رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل التاسع عشر19 والعشرون20 بقلم ناهد خالد

رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل التاسع عشر19 والعشرون20 بقلم ناهد خالد
أمام فيلا شاهين المنشاوي...

"الأمر كان أشبه بخمود بركان بعد ثورانه, فلحظات الغضب مخيفة, وخطيرة كثوران البركان تمامًا, لا يمكنك توقع ما ستنتهي إليهِ الأمور, شد وجذب والنهاية مجهولة, إما هدوء إما خراب" 

بعدما كان الأمر على أشده هدأ بفعل حديث "نورهان" وانهيارها الوشيك الذي أقلق أخويها, فحدق "مازن" ب "شاهين" بنظرة طويلة متوعدة, فلا يعني صمته الآن أنه صمت للأبد, بل يهدأ قليلاً حتى تمر العاصفة وللقتال بقية, وانسحب بعدها من المحيط بأكمله لتدلف بعدها "نورهان" للفيلا دون أن تلقي نظرة واحدة على "شاهين" فيبدو أنها بالفعل غاضبة! 

-اهدى يا شاهين, هو شكله جاي يستفزك مش أكتر.

قالها "معاذ" ليعارضه "شاهين" قائلاً:

-لأ, مش استفزاز, هو فعلاً عاوز يعمل كده, واضح إنه حس بالذنب ناحيتها بأنه ورطها في مشاكل كانت هتضيع حياتها, فقرر زي ما دخلها يبعدها.

-وانتَ هتعمل إيه؟

نظر لها وأجاب بنبرة قاطعة:

-انا لما قررت اتجوزها طلعتها من حسبتي مع مازن, فمتتوقعش مني اجي دلوقتي اقولها اتفضلي امشي وارجعي لحياتك عشان البيه ميحسش بالذنب. 

صمتا لثواني حتى قال "شاهين" محدثًا "مرسي":

-فهم رجالتك إن لو اتغابوا واتصرفوا من دماغهم مرة تانية هجيب رقابتهم, ورقابتك معاهم.... 

اقترب منه حتى أصبح أمامه تمامًا فهمس له بفحيح:

-مش اخو شاهين المنشاوي اللي يترفع عليه سلاح.. وفي بيتي! احمد ربنا إني هعديهالك المرادي, لكن لو كان حصله حاجة.. كنت اول واحد هتحصله.

وابتعد عنه متحركًا في طريقه, ليبتلع "مرسي" ريقه وهو يشعر بالخطر, إن وضعه "شاهين" في قائمته السوداء من كثرة أخطاءه لن يحمد العاقبة أبدًا, وعليهِ ألا يجازف بحياته. 

-------------
وبداخل الفيلا.. 

سألت "مستكة" للمرة العاشرة:

-يعني هي كويسة ولا جرالها حاجة؟ 

تشدقت "سوسن" بعصبية:

-في إيه يا مستكة! ده المرة الألف اللي تسألي نفس السؤال, ما قولتلك احنا منعرفش بس بيقولوا بقت كويسة, بعدين مالك كده خايفة عليها ولا إيه! ولا خايفة على مصالحك معاها؟

توجست من حديث "سوسن" ويبدو أنها وضعت نفسها في مأزق من كثرة سؤالها حول وضعها الصحي:

-قصدك إيه بمصالح؟! 

أجابتها "سوسن" بذكاء فطري:

-فكراني مش ملاحظة طلوعك ودخولك عليها, وكل حاجة تعوزها متطلبش غيرك...

شحب لونها قليلاً وهي تسمع حديثها وتتوقع أن القادم لن يعجبها, لكنها تنفست براحة حين أكملت الحمقاء:

-اكيد بتتدحلبي ليها عشان تشوفك بقرشين, وخايفة يجرالها حاجة ل الحنفية تقفل.

ابتسمت لها ببلاهة وهي تقول:

-اه... زي ما كانت الست شدوى بتشوفك أيام ما كانت لسه هنا عشان تكوني عصفورتها, لكن أنا فيروز هانم اخرها معايا تطلب انضف حاجه او ارتبلها الأوضة, شغل شريف يعني. 

قالتها ساخرة وهي تنصرف من أمامها وقلبها يأكلها قلقًا على فيروز.

وقفت في مكان نائي في الحديقة بعيد عن الأعين وأخرجت هاتفها تطلب رقم "مازن", لم يجيبها من أول مرة, ورجحت أنه الآن لا يطيق أحد بعد ما حدث بينه وبين أخيه, فالجميع استمع لصوت العيار الناري, وحينها سمعت همس البعض بما حدث في الخارج, وفهمت الوضع, لكن على أي حال لابد من أن تحدثه, لابد أن يجد لها طريقة لتطمئن بنفسها على "فيروز", وبعد عدة محاولات فتح المكالمة وسمعت صوته يقول بعصبية:

-في إيه لكل الزن ده!؟

تجاهلت نبرته الغاضبة وقالت بجدية:

-مازن باشا انا عاوزه اطمن على فيروز, عاوزه اروح اشوفها.

-وانتِ هتروحي تشوفيها بصفتك إيه؟ بنت اختها! بطلي جنان انا مش ناقصك.

كان من الواضح أنه يقود سيارته, وأصوات الزمور ترتفع حوله, لكنها لم تأبه وهي تتجاهل سخريته:

-لا مش بنت اختها, بنت حتتها وصاحبتها, مينفعش ما اطمنش عليها في الوضع ده. 

-وهتروحيلها ازاي يا ام عريف؟ يا ترى عندك خطة أو حجة لروحتك.

ردت بحيرة:

-معنديش, بس هفكر, انا قولت أقول لسعادتك يمكن تساعدني ادخلها من غير ما حد يعرف.

صمت لثواني كأنه يفكر ثم قال:

-ماشي, هظبطها عشان انا كمان محتاجك تشوفيها وتطمنيني عليها, بس اسمعي, عاوزك لما تروحي من الشغل تعدي على أم فيروز تعرفيها إنك مع فيروز في المكان اللي هي فيه, عاوزها تطمن عشان الست قلقانة جامد, ولو قالتلك تقوليلها تكلمك فهميها إنه صعب وإنها مش هتعرف تعمل ده اليومين دول. 

