رواية قلب السلطة الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم مروة البطراوي

         

رواية قلب السلطة الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم مروة البطراوي


رائد يدخل الصالون بخطوات واثقة، يستعيد قناعه البارد بعد مغادرته غرفه  ليلى. يرى نيرفانا جالسة بعيداً على أريكة، صامتة، تنظر إلى الفراغ.

رائد

(بصوت يجمع بين الحنان المصطنع والتحذير) إيه يا حبيبتي، قاعدة لوحدك ليه؟


نيرفانا ترفع نظرها إليه. لا تجيب. عيناها تعكسان معرفتها بـ "حازم" و"الملف البني".

نيرفانا

(بهدوء بارد) كنت بفكر... في حازم.


رائد يقترب منها بسرعة، يجلس بجوارها، نبرته تتحول لـ همس حاد.

رائد

(بحدة) إياكِ تنطقي الاسم ده تاني! ده ملف لازم يتقفل! دلوقتي نيفين ام ليلي  فوق ، لازم ننزل ونمثل إن كل حاجة تمام. ما تجبيش أي سيرة للي حصل، أو اللي ممكن يحصل. مفهوم؟

نيرفانا

(نظرة تحدٍّ خافتة) مفهوم يا دادي. بس هو إيه اللي ممكن يحصل لو مهاب  نفذ تهديده؟ إيه اللي هتخسره أكتر من السلطة؟


رائد يضغط على ذراعها بغضب مكتوم، ثم يهمس بوعيد، وكأنه يكشف عن جزء من الحقيقة المظلمة.

رائد

أخسر حياتي! وإنتِ، هتعيشي بعار مش هتقدري تستحمليه! السلطة مش فلوس وبس، السلطة هي اللي بتدفن المصايب تحتها.


في تلك اللحظة، رن جرس الباب.

نيرفانا

(تتراجع، بتوتر) ده أكيد  أونكل شامل.

رائد يبتسم ابتسامة سريعة كاذبة، ينهض ويشد ملابسه.

رائد


(بصوت عالٍ ومرح مصطنع) تمام! يلا بينا. ابتسمي يا نيرفانا. ، ووداعاً لمشاكلك.

يقترب لطفي (الخادم) من الباب.

لطفي

(يفتح الباب، بصوت معتاد) أهلاً يا أستاذ شامل.

يدخل شامل. يبدو مرهقاً وشاحباً بعض الشيء، رغم محاولته ارتداء ملابسه بأناقة. عيناه واسعتان، لا تزال تحملان بقايا كابوسه

يلتقي نظر شامل بـ نيرفانا. التوتر بينهما هائل، لكنه توتر مختلف؛ نيرفانا تحمل سر كذبة الخطف، وشامل يحمل سر كابوسه الغامض.

شامل

(يسير بسرعة نحو نيرفانا، يتجاهل رائد مؤقتاً) نيرفانا! إيه اللي حصل ده؟ أنا... (يتوقف، يلاحظ برودها).

نيرفانا تبتسم ابتسامة خافتة، تقترب لتبادل الترحيب المصطنع، بينما يحاصرها رائد بنظراته التي تطالبها بالتمثيل بإتقان.

نيرفانا

(تحتضنه باصطناع، بصوت هادئ ومتحكم)  اونكل شامل... أنا كويسة دلوقتي. شكراً إنك جيت.

في هذه الأثناء، يظهر صوت يقين من الدرج، وهي تنادي على رائد، مشيرة إليه بعينيها أن نيفين تنتظر في غرفة أخرى.

يقين

رائد، طنط نيفين بتستناك.

------+

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜


رائد يهز رأسه، يبتعد عن شامل ونيرفانا ببطء، لكنه يمرر نظرة أخيرة لـ نيرفانا تحمل معنى "إياكِ أن تخطئي".


رائد (بصوت رسمي) أهلاً بك يا شامل. نيرفانا بخير دلوقت . هروح اشوف نيفين هانم أولاً. خذ راحتك.


يغادر رائد نحو الغرفة الأخرى. يتبعه لطفي.


نيرفانا وشامل يقفان الآن وحدهما في الصالون المترامي الأطراف. الصمت يخيّم، مملوء بما لم يُقل.


