رواية ظل بعد ظل الفصل التاسع 9 بقلم ياسمين النعيمي
كَعدت الصبح متأخرة ...
إلها فترة تعودت ع الكسل و هي سهرانة لوجه الفجر تفكر بكل شي يصير بيها ... و التغييرات الي قلبت حياتها ...
عيونها بالسقف تتأمل الغرفة ... كل ما تتذكر موافقتها، تحس قلبها يدكَ أسرع ... مو ندم ... بس خوف ... خوف من كلشي قادم ...
نزلت الدرج ببطء، بخطوات هادئة و متعبة، كأنها ما نامت طول الليل إلا شوية.
كانت لابسة ثوب بيت بسيط، و بوجهها ذاك الشحوب اللي ما فارقها من يوم وفاة أبوها.
أم قيس بالمطبخ و ريحة جدر الباميا و اللحم معبي البيت.
أول ما شافتها نازلة من الدرج، وقفت من مكانها بدون شعور.
ظلت تتأملها ثواني ...
مو لأنها أول مرة تشوفها، لا ... لكن أول مرة تشوفها و بقلبها كلمة: هاي راح تصير زوجة ابني.
ابتسمت الها ابتسامة دافية، رزينة، بيها فرحة كبيرة تحاول تخفيها حتى لا تثقل عليها.
- صباح الخير عمة ...
مشت لها و حضنتها بهدوء، و بيدها مسحت على شعرها.
- صباح النور يمّة ...
أم قيس بعدت شوية حتى تشوف وجهها، و عيونها لمعت رغم إنها تحاول تبين ثابتة.
- والله ... من أول يوم اجيتي علينا بهالبيت، و إنتي موجوعة و مكسورة، گلت بيني و بين نفسي ... يا ريت، يا ريت الله يكتبچ لقيس.
ريّا نزلت عيونها بسرعة.
أم قيس ابتسمت بخفة و كملت، بنبرة أم تعرف شكَد الوقت مو وقت فرح كامل، بس القلب غصب يفرح:
- بس جنت أگول مو وكتها ... ما يصح أفكر بهالشي و انتي بهالحال ... و سبحان الله ... الله كتبها.
سكتت ريّا، و ما عرفت شترد ... كانت حاسة كل شيء يصير بسرعة، بسرعة أكبر من قدرتها على الاستيعاب.
جلست أم قيس يمها على القنفة، و أخذت يدها بين إيديها.
- قيس يريد يعقد خلال يومين.
رفعت ريّا عيونها إلها بسرعة، كأنها ما استوعبت.
- يومين؟
- ما كَالّج ؟!
- لا بعدنا ما حجينا بالتفاصيل.
- إي يمّة ... الظرف مو ظرف حفلة و ضجة والا الود ودي اسوي حفلة الكل يحجي بيها بس ما اريد احد يضغط عليچ ... معجلين بس تا تكونين على ذمته، و يرتب سفرجن.
هزت ريّا رأسها بصمت، و بداخلها شيء ينقبض أكثر.
كانت موافقة ... لكن موافقتها مو فرحة ... مو نفس البنية الي كانت تحلم بيومها و خاتمها و فستانها و ترتيب حفلتها.
كل شيء كان يجيها فوق حزنها، و هي بعد ما طلعت من ثقله.
أم قيس انتبهت لوجهها، فخففت نبرتها و قالت بلطف:
- بس الذهب و مهرچ ... هذا حكَچ، و يصلج كَبل العقد.
رفعت ريّا رأسها بسرعة و قالت بهدوء متعب:
- لا عمة ... مو هسه ... ما أريد.
- شلون ما تريدين؟ هذا حكَچ.
- أدري ... بس ما أگدر ... والله ما أگدر هسه أروح أشتري ذهب و أختار و أشوف ... ما الي نفس.
أم قيس تنهدت، و نظرت إلها بحنان.
كانت تعرف إن البنت ما رافضة لأن ما تريده ... رافضة لأن قلبها بعده بصدمة ... واقف عند آخر يوم شافت بيه أبوها.
مدت إيدها و ضمتها إلها بهدوء.
- يمّة ... انتي الله يصبرج، و احنا اهَلج ... كَلبي ما ينطيني ازيد همج هم، بس اعتبريني امج ... اعَرف مو وكته هالحجي بس ما يصح بليّا مهر ... لا تكولين ما أريد. هذا حكَچ، و اني ما أرضى لج الما ارضاه لبناتي ...
هزت ريّا رأسها بصمت، و دفنت وجهها بحضنها شوية، بينما أم قيس تضمها أكثر، و بقلبها فرحة كبيرة ... ممزوجة بوجع كبير على البنية اللي تمنتها من زمان، بس ما تمنتها تجيها مكسورة ...
بالليل ...
كانت ريّا جالسة بالبلكونة الواسعة اللي بصالة الطابق العلوي.
الجو هادئ، و الهوا البارد يحرك أطراف الستائر خلف الباب المفتوح على النص.
كانت كَاعدة على القنفة، رافعة رجلها و تضمها لصدرها، و عيونها ضايعة بظلام البستان بالليل.
سمعت صوت الباب ينفتح، و بعده خطوات قيس.
وقف أول ما شافها.
كانت تبين صغيرة بهالزاوية ... هادية أكثر من اللازم.
مشى إلها بهدوء، و وقف قريب منها.
- ليش كَاعدة هين بالبرد يولي؟
رفعت عيونها إله، و حاولت تبتسم، بس ما طلعت ابتسامتها.
جلس يمها، و ظل ساكت ثواني يتأملها.
- شبيچ ؟
سكتت شوية، و بعدها قالت بصوت مكسور حاولت تخفيه:
- كلشي صار بسرعة.
ظل ساكت.
- بالبداية گلت لنفسي مجرد خطوبة ... حتى أستوعب. هسه صار عقد بعد يومين ... و هسه ذهب و مهر و كلشي ... و أني ...
وقفت، و التفتت له بعيون مليانات تعب.
- اني بعدني ما مستوعبة بابا مات.
ضعفت ملامحه فوراً.
ظل ينظر لها كم ثانية، كأنه تأذى من نبرتها أكثر من الكلام نفسه.
- أحس كلهم فرحانين و اني ما گاعدة أعرف شلون أفرح. و أحس بالذنب لأن ما أگدر أفرح مثل ما لازم.
لم أصابعه بإشارة لتهدأ و همس،
- يواش يواش ... وحدة وحدة ... حاجيني شصاير ؟!
نزلت عيونها كأنها تقلب الكلام قبل لا تنطقه و رفعتها تقول،
- عمي و عمة فرحانين ... الكل فرحان ...
سحبت نفس تقول،
- عمة تقول لازم مهر و ذهب، ما يصير بدونه و حقي ... أعرف هالشي والله ... بس قيس ...
تنفست تحاول تحبس دموعها و نزلوا غصب تهمس،
- قيس اني ... اني قلبي يوجعني ... ما أكَدر امثل الدور كامل بحالتي هاي ...
