حوله بخطوات واثقة حتى جلس أمامه مباشرة، واضعًا ساق فوق أخرى، وقد انعقدت على شفتيه ابتسامة باردة لا تحمل دفء.
نظر إليه مليًّا، ثم اخبره دون تمهيد، بنبرة صريحة وبتهديد لا تهاون فيه:
– لو مش خايف على نفسك… خاف على أهلك.
ثم مال قليلًا للأمام، مضيفًا ببرود:
– خاف على والدتك اللي فاكرة إنك بايت في الشغل، مش في السجن.
عاد بظهره إلي الوراء وأردف:
– ما تقلقش… رجالتي طمنوها عليك قالولها أنك استلمت شغل جديد، تخيل لو كانوا بلغوها إنك اتقبض عليك في تهمة تجارة مخدرات، تهمة كفيلة تلبسك يا مؤبد يا إعدام.
ابتسم بسخرية و أكمل:
– وزي ما خلينا البودرة دقيق ونشا… ممكن نخليهالك كوكايين حقيقي، أو تلبس قضية أمن قومي يتم اعتقالك فيها… وابقي حلّني بقى و يا عالم هاتخرج منها امتي.
ألقي نظرة علي هيئته المزرية، فأشار إليه بعينيه من أعلى إلى أسفل وأضاف بتهكم:
– واديك جربت السجن الانفرادي يومين… شوف منظرك بقي عامل إزاي، كفاية مش قادر تصلب طولك.
انزل ساقه من فوق الأخرى لينحنى بجذعه قليلًا مقتربًا منه، حتى كاد صوته يلامس أذنه، يخبره بتهديد:
– تخيل أي سيناريو من قولتهم لك يوديك ورا عين الشمس، وفي الآخر ما استفدتش حاجة، ويبقى ضيعت عمرك على الفاضي.
ظل مؤمن صامتًا لحظة، وعيناه مثبتتان عليه، قبل أن يقول بصوت خافت لكنه واضح:
– وأنا إيه اللي يضمنلي… بعد ما أنفذلكم اللي انتم عايزينه… ما ترمونيش في أي داهية عشان ما أظهرش للباشا تاني، وأبقى له زي الشوكة في الزور؟
ابتسم الأخر من فطنة و ذكاء هذا المؤمن، فاخبره:
– كلمة من راجل لراجل… محدش هيقرب منك بعد ما تنفذ اللي طلبه الباشا منك بالحرف الواحد.
ثم أضاف و كأنه يمنّ عليه بفضل:
– وبالمناسبة… سددنا لك كل الفلوس اللي عليك لنوءة… قصدي مدام هناء،
بس بقت الوصولات معانا دلوقتي، ما تقلقش… هتستلمهم بعد ما تنفذ... و ليك شيك بمبلغ محترم… تقدر تعمل بيه اللي إنت عايزه وتعيش حياتك.
ثم سأله بنبرة حاسمة:
– ها… قولت إيه؟
سقط الصمت بينهما كجدار ثقيل، ظل الأخر واجمًا، كأن الكلمات علقت في حلقه، شعر وكأنه يقف أمام جدار منيع، لا نافذة فيه ولا شق ضوء… سوى باب واحد، باب يقف مفتاحه في يد ذلك الصفوان، إما أن يطلق نور ويعبر، أو يظل سجينًا خلف ذلك الجدار إلى الأبد.
ابتلع غصته التي كانت كمرار العلقم، ثم قال بصوتٍ متهدج، وقد انحنى رأسه قليلًا:
– تمام يا بيه… موافق.
ارتسمت على وجه الأخر ابتسامة انتصار واضحة:
– كنت واثق إنك هتوافق… عشان كده جيبت المأذون ومستني بره.
مد يده إلى هاتفه، ثم لمس علامة الاتصال:
– اتفضل ادخل يا مولانا.
فُتح الباب، دخل المأذون وهو يحمل حقيبته الجلدية، يتقدم نحوهما ثم جلس إلى خلف المكتب، أخرج الأوراق اللازمة.
كان كل شيء قد أُعدّ سلفًا، وكأن الأمر لم ينتظر سوى توقيع مؤمن… وكلمة واحدة.
مد جسار يده لمؤمن بالقلم من أجل التوقيع، أخذه الأخر علي مضض وبسخط
بدأ يوقع اسمه، ومع كل حرف يخطّه فوق الورق، يشعر وكأن جزءًا من روحه يُنتزع انتزاعًا.
