رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل الحادي والعشرون21 والثاني والعشرون22 بقلم ناهد خالد

رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل الحادي والعشرون21 والثاني والعشرون22 بقلم ناهد خالد
الإعجاب مفهوم غير مفهوم! يحدث أحيانًا بدون سبب مقنع، تسأل نفسك سؤال واضح ما الذي أعجبني في هذا الشخص؟ ما الذي جذبني له؟ والإجابة لا تكن بنفس الوضوح أبدًا.. قيل أنك حين تجيب (بلا أعلم) معناها أنك أُعجبت بهِ بقلبك لا بعقلك ولا بعينيكَ، وفي الأغلب هذا الإعجاب يدوم ويتحول لمشاعر أنبل وأصدق" 

بعد مرور يومين... 

ليت الوقت يمر بسرعة السهم الذي خرج من بيته، ليت الطريق يقصر بقصر المسافة بين عُش الطائر والشجرة! فوضعها الآن يكاد يقتلها خجلاً وحرجًا وتوترًا! وهي محمولة هكذا بين ذراعيهِ بعدما رفضت ألف مرة لكنه لم يسمع لها، وحملها تحت محاولتها للتحرك والابتعاد رغم تعبها، فهدر بها في قوة وحدة جمدتها مكانها فجعلته يرفعها بين ذراعيهِ بسرعة البرق، قضمت شفتيها حتى كادت تدميها، تبًا إنها تشعر بدقات قلبه الهادرة تحت أذنها اليمنى! وعبق رائحتة ملأ رئتيها، ولكنها وعلى أي حال نُبل يُحسب له، فلم يريد أن يرهقها في صعود الدرج بصحبة الخدم. 

وصل لغرفتها وكانت الخادمة تسبقه ففتحت الباب ودلف هو بها، اقترب من السرير فوضعها فوقه في حرص، وابتعد قليلاً بعدما حررها وهو يسألها:

_مرتاحة؟ في حاجة وجعتك؟ 

يا الله قلبها كنبض الحمامة التي ذُبحت للتو، دقاته السريعة هي حقًا ما تؤلمها، عيناه القريبة منها لهذا الحد هي ما تخرسها عن الإجابة الآن، من هنا تستطيع تحديد لون عينيهِ،إنها رمادية مخلوطة باللون الأزرق الفاتح وبها لمحة زيتونية.. تقريبًا! مزيج رائع سبحان من شَكله، لكنها تخطف.. تجعلك تغوص فيها غير قادرًا على النجاة! 

وليتها تعلم أن عيناها السوداء فعلت المثل معه! ورغم قتامة اللون وأنه ليس مميزًا ابدًا، لكنه يجذب.. يجذب للحد الذي يجعلك تريد النظر له! شعر وكأنه يحتضن السماء ليلاً، بقتامتها ولمعانها الطفيف أحيانًا، ووسع عيناها جعله يشعر بأنه وقع في بحر مليء بالأسماك خلابة الشكل، جميلة المنظر، ولكنه وقع في عتمة الليل، فلا يرى جمالها كاملاً لكنه يلمحه بلمحات خاطفة كلما تمر سمكة مضيئة مثلاً! 

_أنسة فيروز عندك ميعاد دوا. 

صوت الممرضة هو ما جعلهما يفيقان من سحر الثواني القليلة، فتراجع "شاهين" للخلف وهو يقول بنبرته المتزنة:

_لو احتاجتِ أي حاجة بلغي صفاء بيها، ونورهان كمان هتكون معاكي هي بس راحت شغلها النهاردة هتخلص شوية ورق وترجع. 

_هي مستكة فين؟ 

سألته بقلق حين لاحظت أنها لم تراها منذُ خرجت من المستشفى، فأجابها في هدوء:

_روحت... كفاية قعدتها يومين معاكي في المستشفى، هتشوف اهلها وترجع بكره في مواعيد شغلها. 

اومأت برأسها وقد انتابها حزن حقيقي لذهابها، لا تشعر أنها ترتاح وتطمئن إلا بوجودها. 

-ليه مقولتيش الحقيقة للضابط لما سألك؟ 

سألها بغتًة، فنظرت له وابتسمت وهي ترى الحيرة تزين وجهه لأول مرة، وأجابت:

_يمكن انتَ متكنش حابب ده، قولت اسيبلك انتَ الموضوع لو عاوز تقول حاجه قولها مش عاوز خلاص. 

_يعني مش عاوزه الشرطة تجبلك حق دمك اللي اتصفى ده؟ 

سألها قاطبًا ما بين حاجبيهِ في استغراب وانتظار لإجابتها، فردت بصدق وما شعرت بهِ في هذه اللحظة وأتى على لسانها:

_لو الحكومة مجابتش حقي اكيد انتَ هتجيبه، متأكده إنك مش هتسكت غير لما تجيبه... 

وحقيقًة لا تعلم من أين لها هذه الثقة! هي فقط قالت ما شعرت بهِ، وتوجست من رده لكنها شعرت بالراحة حين فُكت تقطيبة وجهه، واومأ برأسه دون رد وذهب. 

التفت للممرضة التي أتت معها لتساعدها حتى تسترد كامل عفيتها وقالت بحدة حين لاحظت تركيزها في الاحداث الدائرة أمامها:

_هاتي الدوا. 

