رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل الثالث3والرابع4 بقلم ناهد خالد

رواية حب أعمي الجزء الثاني2 فراشة في سك العقرب الفصل الثالث3والرابع4 بقلم ناهد خالد
الماضي.. كلمة انتهى زمن وقوعها ولكن أثره لا ينتهي فهو مستمر معنا في حاضرنا ومستقبلنا، الماضي ما هو إلا بداية لمستقبل إما أن يكون مشرقًا أو مظلمًا، وإن كان الماضي مُحملاً بأسرار بقت هكذا لغلق أبواب الجحيم، فحتمًا في المستقبل ستُفتح تلك الأبواب على مصرعيها مع ظهور الحقائق والجميع سيدلف منها راغبًا أو مرغمًا"

في شركة العقرب...
 بعد أن انتهوا من تناول الإفطار وشرب القهوة, انصرف "معاذ" لمكتبه لمتابعة أعماله بعد أن قضى وقتًا هو الأجمل والأمتع بالنسبة له فأي شيء برفقتها يكن مميزًا ولا يمكن نسيانه,  وبقت "نورهان" جالسه مع أخيها في مكتبه يتناولون أطراف بعض الأحاديث الغير مهمة, حتى تعالى رنين هاتف "شاهين" لينظر لشاشته ويرى رقمًا مميزًا, فانسحب بهدوء من الأجواء وهو يخبرها بأنها مكالمة عمل مهمة,  وحين نأى بنفسه في ركن من أركان المكتب البعيد عن مسامع الجالسة, رد ليستمع لصوت محدثه:
- ازيك يا شاهين؟

 رد "شاهين" بهدوء:
- تمام يا نصر باشا, ازيك انتَ؟ 

 أجابه المدعو "نصر" وهو يقول:
- محتاجك... لازم تيجيلي عشان في حاجة مهمة محتاجين نتكلم فيها تخص الشغل ما ينفعش في التليفون.
 
سأله وهو يمسد مؤخرة عنقه بكفه:
- انتَ لسه في لندن ولا نزلت مصر؟

- لا نزلت مصر بقالي كذا يوم, هنتظرك بكره الساعه 12:00 بالليل.

- تمام.

 قالها "شاهين" وأنهى المكالمة ليتجه بعدها لمكتبه وهو يقول محدثًا "نورهان":
-عندي اجتماع بعد نص ساعة هجهز أوراقه وهكون معاكي.

 قالت مبتسمة:
- تمام وأول ما الميعاد يجي هرجع أنا البيت عشان ما اشغلكش.

 انشغل لبعض الوقت في ترتيب أوراقه حتى توقف فجأة وهو يقول ناظرًا إليها:
- واضح كده إننا هنرجع البيت دلوقتي.

 سألته مستغربه:
- ليه؟

قال وهو يلتقط مفتاح سيارته وسترته متجهًا لها:
- امبارح كنت براجع الملف في مكتبي في البيت ومشيت النهارده الصبح من غير ماخده.

 وقفت وهي تقول مقترحة:
- طيب ليه ترجع مخصوص البيت! أنا هروح وابعتهولك مع حد من هناك.

- المشكلة إني حطيته في الخزنة.

 هزت رأسها متفهمه وهي تقول بمرح:
- اه وطبعًا الخزنة دي شيء محظور ممنوع اللمس حتى عليا. 

 ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يقول بعد أن أمال رأسه يمينًا:
- طبعًا, انتِ عارفاني ما بثقش في حد, وأكيد الخزنة فيها حاجات كتير قوي مهمة, وده مش شك فيكي انتِ اكيد فاهمة, بس أنا بعتبر الخزنة دي شيء مقدس محدش ينفع يلمسه غيري,  يلا خليني اوصلك بالمرة واخد الملف وارجع قبل ميعاد الميتنج لأنه مهم جدًا. 

 اومأت موافقة وهي تسير معه في طريقهما للعودة إلى المنزل.

