رواية جحيم ال مارينتوس الفصل التاسع 9 بقلم سارة بركات

             

رواية جحيم ال مارينتوس الفصل التاسع 9 بقلم سارة بركات

"رسمتُكَ في خيالي بصورةٍ مُمَيزة"

الفصل التاسع

في مشفى ضخم بقلب روما وفي إحدى الغرف الطبية تحت الضوء الحاد للمصباح الشِقِّي، كانت جلوريا جالسة بثبات أمام الجهاز تستند بذقنها فوق المسند المعدني البارد بينما إنعكس الخط الضوئي الرفيع داخل عينيها، بينما كان ستيفانو يقف معها بالغرفة يمسك بيدها يُطمئِنُها، كانت الطبيبة تراقب انعكاس الضوء فوقهما بصمتٍ تام تتنقل بين العدسات والقرنية حتى استقرت على الإحمرار الواضح الذي غزا أطراف العين، عندها زفرت الطبيبة ببطئ وأعادت ضبط الجهاز لكي تُطيل النظر أكثر، مر الضوء مرة أخرى فوق عينيها لتنتظر الطبيبة لثوان ثم تمتمت بصوتٍ هادئ ورسمي:

- أخبريني، منذ متى وأنتِ فقدتِ بصركِ؟

ابتلعت جلوريا لتقول:

- منذ عشرِ سنواتٍ تقريبًا.

همهمت الطبيبة والتي لم تكن سوى إيلينا وهي تُبعد المصباح الشقي عن عيني جلوريا ثم عقدت حاجبيها بحيرةٍ واضحة:

- أخبريني بماذا تشعرين في الآونةِ الأخيرة، آنسة جلوريا؟

لترد بهدوء:

- أشعر بحُرقةٍ مُزعجة وحكة مستمرة منذ مُدة.

أومأت إيلينا بهدوء لتعتدل من الكرسي الذي كانت تجلس به أمامها لتعود إلى مكتبها المكتوب عليه الطبيبة إيلينا لورينزو ويشير إلى تخصصها أيضًا طب وجراحة العيون، وحينما استقرت بمكتبها تنهدت لتقول بعملية:

- يبدو أنها التهابات بسيطة آنسة جلوريا.

وأخذت تكتب بعض الأدوية في الورقة الموضوعة أمامها لتستأنف حديثها:

- لقد كتبتُ لكِ قطرة مُرطبة ومضادًا للإلتهاب، أما بالنسبة ل........

ليُقاطعها ستيفانو بأخذ الورقة منها ينظر ما بداخلها يتأكد بأنها لم تُضِف شيئًا آخر ويقول بتعجب:

- أيتها الطبيبة نحن هُنا لأنها كفيفة لا لأنها تشعر بالإرهاق في عينيها!!! نحنُ نبحث عن دواء يساعدها في عودة بصرها! وأنتِ تقولين قطرة مُرطبة ومضادًا للإلتهاب!!

عقدت إيلينا حاجبيها لتقول بعملية وصوتٍ حاولت أن تُطهره هادئًا عكس ما بداخلها:

- سيدي من فضلك لا تتدخل بعملي.

كاد ستيفانو أن يتحدث ولكن جلوريا تدخلت لفض هذا النزاع وقالت برجاء وهدوء وهي تنظر للفراغ:

- ستيفانو، من فضلك .. اترك الطبيبة تفعل المطلوب.

ليعقد ستيفانو حاجبيه ويقول بحدة خفيفة:

- جلوريا!! نحن أتينا هُنا لفحصِ عينيكِ!

عَلَت نبرة إيلينا قليلاً لتقول بضيقٍ مكتوم:

- وهذا يشمل فحص العين سيدي، ثم إنك قد قاطعتني عن عملي؛ فأنا لم أتطرق للأمر الهام!!

قال ستيفانو بضيق:

- وما هو ذلك الأمر الهام، أيتها الطبيبة؟

رفعت إيلينا ملف جلوريا الطِبِي الموضوع أمامها لتقول:

- كنت سأخبرها بأن تتوقف عن أحد الأدوية من هؤلاء لأنه سيساعد في زيادة الإلتهابات ولن تعود إليه، فقط ستأخذ الباقي مع هذه الأدوية الحالية لكي تُكمل رحلة علاج عينيها.

كان الإثنان يتبادلان النظرات بضيق؛ ليشعر ستيفانو بالغضب يشتعل بداخله أكثر ليأخذ منها الملف عنوة عنها ..

- ومن هذا الطبيب الفاشل الذي وصف دواءًا قد يُزيد من إلتهاب عينيها؟ بالطبع أنتِ.

ليبحث بعينيه في الملف أما إيلينا فقد كانت تُطالعه بذهول؛ لتحمحم جلوريا مُمسكة بيده وتقول بهدوء:

- ستيفانو من فضلك .. إن تلك أول مرة تقوم الطبيبة بفحصي .. لقد أتت بدلاً من طبيبي المُعتاد اليوم.

ليعقد ستيفانو حاجبيه بضيق ويُلقي الملف أمام إيلينا بغضب ويقول:

- لا نُريدُ أدوية، نُريدُ شيئًا فعالاً أُريدُ أن يعود بصرها بأية طريقة.

لترد إيلينا بهدوء ورسمية وهي تُقدر انفعاله بالطبع لأنه من أقارب المريضة:

- أتفهم قلقك هذا سيدي، كما أنني أتفهم رغبتك في رؤية الآنسة جلوريا بخير في أسرع وقت، ولكن يجب أن تستمر الآنسة جلوريا في تناول الأدوية وبعدها يمكننا تقييم مدى الإستجابة ثم سنبحث في إمكانية التدخل الجراحي في حالة إن كان مُناسبًا.