-ماشي, مانا كنت عاوزه اطمنها من الأول واعرفها اني معاها بس انتَ اللي رفضت.

وضح موقفه:

-عشان لو كانت عرفت من بدري كانت هتدوشك وتوترنا بسؤالها عن فيروز وانها عاوزه تكلمها, ومش بعيد كانت تطلب منك تاخديها للمكان اللي هي فيه, لكن دلوقتي لازم تعرف عشان تهدى لأنها مش مطمنة, وكمان فيروز خلاص.. اول ما هتخرج من المستشفى انا هطلعها من كل ده, هرجعها لأمها وانهي كل العك ده.

عاتبته وهي تقول:

-دلوقتي عرفت إنه عك يا باشا! عرفت إن من الأول مكانش ينفع تدخل البت الغلبانة دي في حاجة, وإنها مهما عملت لا قدك ولا قده. 

أتاها صوته يقول بنبرة شعرت بها نادمة:

-لما حسيت بالخطر وإنها كان ممكن تخسر حياتها فعلاً وانا ملحقتش اعمل لها حاجة لقيت نفسي مقدرش اتحمل ذنب موتها, ولا دعوة من أمها. 

همهمت تقول وهي تتلفت حولها لتتأكد أن لا أحد يسمعها:

-سمعتهم بيقولوا انها مكانتش المقصودة من الطلقة, ده حد كان قاصد شاهين بس جت فيها.

استمعت لصوته المصدوم يسألها:

-انتِ متأكده من كلامك ده؟

-هم قالوا قدامي كده, واكيد يعني مش بيقولوا أي كلام, لأن واحد من الحرس هو اللي وصل الكلام لبت شغاله هنا. 

-يعني شاهين مش هو اللي عمل فيها كده؟ 

رددها بصوت هامس, وكأنه يعيد ترتيبات عقله, وبعدها رفع صوته يخبرها:

-اقفلي دلوقتي, وبعد شغلك هكلمك تقابليني عشان تروحي تطمني عليها.

وأغلق معها المكالمة, ليتوقف بسيارته جانبًا, وعقله لا ينفك عن التفكير, وأكثر ما يخشاه أن يكون قد رفع سلاحه على أخيه باطلاً, فإن كان "شاهين" لا دخل له فما كان من حقه أن يفعل ما فعله ويذهب له ليهدده في عقر داره, يهدده! وهل كان من الممكن أن ينفذ تهديده ويقتله! 
بالطبع لا, والسبب أنه ضابط شرطة لا يمكن أن يورط نفسه في جريمة منكرة كهذه, فقط؟ .... يبدو أن هذا فقط ما اقتنع بهِ عقله ولا يريد مواجهة نفسه بشيء آخر.
-------------------------- 
في المستشفى... 

تهادت في خطواتها, ترتدي ثياب مُنكِرة, لا تناسب أبدًا قدومها لمستشفى ورؤية مريضة, فكانت ترتدي تنورة بنية جلدية تصل لقبل ركبتيها, وتلتصق بها حد التصاق الجلد باللحم, وكنزة بيضاء بدون أكمام فقط حمالات رفيعة تصل لحافة التنورة, وحذاء بكعب عالي أبيض, وحقيبة بنية, تسير بخيلاء حتى وصلت لغايتها, فاقتربت تحت ذهول الجالس على بُعد منها فوق أحد كراسي المكان.

-شاهين!

وصلت أمامه تبتسم في هدوء متقن وهي تسأله بسعادة تنضح بها مقلتيها:

-اخبار فيروز إيه؟ قولت اجي اطمن عليها... واجب بردو, مش عشنا تحت سقف واحد فترة.

حدق ثيابها من أسفل لأعلى باستنكار وتهكم واضحين, وعاد بنظره لها يجيب:

-كويسه... هتكون كويسه, اختفيتي وظهرتي لوحدك! 

نفضت شعرها للخلف بدلال وأجابت في ثبات:

-انا مختفتش, انا بس بعدت, بعدت عشان جدي ما يرجعنيش معاه, لأني ست ناضجة وكبيرة كفاية عشان اختار المنطقة اللي اسكن فيها, ولما حسيت إن جدالي معاه مش هييجي بفايدة, خدت ابني وروحت سكنت في منطقة تناسبنا, وبدأت شغل اونلاين هيوفرلي دخل كويس جدًا... قولت استقل بنفسي واعتمد عليها, غِلط؟ 

هز رأسه بهزة بسيطة وقال بلامبالاة:

-لأ, بس كان المفروض تعرفيهم.

-اعرفهم, ولا اعرفك؟

سألته بنبرة خبيثة وكأنها اوقعته في فخ الحديث, لكنها ما حذرت إنه لا يقع ابدًا, فأجابها بما جعل داخلها يغلي كالمرجل:

-تعرفيهم, انا مبقاش يهمني اخبارك, وملكيش تعرفيني حاجة, وإن كان على تيم فانا كنت عارف مكانكوا, بس لأن الموضوع ميهمنيش مقولتش لحد ولا فكرت اقربلك.

اتسعت عيناها ذهولاً تردد بعدم تصديق وهي تجلس جواره:

-كنت عارف مكانا؟؟!

-اكيد مش بالغباء اللي صورلك إني مش عارف اوصلكم! 

ظهر الحزن على ملامحها تجيبه بخفوت عكس عنفوانها السابق في الحديث:

-لا, بس كنت بقول مستحيل تكون عارف مكانا ومتجيش تشوفن... تشوف تيم.

-لا كنت عارف, وتيم وقت ما كنت هحب أجيبه لعندي أشوفه كنت هعمل كده.

"أجيبه لعندي أشوفه" لم تغفل أبدًا عن هذه الجملة والتي عاكست جملتها, إذًا يخبرها بكل وضوح أنه كان سيبتعد عن أي صدفة قد تجمعهما, حاولت الابتسام وهي تغير الموضوع بعدما لم تجد فائدة من الحديث فيه, بل بالعكس يقهرها أكثر:

-سيف وبابي كانوا عارفين مكاني, انتَ طلقتني وده حقك, وانا من حقي أعيش حياتي مكان ما حب وزي ما حب. 

يبدو أنه ضجر من الحديث, فقال بهدوء وهي ينظر لباب غرفة العناية:

-اكيد. 