و سألته لما عجزت تعبر أكثر،
- انت فاهمني ؟!
حرك راسة بهدوء يتمتم،
- فاهمج ... فاهمج ...
و هي همست له،
- اني اعرف من حقهم يفرحون، و هي عمة لو ما تحبني ما تفرح بخطوبة صارت بهالطريقة ... ما أريد اكسر كلمتها لو أكسر فرحتها ... بس كلشي داسويه فوكَ طاقتي، إذا أحاول اكثر انهار و اني و اخواتي نضيع.
مد إيده بهدوء و خلى إيده على ظهر الكرسي، مكان جلوسها.
- انتي تحسين بأمان مني لولا ؟!
نظرت له.
كان صوته هادئ ... ثابت ... نفس الثبات اللي طول عمره يطمنها.
- إي.
- تثقين بية ؟
هزت رأسها بخفة.
- أكثر من أي أحد.
لمس كتفها القريب من ظهر الكرسي، لمسة عفوية و كأنه ما يدري بيها و بتأثيرها عليها، و قال بهدوء:
- زين ... إذا تثقين بية ... ارتاحي ... و خلي كلشي عليّ. لا تفكرين لا بعقد، لا بذهب، و لا بأي شي ...
تنفست بصعوبة، و قبل لا يكمل قالت بسرعة، كأنها خايفة ينفهم غلط:
- قيس ماريد عمة تنزعج مني لو تظن اني اكسر كلامها ...
ظل يتأملها لحظة، بعدها رفع إيده و حطها على رأسها بخفة.
- مو انا الاكسر كلمة امي ...
قرب منها أكثر، و صوته صار أنصى و أحن:
- و انتي و خاطرج على راسي ... ما يصير إلا الي يرضيج و يرضيها.
سكتت ...
حاولت تحچي، تشرحله شكَد تعبانة، شكَد خايفة، شكَد ممتنة إله ... بس ولا كلمة طلعت.
بس دموعها نزلت أكثر.
نزلت راسها ببطء ... و بدون ما تحس بنفسها، أسندت جبينها على كتفه.
مو لأنها تريد حضن ... بس لأنها تعبت.
تجمد بمكانه.
حس بيها ترجف بخفة، و بنفس اللحظة شي داخله قلق عليها بشدة ... ظل ساكت ثانية ... ثانيتين ... بعدين، بدون ما يفكر، لف إيده عليها و ضمها إله ضمة خفيفة، حذرة ... كأنه يخاف إذا ضغط عليها أكثر تنكسر بين إيديه.
غمض عيونه و هو حاس بحرارة دموعها قريبة منه، و همس بصوت ناصي، قريب من شعرها:
- بس لا تبجين ... فدوة ...
شهكَت بخفة و غمضت عيونها أكثر.
ريحة عطره الخفيفة، دفو إيده، و نبرة صوته ... كلها خلتها تحس براحة غريبة، راحة ما حستها من يوم مات أبوها ... هذه ثاني مرة و نفس احساسها ... حضنه نفس حضن أبوها ...
و بلا شعور، مالت أكثر.
هو شدد حضنه إلها للحظة ... لحظة صغيرة جداً ... و طبع بوسة خفيفة على شعرها.
أول ما سواها، تجمد.
فتح عيونه بسرعة، و سحب نفسه عنها ببطء ... كأنه توه استوعب شسوى.
بعد عنها نص خطوة، و نزل إيده من كتفها بسرعة، كأنه يخاف إذا ظلت أكثر يرجع ينسى نفسه.
ظل ساكت.
عيونه مو عليها ... على الفراغ المظلم بإطلالة البلكونة ... سحب نفس طويل، و مرر إيده على وجهه بتوتر خفيف، بعدها التفت للجهة الثانية و وقف يم باب البلكونة.
ظهره إلها.
و لأول مرة ... شافته مرتبك.
مو ذاك الرجل الواثق، الهادئ، اللي بكل موقف يعرف شنو يحچي و شيسوي ... لا ...
كأنه هو بنفسه ما مستوعب شكَد قرب منها ... و شكَد هالشي هزّه.
ظل واقف ثواني، الهوا يحرك طرف قميصه، و إيده على حافة الباب.
و هي تباوعله بصمت.
ما زعلت ... ما خافت ... بس انحرجت.
و بنفس الوقت ...
شي دافي تسلل لقلبها.
لأنها فهمت انسحابه.
فهمت إنه مو ندمان على قربه منها ... بس خاف من نفسه.
خاف لأن للحظة، نسى كل الحدود اللي حاطها بينهم.
و لأن حتى بهاللحظة ... ظل يحاول يحميها ... حتى من نفسه.
ثاني يوم ما شافته، الصبح كان بدوام المستشفى و حتى دخلته للبيت ما لمحتها و طلع للعيادة ...
رغد من أيام صارت تبقى وية نورا ... البنية هادئة ما إلها صوت و ما تعرف سر قرب رغد منها بس كلش صاروا سوا ...و أكثر شي بعد ما بلغتها بخطوبة قيس !! و كأنها رسمت مسافة بينهم و اتخذت نورا صديقة ...
كانت ريّا كَاعدة يم أم قيس بالصالة، تصب لها الجاي الي هي سوته اليوم و هي تسألها،
- هذا جايج مال وحدة تعَرف تركّب.
قلصت عيونها تحاول تفهم الكلمة،
- تركّب ؟!
و ام قيس وضحت لها،
- تركيب يعني طبخ يمة.
ابتسمت ريّا، هسة يلا فهمت عليها، تقول،
- اي اعرف، شوية يعني.
و ام قيس ترد،
- لا عمج من رد من يمكم يكَول ماكل من ايدج خوش اكل.
ابتسمت بلمحة حزن،
- ما لحكَت اسوي أكل غير كم مرة، وراها بالمستشفى ظلينا نداوم شفتات علمود بابا و قيس.
- الجايات اكثر يمة،
و رفعت حاجبها تقول،
- مرة الاخرى اريد اضوكَ اكلج، هالنوبة كَلبي ما يطاوعني تسوين شي ...
و ريا سألت،
- اسويلكم ؟!
و ام قيس أشرت لها بإيدها ترتاح،
- لا شتسوين ؟! اني اسوي امي ... انتي تعبانة، و باجر وراج عقد و هوسة لا تحتركَ ايدج لو شو شنو يصير اسم الله ...
ابتسمت ريّا بخجل خفيف.
- عمة ... ترى مو عرس.
- أدري مو عرس ...
قالتها أم قيس و هي تصب لنفسها جاي، و ترجع تنظر لها بطرف عينها،
- بس هذا يظل يومچ ... و لو بيدي، جان سويتلچ أحلى حفلة بكل ديرتنا.
نزلت ريّا عيونها على الاستكان ... بقت تفره بين أصابعها بهدوء.
أم قيس انتبهت لشحوب وجهها. مدت إيدها بدون شعور، و عدلت خصلة شعر نازلة على خدها، مثل أم متعودة تسويها لبنتها.
- عليش ذابلة هيچ ؟
هزت ريّا كتفها بخفة.
