رواية الاعصار الفصل الخامس عشر 15 بقلم محمد منصور
"هتفضل باصص لي وساكت؟!"
دي كانت أول جملة خرجت من يسري، مفتش المباحث، وهو واقف قصاد مالك بعينين مليانين شك وترقّب.
مالك رفع عينه له ببطء، واتنهد بحرقة وقال:
"حط نفسك مكاني يا باشا... واحد ييجي يقولك فجأة إن أبوك مش أبوك!
عايزني أرد بإيه بعد الصدمة دي؟!"
يسري ضيّق عينه وهو بيقرب منه خطوة وقال بنبرة حادة
"ترد بالحقيقة... وتقولي إيه اللي ودّى داليا وخيري لبيت الوكالة؟"
مالك ابتسم بسخرية مريرة، وبص بعيد شوية قبل ما يقول
"خيري لسه عايش... وتقدر تسأله بنفسك. إنما أنا؟ ما عنديش كلام تاني أقوله.
وبدل ما تسيب الجاني وتمسك في المجني عليه... اعمل الصح يا باشا، وهات حقي. دة أنا كنت هموت!"
ساد الصمت للحظات...
ويسري فضل ثابت مكانه، مركز في ملامح مالك كأنه بيحاول يقرأ اللي مستخبي جواه. وفجأة... ابتسم ابتسامة خفيفة، غامضة، وقال
"هعمل الصح... وهجيب حقك."
ولف عشان يمشي، وخد خطوتين ناحية الباب... لكنه وقف فجأة. ومن غير ما يبص وراه قال بصوت بارد هزّ قلب مالك
"ده... لو كنت فعلًا صاحب حق."
وخرج يسري من الأوضة، وساب الباب يتقفل ببطء...
بينما مالك فضل مكانه، عينه ثابتة في الفراغ، ودماغه بتلف فيها أكتر من مية سؤال...
أسئلة مرعبة، وإجاباتها ممكن تقلب كل حاجة رأسًا على عقب.
الإعصار
من تأليفي
محمد منصور
منص
وقبل ما نبدأ… نوحد الله، ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تُحلّ بها العقد، وتُفكّ بها الكُرب، وتُقضى بها الحوائج.
ويتغير المشهد...
ونشوف فاروق قاعد جوه مكتبه الفخم اللي في الفيلا، الإضاءة خافتة، والدخان مالي المكان، وماسك الموبايل على ودنه وملامحه متوترة رغم محاولته يبان هادي.وقال بصوت واطي لكنه حاسم:
"كل ده كذب يا مالك...
ومفتش المباحث قال الكلام ده علشان يوقعك، فإياك تكون صدّقته أو وقعت في الكلام انت ابن عبود زي ما امير ابنه، ،
على الطرف التاني، مالك كان ساكت ثواني، وبعدها قال بثقة ممزوجة بالخوف
"ما وقعتش... أنا للحظة شكّيت إن كلامه كله لعبة، وعشان كده ما ادّيتوش فرصة يطلع مني بأي كلمة تقلب القضية ضدي."
فاروق ابتسم ابتسامة رضا، وهو بيعدل جلسته وقال
"برافو عليك.. وانا هعمل اللي يخلي يسري يصدق إن خيري كان معاه نسخة من مفتاح شقة الوكالة."
مالك اتفاجئ، وقرب الموبايل منه أكتر وقال بعدم تصديق
"هتقدر تعملها؟!"
فاروق ضحك ضحكة قصيرة كلها غرور، وقال
"بالفلوس أقدر أعمل أي حاجة يا مالك...الفلوس يا مالك بتشتري ضماير... وبتدفن حقايق."
وسكت لحظة، قبل ما يكمل بنبرة باردة تخوف
"ويلا دلوقتي سلام... علشان أنا لسه بحضّر لجنازة أمير."،،،،،
وتمت جنازة أمير وسط دموع الكل... لكن الغريب إن فاروق كان واقف طول الوقت بملامح جامدة،
لا حزن حقيقي ولا انكسار، وكأنه بيمثل دور الأب المكلوم قدام الناس وبس.
وبعد انتهاء الجنازة، رجع الفيلا بسرعة وهو واضح عليه التوتر. طلع الأوضة اللي فيها امير وفتح الباب بهدوء... وهنا ظهرت الصدمة.
أمير... كان لسه نايم على السرير، غارق في غيبوبة عميقة! فاروق قرب منه بسرعة، وعينه مليانة قلق، وبعدها بص في ساعته بتوتر شديد وقال لنفسه بصوت مهزوز
"المفروض أمير يفوق من ساعة ... إيه اللي مأخره كده؟!"
قرب أكتر من السرير، ومد إيده المرتعشة ناحية رقبة أمير علشان يحس النبض.
ثواني مرعبة عدّت...
وفجأة حس بالنبض.
ضعيف... بطيء... لكنه موجود. فاروق أخد نفس طويل كأنه رجع للحياة، واطمن إن أمير لسه عايش، لكن القلق ما اختفاش... بالعكس، زاد أكتر.
لأن أمير لحد دلوقتي... ما فاقش. بلع ريقه بتوتر، وطلع موبايله بسرعة، وبدأ يدور على رقم معين. واتصل
أول ما الطرف التاني رد، قال فاروق بصوت حاد مليان خوف
" دكتور سمير... تعالى الفيلا حالًا!"
وسكت لحظة، قبل ما يكمل بنبرة أخطر
"الوضع خرج عن السيطرة..."
وبعدها بكام دقيقة...
كان الدكتور سمير واقف جنب سرير أمير، بيكشف عليه بدقة، وملامحه بتتغير لحظة بعد لحظة وكأن اللي شايفه قدامه مش طبيعي.
