رواية قلبي عدوك الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم رباب حسين
هناك لحظات يصبح فيها النجاة مستحيلة، حين تتشابك الخيانة مع الحب والدم مع الذنب، ومع من نحبهم أكثر من أنفسنا مقابل ضمير يرفض الصمت.
بعد أن انكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة لم يعد أحد كما كان... قلوب ترتجف من الفقد وأخرى تقف على حافة الانهيار، وأرواح تبحث وسط الركام عن سبب واحد يدفعها للاستمرار.
آسر يقف أمام أكبر معركة في حياته، بين عدالة يفرضها ضميره وأم ما زال قلبه عاجزًا عن كرهها.
وزياد يواجه ثمن اختياراته بين امرأة أحبها وعائلة تتفكك أمام عينيه.
وأصبحت الخيارات أقسى من تحديات الزمن.
فحين تبدأ الحقيقة في حصد ما زرعته الأكاذيب يصبح الألم هو البطل الوحيد للمشهد القادم.
وحين وقف آسر يشاهد انهيار عادل أمامه بجسد عاجز عن منعه، وقلب يشعر بألمه ويكاد يصرخ ويحطم كل ما حوله أملًا بأن يجد طريقة لإعادة بناء حياته من جديد... ولكن ظل صامد مكانه... فقط يشاهد.
هدأ عادل وافترش بالأرض ينظر أمامه بشرود، لايزال عقله لا يصدق ما سمع، اقترب منه آسر بخطى مثقلة، يخشى أن يسمع منه كلمة تجرحه أكثر، فلم يعد هناك متسع لجرحٍ جديد، جثا بجواره ثم ربت على كتفه وقال: أنا أكتر حاجة وجعاني إن إحنا ردينا كل حاجة عملتها عشاني بالغدر، إنت تستحق ناس أحسن مننا تقدر قلبك وحنيتك اللي محرمتنيش منها وعوضتني عن كل حاجة وحشة في حياتي، مش عارف هتصدقني ولا لأ بس أنا بجد حبيتك من قلبي، وعارف إن اللي هطلبه منك صعب يتحقق بس كل اللي أنا عايزه منك إنك تسامحني، أمي عملت كل ده عشاني، كانت فاكرة إن بالفلوس هتأمن حياتي، ياريتها كانت عرفت إن إنتو عندي كنتو أهم من الفلوس اللي هي جريت وراها، وفي النهاية أنا اللي خسرت، وقبل ما أمشي عايز أقولك إني حبيت أنين أكتر من روحي، أي نعم هي محبتنيش ولا شيفاني أصلًا، بس لو جات وقالتلك إني اعترفتلها بحبي ياريت متفكرش إني قولت كده عشان طمعان فيها، أنا كل همي إني أشوفها مبسوطة.
هي دلوقتي مستنياني في البيت عشان تعرف إن الفيديو بقى معايا، خلاص انسو موضوع الفيديو ده نهائي، وياريت حضرتك تيجي معايا تاخدها وترجعها بيتها، أظن إن إنتو الاتنين محتاجين لبعض دلوقتي.
ثم تحكم بألمه الذي شطر روحه ومنع صوته من الخروج، وقال بصوت مكسور: أنا مش هقدر أواجها بعد اللي حصل، بس عايزك تقولها إني مكنتش بضحك عليها، والحمد لله إنها محبتنيش، قولها متفكرش في حاجة وكفاية عليها زعل كده، قولها تعيش حياتها وإن شاء الله ربنا هيعوضها بحد يحبها ويقدرها، وعارف إني اللي هقوله ده مش منطقي بس خلي بالك منها، حاول تتماسك وتيجي تاخدها دلوقتي.
نظر له عادل وملامحه يكسوها الحزن، لامست كلماته قلبه، ورأى صدق مشاعره في عينيه، يعلم من داخله أن آسر لم يذنب ولا يجب أن يدفع ثمن ما فعلته سلوى، ولكن ستبقى الحقيقة تطارد علاقتهما.
