
فى ثريا أبو بكر…
كريمان كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، حاطة رجل على رجل، وبتقلب فى ملف قديم بعناية، ملامحها هادية بشكل يخلّى أى حد يشك فيها أكتر.
باب المكتب اتفتح فجأة…
محمد أبو بكر دخل بخطوات تقيلة، والتعب باين فى وشه بشكل واضح.
كريمان رفعت عينيها من الملف، وبصتله باستغراب: "مالك يا محمد؟ وشك مقلوب كده ليه؟"
محمد أبو بكر اتنهد بعمق، وقعد قدامها وهو بيمسح وشه بإيده: "يعنى اللى ابنى فيه ده مش صعبان عليكى؟ فكرة حبسه نفسها بتوجعنى… كنا نشوف خطة تانية."
كريمان قفلت الملف بهدوء شديد، وحطته جنبها، وبعدها بصتله بنظرة ثابتة: "وده الحل الأمثل دلوقتى."
محمد أبو بكر هز راسه بضيق: "أسعد بيتكسر هناك."
كريمان ردت ببرود: "لازم يتكسر علشان يرجعلنا زى الأول."
محمد بص لها بعدم استيعاب: "إنتى بتقولى إيه؟"
كريمان قربت منه شوية، وصوتها بقى أوطى وأخطر: "أسعد طول عمره خارج عن سيطرتنا… أول ما حب منيرة بقى شايف إن عنده حياة لوحده، وده كان لازم ينتهى."
محمد أبو بكر عقد حواجبه: "بس اللى بيحصل كفاية."
كريمان ابتسمت ابتسامة خفيفة مرعبة: "لسه… إحنا لسه فى البداية."
محمد سكت لحظة، وكأنه بيحاول يهرب من الكلام، لكن القلق كان بياكله: "ومنيرة؟"
كريمان ردت بدون أى تردد: "لازم نتأكد إنها مالهاش رجعة."
الكلمة خبطت محمد أبو بكر من جواه.
بصلها بعدم راحة: "إنتى دماغك دى فيها إيه بالظبط؟"
كريمان سندت ضهرها وقالت بثقة: "بفكر فى مصلحة العيلة."
محمد قام وقف بعصبية، ولف ضهره ليها: "أنا كل اللى يهمنى دلوقتى ابنى."
كريمان قالت بهدوء: "وإحنا بنعمل كل ده علشانه."
محمد لف لها بسرعة: "حبسه؟ وخطف مراته وابنه؟ ده علشانه؟!"
ولأول مرة… ملامح كريمان اتشدت بعصبية حقيقية: "منيرة هى السبب فى كل حاجة!"
محمد أبو بكر سكت وهو بيبصلها بصدمة.
كريمان قامت وقربت منه، وعينيها مليانة كره قديم: "من يوم ما دخلت حياتنا وأسعد بقى شايفنا أعداء… نسينا إحنا مين؟ نسيت إحنا عملنا إيه علشانه طول عمره؟"
محمد قال بتعب: "بس دى مراته."
كريمان ضحكت بسخرية: "وكان لازم تختفى."
محمد أبو بكر حس بقشعريرة عدت فى جسمه، وبص لها للحظة طويلة وكأنه أول مرة يشوف حقيقتها.
وبعدين قال بضيق: "أنا طالع أشوف حفيدى."
كريمان ابتسمت بهدوء: "أكيد… أصل وجوده أهم جزء فى الخطة."
محمد وقف مكانه فجأة.
لف ببطء ناحية كريمان: "تقصدِى إيه؟"
لكن كريمان رجعت قعدت تانى، وفتحت الملف قدامها وكأن الكلام انتهى: "لما ييجى الوقت المناسب… هتفهم كل حاجة."
محمد فضل باصلها ثوانى، والشك بدأ يدخل قلبه لأول مرة ناحية أخته.
وبدون كلمة… خرج من المكتب بسرعة.