صمتت قليلا وعقدت حاجبيها لتستأنف حديثها:

- لكن أي عملية جراحية تحتاج إلى فحوصاتٍ كثيرة وتقييم دقيق للحالة .. لأن التسرع قد لا يُجدي نفعًا؛ فنحن نحتاجُ للتأني سيدي.

ظل ستيفانو صامتًا أمامها حديثها المُقنِع تمامًا ولكنه عقد حاجبيه ليقول بأمر:

- حسنًا إفعلي ما تشائين الأهم أن يعود بصرها إليها.

عقدت حاجبيها بعدم فهم وأيضًا بسبب نبرته الآمرة تلك! .. ليستأنف ستيفانو وهو يُمسك بيد جلوريا لتعتدل:

- حسنًا، هل يُمكننا أن نرحل الآن؟

أومأت إيلينا بهدوء:

- بالطبع.

ليخرج ستيفانو ممسكًا بيدها تحت أعين إيلينا التي ظلت تتابعهما حتى أُغلِقَ الباب، ثم تنهدت لترفع يدها تُفرك وجهها بإرهاقٍ واضح، لقد كانت مناوبتها طويلة بالإضافة إلى أنها لم تنم منذُ الأمس بسبب حزنها على ماحدث، لقد كانت سعيدة حقًا بتعرُفِها على دييجو لقد كان الرجل المُناسبُ لها تمامًا ولكن تأتِ الرياح بما لا تشتهي السُفن لتعلم حقيقته، أخذت ترتب أشياءها أيضًا لكي تعود للمنزل لترتح قليلاً .. وفي الخارج بالقرب من حديقة المشفى كان ستيفانو بُمسِك بيد جلوريا بقوة ولم ينتبه أنه يضغط عليها بقسوة للتتأوه بألم ..

- ستيفانو من فضلك، أنت تؤذيني.

لينتبه ستيفانو على فعلته تلك ليقول باعتذار:

- أنا آسف جلوريا، لم أكُن أقصد.

وخفف قبضة يده عليها لتقول جلوريا بابتسامة هادئة وهي تنظر إلى الفراغ:

- ماذا هُناك ستيفانو؟ لماذا كُنتَ قاسيًا هكذا في معاملتك مع الطبيبة؟

ليقول بضيق:

- لم يُعجبني حديثها.

- ولكنها طبيبة، وهي مُحِقَّة.

تأفف قائلاً:

- أعلم أنها مُحِقة ولكنني كنتُ أتمنى أن تُعطيني أملاً زائفًا أو على الأقل أملاً مؤقتًا لعودة بصركِ.

شعرت جلوريا بالخجل قليلاً وتسائلت:

- لماذا أنت مُهتمٌ هكذا بعودة بصري؟

التفت استيفانو نحوها وأردف قائلاً:

- لأنني أريدكِ أن تريني، أريدك أن أنظر في عسليتاكِ عندما تكونا حيويتين، أريد الكثير لا أستطيع كيف أُخبركِ ذلك ولكن....

لتبتسم مُقاطعةً إياه:

- ولكنني يا ستيفانو أنا أستطيع أن أراك.

ليعقد حاجبيه بدهشة قائلاً وهو يدقق النظر إلى عينيها:

- ولكنكِ لا تنظرين إلي!

قهقهت وأردفت ببساطة:

- سأُريكَ، كيف أفعلها.

رفعت يدها بهدوء نحو وجهه تتحسسه لتلمس شعره ثم جفنيه ووجنتيه وأنفه لتستقر يدها على شفتيه قليلاً، لتبتلع ريقها بتوتر ثم تلتمس ذقنه وكادت أن تقترب من عنقه؛ أُمسك ستيفانو بيدها يمنعها من الإستمرار ويقول بهدوء:

- جلوريا، نحنُ بالشارع.

لتستوعِب كلماته تلك وتحمر خجلاً لتقول بارتباك:

- أعتذر ستيفانو، يجب أن أعود لمنزلي .. هل من الممكن أن توصلني لأقرب نُقطة وأٌكمِل من حيثُ أتيت.

ظل ستيفانو يُطالعها بهدوء ويتمنى لو أنهما لم يكونا بالشارع أمام المارة، تنهد هو الأخر:

- حسنًا، هيا بنا.

سارا سويًا وهو أمسك بيدها ولكنها كانت تحاول أن تُخرجها من يده ولكنه شدد عليها قليلاً ولكن دون قسوة، ليقول محاولاً رفع الحرج بينهما:

- ما رأيكِ بشكلي؟ هل أنا وسيم أم وسيمٌ جدا؟؟

لتبتسم رُغمًا قائلة:

- رسمتُكَ بصورة مميزة في خيالي يا صديقي.

اختفت ابتسامته عندما قالت تلك الكلمة أما هي فقد كانت تنظر للفراغ تعتمد عليه في أن يدُلها على طريقها.