____________

اتجهت مسرعة تلتقط حجابها وهي تقول بلهفة:

-يلا, هاجي معاكي وتخليني اشوفها, وكمان اشوف البيه اللي هي عنده واحكيله كل حاجة واترجاه يرجعلي بنتي. 

التقطت "مستكة" ذراعها وهي تقول:

-استهدي بالله بس مش هينفع, مش هينفع خالص تروحي, انتِ فاكره إنك لو اترجتيه هيرجعها؟ ابدًا انتِ كده بتأذيها.

انفعلت صارخة وهي تنفض ذراعها من قبضتها:

-ولما اقعد هنا واسيب بنتي هناك ربنا يعلم بيها ابقى مبأذيهاش! انا بندم على اليوم اللي سبتها تروح فيه, كنا اتصرفنا ان شاء الله حتى نهج ونشوف مكان تاني, بس مبعتهاش لراجل غريب!

لطمت وجهها بكفيها وكأنه للتو استوعبت الكارثة:

-يالهوي! سبتها تروح تقعد في بيت راجل غريب, دي الأمانة اللي سبهالي ابوها! انا ضيعت الأمانة, لما اقابله أقوله إيه؟ اعمل إيه بس يا ناس.

قالت "مستكة" في محاولة لتهدئتها:

-اهدي.. اهدي بس مانا قولتلك إني معاها عشان اطمنك, والله شاهين ماقربلها ولا أذاها بأي طريقه, معملهاش أي حاجة, ولو كان حصل غير كده كنت قلبت الدنيا, انا ساكتة عشان شايفة إن ربنا معديها على خير, وماتقلقيش والله لو حصل حاجه لهبلغك. 

وبالكاد استطاعت السيطرة عليها, ومنعها من الذهاب لابنتها. 

----------- 
دقات فوق الباب أذنت فيها للزائر بالدخول, فدخل مبتسمًا يلقي تحية الصباح, فابتسمت تلقائيًا ترد تحيته, ودعته للجلوس فجلس أمامها يقول:

-قولت اعدي عليكي قبل ما اروح الشغل مادام شغلك جه في طريقي, اطمن, متقابلناش بقالنا كام يوم. 

ابتسمت ترد:

-متقابلناش بسببك, معرفش كنت مشغول في إيه الفترة اللي فاتت كل ما اكلمك الاقيك مش في المود. 

شرد فيما كان يؤرقه الفترة السابقة, ولم يكن سوى "فيروز" وأحوالها, فكاد يجن جنونه بعدما خرجت من المستشفى على منزل غريمه مرة أخرى, وكـأن "شاهين" يتحداه, يتحداه أن يقف في وجهه ويأخذها منهُ, وبالفعل هو لم يقدر, بل بقى هكذا, يأكل في ذاته ويشيط غضبًا, والحل لا يجده, هل سيقتحم بيته ويأخذها عنوة! بأي صفة؟ هل يبعث لها بوالدتها لتفتعل مشكلة لتأخذها, ماذا إن سبب للمرأة أذى؟ هو لا يضمن ردود أفعال غريمه, ولا يضمن تصرفه إن ذهبت المرأة لأخذ ابنتها, هل سيهددها بألا تقترب من منزله ثانيًة؟ أم سيحتجزها معها؟ وكلا الخيارين يمكن أن يفعلهما. 

-مازن! روحت فين؟ 

قالتها "ليلى" بتنبيه فنظر لها وقد فاق من شروده وقال:

-لا تمام معاكي.

وقبل أن يُكمل حديثه فُتح الباب ودلفت فتاة تقاربها في العمر تحمل "إياد" وهي تقول:

-خدي يا ستي ابنك عمال يقطعلي ورق الشغل. 

نهضت "ليلى" تأخذ ابنها تقبله في حنان وهي تقول:

-معلش بقى هو في فترة اكتشاف, فبيحب يكتشف الأشياء.

ابتسمت لها الفتاة تقول:

_لا ابدًا ولا يهمك، انا بس قولت اجيبه قبل ما يخلص على ورق المكتب.

تبادلا بعض الأحاديث المجاملة، وخرجت الفتاة لتقول "ليلى" ناظرة لابنها تعاتبه وكأنه شاب كبير:

_ينفع كده يا إياد! من أول يوم شغل في المكتب تحرجني مع الزُملا؟

_عاملة إيه في شغلك؟ 

سألها "مازن" وأتبع سؤاله باهتمام يكمل:

_مرتاحة؟ 

هزت رأسها بهزة بسيطة غالبًا معناها أنها لا تعلم وقالت:

_لسه اول يوم ليا النهاردة اكيد مش هعرف بسرعة كده، بس يعني الناس اللي اتعاملت معاهم لدلوقتي لُذاذ، فربنا يستر. 

_إن شاء الله خير، ولو احتاجتِ أي حاجة أنا جنبك.. قريب منك اهو كلميني و١٠ دقايق هتلاقيني هنا. 

اومأت برأسها بامتنان، ثم سألته بتذكر:

_مقولتليش إيه كان شاغلك امبارح؟ 

_حوارات بيني وبين شاهين. 

رددها باقتضاب فرفعت حاجبها تسأله:

_ويا ترى مين بدأها؟ طبعًا انتَ! 

نهض بغتًة يتجه لها وحمل عنها "إياد" يقول بابتسامة باردة:

_هاخده معايا عشان تركزي في شغلك، كده كده معنديش شغل كتير النهاردة لحد ما تخلصي. 