- ماكو شي.
- لا، أكو ... قربت منها أكثر على القنفة.
- انتي من اللي يكَولن ماكو و كلشي بيهن.
ابتسمت ريّا غصب عنها ... و أم قيس ابتسمت إلها بحنان، و خلت إيدها فوق إيدها،
- يمّة ... لا تحملين روحج أكثر من طاقتها. والله أعرفج شلون تكابرين، و شلون تريدين تبينين قوية كَدام الكل. بس هالشي يتعبج وية الوكت ...
سكتت ريّا ... حست غصّة بصدرها من كلمة "يمّة" الي تكررها هذه المرأة.
أم قيس كملت، و نبرتها كلها دفو:
- من يوم دخلتي هالبيت، و اني كل ما ادحكَلج، اهجسج ما مرتاحة إذا أحد سوا لج شي ... حتى الجاي لمن أصبو الج، تحسين روحج لازم تكَومين تسوينو ... يولي انتي بعدج زغيرة ... و تعيبانة ... و موجوعة ... خلينا هالمرة إحنا ندلّلچ شوي.
نزلت دموع ريّا غصب عنها ... مسحتهم بسرعة و دارت وجهها ... بس أم قيس تقربت أكثر، و سحبتها لحضنها بهدوء.
- تعالي جاي ... ليش البجي؟
دفنت ريّا وجهها بكتفها ... ما عرفت شلون، بس فجأة حست نفسها ترجع طفلة ... طفلة تعبانة، و محتاجة أحد يكَلها:
- لا تخافين.
إيد أم قيس ظلت تمسد على شعرها و ظهرها بخفة.
- اهدي و لا تستحين مني، والله ما احسبج غير بنيتي.
شهكت ريّا بخفة ... و أم قيس باسَت راسها.
- انتي مو غريبة يمة ... لا تحسبين روحج لوحّدج ... من هين و رايح، عندج أم إذا ردتي ... حتى لو ما تكولينها بصوت بلسانج.
غمضت ريّا عيونها. و لأول مرة من سنين ... حست شلون يكون حضن الأم.
بهدوء تغير الجو و أم قيس تحچي وياها بهدوء عن شغلات البيت و السفر، و رهف و هبة طلعن يلعبن بالحديقة.
من مات أبوها، لا هي ولا رغد لبسن أسود بعد العزا ... مو لأنهم ما حزنوا ... بالعكس، لأن أبوهم بنفسه ما جان يحب هالسوالف. كان دائماً يكَول:
- الحزن بالقلب ... مو بالثوب.
و الي كان يشوفها لابسة ملابس بيت أو طلعة برا بلون اسود يقول،
- شهاللبس، شهالفال، شنو خلصت الالوان ؟!
و هم أصلاً ما جابوا وياهم غير كم قطعة ملابس بيت بسيطة. من أسبوع و هم نفسهم ... ثياب هادية، باهتة، بس مو سود.
رن جرس الباب. دقيقة و دخلت أم محمد، زوجة عمها عدنان.
سلمت ببرودها المعتاد، و كعدت، و من أول ما وقعت عينها على ريّا و ثوبها البيتي السماوي الفاتح، و على أم قيس كَاعدة وياها، رفعت حاجبها،
- هاا ... ما شاء الله. بساع ردّت الألوان للبيت.
سكتت ريّا ... أم قيس التفتت إلها بنظرة عرفت منها وين تريد توصل.
أم محمد كملت، و نبرة السم الي بحچيها متغلفة بابتسامة:
- كل ظني بعدكم حزانة ع المرحوم ... بس الظاهر بنات هالوكت ينسن بساع ... لا أبو ولا هم يحزنون ... و هسة عرس و ضحكة و لبس ألوان.
توتر جسم ريّا كله ... حست الدم صعد لوجهها مرة وحدة.
أم قيس همّت تحچي:
- أم محمد، ثمني كلامچ ...
بس ريّا اندارت بخفة.
- عن إذنج عمة.
و التفتت إلها بالكامل ... أول مرة من اجت لهالبيت، عيونها ما كانت مكسورة ... كانت حادة،
- إنتي منو حتى تقررين إذا نسيت أبوية لو لا ؟
سكتت أم محمد، يمكن لأنها ما توقعت ترد.
ريّا كملت، و صوتها ثابت، بس بيه نار:
- لا تعرفين شنو عايشة، و لا يمكن تحسين. لأن واضح انتي إنسانة ما عندج إحساس بالناس أصلاً ... هاي حياتي ... و هاي طريقتي بحزني ... و لا إنتِ، و لا غيرج، من حقه يقيم إذا حزني الظاهر لكم يكفي لو بعد !!
- يولي انتي شو لسانچ طويل !!
ابتسمت ريّا بمرارة.
- لا، مو طويل ... بس ما متعودة أحد يتجاوز على أبوية و على حزني و أسكتله ... من يوم الاجينا و انتو تقيمون بينا، شكلنا و تربيتنا و اخلاقنا و هسة حزننا ...
أم محمد اعتدلت بجلستها و قالت بسخرية:
- والله خوش ... البارحة اجيتن لهالبيت، و اليوم تحچين بصوت عالي !!
و هنا ريّا رفعت راسها أكثر،
- هذا بيتي ... و بيت أبوية ... مو بيت غريب حتى أحسب نفسي ضيفة و أسكت ... لمن أكون ببيتچ ... ذاك الوكت احچيلي شلون ألبس و شلون أحزن.
عم الصمت على الصالة.
أم محمد شهقت:
- دحكَوا بالله! و يريدون يزوجوها لقيس !! هو هذا وين يحمل هيج لسان !!
و ريّا ردت لها،
- هو الرادني، و خطبني من ابوية، محد مزوجني اله غصب ...
هنا وقفت أم قيس.
مو بعصبية ... بس بهدوء يخوف أكثر.
عدلت وقفتها و قالت:
- أم محمد ... يزي عاد.
صوتها كان ناصي، بس حاد.
- البنية ما غلطت ... لا يمج ولا بكَرباج، عيب بنية ازغر من بناتج تحطين دوبج و دوبها ...
سكتت الثانية.
أم قيس كملت، و عيونها ثابتة بعيونها:
- البنيّات فاكَدات ابوهن من ثلاث أسابيع ... و هالبنية كل يوم تنام و تكَعد على وجع ما تعرفيه ... لا إنتي شفتي شلون تحملت، و لا شفتي شلون شايلة خواتها و صايرة أم و أب ... فإذا ما عندچ كلمة طيبة، لا تزيدين وجعها.
و قبل لا ترد، دخلت رغد على صوت ريّا العالي.
وقفت بباب الصالة، شعرها مرفوع كعكة، و عيونها كلها عصبية ... من شافت أم محمد، فهمت فوراً.
- انتي شتريدين منّا ؟!
ريّا التفتت إلها بسرعة ... بس رغد كانت أصلاً معصبة منهم من قبل ... من يوم أجوا و هم يحچون و يتصرفون كأنهم أوصياء عليهم.