لقد قتلت أمه أمها....
مد آسر يده له فأمسكها عادل واستند عليها، ثم وقف أمامه وقال: بلغها إني عايز أرجع مشفش ليها أثر في البيت، وورقتها هتوصلها بكرة.
آسر: أنا قولتلها تروح تسلم نفسها، والحيوان اللي عمل كده واللي صور أنين هسلمه بنفسي، بس اطمن على أنين الأول، أعرف إنها بقت مع حضرتك وبعدين هتصرف أنا.
نظر له عادل بحزن أكبر، يعلم ما يمر به آسر وكيف أتخذ ذلك القرار، فالآن يتمنى حقًا أن تجد أنين رجل يحبها مثله مجددًا.
خرجا معًا من الغرفة، وطلب آسر من الخادمة أن تضع أغراض سلوى بحقيبة وتحضرها له.
بعد وقت، نزلت الخادمة وهي تحمل الحقائب بيدها، فأخذها آسر وخرج من المنزل مع عادل، وذهبا معًا إلى منزله.
______________
في ليلة تبدل بها كل شيء، فلن يعود أحد منهم كما كان بعد تلك الليلة.
كان هناك من تجلس بفراشها، تتأمل بطرف الفراش الفارغ الذي يجاورها، فزياد لم يعد تلك الليلة، وبدأت حرب الأسئلة تعصف بعقلها في كل اتجاه، أخبرت أحمد أن زياد فضل أن يترك المنزل اليوم لهم بسبب ما حدث مع ياسر، ولكن هي لا تستطيع أن ترى سبب آخر لغيابه، تلك الكلمة التي قالها من قبل، هي مجرد نزوة تحت مسمى الزواج.
وبعد أن انتهت النزوة خرج ولم يعد، لم يعبأ بها، فقط أرسل إليها رسالة نصية، لم يحاول أن يتصل بها ليطمئن عليها وسط كل هذه المشاكل.
والآن تخشى أن تكون وقعت في خطأ أكبر من زواجها من ياسر، أن تكون عشقت من لا يستحق.
بدأ عقلها يذكرها بما فعله زياد معها منذ أن تزوجها، كيف كان يغار عليها ويحميها، كيف وقف أمام ياسر لأجلها.
طال حديث العقل مع القلب حتى تذكرت شيئًا.
والده رفض أن يعود إلى المنزل إلا بعد أن يتم الطلاق، والآن هو بمنزله إذًا قد عزم على إنهاء هذا الزواج، تذكرت أنه لم يعترف بمشاعره لها، ولا تزال تتسائل هل يحبها أم حب أنين مترسخ داخل قلبه لم يُمحى بعد.
وفي وسط تلك الأفكار لم تتحمل ألم جديد، فبكت بصمت، دموعها تنساب دون توقف، رائحة عطره لا تزال عالقة بالفراش، وفي حزنها وغضبها منه عانقت وسادته كي تتنفس برائحته، وظلت تبكي حتى نامت والوسادة بين ذراعيها.
___________
وصلت سلوى أمام قسم الشرطة، كانت تتقدم خطوة بجسد مرتعش ثم تتوقف لدقائق تنظر حولها بتوجس، قلبها يتسارع نبضاته من الخوف، تعلم أنها كلما اقتربت خطوة تودع حياتها بالكامل.
ترددت، فكرت بالهروب ولكن تذكرت أن لا ملجأ لها الآن، كانت تظن أنها تصنع مستقبلًا لابنها، لم تتخيل يومًا أنها تنهي أحلامه بيدها، لا يزال صوته المكسور ونظرته الممتلئة بكل معاني الحزن ودموعه التي تجمعت بحسرة داخل عينيه يجعلوها تتيقن أنها من قضت عليه.