انتهى أخيرًا، فصدح صوت جسار يأمره:
– ارمي اليمين.
تجمد الأخر للحظة، ابتلع لعابه بصعوبة، ثم خرج صوته منكسرًا، مثقلًا بكل ما في صدره من ألم وقهر:
– نور عيسى المنياوي… طالق مني.
❈-❈-❈
وصل إلى أول وجهة قصدها منذ أن غادر القسم؛ الحارة… الحارة التي شهدت أحلامه الأولى، وها هي الآن تستقبله مثقلاً بالهزيمة، اتجه بخطوات بطيئة نحو منزله؛ ذلك البيت الصغير الذي أعده يومًا ليكون عش الزوجية، و بدلاً أن يدلف به وهو عريس برفقة عروسه، فها هو يدخله وهو مُطلق!
لم يشأ أن تراه والدته بتلك الهيئة الرثة، بجسد واهن وملامح أنهكها السجن والانكسار؛ فاختار أن يلوذ بذلك البيت أولًا، قبل أن يواجه عينيها.
قادته قدماه إلى غرفة النوم، توقف عند عتبتها لحظة… دخل ببطء، كانت الغرفة كما تركها منذ ما فعله بنور… لا شيء تغير.
الفراش ما يزال مبعثرًا، والوسادة مطروحة في غير موضعها، كأنها تشهد على ما حدث فوقها من لحظات لم تكن حب بقدر ما كانت عنف وغضب واندفاع أعمى.
وقف يتأمل السرير طويلًا، وقد ارتسم المشهد في ذاكرته حيًّا، كأنه يُعرض أمامه على شاشة سينمائية لا يستطيع إيقافها.
رآها… رأى خوفها المرتجف، وسمع أنينها الذي كان أعلى من أي صراخ، امتعضت ملامحة بألم وندم.
تمتم في نفسه بمرارة؛ فقد اقترف ما اقترف ظنًّا منه أنه بذلك يضمن وجودها معه… أن يربطها به إلى الأبد.
ولم يكن يعلم… أن تلك اللحظة ستكون الأولى… والأخيرة!
أما ما تركه لها خلفه… فلم يكن سوى ندوب في روحها، وجراح لن تنساها ما حييت.
زفر ببطء، ثم استدار مغادرًا الغرفة، كأن البقاء فيها يثقل صدره أكثر مما يحتمل.
دخل الحمام وخلع ثيابه بإهمال، فتح صنبور المياه التي انهمرت باردة فوق جسده المنهك، فوقف تحتها ساكنًا لحظة، قبل أن تنفلت من صدره صرخة مكتومة… صرخة خرجت من أعماق فؤاده، تحمل ما اختزن فيه من قهر وعجز.
صرخة رجل انهار كل ما في داخله… ولم يبقَ منه سوى جسد واقف تحت الماء.
❈-❈-❈
و في مكان قريب، تتحرك بين أركان منزل عائلتها بصمت، تؤدي مهام البيت بآلية باردة، كأنها جسد يتحرك بلا روح.
وفجأة…صدح جرس الباب، توقفت في مكانها لحظة، ثم اتجهت نحو الباب بخطوات مترددة، نظرت من الفتحة الصغيرة.
وفي اللحظة التي وقعت عيناها عليه…
انتفض جسدها كله، وكأن صاعقة مرت في عروقها.
همست باسمُه في صدرها كجرح قديم:
– مؤمن!
فتحت الباب قليلًا، لكنها بقيت خلفه، فسألته بلهجة حادة متحفزة:
– عايز إيه يا مؤمن أبويا وإخواتي مش هنا.
وقف أمامها بهدوء غريب، وكأن التعب قد أطفأ كل ما فيه من صخب.
اجاب بصوت منخفض:
– يبقى أحسن… عشان عايز أتكلم معاكي على راحتي.
قهقهت بسخرية مريرة من خلف الباب، ثم اخبرته بتهكم لاذع:
– إيه؟، ما شبعتش من اللي عملته فيّا؟، و لا جاي تكرره تاني؟
أردفت بحدة أكبر:
– امشي يا مؤمن… بدل ما أتصل على أبويا و أخواتي واحكيلهم علي اللي حصل.
تبدلت ملامحه لحظة، ومرّ في عينيه ألم عميق، فقال لها بنبرة يختلط فيها الإنهاك بالرجاء:
– طب روحي غيري هدومك… وتعالي معايا نروح نقعد أي حتة نعرف نتكلم فيها.