ضغطت على أسنانها غاضبة, وقد بدأ غيظها يتصاعد وبالكاد تكبته, لاحظت أنظاره المعلقة بباب الغرفة, فقالت بحدة اتضحت في نبرتها:

-ما دام هي في العناية وجودك هنا ملوش لزوم.

نظر لها بجمود, فأكملت مبررة:

-يعني قعدتك وتذنيبك هنا وكمان شغلك اللي سايبه, ملوش داعي وجودك هنا, اكيد الدكاترة هيبلغوك لو في جديد. 

سألها بنبرة جامدة أربكتها:

-ودي نصيحة منك ولا تدخل ملوش داعي.

تلجلجت في ردها وهي تقول:

-لا.. اكيد... اكيد يعني نصيحة.

-تمام, بس انا اكيد مش مستني نصيحتك, مش جيتي تطمني عشان الواجب! شكرًا على واجبك ونورتي. 

اتسعت عيناها من فظاظته, هل يطردها؟ ولم تستطع التحكم في غضبها المشتعل وهي تقول:

-انا مش مصدقة بقى انتَ شاهين اللي اعرفه, للدرجادي مبقتش عاوز تكلمني ولا تقعد معايا! 

نهض واقفًا يردد بنفاذ صبر:

-اعتقد ده لا وقته ولا مكانه, انا عندي مليون حاجة تانية اهم افكر فيها واشغل وقتي بيها.

-غيري.. 

قالتها وهي تنهض لتتحرك حتى وقفت قباله واكملت:

-عندك حاجات اهم من إنك تضيع وقتك معايا, تمام, انا غلطانه إني جيت اصلاً... انا مجتش عشانها, انا جيت عشانك, عشان اشوف حالتك, متأثر باللي حصلها ولا عادي.. بس اهو عينك منزلتش من على باب اوضتها وكأنك مستنيها تفتحه وتطلع, هي ازاي قدرتك توصلك كده؟ عملت إيه زياده عني عشان.... 

-شدوى! انزلي من على وداني, انا مش ناقص, متخليش غضبي كله يطلع فيكي.

وقد بدى فعلاً وكأنه على وشك أن تُتلف اعصابه ويُفلت زمام غضبه, وظهر هذا جليًا في نبرته التي ارتفعت وعروقه التي شُدت فظهرت في رقبته.

ابتلعت ريقها بتوجس, وهي تراه على هذه الحالة, يبدو أن جملة أخرى منها سيحدث ما لن تحمد عقباه, لذا فضلت الانسحاب وهي تلتقط حقيبتها من فوق الكرسي وتطرق الأرضية بكعب حذائها العالي مغادرة المكان في غضب واضح. 

------------------------ 
"مش مسامحاك يا مازن على كل اللي بتعمله فينا, كل اللي وصلناله دلوقتي بسببك, كان زمانا زي أي اخوات طبيعيين كتفنا في كتف بعض بعد موت أهالينا, كان زمانا عايشين في بيت واحد وجنب بعض, لكن عِندك وراسك الناشفة بالأفكار اللي فيها هي اللي وصلتنا لكده, حتى لو اخوك مجرم, لحد ما تلاقي أدلة تسلمه فيها للمحكمة مكانش المفروض تبعد عنه ولا تعامله كأنه عدو, حتى أنا... عشان بس ما اخترت شاهين في مرة رغم إني كنت بختارك كل مرة, بعدت عني, وكأنك قطعت علاقتك بيا, ونسيت إني اختك,  وكل ده ليه؟ مش لاقيالك سبب مقنع, وكأنك كنت بتتلكك عشان تعادي اخواتك, لو وصفتلك احساسي النهاردة وانتَ واقف في وش اخوك ورافع سلاحك عليه مش هتستوعبه, إحساس مميت, زي إحساس الابن لما يشوف ابوه وامه بيتخانقوا وبيبقى خايف لحد منهم يموت التاني, احساسه بيكون بشع وهو واقف مستني يشوف مين فيهم هيخلص على التاني, مشهد عمره ما بينساه, ومشهدكوا النهارده عمري ما هنساه, راجع نفسك... راجع نفسك يا مازن قبل ما تخسرنا بجد" 

مسجل صوتي من شقيقته "نورهان" وصل له عبر تطبيق الواتساب, تعبر فيه عن مشاعرها تجاه كل ما يحدث, مسجل استمع له وظل يعيده لثلاث مرات, وكأنه يحاول إقناع عقله بحديثها, وفي الأخير, ألقى الهاتف على المكتب ووضع رأسه بين كفه والحيرة تنهش عقله, حتى دخل "مدحت" والذي سأله مستغربًا:

-مازن انتَ كويس؟

رفع رأسه له وكأنه طوق نجاته, رُبما إن تحدث معه يخفف عنه حيرته.

وبعد أن سرد له كل ما حدث حتى رسالة نورهان, ضرب "مدحت" كفًا بآخر منفعلاً وقال:

-انا بقف قدام افعالك وأقول سبحان الله, نفسي يا خي تقولي مبرر واحد لأفعالك, وسيبك بقى من جو اصله بيبيع سلاح أصله بيبيع زفت, حتى لو هو فعلاً كده, الطبيعي انتَ كأخ له تفضل علاقتك بيه كويسه أو حتى لو مش كويسه بس تبقى علاقة مسالمة, مش كلها عداوة, وبتنبش وراه عشان تسجنه. 

-واجبي كضابط.. 

قاطعه "مدحت" موضحًا:

-واجبك كضابط لما يقع قدامك دليل يدينه تقدمه للمحكمة متتسترش عليه عشان اخوك, لكن مش تدور وراه وتعاديه, انتَ تاعب نفسك بنفسك يا مازن.

حرك رأسه رافضًا وهو يقول بانفعال:

-هو اللي تاعبني, هو اللي كسرني يوم ما خالف الصورة اللي كنت حاطه فيها, متلومش عليا لوم عليه هو.

