رواية في قبضة الأقدار الفصل الثاني 2 بقلم نورهان العشري

       

 رواية في قبضة الأقدار الفصل الثاني 2 بقلم نورهان العشري

🍓الفصل الثاني 🍓


كل الأشياء التي تمنيتها لم احصُل عليها ! و بالمقابل رفضت كل الأشياء التي ارادتني. و هكذا استمرت معاناتي مع الحياة و لا أدري الي أين يأخُذني طريقي ؟ و لكني اتلهف لنهايه سعيدة لم تكن يومًا في الحسبان …


نورهان العشري ✍️


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


لم تنتهي معاناتي مع الحياة بل أظنها بدأت . فبالرغم من كل ما مررت به إلا أن ذلك الألم الذي أشعر به الآن كان ثقيلًا للحد الذي جعلني اود الهرب من كل شئ حتي من نفسي …


مهما بلغت قوتك و صلابتك يومًا ما ستجد نفسك بحاجه للهرب من كل شئ. هكذا كانت تشعر و هيا تسير بذلك الرواق الذي بدا طويًلا لا ينتهي كمعاناتها تمامًا فلطالما اختبرت الحياة صبرها بأقسي الطرق بداية من خسارتها لوالدتها في عمر التاسعه عشر و توليها أمر العنايه بطفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها و مرض والدها الذي لم يكن يتحمل فراق زوجته و ظل يُنازِع في الحياة حتي لحق بها بعد سبعة أعوام قضاها بين أروقة المشافي و هيا خلفه تسانده بكل لحظات مرضه و تعتني بشقيقتها الصغيرة دون كلل لتتوالي الصعاب حين أجبرتها الحياة عن التخلي عن حلمها بعد أن اجتازت السنه الأولي من كليه الطب بتفوق لتجد أن أحوالهم الماديه و العائليه لا تسمح لها بالإستمرار بها و اُجبرت علي تحويل أوراقها لكليه التجارة و التي لا تتطلب حضورًا مستمرًا و لا أموال كثيرة و هذا احزن والدها كثيرًا و لكنها كانت تتظاهر أمامه بأنها لا تهتم و أن هذا الأفضل لها و استمر الحال حتي استرد الخالق أمانته و تركها والدها تواجه مصاعب الحياة وحدها و قد كانت شقيقتها مازالت بعمر المراهقه مما جعلها تُثابِر و تُجاهِد حتي حصلت علي عمل في إحدي الشركات الكبيرة و بإجتهادها و برغم كل العراقيل و الصعوبات التي واجهتها إلا أنها استطاعت أن تُثبِت أقدامها و تثبت نفسها في العمل و استمرت الحياة تارة هادئه و تارة صاخبه حتي ظنت بأن الحياة ابتسمت لها اخيرًا حين تعرفت علي « حسام الصاوي » كان زميلها في العمل و قد تعرفت عليه بعد أن كان قادمًا من فرع الشركه بمدينه الإسكندريه للعمل في الفرع بالقاهرة و قد سرق فؤادها فور أن وقعت عيناها عليه و قد وقع في حبها هو الآخر و ظنت بأنها أخيراً وجدت طريق السعادة حين طلب منها أن يتقدم لخُطبتها و بالفعل تمت الخطبه و قد كانت في قمة سعادتها معه فقد كان كالحلم وسيم، لبق، ذو بنيه قويه، متوسط الطول، بشوش الوجه و ذو حس فكاهي كان يهون عليها الكثير و يدعمها بكل الطرق و استمرت الحياة الورديه بينهم لبضعة أشهر و لكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن و فجأة تغير كل شئ حين جاءتة ترقيه و التي تتطلب السفر للعمل في فرع الشركه بالخارج و قد طلب منها حسام الزواج و السفر معه و لكنها كانت مُكبله بواجبها تجاه شقيقتها التي ليس لها أحد في تلك الحياة سواها و هكذا وجدت نفسها في مواجهه صعبه وضعها بها حسام الذي اتهمها بأنها لا تحبه و لا تفكر في مستقبلهما و لم تنفع محاولاتها في التأثير عليه و إقناعه بحبها له لذا اضطرت أن تأخذ جانب شقيقتها في النهاية فهيا أبدًا لم تتخلي عنها حتي لو كان الثمن سعادتها معه . و أخبرها قلبها بأنه إن كان حقًا يُحبها سوف يتفهم دوافعها و لكن اتتها الصدمه حين علمت بزواجه من زميله لها و السفر معها الي الخارج . حينها شعرت بأن كل عالمها أنهار حولها. الأمر كان مروعًا لدرجه انها إصابتها الحمي التي جعلتها طريحه الفراش لشهر كامل تهذي بإسمه تنتفض كل ليله كعصفور صغير إصابته صاعقه البرق فمزقته الي أشلاء لتهرول اليها شقيقتها تحتضنها محاولة تهدئتها و قد استمر الحال طويلًا إلي أن استيقظت ذات يوم و هيا تشعر بالنفور من ما وصلت اليه حالتها و قد نفضت عنها ثوب الضعف و ارتدت قناع القوة و اللامبالاة و قد أقسمت حينها بألا تدع شئ في الحياة يهزمها . و لكن الضربه هذه المرة لم تكن قويه و لا مؤلمه بل كانت مميته للحد الذي جعلها عاجزة عن التنفس تشعر و كأن كل شئ انهار فجأة لأول مرة بحياتها تتمني الموت بل و تشتهيه عله يريحها من هذا الألم الذي تشعر به فقد كانت الخسارة فادحه فمن كانت تقاوم لأجلها و تتحدي كل الصعاب في سبيل الحفاظ عليها هيا السبب في هلاكهما معًا .