وفي شركة آل إيفانوف، وفي غرفة اجتماعات ضخمة كان سايلس يرأُس الطاولة الطويلة، وحوله العديدُ من رؤساء الأقسام داخل الشركة وكانت سيلفانا جالسة بجانبة ولكنها كانت شاردة أغلب اليوم في تلك القُبلة التي فاجأها بها سايلِس، وكانت أحيانًا تنظر له بطرف عينيها دون أن ينتبه أنها تنظر إليه حائرة في تفاصيل وجهه ذو الملامح الحادة ولكنها هادئة في ذات الوقت، حُلته السوداء التي التفَّت حول جسده الرياضي، عيناه الداكنتان اللتان تُقلقانها حيث كانت تتحرك بين الجميع بثبات، صوته كان عميقًا وهو يتحدث مع موظفيه، هادئًا بشكلٍ غير طبيعي ولكن هدوءه ذاك يُعطيه هالةً قوية .. السُلطة! .. كما أنه بين الحين والآخر كان يقوم بتعديل أزرار سُترته أو يمرر أصابعه فوق الأوراق أمامه؛ كما أن عضلات فكه كانت تنقبض قليلاً كلما ركز في نقطةٍ ما، واهٍ من تلك الخصل البيضاء التي زادته جاذبيةٍ وأناقة، كما أنها تشعر بأن وجودها بجانبه يستحوذ على أنفاسها .. لتعود إليها ذكرى تلك القُبلة من جديد فتتوتر لتستفيق سيلفانا على ذلك الذِكرى وتهز رأسها بسرعة .. لا تدري ماهو شعورها الحقيقي، هل هي خجلة؟! أم تشعر بالإحراج من تصرفه؟! أم أنها غاضبة!!! .. أما في الجهة المقابلة لها فقد كان رومان هو الآخر جالسًا يحاول الانتباه للإجتماع والأوامر الهامة التي يُلقيها عليهم السيد سايلِس بينما كان يقوم بمتابعة تفاصيل تصليح مطعمه الفاخر مع العُمَال عن طريق المراسلة .. كان اليوم طويلاً وخاصة بالنسبة لسيلفانا لأن كل ماكانت تحاول أن تهرب منه هو تلك الذكرى التي تجعلها تتشتت وتعود لتفكر بها لتنتبه على خروج الجميع من غرفة الاجتماعات، عدا رومان الذي اقترب من سايلِس الذي أخبره بشيٍ ما لم تنتبه له..

- وكم تبقى من الوقت رومان؟

ليتنهد رومان ويقول بحيرة:

- لا أدري سيدي، ولكنني أعتقد أنهم سيقومون بالانتهاء من التصليحات عما قريب.

ليبتسم سايلِس بهدوء ويقول:

- أعتذرُ لك من جديد عما حدث.

ليقول رومان بابتسامة متوترة:

- لا تعتذر سيدي، لقد مضى .. شكرًا لك على إرسالك لي ذلك المبلغ المالي الضخم.

ليقول سايلس بلامبالاة:

- هذا لا شيء ... أتمنى لك التوفيق رومان وأعدك أنني تلك المرة لن آتي للإفتتاح.

ليقهقه رومان على كلماته تلك فيقول بابتسامة:

- قم باِعتبار نفسك صاحب المطعم سيدي وقُم بزيارتي هُناك في أي وقت.

ليهز سايلِس رأسه بابتسامة هادئة ليستأذن رومان ويُغادر الغرفة ولم يتبقى سوى سايلِس وسيلفانا والتي توترت بمجرد بقائها معه وحدهما .. التفت سايلِس برأسه نحوها ليقول:

- أريدُ منكِ أن تُرسلِي لي كل الملاحظات والاقتراحات التي قِيلت من الجميع في بريدٍ إلكتروني.

ثم اعتدل ليخرج ولكنه توقف عندما تحدثت بهدوء:

- أعتذر لن أرسل لك شيئًا سيدي، لأنني لم أستطع التركيز في أي شيء.

عقد سايلِس حاجبيه والتفت يُطالعها ينتظرها أن تبرر بالمزيد:

- لماذا؟

تنهدت ثم اعتدلت من مقعدها لتقف قِبالته لتقول بهدوء:

- لأن هُناك شخصٌ ما تَعدى على خصوصيتي دون إذني وجعلني غاضبة بسبب مافعله بي.

صمت سايلِس ولكنه ظل يُطالعها بهدوء .. لتستأنف:

- ألن تَقُل شيئًا سيدي؟ ألن تعتذر لي؟

ليرد سايلِس بصوتٍ عميق جعلها تبتلع بتوتر:

- ولماذا أعتذر؟

عقدت حاجبيها بغضب:

- لأنك قبلتني دون إذني.

سايلس وهو ينظر إلى شفتيها:

- إذًا يُمكنني ببساطة أن أُنهي هذا الجدال بأن أستأذنكِ في تقبيلكِ مُجددًا.

فتحت عينينها على وسعيهما بذهول وابتعدت للخلف عدة خطوات ولكنه كان يقترب منها بنفس الخطوات في المقابل حتى التصق ظهرها بالحائط .. لتبتلع ريقها بتوتر:

- من فضلك سيدي، ابتعد، لم أقصد ذلك.

لم يرد عليها وحاصرها، أخذت تضرب صدره العضلي بقوة ولكنه لم يتحرك قيد أنملة ليقول عميقٍ وبارد في ذات الوقت:

- اسمعي آنسة سيلفانا، إنتي غير مُعتَاد على مُطاردة النساء، ولا أُكرر أفعالي مرتين .. فعلتُ ذلك لأنني أردتُه وقد انتهى.

صمت لحظة ليُضِيفَ بقسوة:

- لكن لا تظُني أن رفضكِ ذلك سيجعلني أراكِ مُختلفة .. أنت إمرأةٌ مثلكِ مثل غيرك .. يأتين ويرحلن، ومن يعلم؟ ربما إذا ظل تشتتكِ هذا مستمرًا في العمل ستلحقينهن أيضًا .. وبالمناسبة..