شامل (بنبرة منخفضة ومفعمة بالقلق الحقيقي) كويسة؟ إنتِ مش كويسة يا نيرفانا. إيه اللي حصل معاكي بالضبط؟ وليه حسيت إنك عايزة تتكلمي معايا في التليفون؟


نيرفانا تتذكر كذبها الأخير علي والدها ، ثم تتذكر الملف البني الذي كشف أسرار أبيها. تشعر بأنها عالقة بين كذبتها وحقيقة رائد.


نيرفانا (تتنهد، وتنظر إليه بعمق) عايزة أتكلم معاك في كل حاجة يا أونكل شامل... بس مش هنا. 

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

كانت الحديقة ملاذاً من ضوضاء الصالون الباردة، لكنها لم تكن ملاذاً من التوتر. سارت نيرفانا وشامل في الممشى المظلل بأشجار الصنوبر، حيث كان الضوء خافتاً والأصوات تأتي مكتومة من الداخل.


شامل لم ينتظر طويلاً.


شامل (يتوقف فجأة، يلتفت إليها بملامح مرهقة)   إيه اللي حصل معاكِ يا نيرفانا؟ أنا شايفك... كأنك بتغوصي. إنتي مش الطفلة اللي أنا اعرفها اللي بتعرف تخبي حتى كذبها.


نيرفانا (ترفع عينيها، تحمل نظرتها الآن تحدياً خافتاً وقراراً كامناً) متأكد إنك عايز تعرف؟ الحقيقة... الحقيقة مش هتريحك يا أونكل شامل. بالعكس، ممكن تخليك تنهار خالص.


شامل (يتراجع خطوة، كأن كلماتها صفعته) إيه الكلام ده؟ إنهيار؟ أنا... أنا شفت الكوابيس تاني يا نيرفانا. الكابوس اللي بيطاردني من سنين. المرة دي كان أقوى وأوضح. فيه صوت... صوت حد بيصرخ.


نيرفانا (تتمتم، وهي تقاوم رغبتها في البكاء) إحنا مش ممكن نتكلم في الكوابيس دلوقتي. احنا لازم نتكلم في... حازم.


شامل (صوته يرتجف، واللون يختفي من وجهه) إنتي... إنتي جبتي الاسم ده منين؟ إنتي تعرفي حازم؟


نيرفانا (تتقدم خطوة، عازمة على عدم التراجع) أنا عرفت  كل حاجة يا أونكل شامل. عرفت  ليه بابا  خايف من مهاب. عرفت  ليه السلطة هي اللي بتدفن المصايب تحتها. وعارفة إيه هو الملف البني.


أغلقت نيرفانا المسافة بينهما. أصبحت قريبة جداً، وهمست بكلمات تحطم شامل ببطء، وكأنها تنتقم لحازم ولنفسها:


نيرفانا رائد... أبويا... هو اللي هيقتل حازم. وهو اللي هيخلى الكابوس يطاردنا .


-------

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜  

في نفس اللحظة، كان رائد يجلس مقابل نيفين (والدة ليلى). كان يقدم لها وجهه الودود، الزوج  القلق، بينما كانت نيفين تحاول عبثاً إخفاء قلقها الذي لم يُسكنه خبر الحمل.


نيفين (بصوت مهزوز، تنظر في عيني رائد مباشرة) يا رائد، أنا مش قلقانة من الحمل. يقين قالتلي ليلى بتتوحم، بس أنا شايفة بنتي. هي شاحبة، وخَسّت، ولما شفتها مكنتش قادرة تضحك بجد. هي بتخبي حاجة، وأنا قلبي مش مطمن.


رائد (يبتسم ابتسامة أبوية مصطنعة، يميل للأمام ليظهر اهتماماً زائداً) يا حبيبتي يا نيفين هانم . إنتي بس قلقانة عشان وحشاكِ، وكمان ليلى بتمر بأول تجربة حمل ليها، والقلق ده طبيعي. وبعدين، دي كانت فترة صعبة عليها شوية لما كانت نيرفانا مش موجودة  . توتر البيت بصفة عامة، وإنتي عارفة.


نيفين (تضغط على يدها، تتجاهل تبريره العام) التوتر مش بيعمل كدمات يا رائد. أنا شفت علامات غريبة على رجلها، ووشها مصفَّر. أنا محتاجة أعرف، إيه اللي حصل بالضبط وهي لوحدها؟


رائد يسحب يده ببطء. نظرة عابرة من البرود القاتل تظهر في عينيه، ثم يخفيها ببراعة خلف قناع الزوج  الحنون. هو يعلم أن نيفين قوية الملاحظة وقد رأت موضع الطلقة تحت الجبس .