كانت تجر قدماها لتصل إلي غرفة شقيقتها و لا تعرف ما الذي عليها فعله و لا كيف ستواجهها و لكنها مُجبرة علي تلك المواجهه.

تقدمت الي الدخل بخطً ثقيله فوجدت جنه التي كانت تتسطح علي ظهرها و وجهها في الناحيه الآخري و قد كانت ترفرف برموشها كمن يحارب واقعًا أصبح مفروضًا عليه و لكنها ما أن سمعت صوت الباب يغلق خلفها حتي تجمدت الدماء بعروقها و شعرت بضربات قلبها و كأنها إبر تنغز بكامل جسدها فتؤلمه بطريقه لا تُحتمل و لا تتناسب مع سنوات عمرها الواحد و عشرون .

 

توقفت فرح أمامها تناظرها بملامح جامدة و عينان جاحظه و كأنها تمثال جميل نقش علي ملامحه الوجع و لونت الخيبه تقاسيمه فلم تستطع جنة إيقاف سيل الدموع الجارف الذي اجتاح مُقلتيها و أخذت شفتيها ترتعش حين سمِعت تلك الكلمه البسيطه المكونه من ثلاث احرف كانت حادة كنصل سكين انغرز بقلبها 

" ليه !"


كانت تلك الكلمه التي استطاعت فرح التفوه بها و التي كانت يتردد صداها بعقلها الذي كان كالمسعور يريد معرفه الإجابه علها تهدئ من نيران غضبه و لو قليلًا و لكن لم يصل الي مسامعها سوي صوت بكاء جنة التي كانت شهقاتها تشق جوفها من شدة الألم و لم يستطع لسانها سوي التفوه بعبارات إعتذار واهيه لا تسمن و لا تغني من جوع 

" انا اسفه يا فرح سامحيني ."


لا تعرف كيف خرج صوتها بتلك القوة حين صرخت و هيا تقول بقلب ممزق 

" ردي عليا . عملتي في نفسك كدا ليه ؟"


ارتعشت جنة رعبًا من مظهر شقيقتها التي بدت و كأن الصدمه اصابتها بالجنون و قد انشق قلبها لنصفين كونها السبب في حالتها تلك لذا حاولت التحرك من مكانها لتصل إليها فلم تستطع من شدة الألم فحاولت مد يدها لتمسك بيد شقيقتها التي كانت علي بعد خطوتين منها و لكن حدث ما لم تتوقعه هيا أن ابتعدت فرح بفزع عن ملامسه يدها و كأنها شئ مقرف تتقزز منه مما جعل تنفسها يزداد بشدة و كأن قلبها قد فاض به الوجع فقرر الخروج من مكانه و ازداد ارتعاش فمها الذي خرجت الكلمات من فمه بصدمة ممزوجه بعتاب و ندم 

" فرح . ارجوكي تسمعيني"


ناظرتها فرح بعينان ارتسم بها الخيبه و الغضب و القهر في آن واحد قائله بمراره 

" سمعاكي. سمعاكي يا مدام جنه !"


كلنت تلك الكلمه مرة كالعلقم في فمها حين تفوهت بها و لكن كان بداخلها شعاع امل بسيط بأن تنفي شقيقتها ذلك العار الملصق بها و لكنها قابلتها بدموع الإقرار بذنبها العظيم مما جعلها تسقط جالسه فوق اقرب مقعد قابلها و هيا تقول بضعف ممزوج بخيبه امل 

" هتقولي ايه يا جنه . عندك ايه تقوليه ؟ في ايه ممكن يمحي الجريمه الي عملتيها في حق نفسك و حقي ؟ ليه يا جنه ؟ ليه رخصتي نفسك كدا ؟ ليه دانا ضيعت عمري كله عشانك ! ليه يا جنه ليه ؟؟"


كانت كلمات شقيقتها حادة كنصل سكين أخذ يمزق قلبها إربًا و هيا لا تستطيع سوي البكاء فقط فقط تبخر كل شئ من عقلها في تلك اللحظه حين رأت شقيقتها منهارة بتلك الطريقه فقد اعتادت عليها قويه شامخه و قد كانت تراها الجدار الذي تتكئ عليه دائما و لكن الآن انهار جدارها الحامي و كانت هيا الفأس الذي حطمته ! 


للحظه لم تدرك ما حدث و لكنها ارتعبت جين رأت فرح تهب من مكانها تقف أمامها و قد ارتسم الجنون بنظراتها و قست ملامحها و امتدت يداها تمسك بكتفيها تهزها بعنف و هيا تقول بلهجه قاسيه و نبرة قويه 

" ردي عليا . عملتي كدا ليه ؟ "


و كأن لسانها فقد قدرته علي الحديث فلم نستطع سوي ان تبكي بعنف و هيا تهز رأسها يمينًا و يسارًا و قلبها يرتجف رعبًا و ألمًا كُلما هزتها شقيقتها التي قالت بصراخ 

" ردي عليا ."