أما كريمان…
فكانت عينيها ثابتة على صورة قديمة جوه الملف.
صورة لأسعد وهو طفل صغير…
وجنبه طفل تانى ملامحه شبهه بشكل صادم.
كريمان مررت صوابعها على الصورة وهمست بصوت غامض:
"الحق بيرجع دايمًا… حتى لو بعد سنين."
وفى نفس اللحظة…
فى مكان مجهول…
منيرة بدأت تفتح عينيها ببطء شديد…
وراسها بيوجعها بعنف.
حاولت تتحرك، لكنها اكتشفت إنها مربوطة فى كرسى.
شهقت بخوف، وبدأت تبص حواليها بسرعة وسط الضلمة…
لكن أول ما سمعت صوت طفل صغير بيعيط قريب منها—
قلبها وقف.
لأن الصوت كان صوت خالد.......
منيرة كانت بتحاول تفك الحبال من حوالين إيديها بعنف، وأنفاسها بقت سريعة بشكل مرعب.
وفجأة…
صوت خالد اتسمع فى المكان.
"مامااا… ماما…"
الصوت كان جاى من ريكوردر قديم فوق الترابيزة.
منيرة اتجمدت لحظة، وبعدها صرخت بانهيار: "خالد! ابنى! عايزة أشوف ابنى!"
فضلت تتحرك بعنف وهى بتحاول تقوم من على الكرسى: "حرام عليكوا… ابنى عملكوا إيه؟!"
وفى اللحظة دى…
الباب اتفتح بهدوء.
وست دخلت لأول مرة منيرة تشوفها.
كانت فى أواخر الأربعينات، لابسة أسود بالكامل، وملامحها جامدة بشكل يخوف.
منيرة بصتلها بلهفة ورعب: "فكونى… إنتوا مين؟ وعايزين إيه مننا؟!"
الست قربت بهدوء، وقعدت قدامها، وبعدها حطت الريكوردر على الترابيزة وقالت ببرود: "هتعملى اللى إحنا عايزينه… وهتاخدى ابنك."
منيرة دموعها نزلت فورًا: "أعمل إيه؟! قولى… عايزين منى إيه؟"
الست المجهولة بصتلها بثبات: "ولا حاجة كبيرة."
وسكتت لحظة قبل ما تكمل: "هتروحى ترفعى قضية خلع من أسعد."
منيرة شهقت وكأن حد ضربها: "إيه؟!"
هزت راسها بعنف وهى بتقول بصدمة: "خلع؟! ليه؟! حرام عليكوا… أنا بحب جوزى!"
الست قامت وقفت ببرود: "ده اللى عندى."
منيرة بدأت تعيط بانهيار: "أسعد مالوش ذنب… إنتوا ليه بتعملوا كده؟!"
الست قربت منها، وعينيها بقت حادة: "عايزة ابنك؟"
منيرة سكتت، وشفايفها بترتعش.
الست كملت بصوت جامد: "بكرة الصبح هنكون قدام المحكمة… وهترفعى القضية بنفسك."
منيرة هزت راسها برفض فورى: "لا… مستحيل."
وفى ثانية…
الست مسكت الريموروت، وشغلت التسجيل تانى.
صوت خالد وهو بيعيط ملأ المكان: "ماما… خدى خالد…"
منيرة انهارت تمامًا: "خلاص! خلاص اقفليه!"
الست طفت التسجيل بهدوء: "يبقى تنفذى المطلوب."
منيرة كانت بتنهج بعنف، وعينيها مليانة دموع وعجز.
وبصوت مكسور خرج منها السؤال: "لو عملت اللى إنتوا عايزينه… هرجع أشوف ابنى؟"
الست المجهولة ابتسمت ابتسامة غامضة: "يمكن."
وبعدين خرجت من الأوضة، وقفلت الباب وراها بالمفتاح.