والآن... عرفت أن الخسارة الحقيقية هي خسارتها له لا للمال.
تقدمت ببطء حتى وصلت إلى مكتب الضابط، طلبت الأذن بالدخول وحين وقفت أمامه نظرت له بعين تائهة، تقبض يديها بقوة وكأنها تبحث عن يد تساندها كي تتفوه بالحقيقة، ثم قالت: أنا اللي حرضت على قتل ليلى أبو عوف مرات رجل الأعمال المعروف عادل البحراوي.
وبعد تلك الجملة بدأت تشاهد ما يحدث حولها وهي واقفة محلها دون حراك، لم تسمع أي حديث يُقال، لم تتفوه بكلمة أخرى... عقلها أعلن عن نهايتها ولم يعد هناك ما يهم أكثر من ذلك، هي فقط ترغب بأن يسامحها آسر على تدمير حياته.
أما عادل وآسر، فوصلا تحت المنزل، ثم ترجل آسر من السيارة وحمل حقائب سلوى ووقف أمام المنزل يتطلع إليه من أسفل، فقال عادل: يلا نطلع.
لم يتحرك، قدميه ترفض الصعود، لن يتحمل أن يقف أمامها وهي تسمع الحقيقة، لا يريد أن يرى نظرات الكراهية بعينيها، بعد انتظاره لنظرات العشق منها أصبح متيقنًا أنه سيرى البغض والاشمئزاز.
نظر إلى عادل وقال: لأ.... حضرتك اطلع وأنا هستنى هنا، سامحني مش هقدر أشوفها بالحالة ديه لما تعرف الحقيقة، ولا هقدر استحمل نظرتها ليا.
تنهد عادل بحزن، حالته لا تقل ألمًا عما يشعر به، وربما هناك حزن بداخله لخسارته أيضًا، فهو كان بمثابة ابنًا له وقد أثبت بأنه جدير بالثقة والحب الذي غمره بهما، فلم يصمت عن الباطل وسلم والدته للعدالة وهو يعلم أنه سيخسر كل شيء، وربما هذا ما جعل عادل يتحمل ذلك الصدع الذي ضرب حياته على حين غفلة، وأيضًا سعادته بأن أنين مظلومة وأنها لاتزال تلك الفتاة التي قام بتربيتها ولم تخذله يومًا.
ربت على كتفه وصعد إلى منزله، ثم حمل آسر الحقائب ووقف مختبئًا بجوار المبنى، وظل يراقب البوابة من بعيد، يريد فقط أن يراها لآخر مرة ويودع قلبه معها، وربما قد يودع حياته بالكامل.
كانت أنين تجوب أركان المنزل بقلق، قد تأخر آسر كثيرًا ولا تحمل هاتف لتتصل به، طال الانتظار حتى سمعت طرق الباب، عقدت حاجبيها متعجبة، لماذا لم يفتح آسر الباب بالمفتاح، فاقتربت بتوجس وقالت: مين؟
عادل: أنا بابا يا أنين، افتحي يا حبيبتي.
ارتعشت يدها وهي تفتح الباب، ثم نظرت إليه وهو يقف أمامها، ولكن تفاجأت بأنه يغمرها بحنان داخل أحضانه، فأغلقت عينيها بهدوء، كم تشتاق إليه، فمنذ ذلك اليوم وهو يتعامل معها بجفاء.
فتحت عينيها بدهشة حين سمعت صوت بكائه، فابتعدت عنه على الفور وقالت بذعر: بابا إنت فاهم غلط صدقني، أنا بريئة من كل ده، أنا عارفة إنك مش مصدقني بس لو استنيت شوية آسر هيجي ويقولك كل حاجة، أنا زي ما أنا، بنتك اللي ربيتها وعارف أخلاقها وتربيتها كويس، عمري ما وطيت راسك ولا هعمل كده أبدًا، الموت عندي أهون من ده...