اتبعت جملتها بصفعه قويه سقطت من يدها علي خد جنة التي برقت عيناها مما حدث و توقف جسدها عن الاهتزاز و تجمدت الدموع بمقلتيها من فرط الصدمه التي كانت اضعافها من نصيب فرح التي تراجعت خطوتان للخلف و هيا تنظر إلي كفها تارة و خد جنة تارة آخري غير مصدقه ما فعلته و لكن تلك البقعة الحمراء علي وجنة شقيقتها جعلتها تُدرِك ما حدث لتجد نفسها تهرول للخارج دون أن يكون لها القدرة علي إيقاف قدميها و لم تشعر سوي و هيا خارج بناء المشفي فتوقفت تحديدًا أمام الباب الرئيسي لتستعيد أنفاسها الهاربه و أخذ صدرها يعلو و يهبط فسقط جزعها العلوي إلي الأمام و أسندت يدها فوق ركبتيها و هيا تلهث بقوة و عبراتها ترتطم بالأرض أمامها دون توقف .

مرت لحظات و هيا علي هو الحالة إلي أن استطاعت أن تستقيم في وقفتها و اخذتها قدماها إلي الحديقه و ما أن خطت خطوتان حتي تسمرت في مكانها حين وجدت ذلك الجسد الضخم يقف أمامها بشموخ يعطيها ظهره و دخان سجائره يشكل سحابه هائله فوقه فقادها الفضول لتتقدم خطوتان إلي حيث يقف و وجدت نفسها تقول بصوت مبحوح 

" انت بتعمل ايه هنا ؟"


لا يعلم كيف و لكنه علم بهوية ذلك الصوت الذي كان منذ بضعة أيام مليئ بالتحدي و العنفوان و الآن اصابه الضعف و الخيبه حتي خرج مبحوحًا جريحًا بهذا الشكل 

" نفس السبب الي مخليكي هنا "


هكذا أجابها بإختصار دون أن يستدير لينظر إليها فقد توقع ملامحها من المؤكد أنها تحمل ألم نبرتها .

تقدمت خطوتان حتي وقفت بجانبه و قد بدأت تعي ما يحدث حولها فأخذت تنظر أمامها بضياع قبل أن تسمعه يقول بنبرة جامدة 

" كان عندك حق !"


صمتت لبرهه قبل أن تقول بنبرة خافته 

" هو عامل ايه دلوقتي ؟"


أخذ نفسًا طويلًا فشعرت بأنه يجاهد حتي يخرج الكلام من بين شفتيه حين قال بجمود

" ادعيله "


لم تنظر إليه فقد كانت تشعر بأنها عاريه تقف علي رمال متحركه و لا تملك سوي الدعاء الذي لا يقدر علي ذلك القدر المظلم سواه لذا رددت بصوت خفيض و لكنه مسموع 

" اللهم إني لا اسألك رد القضاء و لكني اسألك اللطف فيه "


وجد نفسه لا إراديًا يردد ذلك الدعاء و لكنه بداخله فقد كان لأول مرة بحياته يقف عاجزًا مُكبل بقيود القدر الذي وضع شقيقه الأصغر قاب قوسين أو أدني من مفارقة الحياة فوضعه خطر للغايه هكذا أخبرهم الطبيب و هو لم يستطع الإنتظار بالداخل فقط شعر بالإختناق و بالضعف الذي لا يليق به خاصةً و أنه الداعم الرئيسي لعائلته لذا ترك شقيقته و والدته و بجانبهم سليم أخاه الأصغر في الدخل و خرج الي الهواء الطلق عله يستطيع التنفس و اخراج شحنات ألمه بلفائف سجائره التي تناثرت أسفل قدميه بإهمال فشكلت صورة من يري عددها يُجزِم بأن هذا الشخص حتمًا يُريد الإنتحار .


" معرفتش الي حصل دا حصل ازاي ؟"

لا تعلم لما خرج هذا السؤال السخيف من فمها فما حدث لا يكن بالشئ الهام أمام عواقبه و لكنها أرادت قطع الصمت القائم حتي تهرب من الاحدايث التي تدور بعقلها و تقوده الي الجنون.

" لا . بس هعرف "

كانت إجابة قاطعه كلهجته و لكن ما بعدها كان يحمل الوعيد في طياته أو هكذا شعرت حتي جاءها صوته صلبًا تشوبه بعض الخشونه حين قال 

" اختك عامله ايه ؟"


كانت تود لو تصرخ بالإجابه التي كانت تمزق قلبها الي أشلاء و لكنها كتمت بكائها الذي كان يهدد بالإنفجار و ابتلعت غصه مريرة قبل أن تقول بنبرة ثابته 

" الحمد لله"


الحمد لله هي الكلمه المُعبِرة دائمًا عن الحال مهما بلغ سوءه و لكن دائمًا هناك يقينً راسِخًا بقلب المؤمن يُخبره بأن ذلك القدر الذي اختاره الله له ليس إلا خيرًا مهما حوا من الصعاب و الأزمات لذا أغمضت عيناها رددت بقلبها 

" الحمد لله الذي لا يُحمد علي مكروه سواه "


ما أن أنهت جملتها حتي اخترق مسماعها صوت صراخ و عويل قادم من الداخل انتفض علي إثره هو الآخر و ردد بقلب مرتعب 

" حلا !"