رائد (بصوت هادئ وموثوق، يخفض نبرته ليصبح الأمر سرياً) مفيش حاجة يا نيفين هانم  تقلقك. دي بس كدمة بسيطة من وقوعها في المطبخ من كام يوم،  . أنا طلبت من يقين تخلي بالها منها. إنتي عارفة ليلى بتحاول تعمل كل حاجة لوحدها. مفيش أي سبب للخوف.


نيفين (ترفع حاجبيها بشك، تتفحص رائد وكأنها تقيس مدى صدقه) وقوع في المطبخ؟ ووصل لدرجة إنها مش قادرة تتحرك طبيعي؟ رائد... إنتَ بقيت بتخبي  عليا أكتر من اللازم!


رائد (ينهي الحوار بابتسامة حاسمة، ينهض) أنا بخاف على سلامتك وسلامة ليلى وبيتها، يا نيفين. هانم  وجودك دلوقتي جنبها هو أحسن علاج. أنا هشوف لو محتاجة حاجة، وبعدين هنزل تاني عشان شامل.


يخرج رائد، تاركاً نيفين جالسة في غرفة الاستقبال، وعيناها مليئة بالريبة. كانت تشعر بأنها قريبة جداً من لمس الحقيقة، لكن قلب السلطة كان يحجب عنها الرؤية بقوة.


-------

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

خرجت نيفين من غرفة الاستقبال وقلبها يغلي بالقلق، كلمات رائد الحنونة  الموثوقة لم تستطع أن تطفئ الشك الذي أضاءته عينا ابنتها الشاحبتان. اتجهت مباشرةً نحو الطابق العلوي.


في الغرفة، كانت ليلى ما تزال تتكئ إلى الحائط، بينما كانت يقين تقف بالقرب منها، تعدل الغطاء عليها بحذر.


نيفين (تدخل بهدوء، لكن ملامحها الجادة تخبر الجميع أن المناورة قد انتهت) 

كان دفء الصباح قد انسحب عن الأركان، تاركًا خلفه هدأة ساكنة تتسلّل بين ستائر الغرفة كنسيمٍ خجول، بينما جلست نيفين على حافة السرير. هي عادت إلى الغرفة ، تُحدّق في ابنتها بنظرةٍ مفعمة بالحنان، كأنها تُحصي وجعها وتقرأ بين ملامحها فصولًا من التعب والصمت المكابر.


مدّت يدها تتحسّس شعر ابنتها بأنامل مرتعشة، وقالت بصوتٍ اختلط فيه الفرح بالامتنان:


– أنا مهما أقول مش هقدر أوصفلك فرحتي   يا حبيبة قلب ماما!


كلماتها خرجت كما تُخرِج الروح زفيرًا عميقًا بعد غرقٍ طويل، أما ليلى، فكانت ابتسامتها أشبه بقناعٍ مشروخٍ... متكلفٌ، لا يصل عينيها، كأنها ترتّب ملامحها لتجامل الحياة، لا أكثر.


قالت بصوتٍ خفيض:


– ربنا يخليكي ليا يا ماما... ويفرح قلبك و بس .


ابتسمت نيفين بحنوٍّ رقيق، ثم استدركت بنبرة مفعمة بالأمومة التي لا يطفئها الزمن، وهي تذكر شكها السابق:


– آه بس أنا مش عايزاكي تسمعي كل كلام الدكاترة كده، إنتي تستريحي؟ آه، ماشي... إنما الدكتور اللي يقولك ما تتحركيش خالص؟ لأ! ماتسمعيش كلامه. دي الحركة بركة يا بنتي. 


– يا نيفين هانم!


قالتها يقين ثم أضافت بلطفٍ ممهورٍ بالحزم:


– ليلى في أول الشهور ومش حمل نزلة برد حتى! لازم نسمع كلام الدكتور حرفيًا... لحد ما تبقى في الأمان هي والبيبي.


تجمّدت  نيفين في مكانها، ثم نظرت إلى يقين نظرةً خفيفة  ، وقالت بنبرةٍ فيها شيء من استدعاء الماضي:


– أيوه يا يقين هانم... بس أنا لما كنت حامل فيها، ماكنتش بقعد خالص! كنت عاملة زي الموتور، ما بيقفش لحظة! فضلت على رجلي لحد يوم ولادتها، والله العظيم.