❈-❈-❈
وبعد محايلة طويلة أرهقتها وأثقلت قلبها، قد أذعنت لطلبه أخيرًا، جلست أمامه في ذلك المنتزه الممتدد علي ضفاف النيل، يُخيل للناظر أنهما في موعد غرامي، لا في لقاء مثقل بطعم الوداع المُر.
جلسا متقابلين، يفصل بينهما جدار غير مرئي شُيد من خيبات قديمة وذكريات موجعة، عيناه معلقتين بوجهها، يحدق فيها طويلًا، كأنهما تحاولان أن تقولا ما عجز اللسان عن البوح به، بينما هي، فكانت تراقبه بجمود متحفز، وفي صدرها غضب دفين كالإعصار.
لم تتحمل ذلك الصمت أكثر من ذلك، فقطعته بنبرة ساخرة، يختلط فيها الغضب بالمرارة:
– من ساعة ما جينا وقعدنا، وإنت لا اتكلمت ولا قولت كنت عايزني في إيه، عمال تبصلي كده، وعينيك بتقول كلام كتير، إيه؟، ندمان وجاي تطلب مني أسامحك؟!
لم يبد عليه أنه تأثر بسخريتها، بل ظل ينظر إليها طويلًا، ثم خرج سؤاله فجأة، بسيط في لفظه لكنه ثقيل كالقدر لا مهرب منه:
– بتحبيني يا نور؟
وقع السؤال عليها كالصاعقة؛ فاهتز ما في صدرها من كتمان دفعة واحدة.
اشتعلت عيناها، وانطلقت كلماتها مشحونة بكل ما يعتمل في قلبها من غضب وسخط:
– أنا لا بحبك ولا بكرهك، بس للأسف مضطرة أكمل معاك، وإنت عارف السبب، هو نفس السبب اللي خلاك ضامن إنك تعمل اللي عملته فيا، وأنا مش هقدر أشتكي، ولا أحكي لحد، ولا حتى أقول مش هكمل.
أطرق رأسه قليلًا، وعجز عن الرد، كان في قرارة نفسه يوافقها على كل حرف قالته؛ لذلك لم يحاول مقاطعتها، بل تركها تستطرد، وكأنه يمنحها حق تفريغ ما تراكم في صدرها من وجع.
تنفست بعمق، ثم أكملت بنبرة أشد احتدامًا:
– إنت قتلت فرحتي، أي بنت كانت بتحلم بالليلة دي… الليلة اللي بتتزف فيها من بيت أهلها لبيت جوزها، حتى لو كانوا كاتبين كتابهم قبلها، إنت ما عملتش حساب لا لصلة القرابة اللي بينا، ولا لأي حاجة… ومشيت ورا هواك.
توقفت لحظة، وكأنها تستجمع بقايا قوتها، ثم تابعت بصوت يرتجف:
– أنا استحملت ذُلك وإهانتك ليا كل ما كنا بنتخانق… ولا معايرتك ليا بأهلي، وكنت بعديها وأقول لنفسي يا بت، هو بيرجعلك ويتأسفلك في الآخر، وكنت بسامح زي الهبلة، كنت عارفة إنك بتعرف بنات وستات، ومنهم اللي بتروح تعمل معاهم الحرام، وبرضه كنت بدعيلك بالهداية، وبقول اعذريه يا بت، بكرة لما يتجوز هيتوب ويتغير ويلم نفسه، لكن في الآخر كنت تثبتلي قد إيه أنا مغفلة وغبية.
علقت غصة، وشعرت بحشرجة مؤلمة في حلقها، مدت يدها إلى كوب الماء الموضوع أمامها، فارتشفت منه قليلًا محاولة أن تستعيد بعض تماسكها، وعندما رفعت عينيها إليه وجدته ما يزال صامتًا، ينصت إليها بتركيز شديد، أو ربما تعمد أن يتركها تُخرج كل ما يثقل صدرها.
مسحت دمعة كادت تفلت، ثم أكملت بمرارة موجعة:
– وكل اللي حكيته لك ده وبرضه مكملة، مضطرة للأسف، زي العيان اللي مضطر ياخد دوا طعمه مُر زي العلقم، عشان لو ما خدوش يموت.
عندها فقط تخلى عن صمته، نظر إليها نظرة صادقة بدت فيها نبرة الندم واضحة، طلب بصوت خافت:
– سامحيني يا نور.
