رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل الخامس5 والسادس6 بقلم ناهد خالد

رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل الخامس5 والسادس6 بقلم ناهد خالد
 من القى بنفسه من على سفح الجبل وظن بأنه سينجو فهو أحمق كبير, فالمراهنة هنا تكون على القدر, ومن يستطيع أن يراهن على القدر ويخرج رابحًا!"
 مع نظراته ومحاصرته لها وتحت فحيح نبرته كانت تزداد خوفًا منه, هي لا تفهم بما عليها أن تجاوب؟ ولكن مع اشتداد قبضته عليها ورؤيتها له أنه لا يتراجع خطوة واحدة كان عليها الرد فقالت بنبرة مهتزة:

- هي هتفرق معاك حبيته ولا لأ؟

اشتد قبضته على ذراعها القابض عليه بقوة أكبر قائلاً من بين أسنانه كأنه لا يقبل التفاوض في الأمر أو المراوغة:

- جاوبي على **** السؤال.

 اتسعت عيناها بصدمة مع سماعها للسبه النائية التي صاحبت قوله, وهنا لم تستطع الصمت وهي تعقب بضيق حقيقي:

- لو سمحت ما تنساش إنك بتتكلم مع بنت ما يصحش تقولي ألفاظ زي دي.

 ورغم أنها في تعاملها مع البشر في مجال عملها قيل لها ألفاظ أقبح من ذلك, وسمعت كلمات بالفعل خادشه للحياء, لكن لا ترى "شاهين" يليق بهذه الألفاظ أن ينطقها من الأساس, فأصحاب هذه الطبقة هي تراهم في مستوى معين من حيث اللبس, وطريقة التعامل, وحديثهم بما فيه من كلمات مُختارة, رفع جانب فمه ساخرًا من حديثها البعيد تمامًا عن إجابه سؤاله, وهدر بها في ضيق وغضب:

- اخلصي..

 ضجرت ملامحها بشدة وهي تجيب كي تخلص منه:

- عاوزني اجاوبك اقولك إيه؟ ما أنتَ عارف اللي فيها, احبه امتى وأنا أصلاً كل اللي ما بيني وما بينه مصلحة.

 ابتعد خطوتين وترك ذراعها اخيرًا والذي شعرت بأنه مُخدر من قوة الألم وقال بنبرة مهددة:

- يبقى احسنلك بردو.

قطبت ما بين حاجبيها متعجبة وهي تسأله:

- ممكن اعرف احسنلي ليه؟ وهيفرق معاك في إيه اصلاً إذا كنت أحبه ولا لأ؟!

 ابتسامة ساخرة زينت صفحة وجهه الباردة وهو يجيبها:

- هتفرق في إنك لو حبيتيه ساعتها أنا لازم اقلق مِنك, عشان أكيد ساعتها هتغدري بيا وبتفاقنا عشان حبيب القلب, وتبدأي تشغلي دماغك معاه عليا, وأنا ما بحبش اللي بيشغل دماغه, اما بقى احسنلك في ايه, فاحسنلك عشان أنا لو شكيت مجرد شك إنك بتحبيه أو بتفكري تلعبي معايا ساعتها أنا كمان هلعب معاكي, بس أنا بقى لعبتي بتكون الأخيرة, لعبة هتسفرك بعيد.... لعالم عمرك ما شفتيه.

 انقطع الهواء عنها لبعض ثواني وهي تفهم مغزى جملته جيدًا ولا يتردد سوى شيء واحد بعقلها, ماذا سيفعل بها إن علم الحقيقة؟ ماذا سيكون مصيرها معه إن علم بخططها مع مازن؟!
 ابتلعت ريقها بصعوبة شديدة وتحركت لتبتعد عن الباب وعن محيطه تقف في منتصف الغرفة, وهي تنفض شعرها للخلف قائلة بثبات واهي:

- كل واحد ونيته بقى, وانا مش محتاجه تهديدك, بلاش تحسسني إني هنا بعمل كل حاجه غصب عني, أنا لما قلتلك على خطتي مع مازن وحكيتلك على الحقيقة كنت عارفه إني بكده هكون في صفك أنتَ ضد مازن, ومع ذلك وافقت, ايه اللي هيخليني ارجع في كلامي!

 تحرك ليتجه لكرسي مكتبه ويجلس فوقه بكل هيبة لم تستطيع إنكارها وقال بهدوء مخالف تمامًا لِمَ كان عليه منذ قليل:

- كلام حلو بس المهم الفعل, اقعدي عشان اكلمك في الموضوع اللي جبتك عشانه.

 جلست بعدما استعادت بعض ثباتها ناظره للأمام دون أن توجه نظرها له, فهو الآن يربكها:

- اللي حصل بينك وبين شدوى مش عاوزه يتكرر تاني.

 نظرت له وهي تسأله مستغربة:

- أنتَ مش قلتلي قبل كده اتعاملي معاها! وايه حوار يبقى بيني وبينها.

 حرك رأسه بحركة رتيبة وهو يقول:

- اه قلتلك كده بس ده مش معناه أبدًا إنك تهنيها وتقلي من كرامتها قدام الخدم, قلتلك اتعاملي معاها لما تغلط معاكي بس مش تضربيها, عمومًا هنا في القصر ما ينفعش مشهد زي اللي حصل ده يحصل, أنتِ مش بس قللتي منها قدام الخدم, أنتِ كمان قليتي مني شخصيًا.

 نظرت له مصدومة من جملته الأخيرة وهي تسأله:

- قللت منك أنتَ؟

 اومأ برأسه وهو يقول:

- اه طبعَا قلتي مني, لما تضربيها يبقى أنتِ مش عاملالي حساب, المفروض كمان إنك خطيبتي وطالما خطيبتي تبقى المفروض عارفه إن حاجه زي دي أنا مش هقبلها إنها تحصل في بيتي, فكونك عارفه إني مش هقبل حاجه زي دي تحصل وتعمليها يبقى أنتِ مش عاملالي حساب, واعتقد إن صفاء وضحتلك ده وقت الخناقة وقالتلك إن ده مش تصرف هوانم, هي ما كانتش بتقف في صف شدوى, هي كانت بتقولك اللي ما ينفعش يطلع لا منك ولا منها.

 رفعت جانب شفتها العليا ساخرة وهي تقول:

- اه ولما هي مش واقفه في صف شدوى وبتقول بس اللي المفروض ما يحصلش, ليه لما شدوى هي اللي بدأت وضربتني ما عملتش معاها نفس اللي عملته معايا, ده لما قالتلهم لو حد قرب هطرده من البيت كله وقف يتفرج وما حدش فيهم حاول يتدخل, وصفاء اللي أنتَ بتقول إنها كانت بتعرفني الصح من الغلط ما فتحتش بقها بكلمة.

