رواية وريثة الانكسار الفصل الثاني2 الاخير بقلم هاجر سلامه

رواية وريثة الانكسار الفصل الثاني2 الاخير بقلم هاجر سلامه
كانت الليلة ممطرة وباردة، عادت "هاجر" إلى منزلها الصغير الذي انتقلت إليه مع والدها بعد الأزمة. كانت تشعر بدفء غريب في قلبها كلما تذكرت كلمات "يحيى" عند البحر
. وبينما كانت تهم بفتح الباب، تجمدت يدها وهي ترى ظلاً يقف في ركن الممر المظلم.
"هاجر.. عايز تكلم معكِ لدقيقة واحدة ."

التفتت هاجر لتجد "سيف" يقف بملابس مبللة، وعلامات الندم والإرهاق واضحة على وجهه. لم تعد ترى فيه ذلك الرجل الوسيم الذي أحبته يوماً، بل رأت فيه شخصاً مهزوماً.

قالت هاجر ببرود وقسوة: "بتعمل اي هنا يا سيف؟ ألم يكفِك اللي عملته؟ راجع إلى زوجتك."

خطى سيف نحوها برجاء: "أسماء ليست زوجة.. إنها كابوس! لقد تزوجتها لأنني ظننت أن نفوذ والدها سينقذ عملي، لكنها تدمرني يا هاجر. أنا لم أنسكِ يوماً، لقد ارتكبت خطأً فادحاً وعايز إصلاحه."

ضحكت هاجر بسخرية مريرة: "تصلحه؟ هل تظن أن قلبي لعبة تكسرها ثم بعد كد لصقها حين تشعر بالملل؟ انت بعتني في أسوأ ظروفي، ولوقتي عدت لأنك فشلت مع غيري؟ اخرج من هنا فوراً."

حاول سيف الإمساك بيدها وهو يتوسل: "أرجوكِ يا هاجر، امنحيني فرصة واحدة، أنا أعرف أنكِ ما زلتِ تحبينني، ذلك المدير 'يحيى' لن يحبكِ كما أحببتكِ أنا.."

"ارفع يدك عنها فوراً!"
جاء الصوت كالرعد من خلفهما. التفت سيف ليجد "يحيى" واقفاً، وعيناه تشتعلان بنا..ر لم ترها هاجر من قبل. كان يحيى قد جاء ليوصل لها حقيبة نسيتها في السيارة، لكنه وجد نفسه أمام المشهد الذي يخشاه.

تقدم يحيى بخطوات هادئة لكنها مرعبة، ووقف حائلاً بين هاجر وسيف. قال بصوت منخفض وحاد: "انا حذرتك في الشركة متقربش منها.. باين أنك متفهمش الكلام إلا بالقوة."

سيف، محاولاً استعادة كبريائه المفقود: "هذا شأن بيني وبين خطيبتي السابقة، أنت مجرد مديرها، لا تتدخل!"

في لمح البصر، أمسك يحيى سيف من ياقة قميصه ودفعه بقوة نحو الحائط، وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه سيف يشحب: "هاجر ليست خطيبتك السابقة.. هاجر هي 'حياتي' التي أضعتها أنت بحماقتك. إذا رأيت ظلك قرب بيتها مرة أخرى، سأمحو اسمك من سوق المقاولات تماماً.. هل جربت شعور أن تخسر كل شيء في ليلة واحدة؟ لا تجعلني أريك ذلك عملياً."

دفع يحيى سيف بعيداً، فسقط سيف أرضاً ثم نهض وفر هارباً وهو يرتجف من الخوف والغضب.

التفت يحيى نحو هاجر، كان أنفاسه متلاحقة، حاول تهدئة روعه وقال بصوت مرتعش قليلاً: "أنا آسف.. لم أقصد إخافتكِ، لكنني لم أتحمل رؤيته يلمس يدكِ."

نظرت إليه هاجر، ولأول مرة، لم تشعر بالخوف من غضبه، بل شعرت بالأمان. اقتربت منه ووضعت يدها على ذراعه لتهدئته: "شكراً يا يحيى.. شكراً لأنك دائماً تأتي في الوقت المناسب."
نظر يحيى إلى يدها على ذراعه، ثم نظر في عينيها وقال بصدق: "سأظل آتي دائماً، حتى لو لم تناديني."

كانت "هاجر" تجلس في مكتبها بالشركة، غارقة في دراسة تقرير طبي هام، حين رن هاتفها برقم والدها. كان صوته غريباً، يرتجف بين البكاء والضحك، مما أفزعها.
"هاجر.. تعالي إلى المنزل فوراً يا ابنتي.. المحامي هنا، ومعنا أخبار لا تصدق!"