علمت أنه يهرب منها، ولا يريد الحديث في الأمر، ولكنها لا يمكنها محاصرته، فأبسط شيء سيفعله إن فعلت سيغضب ويقلب النقاش مشاجرة، لذا تجنبت هي الأخرى استكمال الحديث في الأمر وقالت:

_هتاخده ازاي؟ هو ده ينفع؟ 

حمله بحرص وهو يجيبها:

_اه عادي... وقت ما تخلصي رني عليا وانا اجيبه واجيلك. 

_عادي انا هعدي اخده. 

قالتها بتلقائية، لينظر لها بملامح جامدة وردد:

_هتدخلي قسم الشرطة! 

وقد وعت في لحظتها عما اقترحت فعله، فصمتت، وقال هو بحدة بينما يتجه للخارج:

_ابقي رنيلي..

خرج وتبعته بأنظارها حتى اختفى، وعقلها يتسائل، متى كان "مازن" لطيفًا لهذا الحد؟ لطالما رأته الشاب الطايش، المتهور، والذي لا يهمه أحد سوى نفسه، طوال فترة ارتباطها بشاهين لم تكن تحبذ ابدًا التعامل مع مازن، هكذا ودون أي سبب، لتثبت حقيقة أن الناس قبول! ولكنها حاليًا بدأت تكتشفه من جديد، ليُثبت لها أن الإنسان لا يُعرف إلا بعد المعاشرة. 

----------
ابتسمت وهي تجده منكبًا على أحد السيارت يعمل بها غير منتبهًا لدلوفها الورشة، تنحنحت بخفة وهي تسند صينية الطعام جانبًا، فرفع رأسه لها وقال باندهاش فور رؤيتها:

_جيتي امتى؟ 

ضحكت وهي تجيبه:

_لو قصدك على الورشة فلسه داخلة، ولو قصدك على الحتة فجيت من الصبح، وهرجع بكره. 

مسح كف يده في قماشة قديمة وسألها:

_هترجعي إيه؟ في مواعيد شغلك ولا هتفضلي هناك؟ 

_لأ في مواعيد شغلي عادي، مانا قولتلك امبارح أنها طلعت من المستشفى وخلاص مابقوش محتاجني. 

_شامم ريحة حلوة! 

قالها وهو يستنشق الهواء بأنفه، لتتسع ابتسامتها تقول:

_قولت انوع، فعملتلك بيض مقلي بالسمنة البلدي، وطبق فول حار، وقليت بطاطس وبتنجان. 

رفع حاجبيهِ في دهشة وهو ينظر لصينية الطعام التي كشفت غطائها أثناء حديثها، وابتلع ريقه بشهية ونظر لها وقال:

_انتِ ليه بتعامليني على اني خمسة في بعض! إيه كل الأكل ده؟ ودايمًا بتجيبي اكل زيادة. 

_اصل يعني انتَ في الورشة ممكن تجوع باقي اليوم، مش شرط تاكل كله في الفطار، بس ممكن تجوع بعد ساعة ولا اتنين تنقنق فيهم بقى. 

_يعني عاملة حساب فطاري ونقنقتي كمان! ده كتر خيرك والله. 

_حاجة بسيطة. 

غمغمت بها وهي تتلاعب في أطراف فستانها البني بوروده البيضاء المنفوشة، وصمتا وحين طال الصمت وشعرت أن لا حديث آخر يُقال تمتمت بحرج:

_طيب همشي أنا. 

_تمام، شكرًا على الأكل، بس بلاش كل يوم تكلفي نفسك كده. 

وما كادت أن تقاطعه حتى قال بنبره صارمة:

_اسمعي الكلام يا أمل، انا مش هبقى مرتاح كده، وكل واحد فينا ربنا عالم بظروفه، فبلاش نحمل على بعض. 

_أول مرة تقولي أمل. 

قالتها بابتسامة صافية، ليجيبها محافظًا على جمود ملامحه:

_مش حاسس اسم مستكة، بحسه بيضايقني، وبعدين انتِ اسمك أمل مش مستكة. 

_أنا كمان بحب أمل أكتر بس الناس اللي طلعوا عليا مستكة، ومن وقتها مبقتش اسمع حد بينادي بأمل غير بابا. 

_لا متقلقيش، انا مش هناديكِ غير بيه، ويبقى انا والحاج. 

ابتسمت له بقبول والقت تحية السلام خارجه من الورشة، وقلبها مطمئن، يحدثها أنه بدأ يعتادها، يتقبلها، ويحب وجودها، وقريبًا لربما يحبها هي. 

------------
للمرة الثانية تتصادف معه، وكأن القدر بات يرتب لقائهما، حركت رأسها بمرح وهي تقول:

_مش كل ما امشي في حتة اخبط فيك؟ 

ابتسم "معاذ" ورد:

_طب دي أحلى حاجة، حتى رجعتِ لطبيعتك معايا اهو ونسيتِ الكسوف اللي كنتِ فيه. 

تنحنحت تبرر:

_مش حكاية كسوف.. بس فضلنا فترة مبنتقابلش وبعدنا، فكان طبيعي عدم التأقلم. 

التمعت عيناه بالحنين وهو يعاتبها:

_عدم تأقلم إيه بس! يعني تنسي معاذ اللي كنتوا طول الوقت ناقر ونقير، وكل ما جي مع اخواتك البيت لازم نمسك في خناق بعض. 

_ماهم بيقولوا الخناق محبة. 