 شبك كفيهِ فوق المكتب وهو ينحني بجسده ليصبح مائلاً عليهِ وقال:

- في دي معاكي حق, وفي دي بردو أنا ليا كلام مع صفاء, عمومًا أنا مش هقبل بأي وضع إن يبقى في حد هنا في البيت بيفرق بينك وبين شدوى في المعاملة, بما إن الكل عارف إنك خطيبتي يبقى المفروض كله يتعامل معاكِ أنتِ وشدوى بنفس المعاملة, ما يعملوكيش بأنك الست الدخيلة وهي ست البيت الأصلية.

حركت رأسها في تأكيد على حديثه وهي تقول:

- بالظبط كده, هم شايفين إنها ست البيت الأصلية وإني واحده دخيله عليهم, وإني اصلاً كلها أيام وهمشي من هنا...

 قطبت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تتوقف في منتصف حديثها ثم أكملت بضحكة صغيرة:

-ايه الهبل ده مانا فعلًا كلها أيام وهمشي..

 رجع بظهره للوراء ونظر لها نظرة غامضة ثم قال:

- سيبي الموضوع ده لآوانه, بس طول ما أنتِ موجوده هنا لازم الكل يعرف ازاي يتعامل معاكي.

نهضت واقفه وهي تقول:

- طيب في حاجه تانية؟

- بكره في حفلة بمناسبة مرور 10 سنين على تأسيس شركتي, وطبعًا لازم تكوني موجودة.

 سألته بفضول:

- هي الشركة دي ورثك من باباك أو حد من أهلك يعني؟

 هز رأسه نافيًا لتسأله باستغراب أكبر:

- ازاي؟ 

-هو ايه اللي ازاي؟

 وضحت قائلة:

- أصل يعني أنتَ بتقول الشركة بقالها 10 سنين, هو أنتَ أصلاً عمرك كله قد إيه عشان تكون أسست الشركة من 10 سنين.

 اجابها في هدوء تام:

- أنا مأسس الشركة وأنا عندي 21 سنة, كنت لسه في الكلية.

 عادت تجلس مرة أخرى وقد انتابها الفضول حوله, فقد شعرت بأنها ستسمع الآن إحدى القصص التي كانت تشاهدها في الأفلام العربية, عن شاب مكافح جاهد حتى وصل إلى مكان مرموق وأصبح غنيًا من الأثرياء:

- ازاي يعني؟ شاب لسه في الكلية ازاي يقدر يأسس شركة؟

أرضى فضولها وهو يقول:

- لما أسستها ما كانتش شركة كانت مجرد مكتب صغير, ومع الوقت كل حاجه بتكبر , والأهم من الوقت إنك تبقى عارفة أنتِ ماشيه ازاي, وتبقى ماشيه على أرض ثابتة وكمان تجتهدي وتعملي كل اللي عليكِ.

 حركت رأسها وهي تقول بتمني حقيقي:

- أنا كمان كان نفسي قوي يبقالي شغل خاص بيا أكبره وأكبر معاه.

 سألها مستفسرًا:

- طب وليه ما عملتيش كده؟

 مرت سحابة حزن في عينيها وهي تجيب:

- مش كل الناس ظروفها تكون سامحه, مش دايمًا الحظ بيلعب معانا.

 رفع أحد منكبيه بعدم اقتناع وهو يقول:

- ما بقتنعش بحاجه اسمها حظ.

 ضحكت ضحكة ساخرة و متألمة قائلة:

- لا لازم تؤمن بحاجه اسمها حظ, لأن الحظ ده اللي بيخلي ناس مجتهدة فعلًا وحقيقي تعبت كتير ما توصلش لأي حاجه, وفي نفس الوقت ناس تانيه ما تعبتش نص تعبها وبتوصل لحاجات كتير قوي, هي حكمة ما حدش عارفها و ما حدش فاهم مغزاها, بس خلينا نكون معترفين إنها بتحصل وبتحصل كتير كمان, زي مثلًا لما تلاقي في شركه في اتنين موظفين ممتازين ومجتهدين وكل حاجه بس في واحد أعلى من التاني ويمكن بيتعب اكتر من التاني, بس لما ييجوا يرقوا واحد منهم بيختاروا اللي بيتعب أقل, هم مش شايفينهم ومش عارفين انه بيتعب أقل, هو بس الحظ لعب معاه.

 أصر على رأيه وهو يقول:

- مش مقتنع, أنا مازلت عند رأيي لكل مجتهد نصيب.

- أكيد بيكون له نصيب, بس مش شرط يكون النصيب اللي هو عاوزه بالضبط, أوقات كتير قوي المجتهد بياخد نصيب بس أقل من اللي هو عاوزه. 

وكعادته دومًا يخرج من الموضوع فجأة ويتطرق لموضوع آخر دون أن ينهي الأول فقال:

- هيوصلك فستان بكره الصبح عشان الحفلة, ولو تحبي ممكن اطلبلك الميك اب ارتست تيجي تعمللك اللازم هنا في البيت الميك اب والشعر والحاجات دي, أنا عارف المواضيع دي بتهم البنات, وكمان أكيد شدوى جايبه حد يعملها ده, والأكيد  مش هينفع نفس الشخص يساعدك لأني ما اضمنش الحقيقة.. يعني ممكن بدل ما تحطلك ميك اب تحطلك مية نار.

 ورغم أن الجملة الأخيرة لم يكن فيها أي فكاهة لكنها ضحكت ضحكة بسيطة وهي تتخيل الأمر وقالت بعدما فكرت قليلاً , لتشعر بالتوتر من أن تضع هي الميك اب لنفسها وتكون المسؤولة عن مظهرها اليوم, فلقد فهمت من حديثه أن الحفل أهم بكثير من حفل عيد مولد تيم, وسيكون بهِ الكثير من الضيوف المهمين, فقالت:

- هي الحفلة هتكون في الفيلا ولا بره؟

- لا هتكون في فندق بره.

 ابتسمت بحرج وهي تقول:

- يعني مدام في فندق واضح إنها حفلة مهمة فممكن نستعين بميك اب ارتست.

 اخفى ابتسامته على حرجها ووجهها الذي تلون بحمرة واضحة بعد طلبها وقال:

- تمام هتكون موجودة عندك بكره قبل الحفلة بساعتين.