**********
 وهناك....
 تحديدًا في فيلا العقرب... 
 كان الشجار ما زال على أشده, الضربات لا تتوقف, ولا الصرخات كذلك, لم يقدر أيًا من الفتيات على جذب "فيروز" بعيدًا عن "شدوى" التي ما زالت مسطحه ارضًا, وما انقذها من تحت يدي فيروز هو الطنين الشديد الذي ضرب اذنها من كثره صراخ الأخيرة المرتفع, لتشعر بصوتها كتيار هواء شديد السخونة  يخترق اذنها ثم رأسها فينشب بها ما يشبه الحريق, وهذا ما جعلها تنهض عنها وهي تمسك اذنها بكفها بقوة محاولة إيقاف الصفير المزعج الذي رن بها, ساعدت الفتيات شدوى و نهضت بألم,  لتقول "صفاء" رافضه كل ما حدث:
- اعذروني على تدخلي, بس اللي بيحصل ده ما ينفعش يحصل, المشهد اللي حصل دلوقتي ده مش تصرفات هوانم ابدًا.

 عقبت "شدوى" بألم وغيظ يملأها:
- وده إن دل على شيء فيدل على إنها بعيدة خالص عن الهوانم, هانم مين دي بيئة, انا عارفه شاهين جابها من أنهي داهيه! 

أنزلت "فيروز" كفها من فوق اذنها بعد أن هدأ الصفير لتعقب بغضب:
- هانم غصب عن عينك, ولا انتِ فاكره عشان هانم زي ما بتقولي المفروض اسيبك تقلي ادبك عليا وتغلطي في حقي وفي شرفي واسكت؟

 تدخلت "صفاء" في الموضوع وهي تقول:
- اسمحيلي يا فيروز هانم, كان ممكن ترد عليها لكن موضوع الضرب ده ما ينفعش ابدًا...  شاهين بيه لو عرف اللي حصل مش هيعدي على خير لا ليكي ولا ليها, هو ما بيحبش التسيب ويحب دايمًا اللي موجود في بيته يحترمه ويحترم وجوده ما اعتقدش انك عملتي ده لما مديتي ايدك على شدوى هانم. 

 رفعت حاجبها باستنكار وهي تعقب باستهزاء:
-صدقي بالله أنا من الأول كنت شاكه فيكي إنك من حلفائها, بس دلوقتي اتأكدت, انتِ مالك يا ست انتِ تدخلي ليه اصلاً ما بينا؟ طب هي غلطت فيا وانا برد عليها غلطها انتِ بقى مالك؟ 

 ظهر الغضب على وجه "صفاء" وهي ترد بهدوء مخالف تمامًا عن الغضب الذي تمكن منها:
- انا هنا مش مسؤوله الخدم بس, أنا هنا مسؤوله عن كل حاجه بتحصل في البيت في غياب شاهين بيه.

 اقتربت منها "فيروز" خطوة تدفعها في كتفها برفق وهي تقول بحدة: 
- طب ريحي انتِ بس كده عشان أنا اللي يجيب سرتي بحاجة وحشة اقطع لسانه مش بس اضربه, ولسه حسابي معاها ما خلصش.

 نظرت لشدوى التي ترتب شعرها بوجع, ف" فيروز" لم تغفل أن تغلغل اصابعها في شعرها وتجذبه من جذوره بعنف اثناء ضربها لها,  نظرت لها متحفزه وهي تقول:

- بصي يا شدوى هانم على رأي صفاء,

 والقت لصفاء نظرة ساخرة ثم أكملت:

- انا قعادي هنا مش برغبتي دي برغبه شاهين, والأسباب ما تخصكيش إني احكيهالك طبعًا, بس هي بعيده تمامًا عن شغل الرخص اللي انتِ فكرتي فيه وبما إن قعدتي هنا ممكن تطول وشكلنا قاعدين في وش بعض حبه حلوين, فأيه رأيك لو نتفق اننا نعتبر نفسنا مش شايفين بعض اصلاً!  يعني انتِ اعتبري نفسك مش شايفاني وانا هعتبرك هوا, لا تقوليلي صباح الخير ولا اقولك صباح النور, وكل واحد مننا يبقى في حاله ايه رأيك؟

 ظهر الاستهزاء جليًا على وجه "شدوى" التي قالت رافضة الاقتراح:
 - كل واحد مننا في حاله! ده بيتي يا ماما لو انتِ مش واخده بالك! يعني ما اقدرش اعتبر شخص موجود في بيتي كأنه مش موجود, لأن اللي موجود في بيتي لازم يحترمني ويفهم حدوده كويس قوي مش سايبه هي.

 زفرت "فيروز" أنفاسها بقوة ثم قالت وهي تهز رأسها بأسف مصطنع:
- واضح كده ان احنا مش هنتفق, بس يعني انتِ عاجبك إني كل شويه اجيبك من شعرك قدام الناس, أصل أنا فيا عيب نسيت اقولهولك....