ثم انحنى قليلا نحو أذنها ليهمس لها بشيء جعل أنفاسها تتوقف لحظة قبل أن تتبدل ملامحها للغضب وكادت أن ترفع يدها ولكنه أمسك معصمها بقوة ليقول بفحيح:

- أقسِم أنني لن أكتفي بطردكِ من العمل إذا رفعت يدكِ عليّ مُجددًا، وأنتِ ذكية بما يكفي لتعرفي ماذا يُمكنني فعله.

ترك معصمها ثم ابتعد وغادر الغرفة تاركًا إياها واقفة مكانها في حالة صدمة وذهول لأنها غير قادرة استيعاب ما قاله للتو.

في شركة آل مارينتوس .. كان ديميتري واقفًا أمام لوحٍ زجاجيٍ ضخم خلف مكتبه يوليه ظهره شاردًا بتلك الفتاة المسلمة التي رفضت التحدث إليه، ولكن كان هُناك شيءٌ بداخله يريده أن يعرف الكثير عنها ليقول بشرود وهو ينظر لشوارع روما من الأعلى:

- مُسلمة يا ديميتري؟ حقًا!

ليبتسم بهدوء ولكن اختفت ابتسامته عندنا طُرق الباب ليدخل دييجو المكتب باقتضاب وبيده حاسوبه المحمول ..

- أنظر ماذا فعل سايلِس، لقد .........

ليُقاطعه ديميتري بهدوء وهو يلتفت إيه:

- لقد رأيتُ ما تُريدُ أن تُخبرني به .. لا يهُمنِي ليفعل سايلِس ما يُريد، كل ما علينا فعله أن نركز جيدًا في أعمالنا التالية دييجو، أخبرني متى أتيت؟

ليتنهد دييجو قائلاً:

- أتيت بعدما رأيتُ هذا الخبر أخي.

ابتسم ديميتري بهدوء:

- خبر أن سايلِس إيفانوف هو رجل الأعمال المُكتسِح بسوق الأعمال ومشروعاته التي يقوم بها ما هو إلا ناتج عن مُراسلين هواة تم دفع مبلغًا طائًلا لهم لنشر خبرٍ مثل ذلك .. الرجل يريد أن يقوم بالدعاية لنفسه ولإسمه ما دخلُنَا نحن؟ إسمنا لن يقترب أحدٌ منه .. ثم يا أخي لا تنس أننا آل مارينتوس.

لتختفي ابتسامة ديميتري ثم استأنف ببرود:

- وما أُخِذَ مِنَا بالقوة لا يُستَرَد إلا بالقوة، نحنُ لنا طريقتنا أخي .. أما سايلِس فهو مُجردُ رجل أعمال وسيم يواجهنا بعقله .. أما نحن لدينا العقل والعضلات لا تنس ذلك.

أومأ دييجو بهدوء ليقول ديميتري بابتسامة:

- هل أصبحت بخير؟

عقد دييجو حاجبيه قائلاً:

- ومن قال أنني لستُ بخيرٍ أخي؟ أنا بأفضل حالٍ لا تقلق.

همهم ديميتري ثم قال:

- حسنًا، هُناكَ أمرٌ هام أريدك أن تقوم بتنفيذه اليوم.

أومأ دييجو بهدوء ليُنصت تمامًا لأوامر ديميتري، أما لوكا فقد كان مبتسمًا بسعادة وهو يكتُب آخر جُملةٍ في فصله الجديد الخاص بروايته الجديدة قبل ان يقوم بنشره على الموقع؛ فهو أصبح هكذا في الأيام الأخيرة ينام بعدما ينتهي من الكتابة ويستيقظ ليكتُب، تنهد بارتياح ليقول:

- الكتابة مُرهقةٌ أحيانًا ولكنني أجدُ فيها راحتي.

ثم أمسك بهاتفه قرر أن يتصفح تعليقات فصول رواياته قليلاً .. أخذ يقرأ التعليقات وانتبه على وجود تعليقاتٍ حديثه متكررة بجميع فصول رواياته ليعقد حاجبيه ..

- أنا أُحبُكَ كثيرًا .. أنا مهووسة بك أليكساندر ميخاييل .. أتمنى أن نتقابل سويًا لكي أعبر عن مدى حُبي لك .. أتمنى أن ترُد علي لقد أرهقني الكتمان كثيرًا حبيبي.

كان متعجبًا من تكرار ذلك التعليق، وقعت عينيه على إسم الحساب الشخصي الذي كتب هذا التعليق لم يكن سوى أحرفًا وأرقامًا .. ضغط على الإسم ليدخل على حسابها ويقرأ ما به ولكن لا يوجد شيء .. إن الحساب فارغٌ تمامًا .. عقد حاجبيه ثم أغلق الموقع بِحِيرةٍ من صاحبة هذا الحساب، ليقول بخفوت:

- مُختَلَّة.

كانت جوداء جالسةً على الأريكة تنظر أمامها بشرود تؤنب نفسها كثيرًا على مافعلته اليوم، لقد سمحت للشيطان أن يغويها وتكلمت مع رجلٍ أجنبيٍ عنها .. ارتعش جسدها خوفًا من عقاب الله لها ولكنها أخذت تذكر نفسها بأنها استغفرت الله كثيرًا على هذا الذنب وأخذت تردد العديد من الآياتِ القرآنية، وحينما انتهت أرادت أن تُشغِل نفسها قليلاً لكي تُلهي عقلها عن التفكير وقررت أن تقوم بترتيب الشقة ..