-لا هلوم عليك, انا عرفت إن اخويا حرامي, يأما هفضل انصحه لحد ما يبعد عن الطريق ده, يا هاخد جنب منه بس بأدب واحط حد بيني وبينه في التعامل لحد برضو ما يبعد عن الطريق ده, ولو مبعدش وقت مايجيلي دليل عليه هسلمه, هعمل واجبي زي ما نتَ بتقول, انتَ بقى ليه حاطط نفسك في خانة إنك مُلزم تلاقي عليه دليل عشان تسلمه! 

سأله مستنكرًا:

-يعني لو انا عارف إن حد حرامي اسيبه لحد الدليل ما يقع تحت ايدي؟ اسيبه يسرق ويعمل اللي عاوزه, ولا واجبي بيحتم عليا الاقي دليل ضده؟ 

-هو انتَ المفتش كرومبو! احنا شغلنا بيجيلنا بلاغ أو أدلة عن عمل مشبوه, بنتحرى ونقبض عليه, في جهات أمنية تانية شغلها تنخور ورا اللي عليهم شكوك, فخليك جوه نطاق شغلك احسن.

-انتَ جاي ليه؟

سأله بضيق حقيقي بعد أن حاصره في الحديث, ليقول "مدحت":

-ما دام معندكش رد, يبقى انتَ غلط, حتى مش عارف تقنع اللي قدامك بأنك صح, وانا مكنتش جاي اتملى في جمالك, انا جاي انقاشك في القضية اللي ماسكينها, ده لو دماغك فاضيلها يعني. 

نظر له بغيظ محتقن من طريقته الفظة معه, وحدقه باشمئزاز موجهًا نظره بعدها للملف الذي أمامه وهو يسأله:

-وإيه بقى المناقشة العظيمة في القضية؟ 

----------------------- 

-المريضة فاقت, والحمد لله عدت مرحلة الخطر. 

قالها الطبيب ل "شاهين" الذي اندفع فورًا للغرفة بعد حديثه, دلف ليجدها نائمه على الفراش الأبيض متصل جسدها ببعض الأجهزة, وقناع الأكسجين موضوع فوق أنفها وفمها, سحب كرسي قريب من الفراش وجلس فوقه ينظر لملامحها التي بدى عليها الإرهاق, وسؤال واحد يتردد في ذهنه, كيف كان شعوره إن حدث لها مكروه؟ 

فرقت بين جفنيها وهي تشعر بدخول أحد للغرفة، لتجده هو، جلس على كرسي مجاور للفراش يبدو أنه جذبه من مكان ما، ينظر لها بطريقته التي توترها، لكن في حال كالذي فيه الآن لم تتوتر، فقط.. ارتبكت قليلاً! ولكن هذا لم يمنعها من القول بصوت مجهد بعدما أزالت قناع تنفسها:

_انا لسه عايشة.

لم يتبين هوية جملتها، هل هي إقرار أم سؤال! ولكنه ابتسم لها ابتسامة لطيفة يختصها بها لأول مرة، وتراها على محياه بفعل غريب عنه، فالابتسامة واللطف لا يظهران عليهِ في العادة، وسمعته يقول بنبرة غامضة لم تتبين مرحها من عدمه:

_فكرتي هتخلصي مني بالسرعة دي؟ لسه بدري.. ميبقاش نفسك قصير.

لم تعقب على سخافة حديثه من وجهة نظرها في موقف كهذا بعد عودتها من الموت، فهي لا تتفاجئ ابدًا بأي فعل أو حديث يصدر عنه.. فهكذا هو شاهين، لا يعرف تجميل الحديث ولا قول ما يناسب الموقف، فلم تنتظر منه جملة لطيفة يخبرها فيها بخوفه من فقدها او سعادته لنجاتها مثلاً!

وقالت بشرود وكأن عقلها بمكان آخر:

_أنا حلمت بيك...

قطب ما بين حاجبيهِ يسأله باستغراب:

_حلمتي بيا ازاي؟

أجابته مبتسمة بإرهاق:

-مش مهم, المهم إني فهمت.. حلم كنت مستنياه من زمان عشان يبينلي طريقي.. 

لم يفهم ما تقوله لكنه سأله:

-وبينلك؟

أومأت بأهدابها وهي تجيبه:

-ايوه, وعشان كده عاوزه أتكلم معاك في حاجة مهمة.

نظر لوضعها, وتنفسها العالي وقال:

-معتقدش ده وقته. 

وبداخلها كانت تجيب بأنه أنسب وقت, فأولاً بحالتها هذه لن ينزل عقابه عليها, وثانيًا ودون قصد منها حمَلته جَميل ينبغي عليه رده. 

-بالعكس, ده انسب وقت, اسمعني... 

وتلقائيًا قبل أن تكمل حديثها سحبت كفها من كفه وكأنها تخشى أن يكسره بعد أن تدلي بحقيقتها..

-انا مسميش فيروز عادل الحديدي، ولا أعرف الشخص اللي كنا بنكلمه على النت، انا اسمي فيروز إبراهيم يسري, أمي عايشة, وابويا هو اللي مات من سنين, عايشين في شقة صغيرة أو يعتبر اوضتين فوق السطح, حالتنا صعبة, وناس على قد قدها, أمي بتطبخ للناس في العزايم الكبيرة, وانا.. انا ببيع فل في الإشارات, قابلت مازن في إشارة وعرض عليا وقتها خدمة قصادها 50 ألف جنية, خوفت... وقولتله مش موافقة, بس كنت خدت منه الفلوس واتسرقت, ووقتها هددني يا أوافق يا ارجع الفلوس يا هيحبسني ....

وأكملت باقي قصتها.. للنهاية, حتى أمس... ورد فعله غير واضح لها الآن, مبهم, كملامحه التي بدت وكأنه لم يسمعها, ولكن حين نظرت لعينيهِ علمت أنه سمعها جيدًا, وتبشر بالقلق! القلق حد الخطر...! 