تقدمت للصالة و كَفت يم ريّا.
- شتريدين بعد ؟ مو كافي كل مرة تجين تتدخلين بحياتنا ؟
- رغيدة ... احترمي نفسچ.
- ما أسمح لج تحجين وياية بهالطريقة ... و الي يحجي عن الاحترام خلي يعامل الناس باحترام أول ...
أم محمد وقفت و قالت:
- ام قيس هن هذن بناتج الوليتي امة لا اله الا الله بيهن !! شايفة تربيتهن ؟!
رغد ضحكت بسخرية.
- لا، شايفة شلون إنتِ كلش فارغة، و ما عدچ غير تحاسبين الناس على ملابسهم و تقيمين حزنهم.
- رغد !
نبهتها أم قيس هالمرة بحزم.
التفتتلها رغد، و سكتت فوراً . مو لأنها خافت من أم محمد ... بس لأنها تحترم أم قيس.
أم قيس مشت و وقفت بيناتهم.
- يزي عاد ... هذا الموضوع ما ينفتح بعد.
و التفتت لأم محمد:
- و إنتي ... لو جاية زيارة و تباركين، كل الهلا ... بس لو جاية تحاسبين بناتي شلون يحزنن و شلون يعيشن، فهاي آخر مرة ينفتح بيها هالحچي بهالبيت ... و الا يطلع مني و يصل لابو قيس و انتي تعرفين لو طلع من ايدي و وصله شيسوي ... تجفي الشر و سدي السالفة ...
صمتت أم محمد، و واضح من وجهها إنها انكسرت كلمتها ... كَامت من مكانها تلم عباتها بعصبية.
- إي زين ... اني غلطانة و جيت و تعنيت ... بس خلّي ببالج، هاي هي و قيس ما تخلص بينهم على خير بهذا لسانها ...
و ام قيس ترد لها بثبات،
- هذا مو شغلج ...
و طلعت تهف بعباتها ...
أول ما انغلق الباب، سحبت ريّا نفس طويل. بس هالمرة، مو من الوجع. من القهر.
و رغد التفتتلها فوراً:
- زين سويتي بيها ...
بس ريّا ما ردت ... لأن بعدها كلمة "نسيتي أبوچ" تتردد بعقلها ...
لا إرادياً إيدها ضغطت على صدرها و حسّت جرح قلبها كله رجع ينفتح من جديد ...
انغلق الباب، و بقت الصالة ساكتة كم ثانية.
رغد بعدها واكَفة و نفسها صاعد نازل تلهث من العصبية.
- والله لو اني جان ما خليتها تطلع بهالسهولة.
أم قيس التفتتلها، و ملامحها هادئة، بس بيها ذاك الحزم اللي ما يوجع.
- تعالي هين يمة.
بقت رغد بمكانها شوية، بعدها مشت إلها ببطء. أم قيس سحبتها من إيدها و كَعدتها يمها على القنفة.
- عليش كل هالعصبية؟
ردت بسرعة:
- لأن كل مرة تجي تحچي علينا! و على بابا! و على ريّا!
أم قيس مسدت على شعرها بخفة.
- أدري يمة ... و أدري كَلبج محروكَ أكثر من أختج هم. بس مو كل واحد يحَچي نردله نفس حچيه.
- بس هي غلطت!
- و ريّا ردت عليها.
قالتها أم قيس بهدوء.
- و ردها جان كافي.
سكتت رغد، و نزلت عيونها.
أم قيس رفعت وجهها بإيدها حتى تباوعلها.
- انتي لمن دخلتي، ما جيتي تدافعين عن أختج وبس ... انتي جيتي و كَلبج مليان من اول ... و خليتي كل القهر يطلع بوجهها.
دمعت عيون رغد بسرعة.
- لأن أكرههم ... أكرههم كلهم.
- أدري.
همستها أم قيس، و ضمتها إلها.
- بس لا تخلين هالكره يحركَج إنتي.
دفنت رغد وجهها بحضنها، و ظلت ساكتة. أم قيس باسَت راسها و قالت:
- بعدج زغيرة يمة ... هالعصبية مو زينة، تتعبين روحج ... و لمن تحجين بعصبية تغلطين و الجدّامج اصلا منتظر عليج الزلة ... خلي ريّا إذا ردت، ترد ... و إذا ما ردت، اني هين ... و انتي ... أريدج تبقين ظهر إلها، مو تزيدين النار.
رفعت رغد عيونها بسرعة لريّا، كأنها خايفة تكون زعلت منها. بس ريّا ابتسمت إلها بخفة،
- اسمعي كلام عمة هنا ...
- انتي هم؟
قالتها رغد بصدمة صغيرة.
قربت ريّا منها، و لزمت إيدها.
- إي.
ابتسمت بمرارة خفيفة.
- انتي لمن دخلتي، حسيت نفسي مو وحدي ... و هذا كفاني. بس بعدين خفت عليج أكثر مني.
سكتت رغد. و ريّا كملت:
- هي تريدنا نغلط حتى تحچي أكثر. و انتي ما ناقصج أحد يلزم عليج كلمة ... انتي مو قليلة تربية، و لا قليلة أصل ... فلا تنطيها فرصة تحس نفسها صح و تقول عنج هالكلام.
بقت رغد تتأملها ثواني، بعدها قربت فجأة و حضنتها.
- اني ما أحب أحد يأذيج.
غمضت ريّا عيونها، و ضمتها.
- أدري.
أم قيس ظلت تباوعلهم، و قلبها انكسر عليهم ... مدت إيديها تطبطب على ظهرهم،
- الله يحفظجن يا يمة ...
و التفتت لرغد،
- زياد يجيجن شواي انوب، البسي انتي و نورا تا تروحن وية سارة للسوكَ .
التفتت لها رغد تسأل،
- و ريّا ؟!
ام قيس ردت
- اذا تريد تروح اخذنها، بس هي موصية وحيّد يجيب كلشي على ذوقو.
ارتبكت ريّا من جملتها هذه، نقّلت عيونها بينهم و ما تعرف منين الفراشات تسللت لبطنها.
- عمة هو سوا كل شي ؟!
هزت راسها تقول،
- والله حتى اني كلشي ما أعَرف ... بس من طلع الصبح، كَال محد يحَچي وياها بهالسوالف، خليها ترتاح ... و اني اجيب كلشي على ذوقي.
نزلت ريّا عيونها بسرعة على استكان الجاي ... حست بحرارة خفيفة بصدرها ... و بنفس الوقت ذنب غريب. شلون يكَدر يهتم بكل هاي التفاصيل، و هي بعدها كل ما تشوفه ترتبك ؟
أم قيس انتبهت إلها،
رفعت ريّا عيونها بسرعة. و بنفس اللحظة، سمعت صوت باب البيت الداخلي ينفتح.
دقيقة ... و دخل قيس.
كان راجع من بره، لابس ملابسه الرسمية، و شعره بعده مرتب ... أول ما دخل، وقعت عيونه عليهم.
وقف لحظة.