 دقات فوق باب الغرفة تبعها دخول تيم بعدما فتحت له صفاء الباب وقال:

- بابي أنا خلصت الساندوتش كله, انتَ كمان خلصت كلامك مع طنط فيروز؟

 نهض فورًا يبتسم بحب وهو يقول:

- خلصت يا باشا يلا بينا.

 وقد كان "شاهين" وقتها يرتدي بنطال قماشي من اللون الأزرق الداكن وقميص أبيض متخليًا عن باقي بدلته فاليوم يوم إجازته, أوقفته على باب الغرفه وهي تردد باندفاع:

-هو أنتَ هتلعب كوره بقميص و بنطلون؟!

 التف لها يطالعها بصمت, فأطرقت رأسها أرضًا حين أدركت ما قالته ولكن الصغير كرر جملتها وهو يقول:

- صح يا بابا مش ينفع تلعب كده. 

نظر لصغيره ثم عاد ينظر لها خافيًا ابتسامته على مظهرها الآن, فكانت وكأنها طفلة صغيرة تقف أمام مدرسها بعد أن فعلت جرم كبير وتنتظر عقابه! 

- اومال بابي المفروض يلبس ايه.... يا طنط فيروز؟

أرفق جملته الأخيرة بمرح طفيف ليضحك الصغير عاليًا وهو يسمعه يناديها ب" طنط" وتدخل في الأمر موجهًا حديثه لفيروز:

- جاوبي يا طنط فيروز بابي بيسألك.

 رفعت رأسها تنظر للصغير متحاشيه النظر للواقف عند باب الغرفة وقالت:

- يعني اللي اعرفه إن اللي بيلعبوا كورة لازم يكونوا لابسين لبس مريح, ترنج مثلاً أو حتى بنطلون وتيشرت عادي.

 ودون أن يسمع لكلمة زائدة خرج من الباب وهو يتحدث:

- ثواني وراجعلك يا تيم. 

***********

 وبعد دقائق من صعوده هبط مرتديًا بنطال رياضي أسود وتيشرت أبيض بنصف أكمام برز جسده العلوي المعضل بشكل مهلك جعلها تتمتم فورًا بينها وبين نفسها:

- يادي النيلة السودا يا ريتني ما قلتله يغير, الراجل ده لو لبس شوال هيطلع تحفه عليه!

 كانت حينها تجلس في الحديقة مع "تيم" منتظرين نزول "شاهين" الذي اقترب منهما وعيناه ثابتة عليها فلأول مره منذ سنوات دراسته بالكلية يرتدي لبس رياضي ويخرج بهِ من غرفته, فمنذ أن ارتدى الحياة العملية وهو قد نسي تمامًا تلك الثياب ولم يفكر في ارتدائها من قبل, وقف أمامهما لينتفض "تيم" يمسك بكفه وهو يقول بسعادة واضحة:

- واو شكلك يجنن يا بابي, كده أحسن بكتير عشان نلعب براحتنا.

 نظر بجانب عينيهِ لفيروز التي تتحاشى النظر إليه وقال بنبرة ماكرة:

-والله يا تيم أنا بقالي أكتر من 10 سنين ما لبستش اللبس ده, بس يعني كلامك اقنعني فقلت وايه المانع.

 وبالطبع لم يقصد أبدًا بحديثه "تيم" والمقصود معروف!

 وقضى الجميع وقتًا لذيذًا والضحكات ترتفع بسعادة, ضحكات تيم ورقده هو وشاهين وراء الكورة, وابتسامة "فيروز" التي لم تختفي من على وجهها تلقائيًا وهي تتابعهما , و "شدوى" التي تقف في شرفة الغرفة بالأعلى تتآكل غيظًا وتتمنى فقط لو يسمح لها بأن تجر "فيروز" من ذراعها جرًا وتطردها شر الطردة خارج المكان.
وبالفعل لم تستطع البقاء ونزلت للأسفل لتقترب من "فيروز" التي وقفت فور رؤيتها أمامها تنظر لها بصمت, لتبدأ "شدوى" في الحديث:

-  مش شايفه إن قعدتك هنا ملهاش داعي! أنا الأولى اقعد هنا اتفرج على ابني وجوزي. 

وضغطت على حروف الكلمة الأخيرة وهي تقولها, فابتسمت "فيروز" ابتسامة صفراء وهي تقول رافع حاجبيها بمرح مصطنع:

-  أصل لاقيتك مش فاضية قولت اقعد مكانك, اكيد كنتِ بتتصفحي آخر صيحات الموضة أو بتتفقي مع صحابك على خروجة! 

احتدت ملامح "شدوى" تقول بغضب وكره:

-  وأنتِ مال أهلك أكون فوق بعمل ايه, وسواء كنت موجودة هنا أولأ ملكيش حق تاخدي مكاني. 

-  شاهين. 

قالتها "فيروز" مناديه عليهِ وهي تنظر ل "شدوى" بتحدي, حتى توقف عن اللعب وذهب إليهما لينظر لهما سائلاً من بين لهاثه:

-  في ايه؟ 

ابتسمت "فيروز" بمكر أنثوي جديد عليها وهي تنظر له وتقول بحزن أتقنت أداءه: 

-  شدوى متضايقة إني قاعدة بتفرج عليك أنتَ وتيم وانتوا بتلعبوا كورة, بتقولي إنها الأولى تقعد القعدة دي تتفرج على جوزها وابنها, هو أنا صحيح مليش حق اقعد اتفرج عليكوا!؟ 

ووجه "شدوى" الآن بركان مشتعل, نظر لها "شاهين" يقول بضيق:

-  في ايه يا شدوى؟ مش حكاية يعني إنها تقعد تتفرج علينا! بعدين ملهاش حق ازاي دي قريب هتكون مراتي زيك بالضبط. 

تابعت "فيروز" قوله بقولها:

-  رغم إني ماحبش يكونلي ضره, بس كله يهون عشان شاهين. 

لا تعلم لِمَ قالت هذا, ولكنها أرادت أن تزيد من إشعال "شدوى" وتقابل هجومها بهجوم أشد كي تعرف أنها ليست خصمًا سهلاً. 

-  يا حبيبتي, ليه ما تخليه يطلقني! أما أنتِ بجحة بصحيح! 

قالتها "شدوى" بانفعال وهي تقترب خطوة وكأنها ستهجم عليها, لترتد "فيروز" خطوة للخلف تحتمي في "شاهين" الذي هدر في الأخيرة:

-  بلاش غلط ولمي الدور مش كل شوية هنفرج علينا الناس! وأنا مش ماسك فيكي لو الوضع مش عاجبك وعاوزه تطلقي بلغيني. 