ضحكت بمرارة جارحة، وقالت وهي تهز رأسها:
– عايزني أسامحك إزاي؟!، مش معنى إني هكمل معاك يبقى مسمحاك… ولا إني هسامحك، و زي ما أخدتني بالغصب، عمري ما هديك حقك بعد الفرح بالرضا أبدًا، لحد آخر يوم في عمري، هتاخده بالغصب، حبيت أقولك من دلوقتي عشان ما تتفاجئش يوم فرحنا اللي بعد كام يوم.
كانت كلماتها كطلقات أصابته في مقتل، وبالرغم من قسوتها زرعت في قلبه يقين مؤكد بأن طلاقه لها، قد يكون أرحم من حياة تقضيها إلى جواره وهي مكرهة عليه!
تنهد ببطء، واخبرها بصوت مثقل بالصدق:
– نور… أنا ندمان فعلًا على اللي عملته معاكي، بس عايزك تعرفي حاجة، وربي وما أعبد رغم اللي حصل، أنا ما كنتش ناوي علي أي غدر، أنا عملت كده عشان أضمن إنك تفضلي معايا… ومن غير ما أقول السبب، السبب ده حابب أحتفظ بيه لنفسي.
ألتقط أنفاسه بصعوبة و عينيه تلمع ببريق دموع تتجمع وأسرها داخل عينيه، أردف حديثه الذي يقطع الفؤاد إلي أشلاء:
– أنا حياتي كلها ضلمة… وانتي النور الوحيد فيها، انتي الوحيدة اللي أأمنها على نفسي وبيتي، وتشيل اسمي، وتكون أم ولادي.
وبرغم كل الوجع الذي يسكن صدرها، تسللت كلماته إلى قلبها على استحياء، شعرت أن شيئًا ما في داخلها يرتجف، لكن الكبرياء والألم كانا أعلى صوتًا.
نهضت من مكانها فجأة، واتجهت نحو السور الزجاجي المطل على النيل، تقف خلفه بحيث لا يرى وجهها، الدموع قد غلبتها، حاولت أن تخفيها وهي تقول بصوت متهدج:
– إنت كلامك بيزيد وجعي أكتر، لما حصل اللي حصل، جريت علي بيتنا ودخلت أوضتي، طبعاً لأن ما ليش حد أشتكيله، ولا ضهر يحميني منك، لجأت لربنا، دعيت وقولت يا رب إنت حسبي ووكيلي خدلي حقي من كل اللي ظلمني.
لم تعد قادرة على الصمود، انفلتت دموعها أخيرًا، دموع كالجمر كأنها تخرج من قلب محترق.
وفي لحظة وجدته يقف إلى خلفها، مد يديه ووضعهما برفق على كتفيها، محاولًا أن يجعلها تلتفت إليه ليضمها بين ذراعيه.
لكنها لم تتحمل لمسته، دفعته بقوة بعيد عنها، وكأن لمساته لها أضحت جمر يلسع جسدها، استدارت مسرعة تاركة خلفها رجل ضاقت أمامه كل السبل، وأصبح مهزومًا أمام غريمه.
❈-❈-❈
وها قد جاء اليوم الموعود… فقد امتلأت الحارة بالأضواء الملونة المعلقة على الحبال الممتدة بين الشرفات، تتراقص لمعاتها فوق الجدران العتيقة، وانتُصِبت السرادق بطول الحارة واسعة مزدانة بالأقمشة الزاهية، اصطفت الطاولات علي الجانبين في نظام يشي بحفل كبير يليق بليلة من ليالي الأفراح.
بدأ الجيران والمعارف والأقارب والمدعوون يتوافدون تباعًا، رجال ونساء وأطفال، يجلسون حول الطاولات في حلقات صغيرة، يتبادلون التهاني والضحكات، بينما كانت الأغاني الشعبية تصدح من السماعات بصوت مرتفع يهز أركان المكان، فتتمايل معه الرؤوس وتصفق الأيدي بفرح وسرور.
وفي طرف السرادق وقف كل من رضا وسيد، ومعهما عمرو، يتابعون حركة المدعوين بعين يقظة، بينما عم عيسى والد نور، فقد جلس غير بعيد عنهم وسط كبار أهل الحارة، يتلقى منهم التهاني والمباركات، فتعلو وجهه ابتسامة متعبة، تختلط فيها فرحة الأب بزفاف ابنته بشيء من رهبة اللحظة وهيبتها.