قالتها بتلقائية وبعدها وفور أن أدركتها تلون وجهها بحمرة الخجل، وقبل أن تصلح ما تفوهت بهِ كان هو كعادته يوقفها:

_فعلاً ما كل ده كان محبة. 

نظرت له بأعين متأملة، تتأمل أن ينطق ويريح قلبها، لو أنه تزوج لكانت علمت انها لم تشغل باله يومًا، لو أنها سمعت فقط بارتباطه بفتاة لأدركت ألا تعلق نفسها وقلبها بهِ، لكنه لم يفعل أيًا من هذا، ولم يعبر لها عن إعجابه بها حتى! هو واقف في المنتصف بالنسبة لها، وأكثر ما تكرهه ويرهقها هو منتصف الأشياء. 

_فعلاً، ده انتَ حتى بقيت في معزِة مازن وشاهين. 

_مازن وشاهين! 

رددها مشدوهًا، وقطب ما بين حاجبيهِ ناقمًا يسألها:

_انتِ بجد بتشوفيني في معزِة شاهين!؟ 

ردت بخبث وعيناها يظهر بهما مكر لم يدركه:

_اومال المفروض اشوفك ازاي!؟ 

_اصل انا مش شايفك في معزِة اختي. 

قالها منفعلاً، لتخفي بسمتها وهي تسأله وقد شعرت بقرب منالها:

_اومال شايفني إيه؟ 

_معاذ انتوا واقفين بتعملوا إيه؟ 

صدح صوت "شاهين" من خلفها مقاطعًا أهم لحظة في حياتها، لتطبق جفنيها بانفعال وهي تسب في داخلها حظها البائس، فتحت جفنيها حين صدح صوت "معاذ" يجاوبه:

_ابدًا قابلتها وهي خارجة من الشركة. 

_تمام، انا همشي عشان ميعاد الغدا، يلا يا نورهان. 

ابتسمت باقتضاب وهي تتبعه، وظل "معاذ" ينظر لهما وداخله يردد

"يعني كان وقته تيجي يا شاهين! يمكن كنت نطقت!" 

ويبدو أن حظه هو الآخر أبئس منها! 

-------------

وفي سيارة شاهين... 

_مكلمتيش أخوكِ تاني؟ 

سألها وهو ينظر من نافذة سيارته للخارج في هدوء جعلها تشك أنه لم ينطق، بل هي تتوهم! وعلى أي حال أجابت:

_لأ. 

زفر أنفاسه يضيق وردد:

_مش عاجبني وضعكوا كده، ومكنتش احب يكون ليا أي دخل في الموضوع. 

_اوعا تكون فاكر إن اللي احنا فيه بسبب خناقتي معاه يوم المستشفى! لا يا شاهين، خناقتي معاه كانت جاية جاية بس جت في الموقف ده، متشيلش هم، وسيبها للظروف. 

لوى فمه ساخرًا وقال:

_اللي يسمعك يقول طلعتيه من دماغك، لكن انا عارف إنك طول الوقت زعلانة ومهمومة بسببه. 

ابتلعت ريقها بمرارة وأجابته:

_تعرف.. انا بعتله رسالة بعد اللي حصل، وشافها ومردش، رغم أنها رسالة تخيلت إنه بعدها هيجيلي لحد عندي ويقولي متزعليش وهصلح علاقتي بأخوكِ عشان خاطرك، لكن محصلش، وبعدها عرفت إننا فعلاً مبقاش لنا أهمية ولا خاطر عنده. 

مد كفه يمسك كفها يمسد عليهِ بحنو وقال:

_متزعليش نفسك، محدش يستحق زعلك حتى لو كان اخوكِ. 

مالت برأسها على كتفه تبتسم في راحة وقالت بامتنان:

_انا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه، أنا بحبك اوي يا شاهين، انتَ سندي وضهري وأغلى حاجه عندي. 

ابتسمت عيناه قبل محياه واكتفى بربطه على كفها الذي يحتضنه، هو لا يعرف كيف يعبر عن مشاعره بالحديث، لكنه يجيد الفعل. 

رنين هاتفها جعلها تعتدل لتخرجه من حقيبتها، فاتسعت عيناها وهي تبصر رقمه يزين شاشته، نظرت ل "شاهين" بدهشة مرددة:

_ده هو! 

_ردي.. 

أخبرها في هدوء، فابتلعت ريقها وهي تهدأ نفسها وأجابت، تبادلا الحديث لثواني معدودة يسألها عن حالها! وحال عملها! ثم سمعته يقول:

_نورهان الموضوع بينا سخف اوي، مش هنكر إني مضايق منك جدًا، لكن ممكن اسامحك واتغاضى عن ضيقي لو رجعتي بيتنا وبطلتي لعب عيال. 

_لعب عيال! 

رددتها مدهوشة ليجيبها في إصرار:

_اه لعب عيال، ماهو العيل اللي لما يغضب يسيب بيته ويروح يسكن عند الغُرب. 

انفعلت من إصراره على نفس نغمة الحديث، وعلىَ صوتها تقول:

_انا لا بعمل لعب عيال ولا هسيب بيت اخويا الكبير، هو مضرنيش عشان اسيب عيشتي معاه، وانا مرتاحه هناك. 