الفصل العشرون من الجزء الثاني
فراشة في سكّ العقرب
حب أعمى
ناهد خالد

"ليتك أرحت قلبي بالصراخ والغضب، ولم تصمت هكذا، فصمتك شتتني وأقلق قلبي، وقوع البلاء دائمًا أفضل من انتظاره، لكنك حرمتني من الراحة، وجعلتني انتظر.. انتظر متى سيكون عقابك لي، وكيف سيكون؟ وهل سأتحمله أم سيكون جحيم جديد لن يتركني سوا رمادًا، بوحت بالحقيقة لأريح عقلي وصمت أنتَ لتعذبه! لطالما كنت غامضًا، مريبًا، ولكني تمنيت لو أنك في هذه اللحظة فقط كنتُ إنسان طبيعي سمعَ فانفعل، وغضب فثار، ولم يتخذ الصمت المكروه ردًا"

انهت حديثها منذُ ثواني وهي الآن فقط تنظر له بتمعن، بنفس تمعن وكأنها تنتظره أن يطير! رأت في عينيهِ الغضب، والشر، والجمود، والآن لا ترى شيء! نظرات طبيعية جعلتها تشك أنها أوشت بالحقيقة بهمس لم يسمعه! أو بداخلها!

وحين نطق قال بنبرة هادئة تمامًا:

_كويس إنك بقيتي بخير، مبحبش حد يتأذي بسببي.. مرتاحة كده ولا اعدلك المخدة؟

_ها!

قالتها بتلقائية وهي تنظر له بأعين متسعة، وفاه فاغر كالبلهاء، لينهض مقتربًا منها يمد كفه خلفها ليرفع وسادتها قليلاً في وضع رأه سيكون مريح أكثر لها، فاقت من ذهولها على اقترابه المبالغ منها، ورائحة عطره التي ضربت أنفها بشدة هي من أيقظت مراكز الحس لديها، فتجمد جسدها وخفتت انفاسها من قربه، وبغباء كانت تمنع نفسها من التنفس من كثرة توترها، عدَل وسادتها وكان وجهه قريبًا منها جدًا فنظر لها وقد أصبحت عيناه قاسية وقال بابتسامة ليست في محلها ابدًا ولا تتلائم مع نظراته:

_مبعاقبش حد ضعيف، وانتِ دلوقتي في اضعف حالاتك، هعتبر نفسي مسمعتش حاجة لحد ما تقفي على رجلك.. وبعدها..

وترك جملته معلقة، تبًا، إنه يتلاعب بأعصابها، ومنعها للتنفس هذه المدة مع مرضها، جعلها تنفجر مرة واحدة في سُعال قوي أوجع مكان إصابتها.

سارع في جذب قناع الأكسجين يضعه فوق أنفها وفمها، وقد اربكته حالتها، وضعت كفها فوق صدرها موضع الإصابة وهي تشعر بألم غاشم بهِ، محاولة أن تلتقط انفاسها تحت القناع.

_اهدي... خدي نفس براحة.. اهدي.

ظل يردد كلماته لها وهي تلهث وكأنها خرجت من سباق للتو، أغمضت عيناها وسقطت دموعها بوجع لم تتحمله، وكل شيء يضغط عليها.. كل شيء.

قطب ما بين حاجبيهِ بضيق وهو يرى دموعها تجري فوق وجنتيها، فسألها بلهفة حقيقية:

_في ألم؟

ووضع كفه فوق كفها المسنود على صدرها يحدد موضع الألم، لم ترد، فقط اومأت برأسها، وانفجرت في بكاء لم تتحكم بهِ، أسرع في ضغط زِر الاغاثة، وحدثها بقلق وانفعال:

_بطلي عياط طيب.. انتِ كده بتوجعي نفسك اكتر وبتزودي الألم، اهدي وخدي نفسك..

لكنه كان يحدث ذاته، لم تستجيب لأي محاولات لتهدئتها، وكأنها كانت تنتظر هذه الفرصة لتبكي..

فُتح الباب لتدلف إحدى الممرضات تتسائل:

_خير في حاجة؟

نظر لها "شاهين" يخبرها:

_عاوزين دكتور هنا بسرعة، الجرح شادد عليها ومش متحملة الوجع.

_حاضر.

قالتها وانصرفت الممرضة فورًا تستدعي الطبيب، أعاد النظر لها بملامح مرتبكة، وهو يجهل تهدئتها، وسألها:

_انتِ بتعيطي ليه!؟ مش معقول كل العياط ده من الوجع!

لم تستطيع الرد عليهِ، ورُبما حتى وإن استطعت لن تجيب.

_فتحي عينك وبصيلي يا فيروز.

أمرها بنبرة صارمة، ففعلت! وجد مقلتيها عبارة عن تجمع دموي، وهذا يدل على أنها تبكي من قلبها، قطب ما بين حاجبيهِ مستغربًا وقال:

_هو إيه اللي حصل لده كله؟ ده انا حتى معملتلكيش حاجه!

حاولت إزاحة القناع بعد أن هدأت قليلاً لتتحدث، لكنه رفض ممسكًا بكفها وقال:

_متشليهوش، اصبري على نفسك لسه نفَسك مستقرش، الكلام مش هيطير.

دقة بسيطة تبعها دلوف الطبيب الذي قام بفحصها وبعدها قال:

_العياط مش من الوجع واضح أنها تحت ضغط نفسي بسبب اللي حصل، واكيد اجهدت نفسها في الكلام، لأن المحلول اصلاً فيه مسكن للجرح، ومينفعش تاخد مسكن تاني، لازم ترتاح وتبطل كلام ومتحاولش تشيل الأكسجين لحد ما حنا نقرر، أنا بلغت حضرتك إن كان في نزيف في القصبة الهوائية، وده هيخلي تنفسها الطبيعي صعب شوية.

_تمام، انا مكنتش اعرف ان ممنوع تشيل الماسك، بس خلاص مش هتشيله لحد ما نفسها يظبط. 

_حضرتك انا سمحت بدخولك لها ووجودك معاها رغم أنه ممنوع، بس الخدمة اللي عملتها معايا الصبح تخليني استثنيك من الممنوع، بس يا ريت ده ميأثرش على حالتها ويخليها تتدهور لأنها مسؤوليتي. 

هز "شاهين" رأسه متفهمًا وقال:

_اكيد هحرص على راحتها، لأنها تهمني.. 

وكأنه يبلغه رسالة واضحة، إن حرص على بقائها بخير هذا لأنها تهمه وليس لأنها مسؤولية الطبيب وسيُضر فيها، ولو كان "شاهين" في موقف غير الموقف، ولو كان عقله صافيًا، لأخبره بتبجحه أن يذهب هو ومسؤوليته وعمله للجحيم، فهذا آخر شيء قد يهمه، فلا يهمه سوى أن تكون بخير. 