بلمح البصر وجدته يهرول للداخل و دونا عنها اخذتها قدماها خلفه حتي تفاجئت من ها المشهد المرعب حين وجدت فتاه بعمر اختها أو ربنا اصغر قليلا و هيا تنوح و تنتحب و بجانبها رجل آخر يحتضنها و قد كان هو الآخر في حالة من الإنهيار الصامت الذي تجلي في عيناه التي تناظرها بصدمه و ضياع . حينها توقفت غير قادرة علي التقدم خطوة واحده فقد وقعت الصدمه عليها هيا الآخري فجمدتها بمكانها خاصةً عندما وجدته يسقط علي الكرسي خلفه بضعف غريب يتنافي تماما مع حدة ملامحه و شموخه السابق الذي كان يحيط به و تبددت تلك الهالة من الهيبه التي تحيط به و تحولت إلي ضعف كبير فهيا عندما شاهدته اول مرة كان تعلم أن عمره أربعون عامًا و قد بدأ اصغر بكثير أما مظهره الآن يوحي بأنه قد تجاوز السبعين من عمره …


فألم الفقد قادر علي سحق الإنسان بين طياته و إنهاك  الروح للحد الذي يجعلها كثوب مُهلهل تبعثرت خيوطه 

حتي أن كل فلسفه العالم لا تستطع إصلاحه و لا مواساته عما فقد.. فلا بكاء ينفع و لا صراخ يشفع و الصمت مُميت و البوح ليس بكلمات تُقال بل يشبه تفتت الجبال..

( أعاذانا الله و إياكم من فقد عزيز ) 


نورهان العشري ✍️


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


شعرت بنغزة كبيرة في صدرها و الذي اخذها جرًا الي غرفة شقيقتها بقلبً لهيف فتحت الباب بقوة مندفعه الي السرير الذي تستلقي عليه جنة التي ما أن شاهدتها حتي التمعت عيناها الباكيه و همت بالحديث لتتفاجئ بفرح تحتضنها بقوة لم تتوقعها و يدها تشدد من عناقها بكل ما اوتيت من حب و ضعف و خوف فهيا صغيرتها التي ربتها و اعتنت بها طوال حياتها و إن كان خطأها جسيمًا بل مروعًا فهيا لا تستطيع سوي أن تحمد ربها علي نجاتها ..


أخذت جنة هيا الآخري تشدد من عناق فرح و هيا تبكي بقوة و داخلها ينتفض تزامنًا مع شهقاتها التي تردد صداها في أنحاء الغرفه التي شهدت علي شتي انواع المشاعر في تلك اللحظه فقد كان الندم و الإعتذار من جانب جنه و الخوف  و الغضب من جانب فرح و قد كان الألم شعور مشترك بينهما لذا طال العناق لدقائق حتي أفرغت الفتاتان ما بجوفهما من مشاعر و كانت أول المنسحبين فرح التي كانت تحني رأسها بتعب فامتدت يد جنة تحت ذقنها ترفع رأسها إليها و هيا تقول بنبرة بها الكثير من الاعتذار و الندم  


" والنبي ما توطي راسك كدا أبدًا . انا معملتش حاجه في الحرام . حازم جوزي "


لوهله لمع بريق الأمل بعيناها ما أن سمعت حديث شقيقتها فخرجت الكلمات مرتجفه من بين شفتيها و هيا تقول بترقب 


" جوزك ؟"


اهتزت نظرات جنه للحظه قبل أن تقول بتوتر 

" اه جوزي .. احنا اتجوزنا عرفي .. بس الورقتين معايا في البيت و هو بيحبني اوي وعمره ما هيتخلي عني . انا واثقه من دا والله هو طلب مني نعمل كدا عشان نضغط عليكي و علي أهله عشان توافقوا علي جوازنا .  و لو مش مصدقاني هخليه يقولك كدا بنفسه ."


قالت جملتها الأخيرة بلهفه بعدما لمحت تلك النظرة المنكسرة بعين شقيقتها و اختفاء تلك اللمعه التي ظهرت عندما ذكرت زواجها منه .

كانت كالغريق الذي وجد زورق النجاة بعد إنقلاب سفينته في بحر هائج و الذي اتضح بعد ذلك بانه زورق مثقوب قابل للغرق في اي لحظه هذا كان حالها عندما سمعت جملتها عن ذلك الزواج العرفي الذي لن يعترف به أحد خاصةً بعد وفاة حازم فانطفئ شعاع الامل من عيناها و شعرت بالشفقه علي حالها ما أن تعلم بما حدث و نظرًا لعذاب شقيقتها الظاهر جليًا علي محياها و إصابتها العضويه و النفسيه آثرت تأجيل الحديث لحين أن تستعيد صحتها و كذلك لتستطيع التفكير هيا بهدوء في تلك الكارثه التي بدت و كأنها حلقة مغلقه لا مخرج منها ابدًا ..


" نامي دلوقتي و لما تصحي نبقي نتكلم ."

هكذا خرج صوتها جافًا به بحه بكاء مكتوم لم يعد وقته الآن فحاولت جنة الحديث لتوقفها كلماتها الصارمه حين قالت 

" قولتلك نامي دلوقتي و بعدين نبقي نتكلم .."


ابتلعت حروفها و هيا تنظر إلي شقيقتها التي كان ثوب القسوة جديد كليًا عليها و قد آلمها ذلك كثيرًا و لكنها داخليًا تعترف بأنها تستحق اسوء من ذلك و بأن الموت هو الجزاء الذي تستحقه علي جُرم اقحمها به غبائها و انسياقها خلف قلبها ..