_اومال إيه لازمة الرسالة اللي بعتيها مادام مش عايزة تحلي!!؟ 

قالها بصوت مرتفع أكثر منها، فأجابته في برود ونبرتها هدأت فجأة:

_ااه، قصدك الرسالة اللي بعتها من يومين! لا ابدًا كنت فكراك لسه بتفكر، وتراجع نفسك، لكن كنت غلطانة، سلام يا مازن ومتتكلمش معايا إلا لو راجعت اخطائك وعرفتها وعرفت التفرقة اللي بتسببها انتَ بينا. 

اغلقت المكالمة معه ووضعت الهاتف في حقيبتها بعنف ثم نظرت لشاهين تقول بخنقة واضحة:

_مش عاوزه اتكلم في الموضوع. 

وهو لم يكن يجادلها فيهِ أساسًا! 

------------------
بعد مرور ثلاثة أيام آخرين... 

دلف لغرفتها كعادته في الأونة الأخيرة، كان يلقي نظرة عليها من وقت لآخر ليطمئن على حالها، اعتدلت في جلستها ما إن رأته تنتظر سؤاله المألوف وأن ترد ردها المعتاد، اقترب منها يسألها:

_بقيتِ كويسة؟ 

ابتسمت وهي تجده يصدق على توقعها ويسأل نفس سؤاله الذي توقعته، وردت:

_الحمد لله. 

وبادرها بسؤال آخر جديد:

_يعني تقدري تتحركي كويس؟ 

وكان سؤاله يحمل غموض لم تفهمه، لكنها أجابت:

_اه الحمد لله اقدر اتحرك. 

اومأ برأسه وبنفس نظرته الغامضة قال:

_تمام، في سواق بعربيه مستنيكِ تحت هيوصلك مكان ما تقوليله. 

بُهتت ملامحها وابتلعت ريقها بالكاد وسألته بعدم فهم:

_يعني إيه؟ يوصلني فين؟ 

وبهدوء تام لا يناسب الموقف أجاب:

_لأهلك.. لبيتك... للشارع.. براحتك. 
اتسعت مقلتيها في صدمة، وسألته بفاه قد فغر:
_إيه؟ 
اقترب خطوة منها وقال بفحيح أرعبها، ونظرة قاسية جمدتها مكانها:
بس لو لمحت وشك تاني هعمل اللي منعت نفسي منه دلوقتي، انا عمري ما اديت لحد فرصة تانية، لكن اعتبرتك عيلة هبلة واضحك عليها بالتهديد او غيره، والرصاصة اللي خدتيها دي شفعتلك عندي.. فهتختفي من حياتي خالص.. ولو شوفتك صدفة هتبقي انتِ الجانية على نفسك...!!!!!!
الفصل الثاني والعشرين من الجزء الثاني
ناهد خالد
فراشة في سكّ العقرب
حب أعمى

"الفقد هو أصعب شعور قد ينتابك يومًا، شعور مؤذي وقاسي، تقف أمامه عاجز ومكتوف الأيدي عن التصرف، يقولون أن أصعب ما في الموت هو شعور الأحياء.. الفراق والوجع، الحزن والفقد الذين يشعرون بهِ، يتذكرون مشاهد جمعتهم بالفقيد فتنحر في أعماقهم، يتخيلون وجوده ويستمعون لصوته في وهم عقلهم فيُعذبون حين يفجعون بالحقيقة، وأنها مجرد أوهام.. فهو قد رحل، أن ترى مكانه فارغًا، وأن ترى أشيائه تنتظره أن يستخدمها لكنه لم يعد موجود، أن تتذكر خطته التي لم يسعفه الوقت ليفعلها، تفتقده على طعام، أو في خروجة، أو في أخذ رأيه في أمر يخصك، شعور لا يمكن وصف مدى قسوته.. شعور لا يمكنك تخطيه سوى بالوقت! "

منذُ ليلة أمس وهي لم تنم... تحججت بأنها ليست بصحتها الكاملة لتذهب الآن، فتركها لليوم، على وعد بأن بليله سترحل، وسيكون السائق في انتظارها، لا تعلم لِمَ طلبت منه هدنة، وبضع وقت تبقى فيهم هُنا، رفعت رأسها على دخول"مستكة" التي سألتها فورًا:

_عاملة إيه؟ 

_الحقيني.. 

رددتها بلهفة وهي تستنجد بها، فارتسم القلق على ملامح الأخرى وهي تسألها:

_ في إيه؟ 

سردت لها ما حدث، فنظرت لها بفاه فاغر صامتة، مما جعل "فيروز" تقول بتنبيه:

_روحتي فين؟ انتِ ساكتة ليه؟ 

هزت رأسها بعدم استيعاب وقالت:

_فين المشكلة؟ ده بالعكس ده انتِ ربنا نجدك! 

فركت كفيها ببعضهما تقول بتردد:

_مش عارفه... حاسة إني.. مش عارفة، يمكن متخيلتش تنتهي كده. 

_اومال كنتِ عاوزاها تنتهي ازاي؟ 

نظرت لها بحيرة وردت:

_مش عارفة، يمكن اتفاجأت باللي عمله، مكنتش متخيلة إن رده هيكون كده! كنت فاكره إنه... صدقي كنت فاكرة إنه ممكن يقتلني..او حتى يوريني الويل! 

_طيب والحمد لله محصلش ده، ومعرفش هو مضروب على دماغه ولا إيه بس على أي حال جه في مصلحتك ومش هيأذيكِ، أنا رأيي تقومي دلوقتي حالاً، تطلبي السواق يوصلك وترجعي لأمك، انا معرفش انتِ لسه هنا ليه اصلاً.. مش فهماكي بجد..  يا بنتي المفروض تجري قبل ما يغير رأيه. 