_حمد الله على سلامتك يا أنسه، ويا ريت تساعدينا إنك تكوني كويسة وتتعافي، وتلتزمي بالتعليمات اللي بنبهك ليها. 

اومأت بأهدابها موافقة، لينسحب الطبيب من الغرفة بعدما أنهى عمله. 

جلس على الكرسي مرة أخرى وغمغم:

_مش هتكلم معاكي لحد ما تكوني كويسة، لأن واضح ان كلامي بيقلقك، هفضل معاكي لحد... 

قاطعته وهي تزيل القناع على غفلة منه، وقالت بصوت متعب:

_متعطلش نفسك.. انا مش محتاجة حد معايا، ولو مُصر، ممكن تجيب مستكة اللي شغالة عندك في البيت عشان تساعدني لو احتاجت حاجة. 

مال بجسده عليها يلتقط القناع من كفها يعيد وضعه لها، وقال:

_هبعت اجبها عشان عارف إن في حاجات لازم هي اللي تساعدك فيها، لكن وجودي هنا من عدمه ملكيش فيه، اكيد مش عاوز امشي ومكسوف منك. 

طاقتها أُنهكت، وهي من الأساس تشعر بحالها مازالت في صدمة مما حدث، كيف أصابتها الرصاصة! هي لم تكن تفديه بحياتها؟ هي ليست من هؤلاء الحمقى الذين يخسرون حياتهم لإنقاذ الآخرين، ولكن القدر لعب لعبته معها، رُبما تكن في صفها، لكنها رغمًا عنها، وإن كان الأمر باختيارها، وإن كانت تعلم أنها إن حاولت إنقاذه ستصيبها الرصاصة، ما كانت لتفعل ابدًا، كانت ستكتفي بمناداته وتنبيهه.. فقط. 

--------------

اغلق "رأفت" المكالمة ليقول لنصر الجالس أمامه:

_لسه رجالته بتنبش، مش هيهدى غير لما يوصل للي عملها. 

_بيوصلوا لحاجة؟ 

نفى برأسه مطمئنًا:

_لأ سادين كل الطرق في وشهم، بس عرفت حاجه حصلت غريبة بالنسبالي.

سأله "نصر" مستغربًا:

_حاجة إيه؟ 

_عرفت إن مازن عمران راح لشاهين بيه البيت ورفع مسدسه في وشه، وادخل حارس من حرس شاهين بيه بيحاول يصيب مازن بس شاهين بيه ضربه بالرصاص قبل ما يلحق، كان بيدافع عن أخوه اللي واقف رافع سلاحه عليه. 

انتفض "نصر" من مجلسه يضرب المكتب بقبضته في غضب وقال:

_انا مش عارف هو ازاي ساكت لزفت ده، ازاي سايبه طايح فيه وكل مدى بيعك الدنيا وساكت! وانا لولا إنه رافض تدخلي والله كنت خليته يقعد في البيت زي الحريم ولا له لازمه.

_لو عاوز نقرص ودنه نعملها، وبردو شاهين بيه مش هيعرف خبر بيها. 

صمت "نصر" يفكر حتى قال بعدما احتدت ملامحه:

_اعمله.. مانا مش هسيبه طايح في ابني كده لحد ما يأذيه. 

_عُلم وينفذ يا باشا. 

قالها "رأفت" بابتسامة ماكرة، يبدو أنه لا ينوي خيرًا! والصفعة ستكون شديدة! 

--------------

_نورهان! 

قالها "معاذ" الواقف أمام باب المستشفى وقد وصل للتو، ليراها تصعد درجات السلم الخارجي بجواره، نظرت له متوقفة، وابتسمت بخجل يلازمها فور رؤيته وقالت:

_انتَ كمان جيت! 

ابتسم بنظرات لامعة وأجاب:

_ايوه، في شوية ورق لازم إمضة شاهين، جبتهم عشان يمضيهم. 

_مبهدلك معاه شاهين. 

قالتها بحرج، ليرد فورًا:

_ده اخويا، يعني مش علاقة صاحب شغل واللي شغال عنده. 

عقبت بصدق:

_عمرك ما كنت حد شغال مع شاهين، حتى هو عمره ما قال كده عنك، هو بيعتبرك شريك نجاح، وصاحب عمره، الوحيد اللي فضلت معاه بعد ما الكل اتخلوا عنه، ودايمًا كنت بسأل نفسي ليه فضلت معاه كل السنين دي؟ ليه قاطعت مازن وغسان صحابك عشانه؟ 

ابتسم يجيبها:

_عشان انا الوحيد اللي شايف الصورة من بره، انا لا مازن ولا غسان، ولا عيشت موقف العداء اللي وصلهم لكده، انا شوفت الصورة من بعيد، فقدرت احدد كويس مين مظلوم ومين ظالم، وعشان كده فضلت مع شاهين. 

لمعت عيناها تسأله بلهفة:

_يعني شاهين مظلوم منهم صح؟ 

_شاهين مأذاش حد فيهم، ولا هو بالصورة البشعة اللي هم شايفينه بيها... غِلط ولا لأ دي مش النقطة، النقطة في طريقة مواجهتهم له، محدش مبيغلطش، لكن مش من حقنا نعلق المشانق لبعض، شاهين معملش معاهم كده عشان هم كمان ينصبوله محكمة، ومازن واخد الموضوع على صدره اوي، ومتمادي، وعمال يعك، ولو واحد غير شاهين مش هامه الأخوة والله كان علمه الأدب، وردله القلم عشرة. 

لاحظ تغير ملامحها فقال مسرعًا:

_انا اسف لو كلامي عنه ضايقك.. انا نسيت انه اخوكي وتزعلي عليه بردو.. 

تنهدت بحزن وقالت:

_ الاتنين خواتي يا معاذ، وكنت فاكره إن بعد موت بابا وماما هنكون عيله ضهرها في ضهر بعض، نسند بعض ونكون عزوه، لكن اللي حصل غير كده خالص، زي ما انتَ شايف فضلوا على نفس الوضع اللي كانوا عليه قبل ما يموتوا، وموتهم مغيرش أي حاجه. 

زفر "معاذ" أنفاسه وقال:

_ ربنا يهدي. 