أما منيرة…
ففضلت قاعدة مربوطة فى الكرسى، ودموعها بتنزل بصمت.
لكن جواها…
كان فى إحساس مرعب بيكبر.
إحساس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلع…
وإن أسعد نفسه ممكن يكون الضحية الحقيقية فى اللعبة دى.......بقلم ميادةيوسف الذغندى
منيرة.......
كانت قاعدة فى الضلمة، ضامة نفسها، ودموعها بتنزل فى صمت موجوع.
عينيها كانت تايهة، وعقلها بيلف فى ألف سؤال وسؤال.
وفجأة همست لنفسها بصوت متقطع: "أنا عارفة… كنت متأكدة إنهم مش هيسيبونا فى حالنا."
غمضت عينيها بألم، وصورة أسعد وهو بيضحكلها عدّت قدامها.
شهقة طلعت منها بالعافية: "إذا كنت أنا السبب فى تعاسته… يبقى أبعد عنه."
الكلمة جرحتها قبل ما تخرج منها.
لكن أول ما افتكرت خالد وهو بيعيط… حضنت نفسها أكتر، وكأنها بتحاول تمنع قلبها من الانهيار.
وفى نفس الوقت…
عند أسعد…
كان قاعد فى الحجز، ضهره مسنود على الحيطة الباردة، وعينيه ثابتة فى الفراغ.
بقى شبه شخص تانى تمامًا.
دقنه كبرت، جسمه خِس، ونظرة عينيه بقت مليانة وجع وانكسار.
كل يوم كان بيصحى على نفس السؤال:
مين؟
مين ممكن يعمل فيه كده؟
مين يلبسه قضية بالشكل ده؟ ومين يخطف مراته وابنه؟
حاول يفكر فى أعدائه… لكن مفيش حد يخطر على باله يعمل كل ده.
وفى كل ليلة… كان صوت منيرة فى آخر مكالمة يرن فى ودنه:
"طمنى عليك بالله عليك…"
كان يغمض عينيه بقهر، ويحط إيده على وشه وهو حاسس إنه بيضيع منهم بالعجز.
لا قادر يحميهم… ولا حتى يعرف مكانهم.
وعدّى شهر كامل…
شهر وأسعد فى حبسه انتقل للسجن العام ، والقضية متقفلة إعلاميًا بشكل غريب.
وشهر ومنيرة مختفية كأن الأرض انشقت وبلعتها.
لحد ما جه يوم المحكمة…
العسكرى فتح باب الحجز بعنف: "يلا… جه وقت الجلسة."
أسعد قام ببطء.
قلبه كان بيدق بعنف، لكن مش خوف من القضية…
خوف من المفاجآت اللى بقت بتحاصره كل يوم.
اتحرك وسط الحراسة، وهو مكبل بالإيد الحديد.
وأول ما دخل المحكمة…
الهمسات علت فى المكان.
لأن شكل أسعد أبو بكر اتغير تمامًا.
لكن الصدمة الحقيقية…
كانت لما باب المحكمة اتفتح مرة تانية.
وظهرت منيرة.
أسعد اتجمد مكانه.
عينيه اتسعت بصدمة ولهفة موجوعة: "منيرة…"
كانت واقفة بعيد، لابسة أسود، ووشها شاحب بشكل يخض.
لكن اللى كسر قلبه بجد…
إنها كانت بتتجنب تبصله.
أسعد حاول يقرب خطوة، لكن العسكرى شده: "خليك مكانك."
أسعد صوته خرج مبحوح: "منيرة! إنتى كويسة؟! خالد فين؟!"
منيرة اترعش جسمها أول ما سمعت صوته…
ودموعها لمعت فى عينيها، لكنها نزلت راسها بسرعة.
وفى اللحظة دى…
المحامى وقف وقال بصوت واضح:
"منيرة مين يااسعد باشا اتفضل واطمن
الصمت ضرب المحكمة كلها.