رفع يده أمام فمها وهو يحاول أن يتحكم بدموعه وقال: عرفت.... آسر حكالي كل حاجة، وهو بيقولك إنه وصل للفيديو ومسحه نهائي وخلاص مبقاش فيه حاجة تهدد سمعتك أبدًا.
أنين بتعجب: طيب بتعيط ليه كده؟! وفين آسر؟
عادل: بعيط عشان دخلت واحدة زي ديه بيتي، خسرتني بنتي ووقعت ما بينا عشان طمعانة في فلوسي، حطيت جنبي حية نشرت سمها في حياتي كلها، مكفهاش اللي عملته عشان تبقى مراتي لكن كمان فضحت بنتي وصورتها بالمنظر ده، وكل ده عشان الفلوس.
حركت أنين رأسها يمينًا ويسارًا في رفض، لا تستوعب ما قاله عادل الآن، ثم سألت: معلش أنا مش فاهمة قصدك على مين؟!
عادل: سلوى، هي اللي اتفقت مع صافي عشان يصوروكي، عشان أحرمك من الميراث وهي تاخد فلوسي كلها وتأمن مستقبل آسر، بس فيه حاجة تانية عملتها زمان أسوء من ديه بمراحل... سلوى هي اللي قتلت ليلى.
تجمدت الدماء بجسدها، ونظرت إلى عادل وهي تفتح عينيها على مصراعيها من الصدمة ثم قالت: يعني إيه هي... اللي قتلتها... أنا... مش فاهمة.
عادل: آسر عرف إن الراجل اللي صورك هو اللي فك فرامل عربية ليلى والسبب في الحادثة، وكل ده بالاتفاق مع سلوى، وطلب مني أجي أخدك من هنا بعد ما خلى سلوى تعترف في القسم، ودلوقتي هيسلم الراجل ده للبوليس برده.
أنين: مش ممكن، يعني هي كانت بتعمل كل ده فيا عشان الفلوس، يعني آسر فعلًا مش هو اللي كان بينقل أخباري ليك؟! كانت بتعرف منه وتيجي توقع بيني وبينك! بس... آسر.
ثم تحدثت باندفاع: آسر معملش حاجة، آسر مش زيها، لأ... آسر وقف جنبي بجد، مكنش يعرف صح؟! أيوه لو كان عارف مكنش جيه وقالك وخلى سلوى تعترف صح؟
عادل: إهدي يا حبيبتي، آسر مكنش يعرف، وأنا واثق من ده لأنه غيرها خالص، بالعكس أنا زعلان عليه زي ما زعلان على نفسي بالظبط، لكن خلاص مبقاش ينفع يبقى وسطنا تاني.
بكت أنين وقالت: بس آسر ملوش ذنب، معملش حاجة يا بابا، آسر.... بيحبني، معملش حاجة، أنا متأكدة.
ضمها إليه وقال: عارف إنه بيحبك، ويمكن بتمنى إنك تتجوزي واحد بيحبك كده، بس دايمًا الحلو مش بيكمل، إدخلي هاتي حاجتك ويلا نمشي من هنا، أنا مش طايق أقعد في المكان ده عشان بيفكرني بيها.
ابتعدت عنه وقالت برجاء: طيب... هو فين؟ أنا متأكدة إنه متدمر دلوقتي، خليني استناه، خليني أشوفه بس وأقوله إني مش زعلانة منه في حاجة، أقوله إنه ملوش ذنب، مش عايزة أسيبه في الحالة ديه وأمشي، هو وقف جنبي كتير أوي ومسبنيش، أرجوك يا بابا هشوفه الأول وامشي.
عادل: هو رافض يشوفك، مستحملش يواجهك في الموقف ده ومعاه حق، يلا نمشي يا أنين.