_ يا رب. 

أمنت على الدعاء مرة، وقلبها أمن ألف مرة، فلا تتمنى شيء في الحياه أكثر من امنيتها في أن يعود اخويها كما كانا، يعودان لسابق عهدهما، متحبان، وداعمان لبعضهما، تتمنى لو تغمض جفنيها وتفتحهما لتجد هذا الكابوس قد انتهى. 

_ مش ناويه تتجوزي؟ 

سألها بسؤاله هكذا دون أي مقدمات وبطريقه فاجأتها، فنظرت له مبتسمه في ذهول واجابت:

_ هو حد يسأل السؤال ده فجأه كده وبالطريقه دي!؟

ابتسم في حرج وهو يتململ في وقفته وقال: 

_ معاكي حق، بس هو سؤال شاغلني بقاله فترة يعني، وجه على بالي دلوقتي فقلت اسأله. 

_وشاغلك ليه؟ 

رد بارتباك واضح:

_اا... ابدًا، بس يعني طبيعي استغرب واحده زيك ما شاء الله حلوه، ومن عيلة كويسه واخلاقها لا غبار عليها، يعني فيكي كل المقاومات اللي تخلي أي شاب يتجوزك، فاعتقد حاجه غريبه إنك تكوني لحد دلوقتي ما اخدتيش الخطوة دي إلا بقى لو متعقدة.

ضحكت بخفة مجيبة:

_ لا مش متعقدة ولا حاجه، بس الجواز مش كده، يعني احنا مش بنتجوز علشان بقينا في السن اللي لازم نتجوز فيه! احنا بنتجوز لما بنلاقي الشخص المناسب اللي حاسين إن هو ده اللي هينفع نكمل معاه حياتنا! وأنا لحد الآن ما لقيتش الشخص ده عشان كده لسه ما اخدتش الخطوة دي الإجابه بسيطة.

_مش يمكن يكون قريب منك وانتِ مش واخده بالك!؟ 

قالها بتلقائيه فور أن انتهت من حديثها، وما إن حاول تعديل جملته بعدما أدرك ما تفوه بهِ كانت هي تقاطعه قائله بابتسامه عابثة:

_ والله انا مش هاخد بالي مني لنفسي، يعني المفروض الشخص ده يتلحلح يشاور... ينادي.. يعمل أي منظر. 

وانهت حديثها متحركه من أمامه فورًا، وهو ما زال يحاول استيعاب جملتها الأخيرة! ما بهِ أصبح غبيًا، بطيء الفهم في الفترة الأخيرة؟ 

------------

_شاهين متزعلش مني، انا والله ماقصدتش اضايقك بكلامي بس... 

قاطعها وهو واقفًا معها أمام غرفة "فيروز" وقال وهو يربط بكفه على وجنتها:

_ بس يا عبيطه ازعل منك إيه! بالعكس كلامك زعلني من نفسي، وضحلي إني للأسف مش عارف اوفرلك الأمان والحياة اللي انتِ عاوزاها ومحتاجاها، بس انتِ أكيد شايفه وعارفه إن غصب عني، يعني لو انا اتغاضيت عن اللي اخوكِ عملوا زمان وسامحته عشانك هو مش هيعمل كده، وهنفضل في الحرب دي طول ما هو متمسك بافكاره ومُصر عليها.

احتضنت كفه تقول:

_ ما تقولش كده انتَ بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان ما تزعلنيش وتكون جنبي، ما تلومش نفسك على حاجه يا شاهين، ما حدش بيقدر يعدل الكون لوحده، وأي علاقه علشان تتصلح لازم يكون الطرف التاني عاوز كده، انا قلت اجيلك النهارده عشان مقدرتش استنى لحد ما تيجي البيت خوفت تكون زعلان مني.

احتضن رأسها لكتفه فضمت جسدها لحضنه ومسد على ظهرها بحنانه المعهود عليها، وقال بلطف:

_قولتلك انتِ الوحيدة اللي عمري مقدر ازعل منها. 

_ربنا يديمك ليا يا حبيبي. 

غمغمت بها قبل أن تبتعد عنه وهي تسأله:

_ طمني فيروز عامله ايه النهارده؟ 

_ كويسه متقلقيش، كان بس في شوية تعب في أول اليوم بس دلوقتي الدنيا تمام، وكلمت مرسي هيبعت مستكة هتقعد معاها عشان لو احتاجت حاجه تعملهالها. 

قالت بتقدير:

_ اللي عملته فيروز لو قعدت عمري كله اشكرها عليه مش هيكفي، انا مش قادره اتخيل إن كان ممكن يجرالك حاجة بعد الشر، شاهين هو مازن ملوش علاقة بالموضوع صح؟ 

قالت جملتها الأخيره بقلق واضح تخشى أن يكون شقيقها متورط في هذا الأمر، الذي لن تتقبله ابدًا، لكن هدأت حين قال "شاهين" نافيًا بجدية:

_ اكيد لأ يا نورهان، إيه اللي انتِ بتقوليه ده!؟ الموضوع مش هيوصل للدرجادي يعني، وبعدين حتى تهويشه عليا في البيت انتِ نفسك قلتي أنه مكانش هيعمل حاجه. 

_ اه قلت كده، بس ساعات بخاف، مازن بقى شخص غريب عني حاسه انه مش اخويا اللي عشت معاه سنين عمري، بخاف شيطانه يلعب بيه ويخليه يعمل حاجه هو نفسه يرجع بعد كده يندم عليها العمر كله. 

_ متقلقيش مش هتوصل بيه للدرجادي. 

_ ربنا يستر، طب انا ممكن افضل مع فيروز ما فيش داعي تبعت تجيب مستكه. 

صمت لثواني حائرًا ثم قال:

_ مش عارف بس حاسس أنها هتكون مرتاحه أكتر لو بعت جبتلها البنت دي، يعني هي ممكن تتحرج مِنك أو تستتقل إنك تفضلي قاعده معاها، خليني ابعت اجيبها لها أحسن واصلاً الدكتور بيقول يومين وهتقدر تخرج. 

اومأت قائلة:

_خلاص اللي تشوفه.. وعلى فكرة الفستان وصل الصبح قبل ما جي. 