 رفعت "شدوى" حاجبها باستهجان في انتظارها للتكملة,  لتكمل فيروز بضيق اتقنت تمثيله:
- اني دايمًا ايدي سابقه لساني, ما بعرفش اتحكم فيها اعمل ايه طيب! اول ما بزعل والادرينالين يرتفع عندي تلاقي ايدي راحت ممدوده على اللي قدامي على طول واطول اللي اطوله بقى. 

 ضربت "شدوى" الأرض بكعب حذائها العالي ليصدح رنينه في الأرجاء وهي تقول بقوة وعنفوان:

- لو كنتي فاكره إنك تقدري تمدي ايدك عليا تاني تبقي بتحلمي, ايدك دي لو لمستني تاني انا هقطعهالك.

 ابتسمت "فيروز" باستفزاز مرعب وهي تهز رأسها بمرح وتقول:
- طب تيجي نجرب؟

 وقبل أن تجيب "شدوى" اقتربت "مستكة" من "فيروز" تهمس لها في اذنها:
- لمي الدورعشان الموضوع ما يتقلبش عليكِ انتِ ما تعرفيش رد فعل شاهين هيبقى ايه لما يرجع, هيبقى شكلك وحش قوي لو حط عليكِ قدامهم, ما تنسيش انها في الاخر مراته وام ابنه وصاحبة البيت فعلًا. 

 اقتنعت "فيروز" بحديث "مستكة" وشعرت بالقلق من رد فعل "شاهين" حين يعلم بكل ما حدث,  فهو ورغم انه اعطاها تصريح غير مباشر من قبل بأنه لن يتدخل في اي شيء يحدث بينها وبين شدوى, لكن كما قالت مستكة هي في الأخير زوجته وأم ابنه, ولن يسمح باهانتها من أيًا من كان,  لذا حاولت انهاء الامر وهي تقول عمومًا:
- انا المرادي هسامح على رأي المثل ما يسامح الا اللي قلبه كبير, وانا قلبي كبير قوي ودي تاني غلطة بتحصل هعديهالك, فاكره الغلطة الأولى لما هنتيني في أول مرة شفتك فيها وقلتي إني مش من النوع اللي شاهين بيفضله أو ممكن يختاره, بس خدي بالك فاضلك غلطة لو حصلت بعدها أنا مش مسؤوله عن اللي هيحصل.

 نظرات "لصفاء" وهي تقول لها:
- وانتِ ياللي داخله توعظي ما بينا وتنصحينا,  كل الحوار ده بسببك انتِ لو كنتِ من الأول عملتِ الفطار زي ما قلتلك ما كانش كل ده حصل, ويا ريت في الاخر بقى تحضريلي الفطار لأحسن انا بتلكك امسك في أي حد تاني, زي ما قلتلك ايدي أطول من لساني. 

 قالتها وهي تنسحب من أمامهم, وانسحبت الفتيات لداخل المطبخ بعد ان اشارت لهم "صفاء"...
 كانت تتجه للسلم للصعود لغرفتها لتتوقف فجأة شاهقة حين شعرت بكف يقبض على خصلات شعرها بقوه كادت تقلعها!
 بعد أن انهت "فيروز" حديثها المستفز والمثير لأعصاب "شدوى" التي تقف وبداخلها بركانٍ مشتعلٍ واتجهت للصعود لأعلى, لم تستطع "شدوى" منع نفسها من اخذ حقها وحق إهانتها أمام الجميع, فإن سامحت "فيروز" في حقها كما ادعت فهي لن تسامح ابدًا في إهانتها التي كانت على مرأى ومسمع من كل من في المنزل, وفجأة اندفعت نحو "فيروز" لتقبض على شعرها بقوه وغيظ واسقطتها ارضًا لتجثو فوقها وهي تبدأ في ضربها كما فعلت الأخرى منذ قليل, عادت الفتيات و"صفاء" من المطبخ على صوت الشِجار مرة أخرى, ولكن صرخت بهم "شدوى" قائلة:

- اللي هيقرب مني هيكون أخر يوم له هنا في البيت.