دخلت الغرفة وهي تبكي، ثم حزمت أغراضها وحملت حقيبتها وخرجت عند عادل الذي أبى أن ينتظر بالداخل، ثم رحلت وعينيها عالقة داخل ذلك المنزل الصغير، كانت تراه قصر لا حدود له بسبب وجود آسر بجوارها، كانت مشاعره تدفء حياتها، حبه يلاحقها بالأرجاء، ودعت ابتسامتها وضحكاتها معه، ولكن قلبها رفض الرحيل معها.
نزلت إلى أسفل المبنى، ووضع عادل حقيبتها في السيارة، ثم صعدا معًا وقاد عادل السيارة ليمر من أمام آسر الذي يراقبهما من بعيد بنظرات الوداع، بدموعه التي سمح لها الهروب، وإن كانت روحه تنزف معاني الحياة داخل جسده، وتركته دون حياة، فلا حياة له دون أنين.
وحين مرت السيارة من أمام آسر وقعت عين أنين عليه، فانتفضت تنظر إليه عبر النافذة، لتراه يبكي وهو يتابع السيارة أمامه، فقالت باندفاع: آسر أهو يا بابا، استنى، وقف عشان خاطري، عايزة أسلم عليه طيب، وقف يا بابا.
عادل: خلاص يا أنين، كفاية كده، خلاص أنسيهم وعيشي حياتك، آسر مبقاش ليه وجود خلاص.
أنين ببكاء: مرة واحدة بس، أرجع يا بابا عشان خاطري.
عادل: عشان خاطركم إنتو الاتنين مش هرجع، كفاية كده النهاردة.
لم يتوقف ولم يعد، وظلت أنين تبكي حتى عادت إلى المنزل، وأول ما بحثت عنه هو صورة ليلى، ظلت تنظر إليها وجملة واحدة عالقة بذهنها: سلوى هي من دمرت حياتي، قتلت أمي وحرمتني حنانها، والآن حرمتني من آسر.
______
مر ثلاثة أيام، انتشر خبر القبض على سلوى بقضية قتل ليلى بالصحف، وقام عادل بطلاقها رسميًا.
بلغ آسر عن مكان حسن وتم القبض عليه واسترد منه الشيك الذي وقعه بنفسه، ثم وكل محاميًا للدفاع عن سلوى، وظل حسن يصيح معترضًا أنه لم يقتل أحد وأنه مظلوم.
قامت النيابة بتقديم طلب لإعادة فتح التحقيق وفتح الملف الذي حُفظ بأرشيف النيابة وحين وصل أمام وكيل النيابة قام المحامي الخاص بسلوى بالاطلاع على القضية.
أما زياد، فلم يعد إلى منزل قمر بعد، فحالة خالد لم تستقر بعد ومازال يبحث عن طريقة ليجعل عائلته تتقبل زواجه منها.
أما صافي فكانت تحاول أن تعتذر لحازم عما فعلت ولكنه رفض جميع اتصالاتها، وترك منزله وذهب ليمكث مع آسر الذي تدمر كليًا بعد أن انتشر خبر القبض على سلوى.
________
في صباح اليوم الرابع.
كانت ماهي تجلس بجوار يزن داخل الجامعة، تنظر حولها بحزن مما يحدث، ثم قالت: أنا قلقانة على أنين أوي، بكلمها صوتها صعب ومكسور بشكل وحش جدًا، بص حوالينا كده، كل أصحابنا حالتهم بقت غريبة، ده أنا بقالي يومين بتحايل على أنين تيجي ورضيت إمبارح بالعافية، ومعرفش هتنزل فعلًا ولا لأ.
يزن: وزياد كمان حالته صعبة، صافي دمرت كل حاجة هي وسالي، نفسي أصلح الوضع بينه وبين أنين، وزاد عليه كمان مرض دكتور خالد.
ماهي: اه بجد، عمي عادل كمان بيحاول يخرج من اللي هو فيه، الله يكون في عونه.