وسحب "فيروز" من ذراعها يقول:

-  تعالي اقعدي الناحية التانية. 
وسحبها متجهًا للجهة  المقابلة تحت نظرات "شدوى" المقهورة من أفعاله والتي اغرورقت عيناها بدموع الألم والغضب وهي تضرب الأرض بقدمها بغيظ  وهي تراه يعود للعلب مع الصغير وبدأت "فيروز" تشجعهم بحماس و "شاهين" يناغشها حين ضرب الكرة بها لتصرخ بغيظ وهي تلقي الكرة تجاهه فتصطدم بكتفه! 
وعقلها يتساءل منذُ متى وشاهين يسمح لأحد بالمزح معه والتطاول عليه!؟؟ 

*********** 

 وفي مساء نفس اليوم... 

_ حادثة ايه اللي بيقولوا عليها حد اتعور؟

تساءلت بها مستكة بعدما وجدت جمع غفير يركض ناحية إحدى شوارع منطقتها حين عادت من عملها، وتحديدًا الشارع الذي تسكن فيه، أجابها أحد الشباب الذي كان يسير على عجالة جوارها قاصدًا مكان الحادث:

_ بيقولوا مجد الميكانيكي في عربيه وقعت عليه وهو بيصلحها.

وكأنها طُعنت بسكين في صدرها فتيبست قدميها ارضًا في الحال وجحظت عيناها بشكل مخيف وفُغر فاهها الذي لم تقدر على غلقه، وانحصر الهواء عنها فلم تعد تتنفس، وجملة الشاب ترن في أذنها مرارًا وتكرارًا فتزيد حالتها سوءًا.. ظلت على وضعها لثواني لم تحسبها ربما دقائق! فقط انتبهت لوضعها فجأة وأمسكت بذراع شابه كانت تعود من مكان الحادث تسألها بأنفاس ثقيلة ودموع ملأت مقلتيها وهي تدريجيًا تستوعب ما سمعته:

_ ايه اللي حصل؟... الحادثة... هو.... ايه اللي حصل؟

لم تكن تعرف كيف ترتب جملة صحيحة تستطيع منها الفتاة فهمها، ولكنها التمست ما تريد السؤال عنه فأجابتها بأسف واضح:

_ مش عارفه... أنا ما شفتش من الزحمة، بس هم طلبوا الإسعاف وخايفين يحركوه من مكانه.. هم بس شالوا العربيه من عليه.

والوصف يجعلها تنهار أكثر! فماذا ستكون حالة شخص كان تحت جسم سيارة...!؟
 ولم تنتظر اكثر وهي تقطع الشارع ركضًا لدرجة أن إحدى الكياس التي كانت تحملها والتي احتوت على بعض المستلزمات للمنزل وقعت من يدها ولم تقف لتلتقطها أو حتى تنظر إليها, بل واصلت ركضها حتى وصلت ورشته فوجدت الجمع هناك يزداد, والجميع يتحدثون بأصوات متداخله لم تفهم منها شيئًا واضحًا, اخترقت الجميع واقتربت من مدخل الورشة لتسمع صوت والده واضحًا الان وهو يصرخ بالجميع بأن يعاودوا طلب الإسعاف.
 ورأت المشهد الذي جعلها تقف في مكانها ودموعها تتسابق في الركض فوق وجنتيها, حين رأت جسده مسطح ارضًا ونصفه العلوي غارقًا في الدماء والتي لم تعرف مصدرها تحديدًا, ووالده يجلس جواره غير قادرًا على لمسه تحت تحذيرات الواقفين بألا يلمسه كي لا يسبب له أي ضرر, وفي نفس اللحظة تعالى صفير سيارة الإسعاف ليتحرك الجميع فاتحًا الطريق, وتم وضعه بكل حذر بواسطة المسعفين على الحامل ثم ادخلوه للسيارة ومعه والده, وبعد ذهاب السيارة أخذت تتلفت في ضياع لا تعرف ما عليها فعله الآن, أو كيف ستذهب خلفه؟ لتسمع رجلين من المنطقة يتفقان على الذهاب خلفه بسيارة احدهما فطلبت منهما أن ياخذوها معهم, وكان الطريق من الحي الشعبي للمستشفى كأنه قُطع في سنوات من الانتظار الحارق وهي تدعو بداخلها بكل الادعية التي عرفتها يومًا بأن يخرج ناجيًا من الحادث البشع....

وبعد نص ساعة كانت قد وصلت المستشفى وخرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يقول لوالده ما جعل الرجل يترنح في وقفته وصرخة خافتة تخرج من فاه "مستكه" وهي تهز رأسها بعدم استيعاب لِمَ سمعته وصوت أحد الرجال الواقفين يقول:

-  لا حول ولا قوة إلا بالله...

الفصل السادس من الجزء الثاني 
فراشة في سكّ العقرب 
حب أعمى... ناهد خالد 

"كن ذكيًا واستغل الفرص حين تأتيك خاصًة تلك الفرص الذهبية!" 