 بالفعل وقفن جميعًا ينظرن لِمَ يحدث دون محاولة لفض النِزاع هذه المرة, ومن بينهن كانت "مستكة" التي كانت تقدم قدم وتأخر أخرى, فوجودها في المنزل سيفيد "فيروز" على أي حال وإن اقتربت وحاولت الفصل بينهما وطُردت من العمل حينها لن يصب هذا في مصلحة "فيروز" بل بالعكس سيؤذيها,  فوقفت محلها وهي تقول لنفسها:
- معلش بقى يا فيروز تستحملي العلقه احسن ما تستحملي اللي هيحصل فيكِ من شاهين لو طلعت من البيت وانقطعتي عن التواصل مع مازن بيه. 

والغلبة لم تستمر لصالح "شدوى" وقتًا طويلًا وسرعان ما استطاعت "فيروز" أن تسيطر على الوضع لتصبح "شدوى" هي الملامسة للأرض و"فيروز" فوقها وعادت تكيل لها الضربات مرة أخرى, لكن هذه المرة بقوة أكبر, لتهمس بداخلها مستهزئه بشدوى:
 -فاكره إنك هتعرفي تغلبي واحده بنت شارع! ده انا الخناقات دي ياما صبحت ومسيت بيها ناس. 

وبالفعل كانت "فيروز" تعرف كيف تتفادى الضربة وكيف تردها في الوقت نفسه بأخرى أشد..

 وبالخارج اصطفت سيارة "شاهين" الذي وصل للمنزل ودلف هو و"نورهان" للداخل سريعًا حين استمعا لصوت صراخ عالي وصل لهما من قبل أن يصعدا درجات السلم الخارجي, ركضت إحدى الفتيات تفتح الباب سريعًا حين سمعت صوت اصطفاف سيارة بالخارج,  ليدلف للداخل "شاهين" وهو يسير بحركة سريعة وسألها بغضب:
- ايه اللي بيحصل جوه؟

لكنها وقبل أن تجيب حتى كان قد دلف للداخل تتبعه "نورهان" بخطوات سريعة اشبه للركض, وحين اقتربا من السلم الداخلي للفيلا كان المشهد واضحًا تمامًا, ولكن حينها كانت "فيروز" تضع كفها على فم "شدوى" بقوة تمنعها من الصراخ, وكلاً من يرى الوضع ظنوا أنها تحاول خنقها, ولكنها في الحقيقة كانت تكتم صوتها الصارخ الذي يثير إزعاجها ويُحدث طنينًا قويًا بأذنيها ورأسها, اقترب "شاهين" وهو يصرخ بالواقفات:
- انتوا واقفين تتفرجوا. 

 وفي اللحظة التالية كان يجذب "فيروز" من ذراعها بقوة لتنهض عن "شدوى" التي علىَ صوت صراخها فور رفع كف "فيروز" عن فمها,  ركضت "نورهان" ل"شدوى" تساعدها في الوقوف والتي كانت في حالة مزرية, شعرها مشعث ووجهها بهِ خدوش تركت أثرًا واضحًا وشفتيها تنزف دمًا,  ليسأل "شاهين" والغضب مسيطر على ملامح وجهه:
- انا عاوز افهم حالاً ايه اللي حصل؟ ايه المشهد اللي انا شفته ده؟ انتوا في بيتي ولا في الشارع! 

 وهنا انطلقت "شدوى" في بكاء وشكاء لم يتوقف ولم ينقطع وهي تقول ما فعلته فيروز وما لم تفعله, وتضيف نكهات للموضوع بأن "فيروز" لم تحترم المكان الموجودة بهِ ولم تحترم صاحبه, وتداخل معها صوت "نورهان" وهي تحاول أن تهدئ من صراخها بين كل جملة وأخرى وتلقي لومًا على "فيروز" مبررة أنه مهما حدث لا يحق لها أن تستبيح ضرب الأخرى, و تعالى صوت "شاهين" الغاضب وهو ينهر جميع الواقفات لتخاذلهم عن التدخل وفض النِزاع,  وفجأة أصبحت الأصوات متداخله, بكاء شدوى بصوت مزعج... محاولة نورهان أن تهدئها... وصوت صراخ شاهين في الخادمات.... ومحاولتهن للتبرير... بين كل هذا علىَ صوت الطنين بأذن فيروز لدرجة شعرت وكأن أحدهم يطرق رأسها بمطرقة, فعلى صوت تنفسها وظلت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا كشخص مجذوب قبل أن تصرخ فجأة:

-بــــــس... صوتكم,  كفــــــــاية. 