ثم صمتت قليلًا وقالت: ما تخلي زياد يجي النهاردة نقعد معاه شوية، يمكن أنين تيجي ونحاول نصلح الوضع بينهم، ولو مجتش يبقى برده حاولنا نعمل حاجة عشانه.
يزن: فكرة فعلًا، هكلمه.
رفع هاتفه واتصل بزياد الذي تلقى المكالمة فقال: إنت فين يا زياد؟!
زياد: في البيت.
يزن: ما تيجي نقعد في الجامعة شوية مع بعض.
زياد: المفروض نروح الزيارة لبابا على الساعة ٥ كده، ممكن يخرج معانا النهاردة.
يزن: طيب لسه الساعة ١٠، تعالى بس الجامعة أنا مستنيك، أشوفك بس وتغير جو شوية، يلا قوم.
تنهد زياد وقال: حاضر هجيلك.
بعد وقت، وصلت أنين الجامعة واتصلت بماهي لتعرف أين تنتظرها ثم ذهبت إليها، وجدت يزن يجلس بجوارها فنظرت له بضيق، فانتفض يزن وذهب نحوها على الفور وقال: أنا كان لازم أعتذرلك من بدري، بس الظروف كلها مش حلوة، وكنت مستني أشوفك عشان أعرف أتكلم معاكي، أنا أسف على الكلام اللي قولته كله.
أنين: لأ متعتذرش، كل ده بسبب صافي، ربنا يسامحها على اللي عملته فيا.
اقتربت منها ماهي واحتضنتها وقالت: وحشتيني أوي، إنتي ليه خاسة كده، مش بتاكلي ولا إيه؟!
أنين: مليش نفس لأي حاجة.
ثم تطلعت حولها وقالت: هو آسر مش بيجي الجامعة صح؟
يزن: سمعت إنه بيحاول يسحب ورقه من هنا، بس الإدراة رفضت وأصرت إنه يكمل ويمتحن السنة ديه وبعدين يحول، بس بيجي يشوف حل للموضوع.
أنين: عايز يهرب.
ماهي: لاحظي إن اللي بيحصل أجبره يهرب من كل الناس.
أومأت لها أنين بحزن، تتمنى رؤيته لمرة واحدة فقط، ثم تفاجأت بزياد يقترب منهم، نظرا لبعضهما البعض بصمت، ثم اقترب زياد وألقى التحية عليهم، ثم نظر نحو أنين وقال: هو إحنا ممكن نتكلم شوية؟
أومأت له أنين وذهبا معًا، جلسا بعيدًا عن يزن وماهي اللذان يرقبان ما يحدث بصمت.
طال الصمت ثم قاطعه زياد قائلًا: أعتقد أول مرة نقعد لوحدنا، صح؟
أنين: اه.
زياد: أنا كان لازم أكلمك من بدري عشان أعتذرلك عن اللي حصل بس الظروف عندي وعندك مش أحسن حاجة، أنا عرفت الحقيقة واللي عملته صافي وسالي، مش مصدق بصراحة لحد دلوقتي اللي عملوه.
أنين: يمكن اللي عملوه كان غلط كبير، بس خلينا متفقين إنه كان اختبار حقيقي لينا، كل واحد فينا عرف وإتاكد إن مشاعره مكنتش كافية.
زياد: يمكن عشان محولناش نقرب من بعض أكتر، أنا وإنتي كنا شايفين إن العلاقة مينفعش تتعدى حد معين غير بصورة صح، وده خلانا مش عارفين بعض كويس.
أنين: مش بس كده، الفكرة إننا محولناش نقرب أصلًا، وده عشان إحنا الاتنين وقفنا عند مرحلة الإعجاب وبس، لكن الحب مش كده، لما بنحب بتبقى عايزين نفضل جنب اللي بنحبه طول الوقت، نعرف عنه كل حاجة، نشاركه تفاصيل يومه وحياته، نفرح بس لمجرد ما نبقى مع بعض والوقت يجري ومنحسش بيه، وكل همنا نفضل معاهم وبس، ولما يختفي تحس إن الدنيا مبقاش ليها طعم ولا لون.