أما فاروق، فكان واقف بعيد شوية، بيتابع كل حركة بقلق قاتل، وإيده بتترعش من التوتر. ولما سمير خلص الكشف، شال السماعة من على ودنه وبص لفاروق بجدية وقال
"لازم يتنقل المستشفى حالًا...
لازم أعمل له أشعة على المخ قبل فوات الأوان."
فاروق اتصدم، وقرب منه بسرعة وقال بصوت واطي لكنه حاد
"ما ينفعش! أنت ناسي إن أمير المفروض ميت؟!"
سمير بص حواليه بخوف قبل ما يرد
"هودي المستشفى الخاصة بتاعتي... ومحدش هيعرف إنه أمير، اطمن."
مرت لحظات ثقيلة...
قبل ما صوت سيارة الإسعاف يقطع الصمت المرعب اللي مالي الفيلا.
وفي ثواني، الدنيا كلها اتقلبت. المسعفين دخلوا بسرعة، وأمير اتنقل على الترولي وسط توتر ورعب ظاهر على وشوش الكل...
أما فاروق، فكان واقف يتابع المشهد وعينيه مليانة خوف من سر لو انكشف... الكل هيضيع وتم نقل أمير للمستشفى وسط إجراءات سرية مشددة... وبعدها بكام ساعة... ومع أول خيوط النهار، كان سمير قاعد في مكتبه بالمستشفى، وقدامه فاروق اللي ملامحه بقت شاحبة من القلق والسهر.
سمير أخد نفس طويل وقال بصوت تقيل
"للأسف... البرشامة اللي أمير خدها تفاعلت مع جسمه بشكل عكسي."
فاروق قطب جبينه وقال بقلق:
"يعني إيه؟!"
سمير سند ضهره على الكرسي وكمل
"الجسم حاول يقاوم المادة اللي فيها... لكن بسبب ضعف جسم امير اللي كان بياخد مؤهدات كتير بسبب العلاج النفسي ، المادة الكيميائية سيطرت على خلايا المخ، وده سبّب خلل خطير في وظائفه."
سكت لحظة، قبل ما يقول الجملة اللي وقعت على فاروق كالصاعقة
"والخلل ده هو اللي دخّله في الغيبوبة... ومحدش يقدر يعرف هيفوق منها إمتى."
فاروق حس إن الأرض بتميد بيه، وقال بصوت مهزوز:
يعني أمير راح فيها؟!"
سمير هز راسه بالنفي وقال:
"لا... أمير لسه عايش.
القلب شغال، والأعضاء شغالة... لكن المخ داخل في حالة ضمور خطيرة."
وبص لفاروق بنظرة كلها تحذير وهو يكمل
"وده مخلي جسمه عايش...
بس هو غايب عن الدنيا تمامًا."
فاروق بلع ريقه بصعوبة وقال:
"طيب... والعمل؟!"
سمير رد بنبرة حاول يخبي فيها خوفه:
"إحنا حطيناه على جهاز التنفس الصناعي، وبدأنا العلاج فعلًا...
والأمل في ربنا كبير إن المخ يستجيب بسرعة."
وسكت لحظة...
قبل ما يقول الجملة الأصعب
"أو... يفضل أمير في الغيبوبة دي... لسنين."،،،،،،،
خرج مالك من المستشفى بعد ما حالته اتحسّنت شوية، لكن التحريات لسه شغالة، والشرطة ما وقفتش تدوير وراه.
ورغم كل اللي كان بيحصل حواليه... ما كانش فارق معاه أي حاجة.
كل اللي كان شاغل باله... أمير.
راح للمستشفى اللي أمير محجوز فيها، ووقف من ورا الإزاز يبص له.
أمير كان نايم على السرير، متوصل بأجهزة كتير، وصوت الأجهزة المالية الأوضة كان كفيل يكسر قلب أي حد يشوفه.
مالك فضل باصص لأخوه، وعينه مليانة وجع وندم...
ولأول مرة، دموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها.
وفجأة...
حس بإيد اتحطت على دراعه.
لف بسرعة، لقى فاروق واقف جنبه، وبص له بهدوء وقال
"هون على نفسك."
مالك هز راسه بأسى، وقال بصوت مخنوق:
"أنا السبب...
أنا اللي عملت فيه كده.
خلّيته عايش ميت."
فاروق أخد نفس طويل، وقال وهو بيحاول يحتوي الموقف:
"ما حدش فينا كان يعرف إن الموضوع هيوصل لكده.
إحنا كنا عايزينه يخرج من السجن وبس."
وسكت لحظة، قبل ما تتغير ملامحه فجأة للجدية والخطر:
"ودلوقتي... ما عندناش وقت للبكا."
مالك بص له باستغراب، فكمّل فاروق كلامه بسرعة:
"المهندس الأمريكي جاي مصر بكرة...
وطيرانته هتوصل الساعة 12 الظهر."
مالك مسح دموعه وقال بعدم فهم:
"وإيه المطلوب مني؟"
فاروق قرب منه أكتر، وخفض صوته كأنه خايف حد يسمعه:
"تقابله... على إنك خيري الطباخ."
مالك اتصدم، وبص له وكأنه مش مستوعب اللي سمعه:
"إيه؟!"
لكن فاروق رد بثبات مخيف:
"لازم تبقى خيري الطباخ...
علشان المهندس يشغّل الإعصار قدامك."
الكلمة وقعت على مالك زي الرصاصة.
"الإعصار؟!"
فضل باصص لفاروق، وعقله بيلف في دوامة مرعبة...
ومبقاش عارف يرد يقول إيه، خصوصًا لما شاف نظرة فاروق...
النظرة اللي كانت بتأكد إن اللي جاي أخطر بكتير من كل اللي فات.،،،،