أم قيس جالسة بالنص، رغد و ريّا حواليها، و واضح من عيونها إنه صاير موقف وياها اليوم ...
ملامحه تغيرت فوراً.
- شصاير ؟
ردت أم قيس بسرعة، و هي تريد تختصر السالفة:
- ماكو شي يمة ... أم محمد إجت و كَطت لها جم حجاية و مشت. ما تعرفها ؟!
قطب حواجبه.
- شحچت ؟
ريّا بسرعة هزت راسها.
- هاهي قيس انسد الموضوع.
بس رغد، اللي بعد بيها عصبية، سبقتها:
- تكَول نسينا بابا لأن ما لابسين أسود ... و ريّا عايشة و تريد تتزوج ...
ثواني ... و وجهه تبدل بطريقة خلت الصالة كلها تسكت.
نزل عيونه على ريّا ... كانت تنظر للفراغ، و أصابعها تضغط على الاستكان.
مشى خطوتين للداخل.
- و انتي شحچيتي؟
رفعت عيونها إله، و لأول مرة حسّت إنها تريد يعرف. همست:
- كَلتلها هذا بيتي و بيت أبوية ... و محد يقرر شلون أحزن.
ظل يتأملها كم ثانية ... و ببطء ... ببطء جداً ... ارتاحت ملامحه.
شي صغير جداً مر بعينه ... فخر.
التفت لأمه.
- خوش.
و رجع نظر لريّا.
- صح لسانج ...
ما عرفت ليش، بس مجرد إنه كَالها، حست كل القهر اللي بداخلها هدأ شوية.
أم قيس ابتسمت بخفة، و ضربت على ركبتها.
- يلا عاد، كافي كَركَة ... كَومن البسن، زياد و نورة يتنون ...
تأففت رغد:
- ما أريد أروح.
تقرب قيس نزل الأكياس على الطاولة بصالة الجلوس، و تنهد بخفة.
- تعالي جاي ام ماريد اروح ... لكَيت سوالف بنات جثير، و كل ما اكَول هذا يكفي، تكَول البنية بالمحل: لا هذا هم تحتاجه، عاد صدكَ تحتاجنه لو ضحكت عليّ بعد مادري ...
ضحكت أم قيس بخفة، و رغد هم ابتسمت غصب عنها.
قيس التفتلها و مد إلها كيسين.
- هاي إلج، و هاي لنورا.
قلصت رغد عيونها باستغراب.
- شنو هذا؟
- شغلات الج.
و قبل لا تفتحهم، كمل بهدوء:
- بس قياسج انتي و نورا ما ضابطه. روحن وية زياد جيبن كلشي نفسجن بيه.
نزلت عيون رغد بسرعة، و بان التردد عليها.
- لا ... ما أريد.
رفع حاجبه و رد بنبرة بيها ذاك الإصرار الهادئ، و لمعة مزاح صغيرة بعينه:
- يلا عاد ... استخارة هي؟
و أشر بإيده للدرج.
- امشي البسي، الزلمة يتناچن.
رغد حاولت ما تبتسم، بس ما كدرت ... دارت عيونها على ريّا، و من شافت ابتسامتها الخفيفة، تأففت و كَامت.
- رايحة اني ...
صعدت هي و نورا لفوكَ، و هبة ركضت وراهم تسأل إذا تكَدر تروح.
بقت ريّا و أم قيس وحدهم وياه.
أخذ نفس، و تقرب من أمه أول ... مد إلها كم كيس.
- هاي يمّه، بيهن اللي طلبتيه و سوالف اخرى بعد شغلج ...
أم قيس فتحت واحد بسرعة، و من شافت اللي بداخله، ابتسمت و هزت راسها.
- تعيش يمة تعيش ...
- انتي العايشة ...
و التفت لريّا.
كان بعده شايل بإيده كم كيس ثانيات، بس كبار ... وقف قبالها لحظة، و مدهم إلها بهدوء.
- و هاي إلج.
مدت إيدها أخذتهم، مرتبكة أكثر من اللازم. عيونها نزلت على الأكياس، و رجعت رفعتها إله.
ابتسم ابتسامة صغيرة، بالكاد تبين.
- إن شاء الله ذوقي على مرامج.
وقفت ثواني ساكتة ... حست نفسها تريد تكَوله ليش تعبت نفسك، أو ما كان لازم، أو شلون عرفت ... بس هي بنفسها البارحة كَالتله:
"تصرف ... بس بدون ما تضغط عليّة."
و هو فعلاً سوى بالضبط الشي اللي طلبته.
نزلت عيونها بخجل، و ضمت الأكياس لصدرها بخفة.
- عاشت ايدك ...
رفع عيونه إلها مباشرة ... و للحظة، سكت.
بعدها ابتسم، ابتسامة أوضح شوية هالمرة.
و التفت حتى يطلع، بس قبل لا يصعد، وقفته أم قيس:
- و انت شلون عرفت ذوقها ؟!
وقف بمكانه مرة ثانية، و بدون ما يلتفت بالكامل، قال بهدوء:
- حرمتي شلون ما اعَرف ذوقها !!
تجمدت لثواني، عيونها معلقة بظهره و هر يختفي من أمامها على الدرج ... و لا إرادساً أصابعها كانت تضغط على الأكياس بإيدها ...
كسر الموقف إيد أم قيس تمسد على ظهرها و تقول بهمس،
- قيس ذهبة ... يداري الكل و محد يعَرف يداريه ...
سألتها بتلقائية،
- ليش ؟!
و ردت ام قيس،
- هو يحَجيلج ...
سكتت ... و لأول مرة، ما فكرت شنو هو يريد منها ... فكرت شنو شايل بقلبه لوحده ؟!!
طلعت رغد من الغرفة بسرعة، لابسة فستانها و تاركة شعرها ذيل حصان على ظهرها ... بيدها جنطتها، و بيدها الثانية تلفونها، و واضح من طريقة مشيتها إنها مستعجلة حتى لا تغيّر رأيها و ترفض الطلعة كلها ...
أول ما شافتها ريّا، رفعت عيونها عليها كم ثانية ... بعدها أشرتلها بهدوء.
- رغد ...
التفتتلها.
- ها ؟
قربت منها ريّا، و بصوت ناصي حتى لا يسمعهم أحد:
- البسي العباية الخفيفة الي بغرفتنا ... و خلي الشيلة على شعرج.
قطبت رغد.
- ليش ؟!
نزلت ريّا عيونها على شعرها النازل و الفستان اللي لابسته، و رجعت رفعتها إلها.
- لأن رايحين لمكان عام ... و ما أحب شكلج يكون ملفت.
بقت رغد تتأملها ثانية ... و لأول مرة من أيام، ما جاوبتها بعناد. يمكن لأنها فهمت من نبرة صوتها إنها مو أوامر ... خوف ... أو يمكن لأنها حست إنه ريّا رجعت شوية تصير نفس قبل، الأخت الكبيرة اللي تنتبه لكل تفصيل.
تنهدت بخفة.
- زين ...