ضحكت يقين وهي تمازحها لتلطيف الأجواء، وتشتيت انتباه نيفين عن حدة تصرفها:


– إنتي هتقارني بنات اليومين دول بيكوا؟ إنتوا يا بتوع زمان العافية فيكوا كانت بالدلق... تيجي إيه ليلى جنبك؟! دي ما تستحملش تغيّر مفرش السرير من غير ما تشتكي.


ابتسمت  نيفين ، ثم أردفت بنبرةٍ حنونة لا تخلو من العتاب المغلّف بالدعابة:


– على رأيك والله! البنت دي طول عمرها مسمومة... تسيب أكلي وتروح تاكل برا، لحد ما بقت منفوخة من برّا، ومن جوا؟ ما تلاقيش فيها حتة سليمة!


لم تُجِب ليلى إلا بابتسامةٍ تهكّمية باردة، ثم قالت بنبرةٍ خافتة ممزوجة بالضيق:


– ماشي يا ماما... عايريني كمان قدّام الناس!


وهنا تداخل صوت يقين، التي ابتسمت بمكرٍ لطيف وقالت بنبرةٍ تنطوي على عتابٍ ساخر:


– هو أنا بردو ناس يا مرات أخويا؟!


رمقتها ليلى بصمتٍ مطوّل، نظرة هازئة لا تخلو من المرارة، قبل أن تُشيح بوجهها عنها في صمتٍ ثقيل، كأن الهواء قد تثاقل في صدرها فجأة.


أحسّت نيفين بالتوتر يسري في الهواء كخيطٍ خفيّ لا يُرى، لكن يُحسّ... رمقت ابنتها ثم يقين، تارةً وتارة، ، بينما بدا في عينيها سؤالٌ لم تنطق به.

يقين... حبيبتي، ممكن تسيبيني أنا وليلى لوحدنا شوية؟ عايزة أطمن عليها بنفسي.


يقين نظرت إلى ليلى نظرة سريعة، تفهمت منها ليلى الرسالة: حافظي على القناع.


يقين (بابتسامة مطمئنة) طبعاً يا طنط. أنا هنزل أشوف رائد  لو محتاج حاجة.


خرجت يقين وأغلقت الباب بهدوء، تاركةً الأم وابنتها في صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما.


نيفين اقتربت، جلست على حافة السرير، ولم تحتضن ليلى هذه المرة. بدلاً من ذلك، وضعت يدها على الجبس الذي يغطي ساق ليلى، تضغط عليه برفق.


نيفين (بصوت منخفض، حازم ومفعم بالعاطفة) رائد قال إنك وقعتي في المطبخ، والكدمة دي بسيطة. أنا أقسم بالله يا ليلى، لو ما قولتيلي الحقيقة، أنا اللي هعمل مصيبة دلوقتي.


ليلى (تهرب بعينيها، تحاول أن تبتسم بضعف) يا ماما... مفيش حاجة. إنتي مكبرة الموضوع. هو بس الحمل، وأنا كنت مش مركزة، و...


نيفين (تقطع كلامها بحدة غير معهودة) كفاية تمثيل! أنتِ مش بتمثلي عليا أنا، أنتِ بتمثلي عليكي أنتِ! أنتِ بتهربي من الألم! دي مش كدمة! لو كانت كدمة بسيطة، مكنتيش هتبقي بتتعاملي مع كل نفس كأنه سرقة! قوليلي يا حبيبة ماما... إيه اللي حصل؟


ليلى سحبت نفساً، لكن الشهقة التي كتمتها سابقاً انفجرت الآن كدموع ساخنة على خديها. لم تستطع المقاومة أمام نبرة والدتها القلقة. لكنها تذكرت مهاب، وتذكرت رائد، وتذكرت يقين. الحقيقة ثمنها حياتها، وحياة طفلها.


ليلى (تتمسك بالخيط الرفيع للكذبة، صوتها مخنوق بالدموع) يا ماما... أنا خايفة. أنا خايفة من مهاب. اخويا .


نيفين (تومئ برأسها، تقترب أكثر) مهاب؟ إيه دخل مهاب دلوقتي؟ لو قصدك علي اللي حصل زمان بينه و بين ابوكي و عن رائد ده  موضوع قديم وخلص!