 وبعد كلمتها الأخيرة ورغم أن الجميع صمت ينظر لها بتعجب واستغراب, كانت تسقط فاقدة للوعي بعد أن فشلت في تحمل الألم الذي أصابها, ركض "شاهين" إليها ليلتقطها من بين ايدي "مستكة" والتي كانت الأقرب لها, فاسندها على صدره وهو يحاول إفاقتها ولا يعلم تحديدًا لِمَ فقدت وعيها! ولكن كل المحاولات بائت بالفشل, ليحملها على ذراعيهِ ويصعد بها بعد أن أخبرهم أن يطلبوا حضور الطبيب. 
**********
وبمكتب مازن في قسم الشرطة...

 جلس مقابلاً لصديقه "أمجد" الذي سأله:
- انا نفسي افهم انتَ هتاخد ايه من كل اللي بتعمله ده؟ يعني نهاية الموضوع ده ايه؟ حتى لو البنت دي قدرة تخلي شاهين يعمل كل اللي انتَ بتخطط له ايه اللي هيحصل بعد كده؟ ما كده شاهين هيغير باسورد الخزنة وهيديها الورق اللي هو عاوز يوصله لك مش الورق اللي انتَ عاوزه!

 هز رأسه مؤكدًا على حديث صديقه وهو يقول:
- عارف عشان كده دلوقتي بحاول اخلي فيروز تقرب من شاهين.

 نظر له صديقه بعد فهم وهو يسأله بحذر:
- يعني ايه تقرب منه؟

 قال وهو ينهض ليصبح أمامه مستندًا على المكتب بجانبه:
- يعني زي ما انتَ فهمتها.

 رفع "أمجد" حاجبه غير مقتنعًا بالفكرة وهو يسأله:
- اه طيب ولو قربت منه ايه اللي هيحصل؟

- لو قربت منه شاهين هيثق فيها جدًا وخصوصًا انها من أول محطة باعتني له و قالت له انها متفقه معايا وإن كل ده حوار عامله عليه,  فأصلاً شاهين دلوقتي بيثق فيها أو بمعنى أصح في خوفها منه بس بنسبة قليلة قوي, انا بقى عاوز النسبة دي تعلى قوي, كل ما تعلى كل ما فيروز تعرف تجيبلي اللي انا عاوزه,  وبيني وبينك حوار الخطوبة ده على هوايا ولصالحي, ويا ريت شاهين يكمل فيه.

 هز "أمجد" رأسه شاعرًا بأنه لم يفهم الأمر كاملاً:
- انا ما بقتش فاهمك! في الأول بعتها عشان تجيب ورق, وبعد شويه عايزها تقرب من شاهين, ويا عالم بعد كده تطلب منها ايه تاني؟ يا ترى هي اصلاً هتستحمل الوضع ده هتفضل مكمله ولا ممكن بقى تبيعك لشاهين بجد؟

 هز رأسه بضحكة عالية وهو يقول بثقة غريبة:
- مستحيل تعمل كده.

 رفع "أمجد" حاجبه ساخرًا:
- يا سلام ايه الثقة دي؟ ليه يعني مستحيل تعمل كده؟

 اقترب منه خطوة وهو يضرب اصبعه في جبهة الآخر:
- عشان يا اذكى اخواتك في سببين يمنعوها, اول حاجه انها فعلاً خايفه مني, وخايفه اني انفذ اللي هددتها بيه قبل كده والبسها قضية لو خلعت و ما جابتليش اللي انا عاوزه.

- والسبب التاني؟

 ابتعد عنه واختفت ابتسامته, أصبحت ملامحه غير مفهومة ابدًا وهو يقول بنبرة غريبة:
- عشان حاسسها معجبه بيا, ويمكن اعجابها ده اللي مخليها مصدقاني في كل حاجه بقولها و واثقة فيا.

 نهض "أمجد" ليقف أمامه يسأله بغضب حقيقي:
- هو انتَ كمان بتستغل مشاعرها؟ مش كفاية الفيلم اللي عملته عليها والناس اللي بعتهم يسرقوا الفلوس عشان تكمل لعبتك وتجبرها توافق على اللي انتَ عاوزه! 