كانت ليله طويله علي الجميع لم ينم بها أحد سوي جنة التي أعطاها الطبيب مهدئًا حتي يحميها من ذلك الألم الكبير في ذراعها المكسور و تلك الكدمات التي انتشرت في أماكن متفرقة في جسدها و لكنه لم يستطع حمايه روحها المعذبه و لا قلبها المكدوم و قد تمكنت منها الكوابيس التي ايقظتها مرات كثيرة و هيا تنتفض صارخه لتتلقفها يد فرح التي كان عذابها كبيرًا للحد الذي منعها من النوم و من البكاء و من اي شئ قد يريحها فقط انفاس قويه تقذفها من جوف وجعها و كأنها جمرات حارقه حتي عندما كانت تهرول لإحتضان شقيقتها التي كانت ترتجف لم تستطع التفوه بكلمه واحده فقط تعانقها و تمسد بيدها فوق خصلات شعرها الي أن تهدأ و تعود للنوم .


أخيرًا بزغ نور الصباح ليُعلِن عن بِدأ يوم جديد مُحملًا بأوجاع الأمس التي سيكون الشفاء منها أمرًا مستحيلًا و قد تترك ندوب ستستمر معهم طوال حياتهم .


وضعت فرح يدها علي عيناها التي لم تستطع التأقلم بعد علي نور الصباح الذي دخل من النافذة فنهضت بتعب من مقعدها و دلفت الي المرحاض تغسل وجهها و خرجت لتجد الممرضه و الطبيب الذي كان يعاين شقيقتها و أمر الممرضه بإعطاءها ادويتها فبادرته فرح بالحديث بصوت مبحوح 

" حالتها عامله ايه يا دكتور ؟"


الطبيب بعمليه

" زي ما قولتلك حالتها مش خطر و مع الانتظام علي الادويه أن شاء الله هتبقي احسن بس طبعًا مش هينفع تروح قبل ما نطمن عليها . "

فرح بهدوء

" يعني قدامنا قد ايه كدا  ؟"


لاح بعض التوتر علي ملامح وجهه و لكنه سرعان ما اختفي و قال بعمليه 

" ممكن اسبوع مش اكتر ان شاء الله"

ثم تابع بإشفاق لامسته من بين كلماته

" انتي الي واضح عليكي الإرهاق اوي ودا غلط  "

لاحت ابتسامه ساخرة علي شفتيها قبل أن تقول بصوت لا حياة به 

" مش هتفرق كتير يا دكتور. المهم هيا تقوم بالسلامه. "


الطبيب بإشفاق 

" هكتبلك علي شويه مقويات عشان مينفعش انتي كمان تقعي . انا عرفت منها انك عيلتها الوحيدة . و لازم تكوني جمبها خصوصًا في الوقت دا .."


لم تجادله فرح التي كانت في تلك اللحظه نفذت كل قواها فأخذت منه الورقه بصمت و ما أن أوشك علي المغادرة حتي قالت بلهفه

" دكتور معلش ممكن تخلي حد من الممرضات يفضل جمبها ساعه بس اروح البيت اجيب هدوم ليا وليها و شويه حاجات كدا . زي ما حضرتك شفت انا جيت جري و معناش اي حاجه هنا .."


الطبيب بتفهم 

" مفيش مشكله . أنا هعين ممرضه مخصوص تفضل جمبها لحد ما تروحي و ترجعي "


كان اهتمامًا مبالغ فيه و لكنها في وضع لا يسمح لها بالسؤال و  لا حتي بالتفكير لذا هزت رأسها و تمتمت بعض عبارات الشكر قبل أن تشرع في تجهيز نفسها للمغادرة ..


*****************


تلك اللحظه حين تضع قبله أخيرة فوق جبين ميت كان يعني لك الحياة و أكثر ، حين تشعر برجفه قويه تضرب أنحاء جسدك ما أن تُلامس برودة و سكون ذلك الكف الذي لاطالما كان يعج بالدفء و الحياة . نظرتك الأخيرة حين تشاهد جزءًا كبيرًا من روحك ينشق عنك ليتواري معه تحت الثري . تلك اللحظات لا تُنسي ابدًا بل تظل عالقه في ذاكرة القلب و كأنها نُحتت من رحم النار التي تبقي مشتعله إلي أن يحين اللقاء بهم في العالم الآخر…


(اللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار و فقد الأهل و الاحبه)


نورهان العشري ✍️


🍁🍁🍁🍁🍁🍁


كان في طريقه للمشفي لإستلام جثمان أخيه حتي يتم دفنه ليذهب الي مثواه الأخير و كم كان ذلك الأمر شاقً علي قلبه الذي للآن لم يستوعب تلك المصيبه التي حلت بهم . لم يدرك ماذا يحدث حوله أصوات النحيب و البكاء تحيط به في كل مكان، النساء متشحات بالسواد الرجال ملامحهم جامده مكفهرة، أعينهم تمتلئ بالقطرات التي تأبى الهطول . حزن عميق يسيطر علي الهواء حولهم لأول مرة لا يسمع زقزقة العصافير عند الصباح حتي أن الشمس مختبئه خلف السحاب تأبي الظهور. السماء تُرعِد و المطر ينهمر بغزارة و كأن الطبيعه تشاطرهم حزنهم الغائر و مصابهم الكبير .


ما أن أوقف سيارته أمام باب المشفي حتي وجد سيارة سليم التي كان جانبها الأيمن مهشم و كأن جدارًا سقط فوقها أو أن أحدهم كان يحاول إنهاء ألمه و شحنات غضبه في قطعه جماد لا ذنب لها .

ترجل سليم الوزان من السيارة الخاصه به و قد كانت بعض قطرات الدماء تنساب فوق جبهته و يبدو أن هناك جرحًا غائر لا يأبه له صاحبه الذي كان يحمل بقلبه جرحًا اكبر مما يستطيع تحمله .