ليلى (تهز رأسها نفياً، عيناها تلتمعان بالرعب الصادق) مخلصش. هو لسه بيبعتلي رسايل... بـ بيهددني. إن لازم اسيب  رائد  اللي بدأت أحسه أن رائد خايف منه عشان كده حابسني هنا. أنا مش عايزاه يعرف إني قولتلك! أرجوكي... إرجعي سافري. او روحي اقعد عند خالتي  و متعرفهوش انك جيتي هنا .


نيفين نظرت في عمق عيني ابنتها. كانت الدموع صادقة، والخوف صادق. لكن السبب... هل كان مهاب وحده؟


نيفين (تضغط على يد ليلى، تبكي معها صمتاً) إنتي بتخافي على نفسك... ولا بتخافي على رائد؟


سؤال بسيط، لكنه أصاب ليلى في مقتل. الصمت الذي تبع السؤال كان جواباً أبلغ من أي اعتراف.


ليلى (تنظر إلى الجبس، ثم تهمس، وهي تكاد لا تسمع) أنا عايزة الأمان يا ماما... الأمان ليا وللي جاي.


نيفين شعرت بوخز بارد يجتاحها. أدركت أن ابنتها لم تعد تخاف من شبح مهاب بقدر خوفها من أن تكتشف نيفين الحقيقة كاملة، فتدمر هذا "الأمان" الهش الذي بناه رائد. الأمان في هذا البيت لم يكن مشروطاً بالبقاء، بل بالصمت... كان قلب السلطة يمتص أرواح الجميع، والآن يمتص روح ابنتها.


انسحبت نيفين بجسد منهك، وكأنها هي التي أصابتها الطلقة. قررت أن تصمت مؤقتاً، لكن عينيها كانتا تعدان خطة لفك لغز هذا الصمت الثقيل.

تداركت يقين الموقف سريعًا، كأنها قرأت أفكار الحماة قبل أن تستقرّ فدلفت الي الغرفه ، و قالت بمرحٍ مفتعل لتكسر الصمت:


– انتي بقى هتتعشي معانا الليلة يا نيفين هانم؟ إحنا عاملين أحلى عشا بمناسبة رجوع نيرفانا بالسلامة.


هزّت نيفين رأسها معتذرة بلطف:


– معلش يا يقين هانم، مش هقدر، أنا كنت واعدة أختي شكران أبيّت عندها النهاردة، وهي مستنياني على العشا... بس مرة تانية إن شاء الله.


ابتسمت يقين بحفاوةٍ مصطنعة، وغمزت بعينها مازحة:


– ماشي، هنسامحك المرة دي... بس أعملي حسابك في يوم تقضيه معانا من أوله لآخره، ولازم يبقى قريب.


ردّت نيفين بابتسامة حيية، ثم قامت من مجلسها على مهل، وهي تُربّت على يد ليلى بحنوٍّ، وهمست لها:


– خلي بالك من نفسك يا نور عيني... وأوعي تنامي وانتي زعلانة، عشان الزعل بيوجع البطن والبيبي.


هزّت ليلى رأسها دون أن تنطق، وظلّت واجمة تنظر إلى النقطة ذاتها في الفراغ.


أما يقين، فرافقتها إلى باب الغرفة، وبينما تُودّعها بابتساماتٍ مجاملة، كانت عيناها تلتفتان من حينٍ لآخر إلى ليلى، كأنها تبحث في قسماتها عن شيءٍ ما... شيءٍ لم يُقال بعد، لكنه لا يختبئ جيدًا.


وحين أُغلق الباب وراء نيفين، وعمّ السكون المكان، اتكأت يقين على الحائط تتنهّد تنهيدةً ثقيلة، ثم قالت بصوتٍ خفيض فيه سخرية لاذعة:


– بتعرفي تمثّلي كويس قوي... بس مهما كنت بارعة، في حاجات ما بتتخبّاش.


لم تُجِبها ليلى، بل أغمضت عينيها كمن يُغلق على نفسه بوابة الألم، وراحت تُحدّث نفسها بصمتٍ داخليٍّ:


"ما حدّش يعرف الوجع إلا صاحبه... واخوكي  طول عمره ما بيسمعش غير صوت نفسه يا يقين!"