أما أسعد…
فكأن الدنيا كلها وقفت حواليه هو أنا كان بيتهألى ......
المحكمة كانت هادية بشكل مرعب…
وأسعد واقف وسط الحراسة، عينيه متعلقة بالقاضى بعدم استيعاب.
القاضى نطق الحكم بصوت رسمى ثابت:
"حكمت المحكمة حضورياً على المتهم أسعد أبو بكر بالسجن المشدد عشر سنوات."
الكلمات نزلت على أسعد كأنها صوت بعيد مش حقيقى.
اتجمد مكانه.
عينيه اتحركت بسرعة بين القاضى والمحامى وكأنه مستنى حد يقول إن ده غلط.
همس بصدمة: "إزاى…؟"
كان متأكد إن الجلسة دى مجرد مرافعة وهتتأجل.
أكيد فيه حاجة غلط.
أكيد.
العسكرى شد إيده علشان يتحرك، لكن أسعد نادى بسرعة: "أستاذ! أستاذ!"
المحامى قرب منه بسرعة، وأسعد قال بعصبية وذهول: "إزاى الحكم يطلع النهارده؟! المفروض لسه فيه جلسات!"
المحامى بص حواليه بتوتر، وبعدها قال بصوت واطى: "أهدى يا أسعد باشا… إحنا هنستأنف."
أسعد كان نفسه يصرخ.
حاسس إن كل حاجة بتحصل أسرع من المنطق.
وكأن حد بيرتب كل خطوة علشان يدفنه بالحياة.
العسكرى أخده تانى…
ورجع الحجز.
والأيام عدّت ببطء قاتل.
أسعد بقى شبه شبح.
لا بيتكلم مع حد، ولا حتى بيسأل عن نفسه.
كل تفكيره كان فى سؤال واحد:
منيرة عملت إيه؟ وهل خالد لسه معاها؟
وعدّى كمان شهر…
لحد ما باب الحجز اتفتح فجأة.
العسكرى بصوت عالى: "أسعد أبو بكر! تعالى… المحامى عايزك."
أسعد قام بسرعة، وقلبه دق بعنف.
مشى معاه بخطوات سريعة، وأول ما دخل أوضة الزيارة قال بلهفة: "إيه يا أستاذ؟ طمنى… أنا بموت هنا."
المحامى حاول يبتسم: "اطمن… الاستئناف اتقبل."
أسعد لأول مرة من شهور خد نفس كامل.
لكن المحامى كمل بتردد: "بس… فيه خبر تانى."
أسعد حس قلبه انقبض فورًا: "خير؟ منيرة؟ لقيتوها؟!"
المحامى هز راسه: "أيوه… لقينا منيرة هانم."
أسعد قرب منه بسرعة ولهفة موجوعة: "هى كويسة؟! وخالد؟!"
المحامى سكت ثوانى قبل ما يقول: "اتفاجئنا إنها رفعت قضية خلع… وللأسف تم قبول الدعوى، ولازم حضرتك تحضر الجلسة النهائية."
أسعد فضل باصصله كأنه ما فهمش الكلام.
وببطء شديد…
رجليه خانته.
وقعد على الكرسى وراه بصدمة كاملة.
شفايفه اتحركت بالعافية: "منيرة…؟"
عينيه اتمَلّت وجع وعدم تصديق: "خلع؟"
هز راسه بعنف وكأنه بيرفض يسمع: "لا… لا… منيرة مستحيل تعمل كده."
المحامى حاول يتكلم: "يمكن كانت تحت ضغط أو—"
لكن أسعد قاطعه بصوت مكسور: "منيرة كانت بتموت لو زعلتنى… تقوم تسيبنى وأنا فى السجن؟!"
وسكت لحظة…
قبل ما يرفع عينيه ببطء، والشك لأول مرة يدخل قلبه بوضوح مرعب.
همس لنفسه: "يبقى هما وصلولها…"
وفى نفس اللحظة…