وبمرور الوقت:

دخلت سيلفانا الشقة وتحركت عدة خطواتٍ ولكن دون أن تنتبه لآثار المياة المتبقية والموجودة أرضًا انزلقت قدماها وسقطت أرضًا على ظهرها من ناحية الحوض لتتأوه بألم ..

- جوداء!

فزعت جوداء عندما كانت بإحدى الغرف تقوم بتنضيفها وسمعت سيلفانا تُناديها بنبرة غريبة؛ لتترك مابيدها وتخرج مُسرعة خارج الغرفة لتُذهل من حالة سيلفانا لتقترب منها تساعدها ..

- أنا آسفة .. أعتذر حقًا لم أقصد.

ودون قصدٍ منها انهمرت عبرةٌ من مُقلتيها لتقول:

- أنا حقًا لم أقصد.

لتقول سيلفانا بألم وهي تحاول الوقوف:

- لا تقلقي أنا بخير، لا تبكي جوداء .. إهدأي.

ولكن جوداء حاولت منع عبراتها أن تستمر ولكنها لم تستطع كأنها كانت تنتظر أن يحدث شيئًا لتبكي؛ لتضمها سيلفانا بين ذراعيها وبعدما هدأت جوداء، جلستا على الأريكة لتتسائل سيلفانا بحيرة:

- ماذا هُناك؟ لما تبكين جوداء؟

تنهدت جوداء لتقول:

- لقد أذنبت اليوم، وأتمنى أن يغفر الله لي.

لتعقد سيلفانا حاجبيها بحيرة:

- ماذا حدث؟

أخذت جوداء تقُصُ عليها ماحدث اليوم عندما قابلت ديميتري، لتبتسم سيلفانا وتقول:

- هل تسمين ذلك ذنبًا؟

أومأت جوداء:

- أجل، إن تحدث المرأة مع رجلٍ أجنبيٍ عنها ماهو إلا مدخل من مداخل الشيطان.

صمتت سيلفانا قليلاً وهي تُطالعها ثم قالت:

- لا أدري من منا يجب أن تبكي حقًا.

تفوهت جوداء بعدم فهم:

- ماذا؟ ماذا حدث؟

تنهدت سيلفانا وأخبرتها هي أيضًا بما حدث بينها هي وسايلِس اليوم وعندما انتهت كانت جوداء مذهولة وخجلة ومحرجةٌ أيضًا مما سمعت .. لتقول سيلفانا بتنهيدة:

- لا أدري ماذا أفعل.

حمحمت جوداء بإحراج وقالت بهدوء:

- إذا أردتِ نصيحتي حاولي تجنب أي قرب جسدي بينكِ وبين السيد سايلِس، وأنتِ قد رأيتِ بنفسك ما حدث عندما كُنتُما قريبين، وحاولي قدر المُستطَاع أن لا تكوني معه وحدكما.

- ولكن يا جوداء، أنا مساعدته الشخصية، سأكون معه بكل مكان.

جوداء بتنهيدة:

- حاولي .. فقط حاولي.

ظلت جوداء صامتةً قليلاً لتتسائل بحيرة:

- بماذا همسَ لكِ حقًا؟

رمقتها سيلفانا لثوانٍ لتقول بهدوء:

- أخبرني أن القُبلة قد راقتني، وأنني أردتُ المزيد.

إحمر وجه جوداء كثيرًا ووضعت يدها على وجهها تحاول الإختباء كأن تلك الجُملة قيلت لها هي وليس لسيلفانا وتردد:

- أستغفرُ الله!!

طالعتها سيلفانا بتعجب لتقول بتردد:

- أعتذر إذا كنتُ قد خدشتُ حياءكِ جوداء، ولكن ماذا يُمكنني أن أفعل ليس لي سواكِ لأقصَّ عليكِ ماحدث.

أبعدت جوداء يديها ببطء وهمست بخجل:

- أنا فقط لم أكن مؤهلة نفسيًا لسماع تلك الكلمات، لقد فاجأتيني حقًا.

ثم حمحمت لتستأنِف:

- حسنًا، إفعلي كما أخبرتُكِ، حاولي الابتعاد عنه قدر المُستطاع .. كوني رسميةً معه لا تُعطيه أي فرصة بالتقرب منكِ، والأهم أن لا تكوني معه بنفس المصعد إنها بداية الوقوع في الخطأ عزيزتي.

فكرت سيلفانا قليلاً في حديثها وأردفت بهدوء:

- أنتِ مُحقة جوداء، يجب أن أبتعد عنه حقًا .. أوتدرين؟ إنه وغدٌ حقير زيرُ نساء.

ذُهلَت جوداء من حديث سيلفانا عن سايلِس:

- ما بكِ يا فتاة؟ لقد كنتِ مستمعة جيدة منذ ثوانٍ، لماذا تسُبينه؟

- لأنه يستحق الأسوأ حقًا، رجلٌ حقير.

ذلك ماقالته سيلفانا بغضب ولكن جوداء أردفت بتحذير:

- سيلفانا؟ على ماذا اتفقنا؟ لا تسُبِّي أحدًا أمامي .. بل لا تسُبي احدًا من الأساس إن هذا الامر سيءٌ حقًا.

هدأت سيلفانا قليلاً ثم نظرت إلى جوداء لتقول:

- أعتذر ولكنني كنتُ غاضبة، لقد استفزني اليوم.