نظرت لها بضجر وقالت:

_بقولك معرفش... حسيت إني مش جاهزة امشي، يمكن المفاجأة.. يمكن عشان حاسه إني لسه تعبانة شوية.. 

عقبت بسخرية:

_كدابة يا فُلة، كدابة، انتِ في حاجة تانية جواكِ مش عاوزه تقولي عليها. 

تغيرت ملامحها وكأنها تخفي شيئًا بداخلها لا يمكنها البوح بهِ... حتى لنفسها، بدى عليها الشرود والحيرة والتردد قبل أن تقول بصدق:

_ مش عارفه.. صدقيني مش عارفه، هتستغربي لو قلت لك ان في حاجه جوايا كانت بتقولي انه ممكن يعدي الموضوع عادي ويكمل حوار الجواز ده، طب هتستغربي اكتر لو قلتلك إني ساعتها حاسه اني كنت هكون مرتاحه ومبسوطه، يعني على الأقل هتحصل الحاجه اللي أنا شايفاها كويسه ليا وفي نفس الوقت انا مش بكدب عليه، ولا خايفه انه يعرف حاجه مخبياها. 

ابتسمت لها "مستكه" وهي تقول بحزن:

_ ما حدش بياخد كل حاجه ومش كل اللي بتتمنيه بتاخديه مع بعضه، وان كنتِ عايزه رأيي فانتِ احمدي ربنا اصلاً انه ما اذاكيش وهتطلعي من هنا سليمه زي ما دخلتي، لكن بقى الأحلام الوردية وإنك تتجوزي واحد ابن ذوات، اللي ينقلك من حياتك لحياة تانية ومن يوم وليله تبقي عايشه في قصر وعندك خدم وعندك عربيات، الأحلام دي هم سموها أحلام عشان ما بتتحققش، فبلاش تتعبي نفسك بنفسك، وارضي بكرم ربنا عليكِ انه هيخرجك منها سليمة.

هزت رأسها عدة مرات ثم رددت بمرارة تغزو حلقها:

_ انتِ صح احنا اخرنا نحلم وعمر أحلامنا ما تتحقق،  والحمد لله إني هطلع من هنا سليمه... او أقدر اقول بأقل الخساير.

قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر لوضعها وإصابتها، ثم عادت تنظر ل"مستكة" يتبادلا النظرات العاجزة و الحزينة والبائسة على وضعهما الذي لم ولن يتغير.. 

وعن "مستكة" فداخلها قبول تقرع خوفًا من عودة "فيروز" والسبب معلوم! ستفتح باب أمل جديد ل"مجد" الذي لا تضمن وجوده معها للأن، لكنها حدثت نفسها انه عاجلاً ام آجلاً كانت فيروز ستعود، وربما عودتها الآن وإن قرر مجد الانفصال عنها أفضل من عودتها بعد زواجهما، فالحقيقة أن الأمر سيكون اختبارًا قويًا له إما أن ينجح وتستمر علاقتهما، إما أن يرسب وتكن نقطة النهاية باكرة. 

_ بس انا برضو بقول استنى لأن ما ينفعش ادخل على أمي بالوضع ده، انا هقوله يسيبني يومين لحد ما استرد صحتي، الست ما تعرفش إني اصلاً اتصابت ولما ادخل عليها ماشيه بالعافية كده اكيد هتعرف يعني. 

_ لأ في دي معاكي حق، قوليله إنك تستني هنا يومين لحد ما تبقي كويسه خالص وبعدها ترجعي.

-----------

في فيلا نصر... 

أغلق "رأفت" المكالمه وابتسم ابتسامه ظفر وخبث مرددًا للذي يجلس على مكتبه أمامه:

_ حصل يا باشا، ودلوقتي قرصة الودن زمانها وصلت لابن عمران وبيتوجع كمان. 

ابتسم "نصر" وهو يريح ظهره على ظهر الكرسي وقال منبهًا:

_ أهم حاجه ما حدش يعرف أننا ورا الموضوع ده، ولا عاوزه حتى يشك في شاهين، يعني اكيد ده مش هيبقى في صالحه.. مش عاوز مرازيه! 

_متقلقش يا باشا... ابيض.. احنا ضربنا الضربة وعرفنا كويس هنلبسها في مين. 

_كويس.. 

قالها "نصر" وهو يبتسم براحة، فمنذ بدأت الحرب بين شاهين ومازن وكان يود التدخل، وتلقين مازن درسًا لا ينساه، ولكن وقوف شاهين في المنتصف هو ما حجبه عنه، والآن أتت فرصته ليخرج غيظه وغضبه منه. 

__________

لأول مرة منذُ أصبح ضابطًا في الشرطة المصرية يقف وقفه كهذه، تشبه وقفة التلميذ في الفصل أمام مُدرسه، بل ويتعنف مثله تمامًا، والأدهى هو ما قاله اللواء تاليًا:

_ للأسف يا مازن ما بقاش في ايدي حاجه اعملهالك، يؤسفني ابلغك إنك متحول للتحقيق وموقوف عن العمل لحد ما التحقيق يخلص. 

اتسعت عيناه قليلاً من الصدمة التي تلقاها فوق رأسه للتو، وردد متسائلاً على نفس صدمته:

_تحقيق! ليه يا فندم الموضوع مش مستاهل كل ده. 