لكن وسط هذا الضجيج المفعم بالبهجة، كان ثمة قلق يتسلل إلى بعض الوجوه.
التفت رضا إلى سيد، وقد بدت على ملامحه أمارات الضيق، فأمره:
– سيد، ما تتصل بمؤمن من عندك كده، يمكن تليفوني مش لاقط شبكة، ده مختفي من وقت ما قال رايح للحلاق، حتى ما قالش رايح عند مين.
تنهد شقيقه وهو يخرج هاتفه من جيبه، فوجده فارغ الشحن، وقد بدا عليه الانزعاج:
– والله يا عم رضا، اتصلت بيه أكتر من خمسين مرة، ودلوقتي موبايلي فاصل شحن، هاطلع شقتنا احطه علي الشاحن.
قالها و تحرك نحو العمارة التي بها شقتهم، بينما عمرو اخبر رضا:
– أنا كمان مستغرب، ريم وحماتي برضه قالوا آخر مرة شافوه لما قال رايح للحلاق، الكلام ده من حوالي الضهر، وما رجعش من وقتها.
اقتربت منهما والدة مؤمن، وكانت ملامح القلق بادية على وجهها بوضوح لا تخطئه العين، بدت خطواتها متعجلة، وعيناها تفتشان في وجوههم كأنها تبحث عن جواب يطمئن قلبها.
سألتهم بصوت مضطرب:
– ابني مختفي من الصبح يا عمرو… ما قالش لحد فيكم يا رضا هايروح فين بعد الحلاق؟، أنا قلبي واكلني عليه أوي.
أجابها عمرو بلطف وهو يربت على كتفها محاولًا تهدئتها:
– ما تقلقيش يا خالتي… ممكن بيقضي مصلحة هنا و لا هنا، وهتلاقوه راجع على طول.
واخبرها رضا:
– و وارد يكون حصل ظرف، بإذن الله هايظهر دلوقتي، ما تقلقيش يا مرات خالي.
هزت رأسها في قلق أشد، وقالت بصوت يختلط فيه الخوف بالرجاء:
– يا بني بقولك مختفي من الضهر… ودلوقتي إحنا الساعة 8 العشاء، والمفروض كان راح لنور ياخدها من الكوافير، و ريم كلمتها بتقول لها تليفونه بيديها مقفول برضه، طب والعمل؟ أنا خايفة ليكون لا قدر الله، حصله حاجة.
نظر عمرو إلى رضا ثم عاد يخاطب حماته:
– تعالي يا خالتي… اطلعي عندي ارتاحي أو اقعدي مع أمي، وأنا هاخد رضا وناخد لفة بالعربية عند الحلاقين نشوف حلق عند مين فيهم.
❈-❈-❈
و في الأعلي في منزل عائلة نور، فقد أوصل هاتفه بالشاحن وتركه، و دلف إلي الحمام.
هيهات وسمع صوت باب الشقة تم فتحه ثم أغلق، انتهي من قضاء حاجته وقام بغسل يديه، خرج ويمسك بالمنشفة، ظن شقيقه هو من فتح الباب، فسأله:
– رضا، عرفتوا توصلوا لمؤمن؟
لم يجد رد، وانتبه إلي ضوء غرفته الذي تمت انارته للتو، ذهب ليري ماذا يحدث، وعند وصوله لدي عتبة الغرفة، اتسعت عينيه مردداً اسمها:
– ريم؟!، انتي دخلتي هنا إزاي؟
كانت تجلس علي طرف السرير، واضعة ساق فوق الأخرى، ترفع له يدها وتحرك سلسلة صغيرة معلق بها مفتاح:
– فتحت بالنسخة اللي انتم سايبنها عند ماما.
نهضت وتحركت نحوه، و علي وجهها ابتسامة و نظرة إغواء، فاردفت:
– اعمل إيه، أنت عاملي بلوك و من وقتها مش عارفة اكلمك و لا اشوفك، ما صدقت لاقيت فرصة عارفة أشوفك فيها.
وقفت أمامه وحاوطت عنقه بيديها:
– كده يا سيد؟!، أهون عليك كل ده تخاصمني، ده أنت معملتهاش أيام ما كنت مخطوبة لعمرو.
ابعد يديها عن عنقه بعنف، زجرها بازدراء:
– اه ما بكلمكيش، و انسي اللي بينا، و ياريت تتفضلي تاخدي بعضك و تنزلي من هنا، قبل ما حد يطلع و يشوفك و يا سلام لو كان جوزك بنفسه.
