
بعد شهرين…
فى المحكمة…
القاضى قال بصوت رسمى ثابت: "بعد الاطلاع على الأوراق المقدمة… حكمت المحكمة ببراءة المتهم أسعد محمد أبو بكر مما هو منسوب إليه."
أسعد اتنهد وقعد على الكرسى داخل القفص، وكان شكله مجهد وتعبان، دقنه طويلة وعينيه مليانة إرهاق وقهر.
المحامى قرب منه بسرعة: "مبروك يا أسعد باشا… أخيرًا."
لكن أسعد ماكانش حاسس بأى فرحة. كل اللى كان بيفكر فيه… منيرة وخالد.
وبعد انتهاء الجلسة والإجراءات…
أسعد خرج من المحكمة ببطء، والشمس ضربت وشه لأول مرة من شهور. وقف لحظة ياخد نفسه، وكأنه مش متعود على الحرية.
وفجأة… لقى محمد أبو بكر واقف بعيد مستنيه.
أسعد بصله للحظات بصمت. أما محمد… فكان واضح عليه التعب والسن كأن الشهور اللى فاتت عدوا عليه سنين.
قرب منه بخطوات هادية وقال: "حمدالله على سلامتك يا ابنى."
أسعد رد ببرود موجوع: "منيرة فين؟"
محمد أبو بكر سكت شوية، وبعدها قال: "لسه بندور."
أسعد قرب منه بسرعة وعصبية: "يعنى إيه بتدوروا؟! مراتى وابنى مختفيين بقالهم شهور!"
محمد حاول يهديه: "اهدى يا أسعد."
لكن أسعد انفجر: "أهدى إزاى؟! أنا خرجت لقيت حياتى كلها ضاعت!"
وسكت لحظة قبل ما يبص لأبوه بوجع: "هى رفعت الخلع ليه؟" هى لسه مراتى
محمد أبو بكر لف وشه الناحية التانية وكأنه مش عارف يرد. الخلع تم وكل واحد فى حاله
أما أسعد… فبدأ الشك ياكل قلبه أكتر.
قال بصوت منخفض: "إنت تعرف حاجة مخبيها عنى؟"
محمد بصله بسرعة: "تقصد إيه؟"
أسعد ثبت عينيه فيه: "كل اللى حصل ده متدبر… وأنا حاسس إن الحقيقة قريبة منكم أكتر ما أتخيل."
محمد أبو بكر اتوتر للحظة، لكنه حاول يتمالك نفسه: "إنت تعبان ومحتاج ترتاح."
أسعد ضحك ضحكة قصيرة كلها قهر: "راحة؟! بعد ما خسرت مراتى وابنى وسنين من عمرى؟!"
وفجأة… محمد أبو بكر قرب منه وقال بنبرة حاسمة: "انسى بقى."
أسعد عقد حواجبه: "أنسى إيه؟"
محمد قال ببرود غريب: "هى اطلقت… وخالد أنا هاجيبه… هاجيبه."
أسعد اتجمد مكانه.
بص لأبوه بعدم استيعاب: "يعنى إيه انسى؟!"
محمد سكت، لكن الكلمة كانت كفاية تولع النار جواه.
أسعد قرب منه بخطوة، وعينيه بقت حادة بشكل مخيف: "لو جرالهم حاجة… أقسم بالله ما هرحم أى حد."
محمد أبو بكر حاول يخفى توتره: "خالد هيرجع."
لكن أسعد قال بصوت منخفض مليان شك: "وأمه؟"
الصمت اللى نزل بعد السؤال… كان مرعب أكتر من
منيرة…
كانت قاعدة فى الأوضة الصغيرة، ضامة الشال حوالين جسمها، وعينيها على الباب طول الوقت وكأنها مستنية حد يدخل يطمنها.
قلبها كان بيدق بعنف. ومن ساعة الصبح وهى على أعصابها.
كل دقيقة كانت بتهمس لنفسها: "يارب… يارب يطلع براءة."
دموعها نزلت وهى بتحط إيدها على بطنها الصغير اللى بدأ يبان بخفة.
وفجأة…
الباب اتفتح.