اقترب منه سالم و عيناه تحمل من القلق ما تعجز الشفاه عن التعبير عنه و قد امتدت يداه لملامسه الدماء المنسابه من جبهه أخاه و هو يقول بخشونه

" حصل ايه ؟"


 تراجع سليم خطوة للخلف و هو يقول بلهجه جافه 

" متقلقش حادثه بسيطه ."


ضيق سالم عيناه و اشتد به الغضب حتي ارتجف جفنه الأيمن و قال بلهجه قاسيه 

"  سلييم . "

سليم بلهجه حادة 

" مش الي في بالك يا سالم . دي كانت حادثه زي ما قولتلك ."


أطلق سالم زفرة حادة قبل أن يقول بنبرة قاطعه 

" هخلي الدكتور يشوفك قبل ما ناخد حازم و نمشي ."


عند ذكره لاسم أخاه الراحل ارتجفت شفتيه و اختنق الحديث بجوفه و كان سليم لا يقل تأثرًا عنه و لكنه دون أن يشعر أفرجت عيناه عن دمعه حبيسه تحكي مقدار الوجع بصدره فأخذ عدة انفاس حادة قبل أن يقول بصوت متحشرج 

" عايز اشوفه يا سالم . عايز اطلب منه يسامحني "


لم يتحدث فلم تسعفه الكلمات جل ما استطاع فعله هو أن تمتد يداه تمسك بكتف أخيه و ابتلع غصه مريرة قبل أن يقول بلهجه جافه 

" متحملش نفسك ذنوب معملتهاش . الي حصل دا قدر و مكتوب ."


لم يستطع سليم الحديث و اشتبكت عيناه مع عين شقيقه في حديث صامت دام للحظات و كان سالم اول من قطعه حين استعاد هدوءه الظاهري و قال بصرامه 

" يالا بينا عشان الدكتور يشوفك . مينفعش ماما تشوفك كدا . كفايه الي هيا فيه "


و بالفعل انصاع سليم لأوامره دون جدال و توجها معًا لإستلام الجثمان و لكن استوقفهم الطبيب الذي ما أن رآهم حتي تحدث قائًلا بعمليه 

" سالم بيه . كان في موضوع مهم عايز اتكلم مع حضرتك فيه "


سالم بجمود

" موضوع ايه ؟"

الطبيب بتوتر 

" ممكن تتفضل معايا علي مكتبي عشان نقدر نتكلم براحتنا "


دون التفوه بأي حرف توجه الأخوان الي مكتب الطبيب لمعرفة ماذا يريد ..


************


علي الجانب الآخر كانت جنة ترقد علي مخدعها بهدوء يتنافي تمامًا مع ضجيج قلبها الذي كان ينتحب ألمًا و شعور  الخوف الذي أخذ يتسلل الي صدرها الذي لا تعلم لما انقبض فجأة فشعرت بأن التنفس بات ثقيلًا عليها فأخذت تحاول تنظيم أنفاسها بصعوبه و لسوء الحظ فالممرضه التي عينها الطبيب لترافقها حالما تأتي شقيقتها قد استأذنت لبعض الوقت و لا تعلم لما تأخرت فأخذت تحاول التحرك فآلمها ذلك أكثر و قامت بإسناد رأسها للخلف مُغمِضه عيناها و أخذ صدرها يعلو و يهبط بسرعه كبيرة إلي أن  سمعت باب الغرفه الذي فتح بعنف مما جعلها تشهق بصدمه تحولت لذعر كبير و هيا تري ذلك الرجل الضخم الذي كان يناظرها بعينان  تشبهان الجمر في إحمرارهما و  ملامح قاسيه مع فم مشدود بقوة و كأن أحدهم يجاهد حتي لا يطلق وحوشه لتفترسها فأخذت ترتجف رغما عنها من فرط الخوف خاصةً حين أخذ يتقدم بخطً سُلحفيه و عيناه لا تحيد عنها و كأنها مذنبه و هو جلادها فأخذت تتراجع في جلستها الي أن التصقت بظهر السرير خلفها و هيا تقول بهمس خافت 

" انت مين ؟"


أظلمت عيناه و قست ملامحه أكثر و هو يقترب منها حتي أصبح أمامها مباشرة و قام بالإنحناء لتصبح عيناه المستعره بجحيم الغضب امام عيناها التي ترتجف من فرط الخوف و قال بوحشيه و لهجه تحمل الكثير من الوعيد بين طياتها 

"انا عزرائيل الي هياخد روحك بعد ما يخليكي تشوفي جهنم علي الأرض . "


ازدادت رجفتها و أخذت أنفسها تتخبط بصدرها الخافق بعنف و هيا تقول بشفاه مرتعشه 

" انت عايز مني ايه ؟"


ازدادت وحشيه ملامحه و هو يقول قسوة 

" عايز ادمرك و اخليكي تلعني اليوم الي خرجتي فيه من الحادثه دي و انتي لسه فيكي الروح "


ازداد رعبها و هطلت العبرات كالفيضان من بين عيونها وقد كانت كل عضله في جسدها ترتجف بعنف من ذلك المجنون الذي يقف أمامها يلقي علي مسامعها تلك التهديدات البشعه التي لم تستطع تحملها فقالت من بين دموعها 

" حرام عليك انا عملتلك ايه ؟"


امتدت يداه تقبض علي خصلات شعرها تكاد تقتلعه من جذوره فخرجت منها صرخه قويه لم تؤثر به بل تابع حديثه و هو يزمجر بقوة و كأن كلمتها كان جرمًا كبيًرا قد اقترفته 

" اخرسي . ليكي عين تتكلمي . بسببك هدفن اخويا الصغير تحت التراب . اخويا مات و هو زعلان مني و انتي السبب . هو مات و واحده رخصيه زيك لسه عايشه . بس وحياة غلاوته عندي لهخليكي تدفعي التمن غالي اوي.  و تعرفي أن ولاد الوزان لحمهم مسموم الي يفكر يقرب منهم مصيره الموت ."