رمقته بعتاب وامتعاض معًا:
– للدرجدي زعلان مني أوي كده؟!
تفادى النظر لها و ولي ظهره إليها حتي لا يتأثر بتلك العيون التي لا يقدر علي الصمود أمامها، و يخشي أيضًا الوضع المقلق الذي هم فيه، و إذا رآها أحد معه فسيبصح الأمر كارثة فوق رأسه قبل رأسها.
– ياريت تتفضلي من غير مطرود، و إلا....
اهتز جسده من اندفاعها بجنون نحوه، تعانقه من ظهره، وكفيها علي صدره، تخبره بصوت أذابه في هواها المحرم:
– حقك عليا ماتزعلش مني، أنت واحشني أوي و ما اقدرش علي زعلك، ممكن تلف و تبص لي.
وضع يده علي كفيها حتي يبعدها عنه، لكن صوتها و ما تفعله جعله لم يستطع المقاومة، ألتفتت إليها وحدق في عينيها التي قامت برسمهما بالكحل وظلال الجفون، و مكثف الرموش، شفتيها المطلية بالحمرة التي جعلتهما في مظهر مغري و مثير، لا يقاومهما الزاهد.
فاجأته بخلع وشاحها واطلقت العنان لخصلات شعرها الذي يهواه و يعشق ملمسه، فتحت شفتيها لتخبره بدلال و اغراء كم مارسته معه من قبل وتعلم مدى تأثيره عليه، تخبره:
– شكلك لسه زعلان و أنا هصالحك دلوقتي.
وقفت علي أطراف قدميها، فالتقطت شفتيه بقبلة أذابت كل تردد لديه، بل و غمرته بعناق حميمي، و بعد لحظات قام بإلقائها علي فراشه بعد أن خلع عنها كل ما يعيقه ليرتكبا الفاحشة دون رادع أو خوف!
❈-❈-❈
و بعد مرور ساعة من البحث المتواصل، عاد كلا من عمرو ورضا إلي الحارة، و عندما ترجلا وجد رضا زوجة خاله تقترب منه بلهفة تسأله:
– ها يا رضا، وصلتوا لحاجة؟
– لاء يا مرات خالي للأسف، كل ما نروح محل يقولنا لاء.
في تلك اللحظة وقف عمرو يبحث عن ريم، فقام بالاتصال بها حتي وجدها أمامه، فسألتها والدتها بغضب و لم تبال لوجود زوج ابنتها و ابن عمتها وشقيقه سيد الذي وصل للتو:
– و انتي يا هبابة كنتي اختفيتي فين؟، ألاقيها منك و لا من أخوكي.
رمقتها الأخرى بضيق وهي تشعر بالحرج الذي سببته لها والدتها، فاخبرتها بصوت مختنق وحزن زائف يزينه الكذب:
– كنت في الكوافير مع نور، و لو سمحت ما تكلمنيش كده تاني أنا مش عيلة.
واجهشت في البكاء، امسكها زوجها من يدها:
– اهدي يا حبيبتي خالتي اعصابها تعبانة، ما تقصدش.
– لاء، تقصد، طول عمري الحيطة المايلة.
فما كان منه سوى أن يضمها إلي صدره ليهدأها، دون أن ينتبه إلي نظرات سيد القاتلة، الذي ود أن يجذبها من شعرها ويبعدها عنه و ألا يراها بين ذراعيه هكذا.
رأت تلك النظرة فخشيت أن يفعل أمر أحمق، تظاهرت بالتعب:
– عمرو ممكن تطلعني فوق، أنا مش قادرة اقعد في الدوشة و الزحمة دي.
– فرح أخوكي يا حبيبتي، مش هاينفع.
– بقولك تعبانة، خلاص خليك أنت، و أنا طالعة لوحدي.
و تركته وذهبت، بينما هو انتبه علي صوت رضا وينظر إلي هاتفه قائلًا:
– إيه ده موبايل مؤمن اتفتح.
فقالت له زوجة خاله بلهفة:
– اتصل بسرعة بيه يا بني.
– من غير ما تقولي يا مرات خالي، بتصل بيه.