ابتسم اللواء ساخرًا يقول:

_ الموضوع مش مستاهل كل ده وليك عين تقولها! يا بني ادم في صور ليك مع مجرم له سوابق عندنا قد كده ولسه طالع من قضيه قريب وانتَ اللي مطلعه منها، وبينكوا شنطة فلوس مفتوحة، يا انتَ بتديله رشوه أو هو اللي بيديك، الصورة مش موضحه بس طبيعي أي حد هيشوف الصورة دي هيعرف إنك انتَ اللي بتاخد الرشوة عشان تطبله وتداري عليه، وتطلعه من القضايا. 

حاول الدفاع عن نفسه يقول:

_ يا باشا انا لما طلعته من القضية قبل كده طلعته عشان هو فعلاً كان بريء، وانا لقيت دليل براءته، هو كان مذنب في كل القضايا اللي قبل كده بس في القضيه دي بالذات ما كانش هو المذنب. 

_ تمام... قولي بقى انتَ كنت قاعد معاه بتعمل إيه؟ وشنطة الفلوس دي بالظبط كانت رايحه من مين لمين وليه؟ قول... ما انا بقالي ساعه بسأل السؤال ده ومش بترد عليا. 

تنحنح واشاح برأسه للجهة الأخرى وكأن إجابة السؤال أصعب بكثير من الاتهام الموجه إليه، ولكنه في الأخير جاوبه يقول:

_ يعني كنت عاوزه يوصلي شوية معلومات تخص شاهين، وبما إنه سوابق وله اصلاً في المجال اللي هو فيه قلت انه اكيد هيبقى عنده معلومات أو يعرف يوصل لحاجه.. 

-يعني انتَ اللي كنت بتديله شنطة الفلوس؟  انتَ اللي كنت بترشيه يعني! او بتجنده.. 

نظر له ولم يتحدث وكأنه للتو اكتشف مدى خطأه، لينتفض اللواء من فوق كرسيه وهو يخبط مكتبه بكف يده بقوة مرددًا بصوت جهوري غاضب:

_طب تصدق بالله اهو أنا دلوقتي هأكد بنفسي على قرار تحويلك للتحقيق، عشان تستاهل لأن مية مرة قلتلك ابعد عن أم الطريق ده وسيب اخوك في حاله مادام احنا مش عارفين نمسك عليه حاجه، لكن ازاي!! سايب شغلنا كله وقضيانا وعاملي فيها المفتش كرومبو وعمال تدور وراه عشان تلم عليه أدلة، انتَ متحول للتحقيق يا حضرة الضابط وموقوف عن العمل لحد ما التحقيق يخلص ونشوفهم هيقولوا إيه فيه... وعارف اتمنى يفصلوك خالص، عشان هيبقى ده عقابك المناسب على نشفان راسك طول الفترة اللي فاتت... اتفضل سلم متعلقاتك ومشوفش وشك هنا إلا لما نتيجة التحقيقات تبان. 

ولأول مرة يشعر بالمعنى الحقيقي للأهانة و الإجبار على تقبل الذُل، فهو في العادة لا يسمح لأحد أن يحدثه بهذة الطريقة، وكان دومًا يتجنب الخطأ في شغله كي لا يصل لهذة النقطة ولكنه وصل بفضل مجهول لن يرتاح إلا حين يعرف من هو. 

____________

علمت من "صفاء" أنه بمكتبه يقوم ببعض الأعمال قبل أن يخرج للشركة مرة أخرى، اتجهت له بخطى بطيئه تدق باب مكتبه وبعد قليل سمعت أذنه بالدخول، فدلفت لتجده منكبًا على الأوراق التي أمامه، في الأغلب يقوم بوضع إمضته عليها، فتنحنحت ليشعر بها ويرفع رأسه يطالعها في جمود وكأنه لا يراها حتى قالت بصوت منخفض:

_ كنت عاوزه اخد بس من وقتك دقيقة، عاوزه اكلمك في حاجة. 

لم يعطيها اذنًا للبدء في الحديث أو الانصراف! 
فظل على وضعه وجمود وجهه الذي لم ينبئها بشيء، فابتلعت ريقها وهي تقول ما أرادته دفعة واحدة:

_انا بس كنت عاوزه اطلب منك لو ينفع افضل يومين هنا لحد ما اقدر اتحرك كويس عشان اعرف ارجع لماما، لانها ما تعرفش حاجه عن موضوع الإصابة، وبصراحة مش عايزة اقلقها عليا والموضوع هيكبر لو عرفت إني حصلي حاجه زي كده وما حدش بلغها. 

_ وانا المفروض اشيل هم إن امك تعرف ولا ما تعرفش... أو تقلق ولا ما تقلقش! 

قالها بعد ثواني من الصمت بعدما انتهت من حديثها حتى شعرت أنه لن يجيبها بشيء، ولكن حين أجاب ابتلعت ريقها بحرج وقالت مجيبة:

_ يعني لأ، اكيد مش المفروض... بس ما اعتقدش إن يوم أو يومين زيادة هيضايقوك او هيفرقوا في حاجه. 

نظر لها لثواني أخرى وكأنه يراها للمرة الأولى، ثم أجاب بنبرته الجامدة:

_ مش هيفرقوا... 

وقبل أن تقول شيء آخر وقد كانت تود أن تشكره! قطع عليها الطريق وهو يقول بينما يعاود النظر في الأوراق:

_خدي الباب في ايدك. 