-------

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

 رائد قد خرج من غرفة الاستقبال.بعد مقابلة نيفين 


تنهد "رائد" بعمق، كأنما تخلّص للتو من عبء التمثيل، وسرعان ما انطفأت ابتسامته المصطنعة. نفض رأسه بخفة كمن يتخلّص من أثر انفعال داخلي، وأدار نظره ليرى صديقه "شامل" وقد جلس إلى جوار "نيرفانا"، يربت على شعرها بحنان، بينما كانت هي تبتسم برقة لم تُخفِ ما بداخلها من جراح.

-------

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

بعد أن خرجت والدتها (نيفين) من الغرفة، تاركة وراءها صمتًا موحشًا، أغمضت ليلى عينيها، وراحت تستند برأسها إلى الحائط البارد. أخيرًا، زال ضغط التمثيل أمام نيفين. كانت تشعر بالإنهاك، ليس لكونها مريضة، بل لكونها مقاتلة مجبرة على خوض معارك لا تنتهي.


التقط أنفاسي المبعثرة، كمن يلتقط فتات روحه من رياحٍ عاتية، وأتهيأ لاحتساء كأسٍ جديد من كؤوس الحياة الملعونة... تلك التي لا تُشرب بل تُجرع جرعًا، حتى تُلهب الحلق وتُحرّق الأحشاء.


لطالما قالوا: "الحياة ليست عادلة"، وكنتُ أردّدها كببغاء يردد صدى لا يدرك عمقه... كنتُ أظنها جملة تمرّ على اللسان كنسيمٍ عابر، حتى ساقني القدر إلى منحدرها، وألقاني في قلب معناها... هناك حيث العدالة تُجزّ على مقاس الأقدار، لا على مقاس البشر.


ورغم الوجع، أيقنت أن كل ما خطّه الله في لوحه، وإن بدت مرارته قاتلة، فهو الخيرُ بعينه... لكنّ هذا الخير لا يُدرك إلا حين تُجبَر على تذوّق حروفه، واحدة تلو الأخرى... كأنك تلوك الحياة بأسنانك، وتبلعها بغصّة، ثم تتجرّعها كدواءٍ مرّ، لا مهرب منه.


أما عني... فمن أكون؟ إن جاز لي أن أُعرّف نفسي، فأنا النسيم الذي يمرُّ بك في لحظةِ غفلة، فينعشك دون أن تدري، ثم يترك فيك شيئًا لا تعرف له اسمًا... أنا ذلك الشعور الغامض الذي يخترقك دون استئذان، يداعب قلبك ويوقظك من سباتك، ثم يتلاشى قبل أن تُمسك به.


أنا ليلى... لكنّ ليلى اليوم، ليست كما كانت بالأمس. ليلى تغيرت... تشكّلت من رماد، وارتفعت من انكساراتها كطائر العنقاء، مجنّحة بألمٍ قديم، وشوقٍ أبديّ للمعنى.


(حوار داخلي - بصوت ليلى) ليه يا دنيا؟ ليه بتربطينا بالحبال، وتسحبينا في سكتك وإحنا نازفين؟ ليه لما نبتسم، بتستني لحظة الغفلة وتدينا على وشنا؟ بس عارفة... يمكن ده اللي بيخلينا نكمل. الوجع! آه، هو الوجع اللي بيعرفنا إحنا مين، وبيفهمنا إحنا عايزين إيه.


(صوت الهاتف يرنّ – اسم "عائشة" يظهر على الشاشة)


تردّدت لثوانٍ، ثم التقطت الهاتف بيد مرتجفة. كانت تعلم أن صوت صديقتها الوحيدة كفيل بأن يوقظ فيها كل ما تحاول كتمانه.


ليلى (بصوت خافت، يكاد يكون همساً مُستسلماً): أيوه يا عائشة...


عائشة (بقلق ظاهر): انتي فين يا ليلى؟ من إسبوع مش بتردّي... قلبي مقبوض، مالك؟! صوتك متهدّ، فيكي إيه؟


ليلى (بابتسامة مُتعبة لا تُرى، تلتقط قواها المبعثرة): أنا؟... أنا تمام، بقطع شوية خيوط قديمة... وبخيط نفسي من أول وجديد.


عائشة: يعني إيه؟! انتي بتتكلمي كإنك ماشية في جنازة مش بتفتحي قلبك لصاحبتك... ليلى، بالله عليكي، احكيلي، انتي مخبية إيه؟


ليلى (بصوت متهدج، تنهار أخيراً أمام صديقتها): أنا تعبت، عائشة... تعبت من الدور اللي طول الوقت المفروض أكون فيه قوية... كل ما أضعف، يقولوا لي: "انتي قدها"... طب ما أنا مش قدها! أنا بشر، ومكسورة، وقلبي بيوجعني...