❈-❈-❈
لدى نور، تقف أمام صالون التجميل في الحارة المزدحمة بزغاريد الفرح، حيث امتزجت الأصوات بالأنوار، وارتفعت الضحكات في الهواء، كانت الأضواء الملونة تتلألأ حولها، فتغمر المكان ببهجةٍ صاخبةٍ لا تهدأ.
غير أن قلبها لم يكن يشارك هذا الضجيج المبهج؛ فقد كان مثقلًا بقلق خفي لا تعرف سبب له.
وقفت بثوبها الأبيض الذي التف حول جسدها كغيمة من نور، ترتجف يدها وهي تمسك بحاشية فستانها في توتر ظاهر، بينما عيناها تتجهان بين الحين والآخر إلى مدخل الحارة، كأنهما تنتظران حدث هام بعينه يظهر في أي لحظة.
حيث تنتظر مؤمن، وإلى جوارها وقفت صديقتها نجلاء، تتابع اضطرابها بعين حانية، ثم مالت نحوها وهمست بلهفة محاولة أن تطمئنها:
– ما تقلقيش يا نور… أكيد في حاجة عطلته في الطريق.
هزت الأخرى رأسها قليلًا، لكنها لم تجب، كان في صدرها شيء يشبه الغصة، إحساس مبهم لا اسم له، كأن قلبها يستشعر ما لا تراه العيون.
وفجأة، شق الزحام شاب غريب يتقدم نحوهما بخطوات متعجلة، وفي يده ظرف صغير، اقترب حتى وقف أمامهما، فرفعت عينيها إليه في حيرة واضحة.
سألها بنبرة رسمية:
– حضرتك الأستاذة نور عيسى المنياوي؟
رمقته بدهشة، ثم هزت رأسها مثبتة هويتها:
– أيوه… أنا.
مد يده بالظرف إليها دون أن يضيف كلمة أخرى، وما إن استقر الظرف بين أصابعها المرتجفة حتى استدار الشاب مسرعًا، وأطلق ساقيه للريح، كأنما كان يؤدي مهمة يريد أن يفرغ منها في أسرع وقت.
ظلت في مكانها للحظة تحدق في الظرف الصغير، وقد بدأ القلق يتسلل إلى قلبها أكثر.
قامت بفتحه ببطء شديد، وكأنها تخشى أن يخرج منه خبر يقلب الدنيا فوق رأسها رأساً علي عقب!
انفرج الورقة بين يديها المرتجفتين…
وفي اللحظة التالية، اتسعت عيناها في ذهول، فالتي بين يديها و أمام عينيها ما سوى إلا وثيقة رسمية، وثيقة طلاق!
الكلمات السوداء الممهورة بختم رسمي بدت لها كأنها سهام مسمومة انغرست في صدرها دفعة واحدة.
وقبل أن تتمالك أعصابها أو تستوعب الصدمة التي هبطت عليها كالصاعقة، رن هاتفها فجأة، التقطته نجلاء بسرعة وقد لاحظت اسمه على الشاشة، وقالت بلهفة يسبقها الأمل:
– ألحقي يا نور… شكله مؤمن فتح موبايله وبعتلك رسالة، مش قولتلك يمكن فيه سبب لتأخيره.
ناولتها الهاتف بسرعة، وكأنها تقدم لها خيط النجاة الأخير، أمسكت الأخرى الهاتف بيدٍ باردة وترتجف، أخذت تقرأ الرسالة بعينيها
«سامحيني يا نور… أنتي طالق»
في تلك اللحظة... توقف الزمن، خمدت الأصوات حولها فجأة في أذنيها، تلاشت الزغاريد، وخفتت الموسيقي و الأغاني، و انطفأت الأنوار في عينيها.
لم تعد ترى شيئًا، ترنح جسدها قليلًا، وغابت ملامح الوعي عن وجهها الأبيض الشاحب، ثم انهارت فجأة، سقطت على الأرض.
❈-❈-❈
عندما فتحت عينيها ببطء، شعرت كأن جفنيها يحملان ثقل العالم فوقهما.
تسربت إلى وعيها رائحة الدواء، وهدوء ثقيل يخيم على المكان، لا يشبه صخب الحارة الذي كانت فيه منذ قليل.
أدارت بصرها في المكان بحذر شديد، كأنها تخشى أن تصطدم عيناها بحقيقة لا تطيقها.
وجدت نفسها ممددة على الفراش في منزل عائلتها، داخل غرفتها، يدها موصولة بأنبوب رفيع يمر عبره محلول مغذي يتقطر ببطء في جسدها الواهن.