اندارت و رجعت للغرفة، و بعد دقيقة نزلت لابسة عباية خفيفة مفتوحة و شيلة ناعمة على شعرها ... رهف صفكَت بيدها بحماس:
- طالعة حلووة ...
ضحكت رغد غصب عنها، و نورا ابتسمت بخجل ... دقيقة و سمعوا صوت زياد من بره:
- يلا يولن بطيتن ...
طلعوا البنات، و الصغار طلعوا للحديقة ... ظل البيت هادئ بعدهم.
أم قيس دخلت للمطبخ، و ريّا بقت وحدها بالصالة.
ظلت تباوع على الأكياس اللي بإيدها ثواني ... بعدها أخذتهم و طلعت لغرفتها.
غلقت الباب و كَعدت على حافة السرير ... حطت الأكياس يمها، و مدت إيدها ببطء تفتح أول واحد.
طلع بداخلها فستان.
سحبته بهدوء، و ظل بين إيدها كم ثانية بدون ما تستوعب.
كان أوف وايت ... مو أبيض صريح، و لا كريمي. اللون الهادئ اللي كانت تحبه دائماً ... متداخل وياه خيوط ذهبية ناعمة جداً عند الأكمام و أطراف الصدر، بشكل راقي و هادى ... لا مفتوح زيادة، و لا مقفل يخنق. ناعم ... مرتب ... و بيه ذاك الشي اللي يخليه يبين أنيق بدون تفاصيل هواية.
وقفت لا إرادياً، و رفعت الفستان كَدامها ... حتى الطول ... حتى القصّة ... يشبهها ...
نزلت عيونها عليه، و لأول مرة من أيام، لمعت بعينها لمعة خفيفة مو من البجي.
همست بين نفسها:
- شلون ...؟
شلون عرف ؟ شلون عرف إنها تكره الأشياء المبالغ بيها ؟ شلون عرف إنها ما تحب الفساتين المفتوحة ؟ شلون عرف إنها تحب الألوان الهادية أكثر من أي شي ثاني ؟
رجعت تتذكره واقف بالصالة، ظهره إلهم، و صوته الهادئ:
"حرمتي شلون ما اعرف ذوقها."
حست بحرارة خفيفة صعدت لوجهها ... و بدون شعور، ضمت الفستان لصدرها.
رجعن البنات من السوق بعد المغرب ... الباب انفتح و دخلت رغد أول وحدة، بإيدها ثلاث أكياس، و نورا وراها شايلة أكثر منها، و زياد داخل آخر واحد و بإيده أكياس أكثر من البنات نفسهم.
- والله هذن ما ينطلع بيهن باب الحوش ...
كَالها و هو ينزل الأكياس على الأرض بصوت عالي.
ضحكت أم قيس من المطبخ و طلعت تمسح إيدها بالمنشفة ...
- هاا شجبتن؟
- كلشي ... عمة هذا ابنج صار كريم بالسوق و هنا يحجي علينا ...
ردت رغد بسرعة، و أول مرة من أيام كان صوتها بيه شوية حياة.
أم قيس تضحك تقول،
- يداهرجن يولي ...
طلعت هبة تركض، و رهف وراها.
- شنو هاي؟ شنو هاي؟
و قبل لا أحد يمنعهم، صعدوا لغرفة البنات ورا رغد و نورا.
بعد نص ساعة ... غرفة البنات كانت منقلبة شي فوث شي ... أكياس على السرير، أكياس على الأرض، علب مفتوحة، و فساتين معلقة على باب الكنتور ...
رهف و هبة كَاعدات بالنص، كل وحدة حاطة شي على نفسها و تسأل:
- هاي إلي؟
- لاا هاي إلي أني!
رغد كَاعدة على الأرض، و لأول مرة من مات أبوهم، كانت تضحك بخفة و هي تحاول تبعد هبة عن أكياسها.
أم قيس دخلت عليهم و وقفت بالباب، تباوع للغرفة و البنات و الفوضى، و ابتسمت.
- بعد عايزجن شي يمة ؟
رفعت رغد راسها بسرعة.
- لاا عمة، كلشي جبنا ... و أشرت على أكياسها.
حتى أكثر من اللازم.
أم قيس التفتت لريّا ... كانت كَاعدة على طرف السرير، و الفستان الأوف وايت بعده بحضنها، مطوي بعناية.
- و انتي؟
رفعت عيونها إلها، و هزت راسها بخفة.
- لا ... ما ناقصني شي.
ابتسمت أم قيس إلها بنظرة طويلة، كأنها فاهمة إن مو بس الملابس اللي ما ناقصتها.
بالليل ... الصالة الكبيرة كانت دافية.
أبو قيس كَاعد بصدر المكان، و قيس يمه ... كَدامهم أوراق، و تلفونات، و أسماء تنذكر وحدة ورا الثانية ...
ريّا كانت كَاعدة بعيد شوية، يم أم قيس و البنات. ما كانت مشاركة بالحچي ... بس كانت تسمع.
فلان لازم نعزمو ...
و أبو فلان هم، ما يصير ما يحضر ...
و الشيخ قيس أكد إنه رايح له العصر ...
كانت تسمع أسماء رجال ما تعرفهم ... أسماء كبار ... و عمها يكلمهم بالموبايل ... أصواتهم كلها بيها ذاك الاحترام و المكانة اللي ما كانت متعودة عليه.
أبو قيس قال و هو يعد على أصابعه:
- اهلنا و نسابتنا كلهم عزمتهم ... اهل ال.... كَالوا يجون ... و التفت لقيس.
- كَول لزياد و أسامة الذبايح كَبل الظهر مكَطعة و جاهزة، تا ورا العقد ندير العشا كَبل لا تمشي الناس ...
هز قيس راسه.
أم قيس تدخلت بهدوء:
- و النسوان ما نريد نسويها هوسة ... الحبايب الكَريبات حجي ... جنايني و سمية و جناينها و بناتها ... و بيت ابو محمد ... ما نريد تصير هوسة هين ...
نزلت ريّا عيونها ...و ارتاحت شوية ... لأن ما أحد كان يريد تضغط على نفسها بوسط الهوسة ...
سكتوا شوية ... بعدين أبو قيس رفع راسه و سأل أم قيس:
- على طاري عدنان ... كَالّي أم محمد ما تريد تحضر، تكَول الوجوه ثكَلت عليّ بهالبيت.
تجمدت ريّا بمكانها.
نزلت عيونها بسرعة. كل ظنها إن اللي صار العصر انتهى. و إنها حتى لو ردت عليها، محد راح يعرف.
أم قيس التفتت عليها لحظة ... بعدين رجعت لأبو قيس، و بهدوء، حجتله كلشي،
حجتله شلون دخلت، و شلون علّقت على ملابسهم، و شلون كَالت إنهم نسوا أبوهم، و شلون ريّا ردّوا عليها.
الصالة كلها سكتت.
ريّا ما رفعت عيونها. كانت حاسة نفسها رجعت صغيرة ... و يمكن غلطت.
لكن أول واحد حچى كان أبو قيس.
تنهد، و هز راسه بخفة.