عائشة (بحنان وغصة): يا قلبي، عارفة إنك تعبانة... بس اللي مَرّيتي بيه مش نهاية الدنيا... الحكاية ما خلصتش... وانتي لسه قادرة تبني من التعب ده حكاية أقوى.


ليلى: بس أنا زهقت من البناء... زهقت من كل مرة أنهض فيها ألاقي الأرض بتتهزّ من تحتي. أنا مش عايزة أكون جبل... أنا نفسي أكون وردة، بس محدش بيحمي الورد... كله بيقطفه.


عائشة: والله ما أنتي وردة وبس... انتي جنينة بحالها، بس مش كل اللي دخلها كان يستاهل يشم ريحتها.


ليلى (تضحك ضحكة باهتة): الكلام طالع من قلبك، بس مش داخل قلبي...


عائشة: طول ما فيكي نفس، هيفضل فيكي أمل... بس سيبي لنفسك فرصة، ما تكونيش دايمًا ضدها.


ليلى (تستعيد قوتها فجأة، تعيد بناء قناعها الجديد الذي قررت ارتداءه): هسيب لنفسي فرصة... مش عشانهم، ولا عشان الدنيا، ولا عشان الوجع... هسيبها عشان اللي جوايا... اللي لسه بيصرخ، وبيقول: "أنا عايز أعيش، حتى لو مفيش حد جنبي".


عائشة (بدمعة تسمعها في صوتها): وهتعيشي يا ليلى... وهتضحكي، وهتلاقي اللي يعرف قيمة الوجع اللي جوّاك. بس استني شمسك، ما تطفيهاش بإيدك.


ليلى (بهدوء يشبه الغروب، نبرتها تحمل القرار): أنا مستنية... بس المرة دي، مستنية نفسي.

-------

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

كان الليل قد تمدد في الأفق كعباءة سوداء لا يثلمها إلا وهج ضوء خافت من الأباجورة المائلة فوق الطاولة في الصالون، يتهامس مع دخان السجائر المتصاعد في بطء ثقيل. جلس "رائد" فوق الأريكة الجلدية، وملامحه يكسوها ذلك العبوس الضائع بين الحيرة والغضب المكظوم، وقد تطايرت سحب من الدخان من فمه وأنفه في آنٍ، كأنما كان يطرد دخان الحقيقة المريرة التي كادت أن تتسرب في اجتماعه الأخير.


قال بنبرة منهكة وهو ينفث زفرته، مستذكراً ليلى وسرها القاتل:


– مش عارف أتصرف معاها إزاي وهي حامل كده!


رمقه "شامل" بنظرة حادة (متذكراً كشف نيرفانا عن التدبير ل قتل حازم، وغضبه المكبوت من رائد)، قبل أن يرد بلهجة مقتضبة لكنها مشبعة بالحسم:


– مش المفروض تعمل معاها أي حاجة، لا وهي حامل ولا حتى بعد ما تولد! دي خلاص... بقت أم لعيالك، سواء بنتك أو ابنك. وده وضع ماينفعش يتلعب بيه.


أطرق "رائد" برأسه، ثم سحق عقب سيجارته في المنفضة أمامه بحركات عصبية كأنما يسحق بها قهرًا مكتومًا:


– يعني أسيب حقي؟ أنا؟! أنا ما اتعودتش أسيب حقي أبدًا... ما بالك بقى ببنتي؟! 


تنهد "شامل"، ومرّر يده على وجهه في تعبٍ صامت، ثم قال بصوت خفيض، محاولاً حماية ليلى من مصير حازم:


– معلش، اتنازل المرة دي.


استدار "رائد" نحوه بحدة، وعيناه تلتمعان بغضب:


– لأ، طبعًا لأ! أنا هاصبر بس... لحد ما تولّد، وبعد كده... هتشوف بعينك هعمل فيها إيه!


اعتدل "شامل" في جلسته، ثم قال بنفاذ صبر:


– هتعمل إيه يعني؟ هتقتلها؟!


ابتسم "رائد" ابتسامة ساخرة، تحمل من الغيظ أكثر مما تحمل من التهكم، ثم تمتم ببطء، كأنما يهدد:


– لأ، مش هقتلها... إنما هخليها تتمنى إني أقتلها. أنا هطلّع الغرور والتناكة اللي ماليين وشها، هطلّعهم على جتّتها... بس اصبر.