قال جملته الأخيرة صارخًا بوعيد و لكن للحظه توقف جسدها عن الإهتزاز بين يديه و جحظت عيناها و بهتت ملامحها و شحب لونها فمن يراها يظن أنها علي مشارف الموت بينما عقلها أضاء بحقيقه مرة كالعلقم و هو أن المقصود بذلك الحديث ليس سوى حازم !

و كان شفتيها ترجمت ما يدور بعقلها حين قالت بخفوت 


" حازم مات ؟"

لم تكن تعلم هل كان جوابًا أن سؤالًا و لكنها بكل الاحوال حقيقه ترفضها بشدة و أخذت رأسها تتحرك يمينًا و يسارًا و شفتاها تطلقان عبارات الرفض و قد كان كل ذلك يحدث أمام عيناه الصقريه التي كانت تتابع انهيارها بزهول سرعان ما تحول لغضب عندما ظن بأنها تحاول خداعه فقام بالصراخ في وجهها الذي كان قريب منه بدرجه كبيره 

" بطلي الحركات دي. لو مفكره انك ممكن تضحكي عليا بيها تبقي غلطانه "


لم يتوقع أبدًا انهيارها بهذا الشكل بل صُدِم بشدة حين وجدها تضرب صدره بقوة بقبضتيها و أخذت تصرخ بحرقه قائله من بين صرخاتها

" اخرس . حازم ممتش.  حازم مسابنيش  . حااااااازم "


و كأنها كانت تقول مايريد قوله كان هذا الانهيار الذي يشتهيه تمامًا كانت تلك الكلمات تتردد بصدره هو الآخر هذه الدموع يتمني لو يستطع إخراجها . كانت حالتها تلك هيا ما يتمني أن يعيشه و لو للحظات حتي يفرغ غضبه و ألمه الذي يكاد يقضي عليه . فجأة شعر بشئ يبلل صدره فاخفض بصره فوجدها تلقي برأسها فوق موضع قلبه مباشرة و يدها تقبض بشدة علي قميصه و صوت بكائها يخترق سمعه و لدهشته وجد يداه تحيط بها في غفلةً منه و حينها لم يستطع السيطرة علي دموعه التي سقطت لتغرق خصلات شعرها . و كأنه يشكو لها ألمه و ذنبه و ضعفه

 

كانت لحظه عجزت حواسه بها عن الاستجابة لإشارات عقله .ففجأة توقف الزمن من حولهم و كأنهم تشاركا الألم سويًا . لحظه قطعها هرولة فرح التي سمعت صراخ شقيقتها فانتابها الفزع و سقط كل ما بيدها و هرولت الي غرفتها لتتفاجئ بذلك المشهد جنة تبكي و تنوح و رأسها ملقي على رأس ذلك الرجل الغريب عنها و الذي ما أن سمع ارتضام باب الغرفه بالحائط حتي استفاق من تلك الغيبوبه التي غرق بها للحظات و قام بدفعها و الإرتداد للخلف ليصعق من مظهرها المبعثر و دموعها المناسبه من عيناها لتختلط بدماء سالت من أنفها و أخذت تتساقط علي وجهها فمن يراها الآن يجزم بأن تلك الفتاة علي وشك الموت حزنًا و ألمًا 

قاطع نظراتهم صراخ فرح التي اندفعت تجاه شقيقتها و هيا تقول بعنف و قسوة 

" ابعد عن اختي ؟ انت عملت فيها ايه ؟"


خرجت الكلمات من فمه كأسهم نيران حارقه 

" كان في كلمتين بيني و بينها و خلاص قولتهم . "


وجه أنظاره لجنة و هو يقذف الكلمات من فمه بينما عيناه ترسلان إشارات التهديد الصريحه 

" خليكي فاكرة اسم سليم الوزان دا كويس عشان نهايتك هتكون علي ايده "


اندفعت فرح نحو شقيقتها و قد تملكها الغضب الشديد و تولدت بداخلها غريزة الحمايه لشقيقتها و طفلتها فقالت بقوة توازي قوته 

" انت اتجننت يا جدع انت . جاي تهددنا بكل بجاحه "


ازداد غضبه أكثر و قال بشراسه 

" البجاحه دي اختك واخدة دكتوراه فيها. بس انا بقي هعرف اربيها و اربيكي كويس اوي "


ما أن انهي جملته حتي أتاه صوت سمره بمكانه و الذي لم يكن سوي لشقيقه الأكبر الذي قال بلهجه قاسيه 

" سليم !"