تغيرت ملامحه فور أن ذكرته بفستان عقد القران الذي اختاره لها عبر الموقع وقد وصل في موعده، فالمفترض أن اليوم هو يوم عقد القران، لكنه رُبما لم يكن عليهِ الوصول ابدًا!! 

_ ان شاء الله أول ما تقوم بالسلامة تكتبوا الكتاب، أنا خليت صفاء تطلعه دولابها. 

اومأ برأسه دون تعليق حتى رأى "معاذ" يقبل عليهِ من بعيد. 

-----------

"شاهين بعت ياخدني المستشفى بيقول إني هقعد مع فُلة واعتني بيها، مفيش داعي تعمل حاجه" 

رسالة بعثت بها ل "مازن"، وقد شعرت بالراحة لأن ما ارادته أتى لها على طبق من ذهب، شاكرة "فيروز" في سرها، فبالتأكيد هي من اقترحت فكرة ذهابها لها.

طلبت رقم "مجد" ليأتيها الرد بعد قليل.. 

_عاملة إيه؟ 

_الحمد لله، انتَ خلصت شغلك؟ 

_ايوه خلصت ورايح البيت، انتِ فين كده في صوت عربيات حواليكي؟ 

نظرت من نافذة السيارة التابعة لسيارات شاهين و  التي توصلها للمستشفى، وقالت:

_الناس اللي بشتغل عندهم بنتهم تعبت وراحت المستشفى، وطلباني بالأسم اقعد معاها لتحتاج حاجه. 

_بس ده مش من شغلك! 

قالها رافضًا الفكرة فقالت:

_ أنا عارفه إن ده مش شغلي، بس أصل أنا بعزها وعمرها ما عاملتني إني واحده شغاله عندها، فأنا بصراحه من نفسي ومن غير هي ماتطلب مش عايزه اسيبها في محنة زي دي، قلت اروح اقعد معاها، وبيقولوا انها ممكن تخرج بكره أو بعده بالكتير.

_ يعني انتِ هتقعدي معاها يومين في المستشفى؟

سألها مستنكرًا، فأجابت:

_ايوه، مهو مش جدعنه بردو اسيبها في موقف زي ده، وهي يا عيني ابوها وامها ميتين وعايشه هي واخوها لوحدهم في البيت، واكيد اخوها الراجل مش هيسيب شغله ويقعد معاها، ومش هيعرف يعملها اللي هي عاوزه هتتحرج منه، لكن احنا بنات زي بعض. 

استمعت لزفره أتت منه ثم قال:

_ تمام اللي انتِ شايفاه، في الآخر أنا لسه ما ليش كلمة عليكِ. 

_ يعني لو لك كلمة عليا كنت هتقولي ما اروحش؟ وبعدين أنا مكلماك عشان أعرفك الأول، يعني تهمني كلمتك، ولو قلتلي ما تروحيش مش هروح، أنا عمري ما هعمل حاجه انتَ مش عاوزها. 

يبدو أن حديثها جعله يهدأ، فصمت قليلاً وبعدها قال:

_ لا مش هقولك ما تروحيش مدام زي ما انتِ بتقولي البنت لوحدها، بس خلي بالك من نفسك ولو أي حاجه حصلت تكلميني. 

وهل يطير الإنسان فرحًا ببضع كلمات! قلبها يدق صخبًا وهي تشعر باهتمامه، وابتسامتها ارتسمت وهي تلتمس نبرته الهادئة، فقالت بهيام:

_ابقى طُل على ابويا لو مش هتعبك، وكُل كويس لحد ما ارجع اعملك صينية الفطار المتين.

_متقلقيش عليه هروحله كل شوية وهخلي ابويا يروح يقعد معاه اليومين دول لاحسن يتعب فجأه وهو لوحده، هستنى صنيتك لما ترجعي، بيبقى طعمها غير. 

وأغلقت المكالمة بأعين لامعة، ووجه متورد، وقلب ينبض راحة وفرحًا، وكأنه أخبرها أنه يحبها! 

_________

_مستكة! 

ركضت تجاهها مستغله فراغ الغرفة من الزائرين، حتى وصلت لها فالتقطت كفها تربط عليه بقلق واضح وهي تقول:

_ طمنيني عليكِ انتِ كويسه؟ 

_ انا كويسه. 

عاتبتها تقول بهمس:

_ حرام عليكِ وقعتِ قلبي يا شيخة، انتِ إيه اللي هبلك وخلاكِ تقفي قدام الرصاصة أنا سمعت منهم إنك فاديتيه، هو انتِ عايشه في فيلم الطريق الى ايلات بروح امك! فاكره نفسك بتضحي عشان الوطن. 

ضحكت "فيروز" ضحكة صغيرة على جملتها وقالت متغاضية حديثها:

_ أنا قلت لشاهين على كل حاجه، هو دلوقتي عارف الحقيقة، حقيقة فيروز بياعة الفل. 

جحظت عيني "مستكة" حتى كادت تخرج من مقلتيها غير مصدقة أنها صارحته بالفعل! 

___________

رنين هاتفه هو ما جعله يخرج من الغرفه ليجيب المكالمة، ضغط زر الإجابه رافعًا الهاتف على أذنه يقول بنبرة جامدة:

_ خير دي تاني مرة تتصلي. 

أتاه الصوت على الجهة الأخرى يقول:

_ مجيتش الشركه النهارده وما اعرفش عنك حاجه من امبارح وقلقت، سألت عليك معاذ مرضيش يقول حاجه، كل اللي قاله إن فيه حد من طرفك تعبان وانتَ معاه في المستشفى. 

_ ما معاذ قام بالواجب ورد عليكِ اهو، اومال بتتصلي ليه؟

اجابته في غيظ:

_ عشان عاوزه اطمن عليك وعاوزه اعرف مين اللي في المستشفى؟ 

_ وتعرفي ليه هتيجي تزوريه؟ 

قالها بسخرية فأجابته بتحدي:

_ وإيه المانع لما اجي ازوره؟ لو حد يهمك فعلاً مجيش ليه؟ 

سألها ساخرًا:

_ وهتيجي بقى بصفتك إيه؟ 

اجابته في ثبات: 

_ بصفتي مراتك يا شاهين!! 

تعليقات



<>