أشار "شامل" بيده في حركة ضجر، محاولاً العودة إلى قناع العمل بعد فشله في إنقاذ ليلى:


– اعمل اللي إنت عايزه، إنت حر. بس اللي يهمني دلوقتي إنك تركز معايا اليومين دول. صفقة السلاح الجاية دي مش لعب عيال، دي من أكبر الصفقات اللي إحنا اشتغلنا عليها... ومش ناقصين غلطة.


مال "رائد" للأمام، وراح يتحدث بجدية وقد هدأ صوته:


– ما تقلقش، أنا مش ناسي. بكرة الصبح تعالى لي بدري، نقعد ونرسم كل حاجة على رواقة... وبالمرة توصل نيرفانا المدرسة.


رفع "شامل" حاجبيه في دهشة:


– يعني ناوي تسيبها تروح المدرسة عادي؟ تخرج من البيت كده؟


هز "رائد" كتفيه باستخفاف:


– أيوه، عادي... هضيع مستقبلها يعني؟


زفر "شامل" بقوة، وقال بقلق:


– أنا مش بتكلم عن تعليمها... أنا بتكلم عن الخطر اللي حواليك!


ابتسم "رائد" بسخرية مستترة، ثم قال بنبرة هادئة تحمل ما يشي بالدهاء:


– عيب عليك يا شامل... إنت شايفني غبي؟! أنا بتعلم من أول مرة. وكل حركة ليها تمن.


حدّق فيه "شامل" قليلاً، فقد كان يعلم أن رائد الآن يخطط لاستخدام نيرفانا كطُعم أو كأداة أخرى، تماماً كما استخدمه هو في قضية حازم.


– يعني إيه؟ ناوي تعمل إيه؟


نهض "رائد" عن الأريكة، وأدار وجهه مبتسمًا بسخرية، ثم قال:


– ماتشغلش بالك، أنا أدري بمصلحة بنتي... المهم تيجي بكرة بدري وخلاص.


زمّ "شامل" شفتيه، ثم قال بإذعان:


– أوك...


في تلك اللحظة، لمح "رائد" من بعيد خيالًا يهبط درجات السلم، مقدراً أن تكون حماته العزيزة (نيفين) قد استغنت عن قضاء الليلة مع أختها شكران، وعادت للتسلل. فابتسم وقال:


– خليك قاعد، أنا هاروح أسلّم على حماتي العزيزة... وراجعلك تاني!


وانطلق "رائد" نحو السلم بخطوات متزنة، تخفي تحتها اضطرابًا دفينًا، بينما تابع "شامل" حركته بنظرة نصف ساهمة، نصف متوجسة، مرتاباً من نية رائد في مقابلة نيفين.

-------

قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 

انطلق "رائد" نحو السلم بخطوات متزنة، تخفي تحتها اضطرابًا دفينًا، بينما تابع "شامل" حركته بنظرة نصف ساهمة، نصف متوجسة، مرتاباً من نية رائد في مقابلة نيفين.


وفي الطابق السفلي، كانت "نيفين" تنزل السلم ببطء، وقبضت على الدرابزين كأنها تبحث عن توازن داخلي ضائع. حين لمحته، تبسمت في حياء مصطنع (حياء الخائف، لا الخجل)، لكنه بادرها بصوته الأجش:


–   ماما نيفين... نورتينا.


ابتسمت بفتور وقالت:


– منور بوجودك ، يا رائد.


اقترب منها وهو يمد يده مصافحًا، ثم قال، مخاطباً إياها بـ "ماما" في محاولة لامتصاص غضبها وشكها:


– ليلي كانت فرحانة بوحودك .


تغيّر وجه "نيفين" قليلًا، ثم قالت بنبرة ذات مغزى، تلمح إلى قناع ليلى الواهن:


– بس الظاهر إن الفرحانين بيخبّوا فرحتهم كويس قوي.


أدرك "رائد" مرارة الجملة، لكنه اكتفى بصمت لبق، قبل أن يقول، محاولاً التحكم في زمن المواجهة:


– تعالي نرتب يوم كده نتكلم فيه براحتنا... أنا عاوز أسمع منك شوية حاجات.


نظرت إليه باستفهام، ثم قالت:

         الفصل الثامن والثلاثون من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا


تعليقات



<>