- و يطبها طحيّل.
قالها بثقة، و ببرود رجال ما شايف بالموضوع إلا غلط أم محمد.
أم قيس ابتسمت غصب عنها. حتى رغد رفعت راسها بسرعة.
أبو قيس رجع يتكلم، و هالمرة صوته بيه حنية واضحة:
- عجل كَلتيلها هذا بيت ابوي يولي ؟!
رفعت ريّا عيونها مبتسمة له، و أشر لها بإيده،
- تعاي جاي تعاي ...
تقربت منه، وسع لها تجلس بجنبه و حاوط كتفها ... دنكَ باسها بشعرها يقول،
- اي والله هذا بيت ابوج ... و كلمن ما يعَجبو الحجي الباب يوسع جمل ...
قيس كان ساكت طول الوقت ... بس ريّا انتبهت لعيونه.
كان يباوع لأبوه ... و بابتسامة صغيرة جداً، بيها فخر ... ما حست نفسها غريبة وهي كَاعدة بينهم.
كَعدت ريّا الساعة 11 الصبح، ثِقل النوم بعده على جفونها وكأن الليل ما خلص بسهولة ...
مدت إيدها تفرك عيونها و هي تحاول تستوعب المكان … بس صوت خفيف من جوا جاي خلاها تنتبه:
حركة ناس ... صوت صحون ... وحده تضحك بصوت ناصي.
عدلت نفسها و مشطت شعرها و نزلت الدرج بهدوء و كأنها تتأكد مما يحدث بالأسفل ...
أول ما دخلت الصالة، انفتحت عيونها شوية ...
عمتها سميّة كانت موجودة
.
رفعت راسها أول ما شافتها، و بسرعة كَامت و حضنتها حضن دافي:
- هاي شنو؟ كل العرايس متفقات يكَعدن بال 11 !!
ضحكت ريّا بخجل و هي تحاول تفلت من الحضن، بس أم قيس كانت واقفة قريب، تبتسم وهي تهز راسها:
- خليها تنام … البارحة اسهرن يعزلن و يشيلن و يحطن ...
ريّا كَعدت تفهم الجو حواليها، إحساس غريب بين التعب و الفرح ... بين ثقل الفقد اللي بعده قريب و بين يوم جديد يُكتب بإسمها.
بعد الريوكَ المتأخر، وقبل الغدا، وقفت يم باب المطبخ، مدت راسها شوية ...
المشهد كان أكبر من المتوقع.
الممر الطويل بين المطبخ والحديقة كان مليان جداري مغسولة و مقلوبة كإنه حتى تنشف ... صياني كبيرة مليانة لحم الذبايح الي كان يوصي عليها عمها بالليل ... و أكياس كأنها أكياس تمن كبيرة ... ريحة اللحم كانت مختلطة بالهواء، و ناس تتحرك بهدوء و ترتيب.
واضح هاي مو عزيمة عادية …
سمعت صوت زياد من الجهة الثانية.
كان لابس دشداشة و رافعها كأنه مسويها حزام، و بجامة بيضا و مغموس بالشغل، يغسل اللحم بإيده، و يرفع راسه لما شافها:
- صباح الخير عروس ...
ابتسمت هي بخجل:
- صباح النور …
ضحك و هو يهز راسه:
- دحجي لفات الجبن و البيض الجنتي تجيبيهن الي للمستشفى غزرن ... شغلوني طباخ لمهركم ...
ضحكت ريّا بهدوء:
- الله يقويك … اساعدك بشي ؟!
ضحك بصوت يقول،
- طبي جوا يولي لا عمج اليوم يور اهَلي ...
ضحكت و رجعت خطوة للداخل و ابتسامتها بعدها على شفايفها ...
بعد الغداء ... بدأت مرحلة التحضير الحقيقي.
رغد كانت واقفة وراها، ترتب شعرها بهدوء، تسوي تسريحة بسيطة، تتركه بطوله بس ترفعه رفعة خفيفة تخلي ملامحها أوضح وأنعم بنفس الوقت.
و وية الأكياس الي جابها قيس لقت إكسسوار شعر بلون ذهبي و بتصميم ناعم ياخذ العقل، أصرت رغد تخليه الها ...
المكياج قررت تخليه بنفسها ...
خفيف جداً … كأنها تريد تبقى هي، مو نسخة من يوم رسمي.
و لما لبست فستانها، سكتت لحظة.
الفستان كان كأنه مفصّل إلها بالضبط … لا زايد ولا ناقص، ناعم و هادئ، يشبهها بطريقة ما تنوصف.
الساعة 5 العصر نزلت للصالة.
أم قيس كانت هناك، كَاعدة مثل السند الحقيقي، تستقبل كل وحدة تدخل.
ريّا مسكت إيدها بسرعة، صوتها هادئ بس بيه رجفة:
- عمة … لا تخليني وحدي.
أم قيس ضغطت على إيدها بحنيّة و ابتسمت:
- شلون اعوفج لوحّدج يمة !!
سارة كانت تمر بين الحين و الآخر تسألها إذا تحتاج شي، بلطف و هدوء، بدون ضغط.
مها زوجة أسامة، و نورا، و رغد و سارة … كل وحدة لازمة طرف من الضيافة و الترتيب، و كأن البيت كله صار إيد وحدة.
الحفلة كانت عائلية جداً … ما بيها غرباء، ما بيها ضجيج زائد، حتى ما بيها أصوات فرح عالية.
و هذا الشي ريّحها.
خصوصاً غياب أم محمد … كان ثقل غير مرئي انشال من الجو.
ماكو أغاني، ولا هلاهل.
بس تهاني، دعاء، و وجوه صادقة.
احترام لغياب أبوها … و كأن الجميع متفقين إنه الفرح اليوم يمشي بهدوء حتى ما يوجع الذكرى.
بعد ساعة ... دكَ الباب الخارجي للصالة.
نورا دخلت بسرعة، عيونها بيها استعجال:
- يمة … ابوي و الشيخ بالباب.
سكت المكان لحظة ...
ريّا قلبها دكَ بسرعة ...
أم قيس قربت منها، و رفعت شيلة بيضا بهدوء و حطتها على شعرها، و بنفس اللحظة رغد كانت تمسك إيدها من الجهة الثانية ...
- أبقى وياج ؟!
هزت ريّا راسها، بس إيدها كانت ترجف شوية ...
انفتح باب الصالة على النصف ... سلم الشيخ على أم قيس و هي حيته بكل احترام ...
التفت لريّا الي مبين بس وجهها و خصلات من شعرها متمردة من تحت الشيلة.
- السلام عليكم ريّا ... شلونج يابا ؟!
ردت بصوت منخفص،
- و عليكم السلام، الحمد لله بخير ...
و كلمها ...
- ريّا ... يابا احنا اليوم جايين بطرشة خير ان شاء الله ... الله يرحم ابوج بنيتي، و الخير و البركة بعمج شيخ سلمان ... و ابن عمج قيس و نعم الرجال ...
ردت بهدوء مرتبك،
- الله يسلمك شيخ ...