عبدالله ابن عمها دخل بهدوء، وأول ما شاف دموعها اتنهد بحزن.
كانت ملامحه كلها شفقة عليها.
قرب منها وقال بهدوء: "لسه برضه بتعيطى؟"
منيرة مسحت دموعها بسرعة: "مش قادرة يا عبدالله… قلبى عنده."
عبدالله سكت لحظة وهو بيبصلها… وبعدين ابتسم لأول مرة من شهور: "طب أفرحك؟"
منيرة بصتله بسرعة ولهفة: "فى إيه؟!"
عبدالله قرب أكتر وقال: "أسعد خرج براءة."
منيرة اتجمدت ثانية… وكأنها مش مصدقة.
وبعدين قامت مرة واحدة وهى بتصرخ بفرحة: "بجد يا عبدالله؟! براءة؟! قول بجد!"
وكانت هتنط من الفرحة… لكن عبدالله جرى عليها بسرعة ومسِكها: "حاسبى على اللى فى بطنك."
منيرة سكتت فجأة.
وحطت إيدها على بطنها بخضة، وبعدها دموعها نزلت تانى… بس المرة دى من الفرحة.
همست وسط بكاها: "الحمدلله… الحمدلله يارب."
عبدالله كان باصلها بحزن مكتوم.
منيرة رفعت عينيها له بسرعة: "عايزة أشوفه… بالله عليك يا عبدالله خدنى له."
عبدالله اتوتر للحظة: "منيرة… الموضوع مش سهل."
منيرة قربت منه برجاء: "أنا تعبت… والله تعبت. نفسى يرتمى فى حضنى وأقوله إنى عمرى ما سيبته."
عبدالله غمض عينيه بتعب، وبعدها قال: "هو لسه فاكر إنك اتخليتى عنه."
الكلمة كسرت قلبها.
قعدت ببطء على الكنبة وهى بتحاول تمنع نفسها من الانهيار: "غصب عنى… كانوا هيقتلوه."
عبدالله بص حواليه بحذر قبل ما يقرب منها ويوطى صوته: "كريمان بدأت تشك إنك لسه عايشة."
منيرة شهقت بخوف: "عرفت مكانى؟!"
عبدالله هز راسه: "لسه… بس الوقت بيضيق، ولازم أسعد يعرف الحقيقة قبل ما هما يوصلوله."
منيرة همست بقلق: "وخالد؟"
عبدالله ابتسم لأول مرة: "خالد نايم جوه… ومجنن خالتى."
منيرة ضحكت وسط دموعها، لكن فجأة ملامحها اتغيرت بخوف: "لو عرفوا إنى حامل…"
عبدالله قاطعها بحسم: "مش هيعرفوا… وأنا مستحيل أسمح لحد يقربلك."
لكن فى نفس اللحظة…
صوت عربية وقف قدام البيت.
عبدالله اتجمد.
وبص ناحية الشباك بسرعة…
ولون وشه اتغير تمامًا........بقلم ميادةيوسف الذغندى
عبدالله اتجمد مكانه وهو باصص من الشباك…
وبعدين لف بسرعة ناحية منيرة: "ده أبوكى…"
منيرة قامت بخضة: "أبويا؟!"
عبدالله عقد حواجبه وهو بيحاول يشوف اللى واقف معاه: "ومين اللى معاه ده؟"
وسابها وخرج بسرعة.
فتح الباب وهو بيحاول يبان هادى: "أهلا يا عمى… اتفضل."
أبو منيرة دخل بوش جامد بشكل غريب، وورا منه راجل كبير لابس جلابية ومعاه شنطة صغيرة.
أبو منيرة قال بجدية: "اتفضل يا أستاذ ادخل."
وبعدين بص لعبدالله: "هات بطاقتك وبطاقة منيرة وتعالوا."
عبدالله هز راسه باستغراب: "حاضر يا عمى."
دخل بسرعة على منيرة اللى كانت واقفة بقلق: "هاتى بطاقتك."
منيرة بصتله بخوف: "مين اللى مع أبويا دول؟"
عبدالله قال بتوتر: "مش عارف… يلا بسرعة."