ثم صمتت قليلاً لتقول:

- لماذا لم تُقبِّحي ماحدث معي اليوم جوداء؟

طالعتها قليلاً لتقول:

- ولماذا أُقَّبِح ماحدث؟

أردفت سيلفانا بحيرة:

- لا أدري، أنتُم المُسلمون تُشعروننا أننا مِعشرُ الجحيم، وأنتم أهل السماء.

صمتت جوداء قليلاً ثم أردفت بهدوء:

- ومن أنا حتى أفعل ذلك؟ أنا فقط أمَةٌ فقيرة إلى الله أسعى لأنال رضاه فقط ليس إلا .. ثم إنني إذا قبَّحتُ صاحب الذنب أخشى أن يتركني الله حتى أقع فيه أنا أيضًا .. من عاب ابتُلى يا صديقتي وأنا لا أقبل أن يحدث هذا لي.

تنهدت قليلاً ثم استأنفت:

- لذلك قُمتُ بنُصحِكِ لعل الله يأجِرُنِي، وفي النهاية لَكَم دينُكم ولي دين.

ابتسمت سيلفانا لتقول:

- أنا أُحِبُكِ حقًا يا فتاة.

أردفت جوداء بابتسامة حزينة:

- وأنا أيضًا، سوف أشتاق إليكِ كثيرًا.

عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهمٍ من حديثها لتقول بحيرة:

- ماذا تقصدين؟

تنهدت جوداء بصعوبة:

- لقد قررتُ العودة إلى موطِنِي وبالفعل قد جهزتُ ملابسي أثناء ترتيبي للشقة مُتَبَقٍ فقط حجز الطائرة.

سيلفانا بصدمة:

- ماذا؟ ستعودين؟

أومأت جوداء بحزن:

- أجل سيلفانا، لم يَعُد لي مكانٌ هُنَا.

سيلفانا بحزن وغضب في آنٍ واحد:

- هل ذلك الحقير مديركِ لم يعتذر إليكِ؟؟

لتنتفض جوداء بضيق:

- يا فتاة لقد أخبرتكِ أن لا تَسُبِّي.

لتقول سيلفانا بضيقٍ مُماثل:

- إنه يستحق يا جوداء، لا تمنعيني .. هل تعلمين لو رأيت مديركِ هذا أمامي سأفعل به ما أريد فعله بسايلِس.

ليقطع حديثهما رنين جرس شقتهم، لتنتفض جوداء بسرعة ويتطاير خلفها شعرها الطويل لتقول:

- أنظُري من الطارق، وأنا سأذهب لإرتداء ملابس الصلاة.

أومأت سيلفانا لتقف وتقترب من الباب وهي تضع يدها على ظهرها في الموضع الذي وقعت عليه منذُ قليل، اقتربت لتنظر من بالخارج عن طريق العين السحرية لتجد رجلاً عجوزًا قليلاً يقف بالخارج عقدت حاجبيها وفتحت الباب بهدوء ليقول الرجل:

- هل جوداء هُنا؟

لتُجيب سيلفانا بحيرة:

- ومن تكون؟

أجاب الرجل بهدوء:

- أنا أكون مُديرُها بالعمل .. أخبريها السيد ماركوس يريد التحدث إليكِ.

عقدت سيلفانا حاجبيها بغضبٍ شديد لتقترب بخطوةٍ نحوه وقالت بغضبٍ واضح:

- إذًا أنتَ من أحزنتَ جوداء؟!

عقد ماركوس حاجبيه بعدم فِهم ولكنه تحدث بهدوء:

- من فضلكِ، أريدُ التحدث إلى جوداء لأعتذر إليها.

هدأت ملامحها لتناديها:

- جوداء عزيزتي .. تعالَي.

خرجت جوداء من غرفتها وهي ترتدي ملابس صلاتها ليلتفت السيد ماركوس نحوها عندما يلمحها ويقترب منها راكعًا ويقول برجاء:

- أنا آسف جوداء .. أنا أعتذر حقًا سامحيني .. أرجوكِ سامحيني لم أقصد فعل ذلك بكِ.

كانت جوداء مصدومة من فعلته تلك! ابتعدت عدة خطوات للخلف لتقول بذهول:

- سيد ماركوس ماذا تفعل؟؟؟

ليقول ماركوس برجاء وهو راكعًا أرضًا:

- أرجوكِ سامحيني جوداء، إن الإذاعة بدونَكِ لا شيء! من فضلكِ عودي واعتبري أن الإذاعة بأكملها مُلككِ افعلي بها ما تشائين.

ابتلعت جوداء ريقها بعدم فهم لتتقابل عينيها مع عيني سيلفانا التي عقدت حاجبيها في المُقابل ..

- لماذا أنتِ صامتةٌ هكذا؟ من فضلكِ أخبريني لكي يطمئن قلبي أنكِ ستعودين.

أردفت بهدوء:

- سيد ماركوس من فضلك اعتدل، لا أريد التحدث معك وأنت هكذا.

ليقف ماركوس ويطرق رأسه أرضًا، أما جوداء فلم تَكُن تستوعب مايحدث أمامها حتى الآن، لتقول بعدم استيعاب:

- سيدي، هل أنتَ بخير؟

أوما ماركوس بهدوء لقول بتنهيدة:

- أنا حقًا نادمٌ على ترككِ للإذاعة، لقد قلَ المُستمعون للغاية .. وآتانا الكثيرُ من الإنتقادات لا يوجد حتى تعليق إيجابي .. كلها انتقادات .. كما أنني كدتُ أن أخسر أموالي و.......

لتُقاطعه جوداء بهدوء حينما رأته قد قرُبَ على الإنهيار:

- من فضلك سيدي إهدأ.