وفي اليوم التالي في فيلا شاهين ... 
وقبل حلول المساء كانت سيدة ومعها فتاة أخرى في غرفة فيروز يقومان بعملهما في تجهيزها من حيث وضع مستحضرات التجميل وتصفيف الشعر وغيرها، حتى انتهيا فنظرت "فيروز" لنفسها في المرآة لترى نفسها ولأول مرة جميلة إلى حد ما!  فالمستحضرات التجميلية التي تم وضعها على بشرتها ابرزت جمال ملامحها واخفت العيوب التي كانت تمقتها، ورغم أنها لم تغير من لونها فحين طلبت من السيدة أن تفتح درجة بشرتها رفضت متعللة بأنها لن تليق عليها والأفضل أن يتم وضع الكريمات التي تطابق لونها، وبعدما أصبحت بمفردها اتجهت لذلك الثوب الذي لم تراه فقد أتى منذ عدة ساعات وأوصلته صفاء لغرفتها، لكنها لم يتيح لها الفرصة أن تراه، فتحت سحاب الغلاف القماشي الخاص به وأخرجته منه لتتسع عينيها انبهارًا بهِ وللمرة الثانية يحسن شاهين الاختيار،  فقد كان فستانًا من اللون النبيذي بقماشته اللامعة بشدة، ينسدل على جسدها كاشفًا عن ذراعيها والقليل من مقدمة صدرها عبر فتحته المثلثية وظهرها،  وأما عن طوله فيصل إلى الأرض، ولكن حين ارتدته وارتدت الحذاء الذي أتى معه والذي كان بكعبٍ عالٍ ارتفع الفستان عن الأرض ليصبح بطول مناسب،  وقفت تنظر إلى نفسها في المرآه التي استطاعت أن تعطيها صورة كاملة لجسدها،  ولا تعرف لِمَ خطر في بالها هذا الشيء حين اجرت مقارنه سريعة بين الثياب التي اختارها لها مازن من المول مبررًا بأنها ليست مرتديه للحجاب, فكانت معظم الثياب إن لم تكن جميعها كاشفة الكثير من جسدها, وتبرير آخر منه بأنها قضت معظم عمرها في لندن لذا فهذه هي الثياب المناسبة تمامًا, أما عن شاهين فمنذ أن أتت لهنا وكل الثياب التي احضرها لها سواء كانت الثياب التي ترتديها يوميًا أو فستان الحفلة السابقة وفستان هذه الحفلة ايضًا, فكانت ثياب إلى حد ما محتشمة لا تكشف الكثير من جسدها وهذا حوله علامة استفهام كبيرة! تعرف أنها لن تصل لإجابة أسئلتها.. فهل كل هذه الثياب ليست من اختيار شاهين؟ و الإجابة لا, فقد علمت اكثر من مرة من صفاء بطريقة غير مباشرة أنه من يختار الثياب عبر موقع الكتروني وتأتي لباب المنزل عبر عملاء التوصيل, والاحتمال الآخر هل شاهين من انصار الثياب المحتشمة؟ ولا يحبذ أن تُظهر المرأة مفاتنها للجميع والإجابة نفس الإجابة السابقة "لا" ,فشدوى جميع ثيابها مكشوفه لدرجة أنها رأتها منذ عدة أيام وهي تعود من الخارج وكانت ترتدي فستان قصير للغاية يصل إلى قبل ركبتيها بمسافة ليست بهينة, وهو في نظر فيروز ليس سوى ثياب خاصه بالنوم.. وكما توقعت في البداية لن تصل لإجابة مقنعة, فنفضت رأسها مما بهِ وهي تنظر لنفسها في المرآه نظرة أخيرة, وكأنها تتعرف على الشخصية الجديدة التي لم تظن يومًا أن تعيش دورها, فهيهات الفرق بين "فُله" و"فيروز" هانم التي اقترنت بعلاقه مع "شاهين بيه المنشاوي" أخذت نفس عميق قبل أن تلتقط حقيبة اليد والتي لم تخلو ابدًا من الزخرفة, والفصوص اللامعة بها, وخرجت من الغرفة على موعد مع "نورهان" والتي ستذهب معها للحفل.
****** 
 وبأحد أفخم فنادق القاهرة....
 توقفت احدى سيارات "شاهين المنشاوي" والتي كانت تنقل "فيروز ونورهان" لمكان الحفل, ليترجل الاثنتان منها وفيروز تنظر حولها بانبهار بمدخل الفندق والأنوار التي تملأ المكان, وبعد ثواني من السير وجدت نفسها تدلف من بوابة أخرجتها على مساحة واسعة مفتوحة بها الكثير من الطاولات المتراصة المزينة بشكل جميل, ومنصة صُممت بديكور مُبهر تقبع في آخر المكان وفي المنتصف تمامًا, وبعض الديكورات الأخرى التي أخذت منظرًا رائعًا, واضفت لمسة جمالية لطيفه, والأرض لم تكن مستويه بل كان المنتصف مستوي وعلى الجانبين ارتفاع وفوقه يوجد الطاولات الأخرى, اشبه قليلًا بدور العرض المسرحي, وحين كانت تتفحص المكان بعينيها وقفت كالصنم حين وقع بصرها على "مازن" يقف في أحد الجوانب يصافح بعض الرِجال ويتحدث معهم, وللحقيقة كان الأمر مفاجئًا لها فلم تتوقع قدومه, وفي نفس الوقت كانت "نورهان" انتبهت لوجوده فقالت:

- ما توقعتش إن مازن ييجي.

 التفتت لها "فيروز" تقول بتأكيد:

- ولا أنا بصراحه.
 
تنهدت "نورهان" معقبه:

- هو متعود بيجي كل حفل ثانوي للشركة لأنه طبعًا شريك فيها, بس قلت المرة دي ممكن ما يجيش بسبب المشاكل الأخيرة اللي حصلت, وخصوصًا إنه اكيد مش حابب يشوفني.

 نظرت لها "فيروز" تقول بحنو:

- ما تقوليش كده ما فيش أخ ما يحبش يشوف اخته, هو آه حصل بينكوا مشاكل بس يعني مش هتوصل انه مش عاوز يشوفك.

 ابتسمت "نورهان" بألم ونظرت لفيروز بعينين اغرورقت بالدموع تقول:

-اقولك على حاجه ما قلتهاش لشاهين نفسه.

اومأت برأسها تحثها على الحديث فقالت بنبرة مختنقة:

- انا روحت لمازن الشغل وكان في مكتبه, بس ما رضيش يقابلني.

 اتسعت عيناها بصدمه فهي لم تتوقع أن يكون الأمر بينهما لهذا الحد وقالت:

- معقوله؟!!

 هزت الأخرى رأسها بتأكيد وهي تقول بمرارة:

- مازن زعله وحش قوي فوق ما تتخيلي, لدرجة انه مستعد في ساعة الغضب يقطع علاقته بأي حد ويدوس عليه, يعني هو لما رفض يقابلني ما فكرش حتى إن ممكن يكون حصل معايا مشكلة, أو حصل مشكلة بيني وبين شاهين, ما فكرش يقابلني ويشوف انا عاوزه ايه, و إن كنت جايه له عشان اصالحه يرفض بس يطمن عليا.