ابتسم زياد وهو يسمعها وقال: آسر صح؟
نظرت له أنين بشرود، حين تحدثت عن الحب وصفت علاقتها بآسر بالتفصيل، وكأن عقلها يخبرنا بالحقيقة التي تحاول أن تهرب منها، لا تريد أن تحزن على فراقه كحبيب، هي تتألم فقط من اختفاءه، فكيف تواجه فقد أكبر؟
زياد: أنا حاسس بيكي جدًا، ويمكن عرفت معنى الحب زيك كده لما فعلًا حبيت.
أنين: عرفت إنك إتجوزت، مبروك.
زياد: محدش يعرف خالص بجد، بس بما إنك قولتي اللي في قلبك فا ممكن تسمعيني، أنا كمان دوقت طعم تاني للحب معاها، علاقتنا صعبة ومرهقة جدًا ومحدش متقبلها، زي ما الناس حكمت على علاقتك إنتي وآسر بالفشل كده وفرقو بينكم، لكن الحقيقة إن آسر ملوش ذنب، وحرام يتحاسب على غلط مش بتاعه، الفكرة دلوقتي فيكي إنتي، هل هتقدرى تعيشي معاه بعد اللي مامته عملته ولا لأ؟ هتقدري تفصلي بينه وبينها؟
أنين: أنا تايهة أوي يا زياد، محدش حاسس بالنار اللي جوايا، آسر مكنتش علاقتنا حب أو ارتباط، بس كان سندي وضهري، صدقني ووقف جنبي، عمل معايا اللي محدش عمله، أنا مش بس زعلانة إن إحنا مش هنبقي سوا، أنا زعلانة إنه اختفى من حياتي، أنا من غيره ضايعة، عايزاه جنبي، مش حاسة بأمان من غيره، وعارفة إنه مش هيقبل يقرب مني، هيخاف يشوف في عيني نظرة وحشة ليه، مع إني عمري ما هأذيه أبدًا، ده أنا أئذي نفسي وهو لأ.
ثم بكت وقالت: اللي واجعني أوي بجد إني معرفتش إني بحبه كده غير لما بعد عني، مقولتش ليه كلمة حلوة أبدًا بالعكس، مشي وهو عارف إني مش بحبه.
ربت زياد على كتفها وقال: واضح إن إننا لازم نحاول، أنا برده مش هستسلم، مش هسمح لحد يبعدني عنها، هعمل اللي عليا لآخر لحظة وهحاول لآخر نفس بس مش هسيبها، وياريت تعملي كده إنتي كمان، واضح إن آسر بيحبك ومش كل يوم هنقابل حد نحبه كده.
أومأت له وهي تبتسم وسط دموعها، وبالخلف كان هناك من يشاهدهما بصمت، يراها بجواره، من أحبها بقلب صادق، رأها بروحه قبل عينيه، من نبض لها عشقًا وأُجبر على الرحيل، ووسط هذا النزيف من الجراحات وقف يتأملها بعيون باكية وابتسامة خجولة، وقلبه يعتصر داخل صدره، ومازال سعيد برؤية ابتسامتها حتى وإن كانت لغيره، يكفي أنها بخير.
قاطع شروده على ملامحها التي يشتاق إليها حد الجنون اتصال المحامي، فتلقى المكالمة وسمعه يقول: أيوه يا أستاذ آسر، مدام سلوى خدت إفراج من سرايا النيابة، مش حسن اللي قتلها فعلًا زي ما كان بيقول.
فتح آسر عينيه بصدمة وقال: أنا جيلك فورًا.
نظر نظرة أخيرة نحوها ثم ركض خارج الجامعة.
تُرى... هل حقًا سلوى لم تقتلها؟