لتُشيرَ لسيلفانا بأن تأتي له بالمياة وبالفعل أعطته كوبًا من الماء ليشربه ماركوس على مضض وهو يقول:

- أنا أريدكِ أن تعودي غدًا لتستمري ببرنامجكِ الإذاعي، بموعدك الذي يُناسبكِ .. الجميع يريدُ عودتكِ جود.

ارتبكت جوداء بسبب حديثه ذلك هل حقًا شعر الجميع بقيمتها وغيابها ..

- حسنًا سيدي، دعني أفكر، لأنني كنتُ سأعودُ لموطني.

- لا ترحلي؛ فنحن جميعًا بحاجتكِ .. سأنتظركِ غدًا، وأرجوكِ لا تُخيِّبي ظني؛ فأنا أعتمد عليكِ.

ثم تركهما ليغادر الشقة تحت دهشتهما من ذلك التغيير المُفاجئ، تقابلت عينيها هي وسيلفانا وصرختا بسعادةٍ في وقتٍ واحد وضمتا بعضهما .. لتبتعد سيلفانا وتقول بدهشة:

- هذا الرجل ؟ ما الذي حدث له؟؟ لقد أتى كأن حياته تعتمد عليكِ!!

عقدت جوداء حاجبيها بتفكير لتقول:

- لا أدري سيلفانا .. ولكن إن الأمر يثيرُ الشك حقًا.

فكرت سيلفانا قليلاً لتقول:

- السيد ديميتري؟ هل أخبرتِه أن يفعل شيء؟ لأن تلك حركات المافيا .. من الممكن أنه قام بتهديده لكي تعودي.

طالعتها جوداء بتعجب بسبب كلماتها تلك لتقول:

- لا .. هذا ليس منطقي .. ثم إن السيد ديميتري أرقى من ذلك بكثير.

لتبتسم سيلفانا قائلة:

- يبدو أنكِ لا تعلمين حقيقة المافيا الإيطالية!

عقدت جوداء حاجبيها لتفكر بحديثها قليلاً ولكنها قالت:

- لا أعتقد أنه قد يفعل مثل تلك الأشياء الشنيعة، سيلفانا.

لتتسع ابتسامة سيلفانا:

- لماذا أنتِ تتحدثين هكذا وكأنكِ تعرفينه جيدًا؟

لتستفيق جوداء على سؤالها ذلك لتقول:

- يا سيلفانا لقد أنقذني مرتين، ثم أخرجنا من المأزق الذي كُنا به .. يوجد بداخله شخصٌ جيد.

لتقول سيلفانا بشاعرية:

- وماذا أيضًا؟

تغيرت ملامح جوداء حينما انتبهت لنبرة سيلفانا لتقول بتنهيدة:

- وما علاقتي أنا به حقًا؟؟!! أنتِ مُحقة .. إنه من المافيا الإيطالية ويجب أن لا أتعامل معه .. أنا لن أتعامل معه من الأساس إنه رجلٌ أجنبيٌ عني.

كانت تقول تلك الكلمات كأنها تنصح نفسها .. همهمت سيلفانا لتقول:

- حسنًا .. حسنًا، وماذا ستفعلين غدًا؟

صمتت جوداء قليلا لتقرر:

- سأعود للعمل.

أردف سيلفانا بابتسامة:

- أفضل قرار، هيا تجهزي للغد وأنا سأذهب لغرفتي لأرتاح قليلاً.

أومأت جوداء بهدوء ودخلت سيلفانا غرفتها بحذر وأغلقت بابها خلفها لتظهر معالم الألم على وجهها، اقتربت من المرآة لتكشف عن جسدها لتجد أن هُناك تورُما بالقرب من الحوض لتقول بتمتمة:

- ليست بسيطة ولكنها ستُشفى قريبًا.

لتبدأ بتغيير ثيابها لأُخرى مُريحة لتفكر بما حدث اليوم مُجددًا ولكنها تحاول في كل مرة تفكر بتلك الأحداث قلبها يدُقُ الطبول لتتنهد بعمق:

- حسنًا، يجب أن أعمل بنصيحة جوداء.

في صباح اليوم التالي:

كادت جوداء تقف أمام شركة ضخمة رٌسِمَ عليها رمز ضخم مكتوب بداخله "آل مارينتوس" .. ابتلعت بصعوبة لتقول مُذكرةً نفسها:

- أنتِ هُنا لكي تعلمي ماذا حدث.

تنهدت تفكر بتلك الخطوة مرارًا وتكرارًا لم يغب عن بالها طوال الليل مظهر السيد ماركوس، كما أنها ظلت تفكر بحديث سيلفانا .. يبدو أن هُناك شيءٌ حدث له بالفعل .. لذلك قررت أن تذهب لشركة السيد ديميتري ولكن ماذا تقول له؟ ظلت تفكر قليلاً حتى قررت أن تعود في طريقها وتذهب لعملها على الرغم من أنها متأخرة لأن ذلك بالفعل موعِدُ حلقتها، التفتت لتُغادر ولكن توقفت أمامها سيارة ضخمة مُصدرةً صريرًا عاليًا .. لينزل الزجاج الخلفي بهدوء ويظهر وجه ديميتري أمامها حيث قال بابتسامة هادئة:

- صباحُ الخير آنسة جوداء.

ابتلعت ريقها بتوتر لتقول:

- صباح الخير سيد ديميتري.

- ماذا تفعلين هُنا؟

ترددت قليلاً تفكر ماذا تقول ولكنها لم تُرد الكذب .. تنهدت قائلةً:

- جئتُ لأتحدث إليكَ في أمرٍ هام.