 لم تجد "فيروز" رد مناسب لِمَ قالته "نورهان" وهي ما زالت في صدمتها من رد فعل مازن القاسي من وجهة نظرها, فأكملت "نورهان" مبتسمة:

-عكس شاهين خالص, شاهين مهما عملتي فيه او حصل بينكوا لو حس إنك ممكن تكوني في خطر بيرمي كل شيء ورا ضهره ويكون معاكي, افتكر في مرة كنا مقاطعينه لما ماما كانت عايشه, وجيت اتصلت بيه في يوم ولقيت رقمه مقفول فكلمت سكرتيرة مكتبه وقولتلها لما يوصل بلغيه اني عوزاه ضروري في مسأله مهمة, انا مكنتش عوزاه في حاجه انا بس كان وحشني وعاوزه اسمع صوته بس قولت كده عشان عارفه انه هيخاف عليا ويكلمني, وفعلا اول ما بلغته رن عليا خمس مرات بس انا تلفوني كان فصل شحن من غير ما اخد بالي... تخيلي لقيت البواب بيخبط على شقتي وبيقولي كلمي واحده صاحبتك تحت, نزلت لقيته شاهين بس قال للبواب يقول كده لأن ماما كانت مانعه أنا أو مازن نتواصل معاه. 

- جالك تحت البيت عشان يطمن عليكي وانتي مقطعاه؟؟!

ابتسمت بحب وهي تقول:

-شاهين طول عمره حنين, قلبه مش قاسي, غير مازن... عارفه مازن واخد قساوة قلب مامي.

رفعت حاجبها ذهولاً:

- مامتك كانت قاسية؟

- ايوه, تخيلي قعدت 3 سنين قاطعه علاقتها بشاهين ومحرمه أي حد فينا يتواصل معاه, مامي طول عمرها كانت قاسية على شاهين رغم حبها له, وكان أي غلط له بتعاقبه بقسوة, مامي كانت بتحب شاهين ومتعلقه بيه تعلق مرضي.. طب تعرفي إنها كانت بتكره شدوى عشان العيلة كلها كانت بتقول إنها هتكون مراة شاهين, مكانتش مستوعبة إنها هتاخده منها! 

ظهرت الصدمة واضحة على وجه "فيروز" مما تسمعه وبداخلها تتمتم أن هذه العائلة تخفي الكثير من الأسرار, وقبل أن تعلق سمعت صوت "شدوى" المألوف وهو يقول:

- نورهان كويس إنك وصلتي, الحفلة فاضل لها خمس دقائق بالضبط وتبدأ وشاهين هيطلع يقول كلمته.

 تفحصتها "فيروز" بعينيها لتؤكد ما كانت تفكر بهِ قبل بعض الوقت, فلقد كانت "شدوى" ترتدي فستان بدون أكمام فقط بسير رفيع بهِ بعض الفصوص التي لا تستبعد أن تكون من الألماس فهي بطبيعة الحال مُطرفه, معظم ثيابها فيها بزخ واضح, وكان يظهر جزء لا بأس به ابدًا من مقدمة صدرها وكذلك ظهرها, وبه فتحة طويلة بدايًة من فخذها اليمنى, وفي المجمل لم يغطي الفستان الكثير من مفاتنها, على عكس "نورهان" التي كانت ترتدي فستان من اللون الازرق الداكن, والذي كان ينساب على جسدها ويصل طوله إلى كعبيها, فقط أحد أكمامه تم استبدالها بسير رفيع به بعد فصوص مشابه لسير فستان "شدوى" ولكنه في المجمل كان ساترًا بشكل كبير, يبدو أن نورهان بطبعها لا تفضل ارتداء الملابس التي تكشف الكثير من جسدها, وبالطبع تجاهلت "شدوى" "فيروز" تمامًا كأنها لم تراها واكملت قاصدة اغاظتها:

- سوري بجد يا نور إني ما قدرتش استناكي نيجي مع بعض, بس أنتِ عارفه أنا لازم اكون مع شاهين من أول الحفلة ونستقبل الناس سوا.

 لم ترد "نورهان" على حديثها لأنها تعرف جيدًا ما تحاول "شدوى" فعله بل سألتها مباشرةً:

- هو شاهين فين مش شيفاه في المكان؟

 اجابتها وهي تنفض شعرها بغرور حين رأت نظرات فيروز المسلطة عليها:

- شاهين هو ومعاذ راحوا يستقبلوا العيلة, أصلهم بره.

 ظهر الفرح الشديد على وجه "نورهان" وهي تسألها بلهفة:

- بجد هو جدو والعيلة كلها بره؟ أنا توقعت انهم مش هييجوا عشان كانوا بيقولوا إن عمتو تعبانه.

 لم تعير الأمر اهتمامًا وهي تقول:

- ما اعرفش انا عرفت انهم بره.

 وبالفعل ما إن انهت حديثها حتى رأت شاهين و معاذ يدلفان من بوابة الحفل ومعهم بعض الأشخاص, فأسرعت لهم وهي تقول:

- اهم جم.

 التفت "نورهان" وحين رأتهم تحركت فورًا تتجه لهم, ولاحظت فيروز أن "مازن" قد فعل المثل, والعائلة التي تحدثوا عنها كانت أربع أفراد رجل كبير في السن خمنت انه جدهم, وسيدة ربما في منتصف الأربعينات تجاوره بالتأكيد عمتهم, وشاب ينقص عن شاهين في الطول القليل من السنتيمترات يبدو على وجهه الجدية والضجر! وبجواره فتاة تمسك في ذراعه خمنت انها زوجته, لم تجد لنفسها مكانًا بين كل ما يحدث فاتجهت الى أحد الطاولات الفارغة لتجلس عليها وهي تردد في عقلها بأن هذه الحفلة لن تختلف كثيرًا عن حفلة "تيم" والتي لم يكن لها أي  وجود بها, ولكن قد خاب ظنها فبعد دقائق قليلة رأت "شاهين" يصعد على المنصة الموجودة في المكان والآن قد استطاعت أن ترى مدى اناقته ووسامته في البدلة التي اختارها اليوم بلونها البني الذي تراه عليه لأول مرة, بدأ في الحديث مُرحبًا بالضيوف بعد عِدة جمل تخص مجال العمل والشركة وما الى ذلك, فشعرت بأنها تريد الذهاب للحمام فنهضت تخرج من المحيط باحثة عن مكانه.

وعند شاهين وبعد ترحيب خاص منه بجده والعائلة كان يقول:

_ بالمناسبة السعيدة دي أحب ابلغكم خبر سعيد عني.. انا خطبت وإن شاء الله قريب هتشهدوا كلكوا على فرحي وهتكونوا مدعوين له.

همهمات تسبقها الدهشة وشهقات مستنكرة، توترت الأجواء بشكل ملحوظ وبدأ التهامس يعلو والجميع يمرر بصره بين المتحدث "شاهين" وبين زوجته المعروفة "شدوى" والعقول تتسائل كيف أعلن خطبته من أخرى وهو لم يعلن انفصاله عن زوجته! وكيف لها أن تقبل الوضع المهين الذي وضعها بهِ الآن!!