بعد لحظات…
كانوا كلهم قاعدين فى الصالة، وكل واحد باصص للتانى بعدم فهم.
الراجل الغريب فتح الشنطة وطلع دفتر صغير.
أما أبو منيرة… فقال بمنتهى الجدية: "اكتب يا مولانا… طلع ورقك واكتب الكتاب."
منيرة انتفضت من مكانها كأن حد ضربها: "جواز إيه؟!"
بصت لأبوها بصدمة كاملة: "إنت بتقول إيه يا بابا؟! أنا لسه مرات أسعد!"
دموعها نزلت وهى بتكمل بانهيار: "هو ماطلقنيش… هما أجبرونا على الطلاق… هما—"
لكنها سكتت فجأة…
لأن عبدالله وقف قدامها مباشرة.
وبص لأبوها وقال بثبات موجوع: "موافق يا عمى… اكتب الكتاب."
منيرة بصتله بعدم استيعاب: "عبدالله…؟!"
عبدالله مسك إيدها رغم مقاومتها، وصوته خرج حاد لأول مرة: "أسعد مش له رجعة."
منيرة هزت راسها بعنف وهى بتعيط: "لا… مستحيل."
عبدالله قرب منها أكتر وهمس بصوت متوتر: "كريمان مش هتسيبك."
وعينيه نزلت على بطنها للحظة: "وانتى مضيتى تنازل عن خالد."
منيرة شهقت وكأن روحها بتتسحب منها: "أنا كنت غصب عنى…"
عبدالله غمض عينيه بألم، وبعدها قال للمأذون: "اكتب يا مولانا."
أما منيرة…
فكانت واقفة منهارة، وقلبها بيتفتت وهى حاسة إنهم بيدفنوها بالحياة للمرة التانية..
كتب الكتاب…
منيرة دخلت الأوضة وقفلت الباب بعنف، لدرجة إن صوت الباب دوّى فى البيت كله.
ووقفت وراه وهى بتنهج بعصبية، ودموعها نازلة بدون توقف.
قلعت الدبلة من إيدها ورمتها على الأرض بقهر: "حرام عليكم…"
حضنت نفسها وهى بتحاول تستوعب اللى حصل. من ساعات كانت بتحلم ترجع لأسعد… ودلوقتى بقت مرات راجل تانى.
برّه الأوضة…
أبو منيرة اتنهد بتعب شديد، وكأنه شايل جبل فوق قلبه.
وبعدين قام وقف قدام عبدالله، وحط إيده على كتفه: "منيرة أمانة فى رقبتك."
عبدالله رفع عينيه له بصمت.
أبو منيرة كمل بصوت منخفض مليان خوف: "واللى فى بطنها لك."
عبدالله اتصدم: "يعنى… حضرتك عارف؟"
أبو منيرة هز راسه بتعب: "عرفت من أمها… ومن يومها وأنا قلبى مقبوض."
وبعدين قرب منه أكتر وقال بقلق حقيقى: "أوعى حد يعرف حاجة… وإلا بنتى هتموت هى واللى فى بطنها."
عبدالله عقد حواجبه: "للدرجة دى؟"
أبو منيرة بص حوالينه بحذر، وصوته بقى أوطى: "إنت ماتعرفش الناس دى ممكن تعمل إيه علشان مصالحهم."
وسكت لحظة قبل ما يكمل بوجع: "هما ضيعوا أسعد ودمروا حياته… هيصعب عليهم يخلصوا على منيرة؟"
عبدالله حس بقشعريرة عدت فى جسمه.
أما أبو منيرة… فبص ناحية باب أوضة بنته بحزن: "كان نفسى تعيش حياتها فى أمان… لكن الظاهر إن قدرها كله خوف."
وفى نفس اللحظة…
منيرة كانت قاعدة على الأرض خلف الباب، سامعة كل كلمة.
وحاطة إيديها على بطنها وهى بتبكى بصمت… لكن جواها قسم بيتولد لأول مرة.
إنها مهما حصل… هتحمى طفلها ده حتى لو خسرت نفسها كلها....