التفت لعمها و سألها،
- ريّا أركان عبدالرحمن ... يابا هل انتي موافقة على عقد قرانج بقيس سلمان عبدالرحمن على سنة الله و رسوله، بمهر معجله 30 مثقال ذهب عيار 21 و مؤجله بنفس القيمة ؟!
صفنت تستوعب ... الرقم الي قاله كبير … رقم عالي لدرجة خلاها ترفع عيونها شوية، مو من الصدمة بس من ثقل اللحظة نفسها.
رجعت تنظر للأرض بسرعة لما عاد السؤال مرة ثانية،
سكتت ثواني ...
مو لأن الجواب مو واضح … بس لأن اللحظة أكبر من مجرد كلمة.
رفعت راسها شوية، نظرت لأم قيس، و بعدين هزت راسها:
- موافقة.
و سألها الشيخ،
- بدون ضغط أو إكراه ؟!
و ردت،
- موافقة، بدون ضغط و إكراه ...
- منو توكلين للعقد ؟
سكتت لحظة، و بصوت ثابت:
- عمي سلمان.
ابتسم الشيخ بخفة، و كأنه يعرف المشهد أكثر مما يُقال:
- هو أبو العريس يابا !!
تدخل عمها بسرعة وهو يبتسم:
- لا لا… اني ابوها شيخ ... ابني زلمة كَد نفسو ...
ضحكات خفيفة بينهم، و الكلام انتهى بهدوء،
- الله يتمم لكم بالخير، و البركة ...
و بعدها خرج الشيخ.
و بدأت الدقايق تمشي بسرعة غريبة.
لحد ما دخلت أم قيس مرة ثانية، صوتها هادي بس بيه معنى:
- قيس جيه …
سكتت ريّا.
ما رفعت راسها مباشرة.
لما دخل، المكان كله تغيّر بدون ما أحد يحجي.
أول مرة تشوفه بهيئة تقليدية كاملة …
دشداشة بيضا، بشته الأبيض، شماغه الأحمر و عكَاله، و هيبة تمشي سابقته بخطوة.
حتى وقفته كانت مختلفة ...
سلم على الجميع بإيد مرفوعة بهدوء، مو مستعجل، مو متوتر … كأنه داخل على لحظة يعرف قيمتها.
بس لما عيونه وصلت لريّا …
كل شي حواليه خف.
هي كانت واقفة، بس متوترة.
تباوع له و كأنها تشوفه لأول مرة فعلاً.
مو الرجل اللي تعرفه بالممرات و المستشفى … هذا شخص ثاني، هالة ثانية، حضور يربك أكثر مما يشرح.
تقرب ...
خطواته هادية، بس واثقة.
حط إيده على كتفها، و إيده الثانية على شعرها برفق، و انحنى و قبّل جبينها.
- مبارك ريّا …
همسها بصوت ناصي، بس واضحة كأنها تخصها وحدها حتى لو الكل يسمع ...
هي ما ردت فوراً … بس نظرتها فضحت كل شي.
ردت بخجل،
- الله يبارك بيك ...
وقف لجانبها يرد على مباركات الكل و التفت لأمه الي قربت علب الحلقات ...
أخذ الحلقة بيمينه و يساره رفعت إيدها، لبسها يهمس لها يلطف الجو،
- عاد القياس مضبوط لولا، الله يسترنا من الفضايح ...
ابتسمت له و أخذت حلقته، و مد لها إيده اليمين، لبسته إله تقول له،
- طلعت تعرف القياسات ...
ابتسم لها يهمس جنب إذنها،
- عيب حرمتي ما اعَرف قياساتها ...
سكتت بلحظتها و فوراً احمرّ وجهها و حست بإنه أكو قصد بكلامه الي تكرر مرتين ...
تقربت أمه بعلبة طقم الذهب، قاطعة عليها سلسلة أفكارها، و لما شافته طقم مو خفيف، همست له،
- هذا مو اتفاقنا …
ابتسم بهدوء، و همس قريب من أذنها و هو يلبسها القلادة،
- احنا اتفقنا مهرج مو هسة، و هذا هدية مني ...
تأملت تقاطيع وجهه بهذا قربه و هو يلبسها التراجي،
- حتى المهر الي حاطه ... انت ما سألتني عليه ...
أخذ الترجية الثانية يخليها بالإذن الثانية و همس بابتسامة،
- هو اني كَلت لابوي كَليّل هذا خلنا نزيدو، بس ...
و قاطعته عيونها الي وسّعتها بوجهه،
- تحجي صدكَ انت !!
ضحك بخفة، و قبّل جبينها مرة ثانية و همس :
- هذا مو من كَدرج ...
بعدها مصدومة بطريقته وياها و تفاجأت بيه ينزل بشته و يخليه على كتفها ... ما عرفت ليش و شنو يعني بس بعدها كلهم ظلوا يباركون ... و ام قيس تتمتم،
- والله الودّ ودّي الديرة كلها تسمع هلاهل عرسك حبيبي ...
و هو باس راسها يقول،
- بعرسي ان شاء الله يمة ... الله يديمج النا ...
و اجاهم صوت عمها سلمان من الباب الخارجي للصالة،
يقول،
- وينه هذا !!
و فات رافع إيده يسلم على الكل و تقرب لحبيبة قلبه يقول،
- يا بعد كل العرايس يا يابا ...
حضنها و باس راسها يردد،
- عساه عقد المبارك يا يابا، الله يتمم لكم بالخير و البركة و اشوف ويلادكم يملون عليّ البيت ...
ابتسمت له و بهذه اللحظة بالذات حز بخاطرها غياب أبوها ... لمعت عيونها و هو لمها لصدره يقول،
- لا تحز بخاطرج يا بعد اهَلي ... اني ...
و أشر لقيس،
- و هذا الزلمة ان شاء الله سند و ذخر الج دوم ...
همست بحضنه،
- الله لا يحرمني منكم عمو ...
و رجع باس شعرها يقول،
- امين حبيبتي اميين ...
و داعبها يقول،
- لحكَ يلفج بعباتو كَبلي ...
ابتسمت ما فاهمة الموضوع، و هو التفت لقيس،
- يلا يابا الناس تتناك بالديوان ...
و قبل لا يطلع عمها سلمان صاحت عليهم نورا،
- يابا اكَف كَبل لا تطلع اكَص لكم صور ...
و هو رجع يقول،
- يلا يولي بساع ...
وقفهم لجانب بعضهم، هو بجانب ريّا و أم قيس بجانب إبنها و كانت من أحلى الصور للذكرى ...
خلصت و هو طلع و بقت نورا تاخذ لهم كم صورة، لوحدهم، وية الكيكة، و لقطات سريعة هي مرتبتها ... خمس دقايق مرت و قيس انسحب لأنه تأخر عن ضيوفه ...
و عيونها علقت وراه بطريقة ما تنحكى ...
كان قريب، و الاحساس بيه كأن اللحظة صارت بداية شي أكبر من كل الكلام اللي انقال قبل ..