وكان مدركًا لِمَ وراء الهمهمات المتصاعدة، ومتفهمًا اندهاشهم ونظراتهم التي تتسلط على زوجته الأولى، وبكل هدوء ودون اهتمام لأي أحد أو أي شيء يحدث حوله أكمل موضحًا:

_ ومنعًا لأي اخبار مغلوطة أو ان حد يطلع يتكلم ويحلل الأحداث عن لساني هجاوبكوا على السؤال اللي بيلح على عقلكوا دلوقتي...

والهدوء عم المكان والجميع كله انصات للآتي، وهي تقف تتابع ما يتابعه الجميع كعرض مسرحي سخيف، تشعر بالسعير يشب في جسدها، وتتمنى فقط لو تتصدع الأرض وتسقط بها مختفية عن أنظار الجميع التي تحرقها، موقف لم تتخيل بأسوء كوابيسها أن يضعها "شاهين" بهِ، ولو كانت تمتلك قدرة للهرب الآن لفعلت بكل رحابة، لكنها تيبست وتسمر جسدها بأرضه فقط أنفاسها الهادرة التي تنم عن اختناقها هي ما تصدر عنها، وعيناها كجمرتان من النيران الحامية وهي تنتظر تكملة حديثه وتخصه وحده بنظراتها التي لا يهتم لها من الأساس.

ارتخاء ملامحه بدى وكأنه يخبرهم عن أحوال الاقتصاد في البلاد، أو عن خطة تنموية لنهضة الدولة! ملامح هادئة ونبرة تماثلها وهو يكمل:

_ بالنسبه لخطوبتي وانا لسه متزوج من مدام شدوى مراتي، فده برضا جميع الأطراف، وكل شخص عنده ظروفه واحواله الخاصة اللي مينفعش يشاركها مع حد، يكفيكوا اقولكوا ان مدام شدوى هي أم ابني اللي بكنلها كل الاحترام والتقدير المتبادل، فمش هسمح ان حد يدخل نفسه في أموري الشخصية وينزل بأخبار او توقعات مش صحيحة عن علاقتي بيها..ولو ده حصل مش هتردد ارفع قضية على الناشر لأني زي ما قولت مابسامحش ومش هسامح أي حد يدخل نفسه في تفاصيل حياتي أنا أو أي حد يخصني.

كانت "فيروز" قد عادت مع جملته الأخيرة لكنها لم تفهم منها شيء فظنت أن الأمر يتعلق بالشركة أو بعلاقته بأخيه..

رفع نظره لبعيد فرآها تتهادى لمحيط المكان، ابتسامة خفيفة ماكرة زينت ثغره وهو يطالعها بتمعن منتظرًا صدمتها التي ستتلقاها كالمطرقة فوق رأسها الآن، مسد جانب عنقه بكفه، وعاد يتحدث في المكبر الصوتي وعينيهِ لا تحيد عنها:

_ فيروز... لو سمحتي تعالي هنا.

توقفت ورفعت رأسها بغتة وهي تسمع اسمها بعلو صوته، يناديها لتشاركه المنصة الصغيرة! والجميع التف في هذه اللحظة ليرى من تكون المدعوة فيروز! بهتت معالمها وابتلعت ريقها الذي جف فجأة وهي تجهل ما يحدث ولماذا يناديها ألم تتفق معه أن يظهرا في الحفل كأنهما أقارب!

حادت ببصرها لجهة أخرى تقصدها، فوجدته يطالعها بوجه مشتعل بحمرة غضب ادركتها لكنها جهلت سببها! ماذا حدث في الأجواء في الدقائق القليلة التي مكثتهم في الحمام لتعدل هيئتها؟ هل حلت كارثة ما! "مازن" ملامحه غيره مبشرة ابدًا وكأنه تلقى لكمة عنيفة بوجهه للتو!

_ فيروز!

نادها ثانيًة حين طال صمتها وسكونها، فانتبهت وحركت نفسها مجبرة بعد أن سلط الجمع الغفير انظاره عليها وحدها، اقتربت من المنصة التي تحمل ثلاث درجات لتجده يقترب منها سريعًا يمد كفه لها بلباقة ليساعدها في الصعود، جحظت عيناها لفعلته وظلت تحدقه بنظرات رافضة علّه يبتعد ويصرف نظره عما يريد فعله، لكنه لم يتزحزح أنشًا، فزفرت انفاسها المعبئة بصدرها من التوتر وهول الموقف وهي تضع كفها في كفه فجذبها برفق لتصعد الدرجات واتجه بها وهو مازال ممسكًا كفها تحت استغرابها وذهولها، ووقف أمام المكبر الصوتي يقول معرفًا:

_ دي آنسة فيروز الحديدي خطيبتي وقريب هنعلن عن ميعاد فرحنا..

وبتلقائية همست بأعين متسعة وهي تنظر لجانب وجهه:

_ يخربيت أهلك! 

لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليهِ في حدة غير ملحوظة وهو يقول:
_ لمي لسانك واضحكي.

تصنعت الإبتسامة وهي ترفع نظرها للجمع الذي أمامها، لتقع ببصرها على "مازن" الذي كان واقفًا بجوار الطاولة التي جلس عليها أفراد عائلته ووجهه كجمرة نار مشتعلة، واستطاعت أن ترى قبضة يده التي تشتد في محاولة منه للتحكم في غضبه، وفجأه وجدت "شاهين" يميل عليها حتى باتت أنفاسه تضرب عنقها، و يهمس بجوار أذنها بما أسرى رعشة في جسدها لم تعرف حينها هل هي رعشة خوف أم ماذا؟ :

_لو فكرتي تقربي منه أو تقفي معاه هزعلك.

لفت رأسها تنظر له عبر السنتيمترات القليلة جدًا بينهما في نفس الوقت الذي كان هو مازال يطالعها، لتلتقط عدسات المصورين صورة رائعة لثنائي سيكون حديث
الأخبار لعدة أيام مقبلة....

انتهى العرض السخيف من وجهة نظر "فيروز" وتركا المنصة لتزيل ذراعه من حول خصرها بعنف غير مهتمة بنظرات الجميع, فكظم غيظه وهو يسير لجوارها حتى التفت له وقالت بوجه محمر غضبًا:

- انا عاوزه أتكلم معاك. 

توقف وهو يجيبها ببرود:

- لما نروح. 

- دلوقتي!