التفت سليم الي أخاه الذي كان يقف بشموخ أمام باب الغرفه و الغضب يلون تقاسيمه و قد تجلي ذلك بنبرته حين قال بخشونه 

" بتعمل ايه هنا ؟"


سحب سليم اكبر قدر من الأكسجين بداخله قبل أن يقول بنبرة جافه 

" كان في رساله كنت جاي اوصلها و خلاص وصلتها "


قال كلمته الأخيرة و هو ينظر لجنه التي كانت ترتجف بين أحضان شقيقتها و لا تبالي بشئ شوي تلك الحقيقه السوداء التي تجاهد حني تستطيع الهرب منها بشتي الطرق لذا تجاهلت تهديداته و كأنها لم تكن موجهه إليها و قالت برجاء 

" حازم جراله ايه يا فرح ؟ قوليلي أنه كويس و بخير . ارجوكي  "


توقف سليم أمام باب الغرفه يستمع إلي استفهامها المتألم و لكنه كان غضبه اقوي من أي شعور آخر فتجاوز أخاه و اندفع الي الخارج بينما بالداخل لم تجد فرح ما تخبرها به فقط شاطرتها البكاء و علي وجهها إمارات الأسف و لكن عيناها كانت تقتنص ذلك الذي مازال واقفًا أمام باب الغرفه و عيناه كالصقر تتلقف كل حركه تصدر منهم . دام تفحصه للحظات ثم أعطاهم ظهره دون التفوه بأي حرف فنظرت إلي شقيقتها و قالت بلهفه 

" جنه دقيقة و رجعالك "


هرولت الي الخارج فاصطدمت بظهره حين وجدته ينتظرها و كأنه كان علي يقين من قدومها فخرجت شهقه خافته من جوفها و انتشر الخجل علي ملامحها و تراجعت خطوتان للخلف و هيا تناظره بكبرياء قابله هو بسخريه ظهرت بصورة خاطفه في نظراته التي سرعان ما عادت لجمودها و قد اختفي ذلك البريق الآخاذ الخاص بهما و الذي كان يضيئها في اللقاء الأول لهما و كأن مصباحها انطفئ. 

دون أي مقدمات خرج الكلام من فمه بخشونه تليق بملامحه كثيرا 

" مش عايز اي حاجه تتسرب للصحافه . "


قطبت جبينها و قد ادهشها حديثه فقالت بعدم فهم 

" و ايه دخل الصحافه في الي حصل  ؟"


ناظرها بإستخفاف قبل أن يقول بقسوة

" الي مات دا يبقي حازم منصور الوزان . "


شعرت بأن حديثه يحمل إعصارًا من الألم و الغضب فوجدت نفسها تقول بشفقه تسللت بغته الي داخل قلبها 


" البقاء و الدوام لله "


هز رأسه دون أن يجيبها و قال بلهجه جافه و كأنه يلقي أوامره و عليها السمع و الطاعه 

" هسيبلك حراسه علي باب الاوضه عشان لو حد من الصحافه حاول يوصلكوا "


خرجت الكلمات منها حادة غضبًا من لهجته الآمره

" احنا مش محتاجين حراسه احنا نعرف نحمي نفسنا كويس "


زفر بحدة قبل أن يقول بنبرة فولاذيه و عينان ترسلان سهام التحذير

" كلامي يتنفذ من غير نقاش ."


فرح بسخريه و قد نست كل شئ يحدث حولها فقط ذلك الرجل المتعجرف المغرور الذي ينجح في إثارة غضبها كلما التقت به 

" اوامرك دي تمشي عالناس كلها إلا عليا. و بعدين لو هتحمينا يبقي احمينا منكوا الي اخوك عمله دا غلط كبير اوي . أيًا كان وجعه مالوش حق أبدًا يعمل الي عمله و يدخل يهدد جنه بالشكل دا "


كانت تناطحه و كأنهما متساويان و كان هذا يزيد من وقود غضبه الذي يحاول أن يقمعه بداخله خوفًا من عواقب وخيمة لا تحمد عقباها و قد تجلي غضبه بنبرته حين قال  بقسوة من بين انفاسه

"    ادعي ربنا انه ميكونش لينا حق عندكوا عشان هيكون تمنه غالي اوي. اشك انك تقدري تدفعيه ."


جفلت من نبرته القاسيه و كلماته الحادة كنصل السكين و لكنها كالعادة تظاهرت بالثبات و حمدت ربها بأن نظارتها الطبيه حجبت عنه اهتزاز حدقتيها . و قالت بصوت يملؤه التحدي

"و لو احنا الي لينا حق عندكوا ؟"

تغيرت نظراته كليًا و طافت فوق ملامح وجهها قبل أن يقول بخشونه

"  اتأكدي انك هتاخديه مني انا شخصيًا "


كانت تلك آخر كلماته التي القي بها و استدار بهيبته الطاغيه التي كانت تبعث علي نفسها الرهبه فزفرت بحدة قبل أن تستند علي الحائط خلفها و هيا علي يقين من ان شقيقتها قد اقتحمتهم بالجحيم الذي ستظل شياطينه تلاحقهم لوقتً طويل ..


عِند حلول المساء كانت جنة غارقه في نومًا عميق بفعل المهدئ القوي الذي أعطاه الطبيب لها بعد انهيارها الشديد أثناء النهار غافله عن اقدام الشر التي أخذت تتقدم من مخدعها تنوي الفتك بها دون رحمه و ما أن وصلت الي مخدعها حتي أطلقت سهام نظراتها الحارقه علي تلك التي تنام لا حول لها و لا قوة و قذفت سمومها بجانب أذنها بصوت كفحيح الافاعي 

" نومتك الأخيرة هتكون علي أيدي و زي ما دفنته هدفنك انتي كمان ..

              الفصل الثالث من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>