تحركت عيناها في الغرفة، فرأت الوجوه الواقفة أمامها، والدها عند طرف الفراش، متيبس الملامح، وعلى جانبيه شقيقيها.
لم يكن في وجوههم أثر للشفقة أو القلق، بل كانت ملامحهم مشحونة بالغضب والاستنكار، كأنها المتهمة في محكمة لا مجال فيها للدفاع.
لم يمهلها والدها فرصة لتستجمع أنفاسها أو تستعيد وعيها الكامل؛ فقد صدح صوته فجأة قاسيًا كحد السكين، غير عابئ بحالتها الصحية ولا بانكسار روحها:
– نفسي أعرف… ليه ابن خالك يطلقك ويسيبك ليلة الفرح؟
ارتجف قلبها داخل صدرها، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى شفتيها، تدخل شقيقها الأكبر، وقد اشتعلت عيناه بغيظ حاد، وقال بلهجة لاذعة:
– يا با، دي محتاجة تفكير؟!، دول كان مكتوب كتابهم من سبع سنين… هتلاقي الصايعة سلمتله نفسها من ورانا، وعاشوا الدنيا زبادي خلاط، عشان كده طلقها وخلع.
وقبل أن يكتمل وقع كلماته الجارحة عليها، صاح شقيقه الآخر بصوت غاضب:
– حرام عليك يا رضا، ابن خالك محترم وطيب وغلبان، وما بتطلعش منه العيبة، بس المصيبة الأكبر إن كل المعازيم تقريبًا عرفوا إن ابن خالك هرب وطلّق أختك.
ساد الصمت لحظة قصيرة، ثم ردد والدهم بمرارة تنضح بالغضب، وكأن الكلمات خرجت من صدر امتلأ غيظ:
– يا دي المصيبة!، إحنا اللي عمرنا ما حد سمعلنا حس في الحارة… نيجي على آخر الزمن ونتفضح من تحت راسك يا بنت الكلب.
ارتجف جسدها فوق الفراش، ولم تستطع حتى البكاء، كان الألم في صدرها أكبر من أن يخرج دموعًا.
اقترب رضا منها ببطء، وعيناه تقدحان شررًا، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تنضح بالشر والازدراء، قال موجهًا كلامه إلى أبيه:
– عنك أنت يا با… سيبهالي.
ثم دنا منها أكثر، حتى صار ظله يخيم فوقها، وقال بصوت خفيض مشحون بالتهديد:
– ما تنطقي يا بت… وقولي مؤمن سابك وخلع ليه؟ … وإلا…
رفع يده فجأة، وكاد يهوي بها على وجهها،
لكن قبل أن تهبط يده علي خدها، شعر بقوة فولاذية تقبض على رسغه في اللحظة الأخيرة.
تجمد في مكانه، رفعت نور رأسها بصعوبة، وقد اتسعت عيناها في دهشة تختلط بالذهول.
فرأت أمامها رجلًا يقف بثبات مهيب، كأن حضوره وحده يكفي ليملأ المكان هيبة.
طويل القامة، صلب الملامح، تشع من وجهه مسحة حزمٍ لا تخطئها العين، عيناه ثاقبتان كالسهمين، تنفذان إلى الداخل بنظرة حادة لا تعرف التردد.
سأله سيد بدهشة ظاهرة، وقد عقد حاجبيه متعجبًا:
– أنت مين حضرتك؟ وإيه اللي دخلك بيتنا؟
لم يجب الأخر علي الفور، بل أدار بصره نحو والد نور، وثبت عليه عينين نافذتين، فشعر رضا على الرغم من قسوته بأن هذا الوجه ليس غريبًا عليه، وكأنه رآه من قبل في مكان ما.
كاد يفتح فمه ليسأل، لكن الرجل سبقه،
ألقى بذراعه بعيدًا عنه في الهواء، حدقه بتحذير صارم، واخبرهم بثقة لا تقبل الجدل:
– أنا النائب البرلماني… صفوان الشاذلي.
ساد الصمت في الغرفة، كأن الكلمات وقعت عليهم كوقع الصاعقة، ثم التفت إلى والد نور، وثبت نظره عليه بثبات كامل، نبرة صوته حين تحدث تحمل جدية وهيبة، جعلت المكان كله يصمت احترامًا لها:
– سبب وجودي هنا، إني جاي أطلب منك إيد الآنسة نور بنت حضرتك على سنة الله ورسوله