قالتها بنبرة حادة لأول مرة يسمعها منها, ومع نظراتها علِمَ أنها لن تتراجع, لكنه وعلى أي حال أعند منها, فاحتدت نظراته وهو يعيد جملته بقوة:

- قولت بعدين, مش ست اللي هتمشي كلامها على شاهين المنشاوي, لو مش قادره تصبري لحد ما نروح على الأقل خلينا نسلم على عيلتي واعرفك عليهم بعدين هاخدك مكان نتكلم, وقت نزول الضيافة. 

قضمت شفتيها بقوة وهي تشير له بعصبية:

-اتفضل عرفني عليهم ما هو ده اللي ناقص.

التقط ذراعها الذي تشير بهِ تحت ذهولها وجره منها لطاولة عائلته, وحين وقفت أمام الطاولة مرغمة حاولت إخفاء غضبها وابتسمت ابتسامة مصطنعة.. 

-دي فيروز خطيبتي, انا عارف انكوا متفاجئين بس جدي كان عنده علم. 

أردفت السيدة تقول بعتاب:

-واحنا مش اهلك عشان تعرفنا! يعني جدك بس اللي يعرف. 

أجاب الجد نيابةً عنه:

-مكانش لسه في حاجه رسمي يا سهير. 

بدأ "شاهين" يعرفها عليهم: 

-ده جدي المنشاوي, ودي عمتي سهير, وده سيف ابن عمي مختار لسه مشوفتيهوش بس سيف بيكون أخو شدوى, ودي زينة مراته. 

تفاجأت بوجود أخ ل "شدوى" لكن حين دققت النظر بهِ وجدته يشبهها تمامًا حتى في وجومها وكبريائها وغرورها وفي الحقيقة لم ترتاح له ابدًا. 

-ودي فيروز الحديدي زي ما عرفتها على الاستيدج. 

رحبت العمة في هدوء:

-اهلاً بيكي, شكلك سحرتي لشاهين عشان يخطبك.

وأخذت "فيروز" حديثها على أنها تسخر من شكلها كما فعلت "شدوى" في أول تعارف بينهما, فقالت بنبرة حادة مدافعة عن نفسها:

-هتقولي إني مش ذوقه! بس عمومًا انا ماعملتش له أي حاجه, هو وقع فيا لوحده.

أدركت "سهير" أنها فهمت حديثها خطأ فقالت موضحة:

-لا مش عشان كده, بس أصله كان مضرب عن الجواز, ورافض يدخل واحده جديدة حياته. 

قطبت ما بين حاجبيها مستغربة ومتعجبة وأردفت:

-ويدخل واحده تانية ليه ما مراته موجوده! ولا انتوا عندكوا في العيلة لازم تعدد الزوجات! 

تدخل "شاهين" يقول:

- عمتي مش وقته الكلام ده.

أتى أحدهم يهمس له بشيء فانسحب آخذًا معه "فيروز":

-عن اذنكوا راجعين تاني. 

وحين ابتعد بها ولدهشتها تركها يقول:

- روحي اقعدي على الطربيذه الفاضية دي على ما اجيلك. 

نظرت للطاولة وهي تغمغم بضيق:

-طب ماسبنيش معاهم ليه على ما يخلص مشغولياته! 

جلست عليها وغاب هو عن نظرها لبعض الوقت, كان كافيًا ل"مازن" أن يقترب منها ويجلس جوارها قائلاً:

- هو قالك إنه هيعلن خطوبتكوا؟ 

نظرت له بخضة من وجوده المفاجئ ثم هدأت وقالت:

-لأ, انا اتصدمت لما عمل كده. 

هز رأسه باختناق واضح وقال:

-شاهين بدأ ياخد خطوات غير اللي اتوقعتها منه وكده مش هنعرف نفهمه ولا نتوقع تفكيره. 

-أنتَ ليه رفضت تقابل نورهان لما جاتلك الشغل؟ ليه قسيت عليها للدرجادي دي مهما كانت اختك؟

وقد كان حديث "نورهان" لا يغادر عقلها منذُ أخبرتها بهِ, نظر لها متفاجئًا من حديثها وصُدم حين أكملت بشرود كأنها تفكر فيما تقول:

-بتقول إن شاهين أحن منك حتى حكتلي موقف عن كده, ازاي وهو مجرم وتاجر سلاح يكون بالحنية دي! 

تجاهل كل حديثها وفجأة وجدته يسألها بغضب:

-أنتِ هتكملي بعد اللي بيعمله! احنا مبقناش هنتوقع خطواته, راضية إنه يعلنك خطيبته قدام الكل!

استطاع جذب انتباهها فنظرت له تسأله بحيرة:

-هعمل ايه؟ 

زفر باختناق وغضب واضحين وقال:

-فيروز انا ههربك من عنده, مش هينفع تكملي المهمة.

نظرت له بأعين متسعة تسأله:

-ليه؟ 

نظر لها بداخل عيناها يقول:

-عشان خايف عليكي, مش متوقع خطوة شاهين الجاية.. ثم أنتِ عارفه إن ممكن شاهين بين يوم وليلة يجيب المأذون أو يعمل حفلة جوازكوا من غير ما يعرفك! مش هنفضل ساكتين لحد ما يعمل كده!

التمست خوفه عليها, وشعرت بأنه يكن لها شيئًا ما, وكم تمنت هذا! فسألته بلهفة خفية, وأمل يدعو بداخلها:

-وحتى لو اتجوزني ايه اللي يضايقك! كده كده المهمة هتتنفذ, بالعكس وقتها هتتنفذ أسرع.

نظر لها بغضب حارق وهو يردد:

-أنتِ مجنونة! لا طبعًا يتجوزك ايه! ي***** دي مهمة, أنا مستحيل اقبل بكده. 

ابتهجت ولمعت عيناها وأصرت على الضغط عليهِ علّها تتأكد بأنه يكن لها مشاعر:

-ليه بردو؟ انا مش شايفه فيها مشكلة! مهو هيتحبس بعدها وهكون حرة.

مد كفه يمسك كفها يقبض عليهِ بقوة وقال:

-مش هسمح إن شاهين يعتبرك مراته أو يلمسك.. مش هسمحله يقرب منك للدرجادي, فيروز أنا....

صمت لثواني فقط ينظر لها, حتى سحرته نظراتها فوجد نفسه يردد:

-أنا بحبك... مش عارفه ازاي وامتى ورغم انه مكانش ينفع.. بس أنتِ تتحبي, وأنا بحبك... 

انقطع الهواء عنها وعيناها ثُبتت عليهِ وعقلها بالكاد يستوعب جملته!!


تعليقات



<>