طالعها ديميتري قليلاً بهدوء ثم أردف:

- حسنًا.

وبعد مرور دقائق وقف الإثنان أمام المصعد وكانت جوداء تُمسك بحقيبتها تحاول أن تتماسك فُتِحَ باب المصعد ليدخل ديميتري داخله وينتظرها أن تدخل ولكنها أردفت:

- من فضلك لا أستطيع أن أكون معك بالمصعدِ وحدنا.

أخذ ديميتري يبحث عن أحدٍ بعينيه وأشار لإحدى موظفات الإستقبال ..

- نعم سيدي..

أردف بأمر:

- إصعدي معنا.

عقدت الموظفة حاجبيها ودخلت المصعد لتقف بجانبه، لتتردد جوداء للحظات لتدخل هي الآخرى، شعرت أن الوقت يمُرُ طويلاً لأنها لا تشعر بوجود أحدٍ سواهًما أيضًا .. أخذت تردد بهمس كثيرًا بالمصرية:

- أستغفر الله العظيم .. أنا اللي جبته لنفسي بجد! أنا إيه اللي أنا عملته ده!!

وحينما وصلا خرجا من المصعد ليقول ديميتري ببرود للموظفة:

- عودي إلى عملكِ.

- حسنًا، سيدي.

لتغلق الموظفة المصعد وتعود حيث كانت فركَت جوداء يدها تريد أن تهرب ولكن بالطبع هي ارتكبت خطأً فادحًا في حق نفسها .. ولكنها تريد أن تعرف ماذا حدث .. لتستفيق على صوته وهو يفتح لها باب مكتبه ..

- تفضلي آنسة جوداء.

ابتلعت بصعوبة لتقول:

- من فضلك لا تُغلق الباب .. ثم أنه كان من المفترض أن نتحدث بالأسفل وليس هُنا.

ليقول ديميتري بهدوء:

- يا آنسة جوداء أنتِ لم تُريدي أن تجلسي بجانبي بالسيارة ولم أُرد أن تقفي بالشارع فكان الحل الأمثل هو مكتبي.

لتقول بهمس:

- ولكنني سأكون معك وحدنا.

تنهد ديميتري وأردف بهدوء:

- سأُبقي الباب مفتوحًا لا تقلقي.

أومأت بتوتر قائلة:

- إدخل أنتَ أولا لا يجوز للرجال أن يسيروا خلف النساء.

عقد ديميتري حاجبيه للحظات ليمتثل لقولها ويدخل أولا وهي تبعته للداخل .. اقترب ديميتري من المكتب وجلس به وأشار لها لتجلس على كرسيٍ أمامه، جلست بهدوء قائلة:

- أنا جئت.......

- عصير مانجو، صحيح؟

طالعته بعدم فهم، ولكنه لم ينتظر ردها إذ رفع سماعة الهاتف بجانبه:

- قهوة مُرةُ المذاق وعصير مانجو خاليًا من الكحول.

ثم أغلق الهاتف وأعطى كل انتباهه لها ..

- ماذا هُناك آنسة جوداء؟ فيماذا كَنتِ تريدين التحدث إليَّ؟

خرج صوتها متوترًا كثيرًا وأردفت قائلة:

- لقد أتى مٌديري بالأمس..........

وأخذت تقُصُّ له ماحدث .. وبعد أن انتهت أردف ديميتري بابتسامة هادئة:

- مُباركٌ لكِ عودتكِ للعمل.

تنهدت قائلة:

- شكرًا ولكنني لم آتي لأجل ذلك.

ليتسائل ديميتري بحيرةٍ وهو يُطالِعُها:

- إذا لماذا أتيتِ؟

كادت أن تتحدث ولكن أحد الموظفين دخل المكتب وهو يحمل صينية بها كوبًا من العصير وبجانبه فُنجانًا من القهوة .. ووضع العصير أمام جوداء والقهوة أمام ديميتري ليُغادر مُغلقًا الباب خلفه لتنتفض جوداء على فعلته تلك وتتوتر أكثر..

- لقد أغلق الباب.

قالت تلك الكلمات بفزع وهي تنظر لديميتري ..

- إهدأي، لا تقلقي.

ولكنها اعتدلت تحاول التحكم بأعصابها، تشعر أن صدرُها يضيق لوجودها معه .. هي مُخطئة لأنها أتت إليه!! تقدم ديميتري نحو الباب ليقوم بفتحه من جديد ..

- أنظري .. لقد قُمتُ بفتحِه لا تقلقي.

حاولت أن تهدأ ولكنه اقترب نحوها بهدوء يُقربُ منها العصير..

- اشربي العصير لتهدأي.

- لا لا أنا لم آتي لأجل ذلك، كل ما أريده أن أعرف هل أنت السبب في ذلك؟؟ هل تدخلت؟؟ هل فعلت شيئًا للسيد ماركوس؟ هل آذيته.

أردف ديميتري بهدوء:

- إهدأي .. صدقيني لم أفعل شيء في مديركِ ومن فضلكِ إشربي العصير.

حملت الكوب بيدها لترتشفه واستأنف ديميتري بهدوءٍ تام وهو يُطالعها بهدوء:

- أنا حقًا لم أفعل شيء للسيد ماركوس حتى الآن، ولكنني فقط اشتريتُ المبنى الإذاعي بأكمله بالأمس.

ليتوقف العصير بحلق جوداء وسعلت باختناق قائلةً:

- ماذا!!!!
                      الفصل العاشر من هنا 
 
تعليقات



<>