لم تنتظر هاجر ثانية واحدة، استأذنت من "يحيى" الذي شعر بقلقها فأصر على إيصالها بنفسه. وطوال الطريق، كان يمسك يدها ليطمئنها، وقلبه يدعو ألا يكون هناك سوء أصاب والدها.
عندما دخلا المنزل، وجدا المحامي العجوز "الأستاذ مراد" يضع مجموعة من الأوراق الرسمية على الطاولة، ووالد هاجر يجلس وعيناه تفيضان بالدموع.
قال المحامي بابتسامة واسعة: "مبارك يا هاجر.. مبارك يا حاج صالح. لقد صدر الحكم النهائي في قضية الأرض الدولية التي استولت عليها الشركة الأجنبية قبل عامين. ليس هذا فقط، بل ثبت أن شريك والدك القديم هو من تلاعب بالأوراق ليعلن الإفلاس زوراً، وقد تمت مصادرة جميع أملاكه لصالحنا تعويضاً عما فات."
تسمرت هاجر في مكانها، لم تصدق ما تسمعه: "يعني.. يعني نحن لسنا مدينين لأحد؟"

أجابها والدها وهو يحتضنها بقوة: "بل استعدنا كل شيء يا ابنتي.. القصور، الشركات، والسيولة المالية. لقد عاد ورثنا أضعاف ما كان، والحق ظهر أخيراً."

في تلك اللحظة، نظرت هاجر إلى يحيى الذي كان يقف بعيداً قليلاً بابتسامة هادئة وراقية. لم يبدُ عليه الطمع أو حتى الدهشة المبالغ فيها، بل كان ينظر إليها بنظرة فخر، كأنه يقول: "كنتِ ملكة في عيني حتى وأنتِ مفلسة، والآن العالم كله سيعرف ذلك."

اقترب يحيى من والدها وصافحه بحرارة: "مبارك لك يا عمي، أنت رجل شريف وتستحق كل خير."

نظرت هاجر إلى يحيى وقالت بصوت خافت: "يحيى.. هل سيتغير شيء بيننا الآن؟"

أمسك يحيى يدها أمام والدها، وقال بثبات: "بالنسبة لي، لم يتغير شيء. كنتِ 'هاجر' الموظفة المجتهدة، والآن أنتِ 'هاجر' وريثة الملايين.. وفي كلتا الحالتين، أنتِ الوحيدة التي اختارها قلبي. الفرق الوحيد الآن هو أنني لن أضطر للقلق عليكِ من غدر الأيام."
ابتسمت هاجر وهي تشعر أن كابوس العام الماضي قد انتهى فعلياً. لكن في مكان آخر من المدينة، كان الخبر قد وصل كالصاعقة على مسامع "سيف" و"أسماء" الذين كانوا غارقين في مشاكلهم المالية، لتبدأ مرحلة سقوطهم النهائي.

بينما كانت "هاجر" تتابع مع "يحيى" تجهيزات اندماج شركتيهما بعد استعادة ثروتها، كان عالم "سيف" ينهار حرفياً.

 اكتشف سيف بالصدفة أن "أسماء" لم تكتفِ بتبذير أمواله، بل كانت تنقل أصول شركته سراً لاسم عشيق لها كان يخطط معها للهرب خارج البلاد.

وقع سيف في فخ الإفلاس، وبدأت البنوك في الحجز على منزله وسيارته. في لحظة يأس مهينة، لم يجد ملجأً سوى الذهاب إلى مكتب "هاجر" الجديد. دخل مكسوراً، ثيابه مجعدة، وعيناه ممتلئة بالذل.

سيف بصوت يرتجف: "هاجر.. أرجوكِ، أنتِ الوحيدة التي تستطيع إنقاذي. أسماء دمرتني وهربت.. أنا نادم، تذكرين الأيام الجميلة بيننا؟"

نظرت إليه هاجر بهدوء شديد، لم تشعر بالشماتة، بل شعرت بالشفقة على رجل باع نفسه للمال فخسره وخسر كرامته معه. قالت بلهجة قاطعة:
"الأيام الجميلة كانت مع الرجل الذي ظننتُ أنك هو.. لكنه مات في اللحظة التي رأيت فيها صور زفافك. اخرج يا سيف، لا مكان لك في حياتي ولا حتى كعدو.. أنت بالنسبة لي مجرد ذكرى لدرس تعلمته."

خرج سيف يجر أذيال الخيبة، ليرى في الرواق "يحيى" وهو يقف بانتظارها، نظر إليه يحيى بنظرة واحدة كانت كفيلة بأن يسرع سيف الخطى خارج المبنى للأبد.

بعد مرور عام..
أقيم حفل زفاف أسطوري في أكبر فنادق القاهرة. كانت "هاجر" تخطو بفستانها الأبيض الملكي، تمسك بذراع والدها الذي استرد صحته وهيبته. وفي نهاية الممر، كان يقف "يحيى"، يرتدي بذلته السوداء الأنيقة، وعيناه تلمعان بدموع الفرح التي لم يستطع إخفاءها.
عندما سلمها والدها له، همس يحيى في أذنها: "لقد انتظرتُ هذه اللحظة منذ أن كنا أطفالاً خلف سور المدرسة.. اليوم فقط، بدأ عمري الحقيقي."
ابتسمت هاجر وهي تنظر إلى الحضور، رأت النجاح، رأت والدها فخوراً، ورأت في عيني يحيى الأمان الذي ظنت أنها فقدته للأبد. انتهت قصة "ابنة الأكابر" المكسورة، وبدأت قصة "الملكة" التي بنتها الصعاب وتوجها الحب الصادق.
                تمت بحمد الله 

تعليقات



<>