وانسحبت تخرج تجر حرجها وغيظها في آنٍ. 

______________

في اليوم التالي..... 

قالت "نورهان" وهي تطالع شقيقها أمامها بينما يتناولا طعام الغداء:

_ انا مش عارفه حالة مازن دلوقتي هتكون عامله ازاي، ده مهووس بشغله! فكرة انهم يحولوه للتحقيق وكمان يوقفوه عن شغله حاجه صعبة، ومش هيتحملها... اقولك على حاجه.... انا... انا يعني بصراحة.. بفكر اروحله، هو أكيد دلوقتي محتاج حد جنبه صح؟؟؟ 

وقد بدا التردد واضحًا على جملتها الأخيرة، وربما كان ينتابها بعض الخجل من أن تعرب عن رغبتها في الذهاب له بعد كل ما حدث، والذي يعلمه (شاهين) جيدًا، لكنه لم يحرضها ضده، ولم يعارضها الفعل، بل قال في هدوء تام:

_ لو حاسه انك عاوزه تعملي كده روحيله. 

_ يعني لو تحبي تاخدي رأيي... اعتقد انه فعلاً هيكون محتاجك أوي دلوقتي، وحتى يعني لو قال كلمتين ما لهمش لازمه من واجبك تستحمليه وتكوني جنبه، انتِ أخته. 

قالتها "فيروز" متدخله في الحديث بحذر، فابتسمت لها "نورهان" وهي تقتنع بحديثها وقالت: 

_خلاص انا هخلص غدا وهطلع اغير هدومي واروحله، اكيد يعني في البيت هيروح فين. 

والتزموا جميعًا الصمت... ولا يشغل عقل "شاهين" سوا سؤال واحد... من فعل هذا بمازن وأوقعه في شر أعماله بهذه الطريقة؟ من له مصلحة!!؟ 

____________

كانت تقود سيارتها متجهه ل "مازن" حين استمعت لصوت رسالة تأتي على هاتفها فنظرت بطرف عينيها لشاشته المضيئه لتجد الرسالة عبر أحد  مواقع التواصل الإجتماعي من "معاذ"، قطبت ما بين حاجبيها باستغراب فهو لا يبعث لها رسائل إلا قليل جدًا، ودومًا ما تكن رسائل مهمة، فجذبت هاتفها تفتحه لترى فحوى الرسالة فوجدتها رسالة مختصرة  منه يقول فيها 

"محتاج اقابلك، في موضوع مهم محتاج اكلمك فيه... موضوع متأجل من سنين.. بس خلاص مش هأجله أكتر من كده" 

نبض قلبها نبض مختلف... نبض فرِح وهي تشعر بما يريدها فيه، أحقًا قرر النطق أخيرًا؟ أحقًا قرر أن يعترف لها بمشاعره ويأخذ خطوة؟ ضحكت بسعادة وهي تتمنى أن يكون ما فهمته هو الحقيقة، وأخذت نفس عميق وزفرته تهدأ من نفسها تقول:

اهدي يا نورهان.. اهدي عشان لو ما طلعش هو ده اللي في دماغك هتبقى حسرة كبيرة.. فاهدي خدي نفس واهدي وردي عليه.. قوليله إنك فاضيه بعد ساعتين تقابليه واهدي لحد ما تعرفي هو فعلا عاوزك في إيه. 

وبعثت له الرسالة تحدد الميعاد والمكان... 

وبعثت بعدها برسالة لمازن تقول فيها:

"انا جيالك البيت... لازم اكون جنبك.. حتى لو مش عاوزني جنبك برضو هعمل واجبي معاك ومش هسيبك.."

ورفعت رأسها للطريق لتكن الغفلة التي انهت حياتها...!!!!! 

---------

بعد ساعة ونصف... في أحد مستشفيات القاهرة.. 

"للأسف ملحقنهاش... الحادثة كانت صعبة أوي والعربية دخلت في عربية نقل كبيرة.. حاولنا والله.. بس هي جاية في لحظاتها الأخيرة... "

صرخة خرج نصفها والنصف الآخر كتمته فيروز وهي تستند على الحائط خلفها ودموعها تجري كالمطر، وجمود تام نال من الشقيقين الى أن استوعبا الخبر، فمال" مازن" بجسده على كتف شقيقه وكأن الأرض لا تحمله، وهو يردد بحسرة وألم لا يُوصف:

_نورهان!!! 

وعن" شاهين" فكان صامدًا ظاهريًا وداخليًا صوت يصرخ... 

شقيقتي! شقيقتي الصغرى! ذهبت.. هكذا في لمح البصر، ذهبت على غفلة ألم تعدني بأن تحكي لي مقابلتها مع شقيقها فور عودتها، لِمَ لم تعد! ألم تصفني بأني آمانها أين كنت أنا وهي تفقد حياتها؟ كيف سمحت للموت أن يسرقها هكذا؟ نورهان! نقطة الوصل الوحيدة في العائلة! نورهان! الصغيرة التي لم استوعب أنها صارت فتاة يافعة بعد! كيف.؟كيف يمكن للوجع أن يتجاوز حده لهذا الحد؟ 
اختي! 

كلمة رددها فاهه من بين حربه الداخلية... والصوت الآخر يصرخ "عودي فوالله قلبي لا يحتمل الفراق"... 



تعليقات



<>