 نظر له "مازن" وقد اغضبه حديثه, ليقول نافيًا التهم عن نفسه:
- ايه اللي انتَ بتقوله ده! انا ما استغلتش مشاعرها لأن اصلاً ما كنتش قصدي اخليها تعجب بيا ولا نيله, كل الحكاية اني لاحظت انها معجبه بيا, اعمل ايه بقى؟ في ايدي ايه اعمله؟ انا لا قلتلها اعجبي ولا قلتلها ماتعجبيش ولا حتى عمري بينت لها اني معجب بيها ولا انها اصلاً في دماغي, وموضوع الفلوس ده خلصنا منه من زمان, قولتلك اني وقتها عملت كده لأني حستها هتتراجع ومكانش عندي حل تاني اقنعها بيه انها تكون معايا في المهمة بعد ما شوفتها مناسبة جدًا لها.

 نظر له "أمجد" نظرة مبهمة وهو يسأله سؤال غامض:
- وهي فعلاً مش في دماغك؟

 طالعه "مازن" لثواني بصمت قبل أن يرد عليهِ مستهزئًا:
- وهينفع اصلاً تكون في دماغي؟ انتَ شايف كده؟

 هز "أمجد" رأسه بلا معنى وقال:
- عمومًا هنشوف.

 وتركه خارجًا من المكتب ليغرق "مازن" في دوامة من الأفكار التي لا تنتهي..
******
 انتهى الطبيب من فحصها ونهض يخرج لشاهين الواقف بالخارج تاركًا "صفاء" معها بالداخل بعد أن أخبرها بأنها ستفيق في اللحظات التالية.
 اقترب منه "شاهين" حين خرج من الغرفة يسأله باستفسار:
- هي ايه اللي حصل لها؟

 رفع الطبيب منكبيهِ جاهلًا:
-هو من كشفي ما فيش أي حاجه ممكن تسبب ليها الاغماء, فطالما ما فيش حاجه عضوية, وارد يكون الاغماء ده حصل بسبب ضغط نفسي مثلًا, ولو ماتعرضتش لضغط يبقى تعمل تشيك اب كامل وتحاليل في أي مستشفى عشان تطمنوا اكتر, وعمومًا هي ممكن يكون عندها معلومة لما تفوق, لأن مش كل حاجه احنا بنقدر نعرفها من الكشف, بس كل حاجه تمام وما فيش حاجه مُقلقة حتى مش هكتبلها على أي دوا...

 هز "شاهين" رأسه متفهمًا وانسحب الطبيب من أمامه, ليسمع بعدها صوت "شدوى" من خلفه تقول:
- يا ترى بقى هتجيبلي حقي منها ولا اللعبة الخايبة اللي عملتها وانها اغمى عليها حننت قلبك ليها؟

 التف ينظر لها بنظرة جامدة و قاتمة وقال بنبرة اقلقتها:
-مش شاهين المنشاوي اللي يتلعب عليه لعب خايبة, وما تحسسنيش إنك مظلومة عشان أنا متأكد مليون في المية إن كل اللي حصل ده انتِ السبب فيه, ده انا عشت معاكِ سنين وعارفك كويس, وعارف ازاي تقدري تستفزي الشخص اللي قدامك وتوصليه لمرحله هو عمره  ما توقع انه يوصلها وتطلعي أو** ما فيه.

 نظرت له مدهوشة وهي تردد بغضب ووجه تلون بالحمرة القاتمة:
- يعني انتَ في الآخر هتقلب الترابيزة عليا؟ 

 رفع كفه ينهي حديثها يهتف بقوة:

- انا مش عاوز اسمع أي كلام دلوقتي في الموضوع ده, لينا كلام تاني بس مش وقته.

 وانسحب تمامًا من المحيط كي يعود إلى عمله, وعادت هي لغرفتها ورأسها يشتعل لن تهدأ حتى تأخذ حقها من تلك الحقيرة التي تجرأت عليها. 

 وبالداخل حين استعادة "فيروز" وعيها ورأت "صفاء" في وجهها أمرتها بغضب أن تخرج من الغرفة فورًا, فهي لم تعد تطيق رؤيتها فحين هجمت هي على "شدوى" اقتربت "صفاء" تبعدها بقوة وأخذت بعدها تلقي محاضره في كيفية التعامل بينهما, ولكن حين حدث العكس لم تأخذ أي رد فعل, وهذا ما عزز غضب فيروز منها ومقتها لها, نهضت تجلس على الفراش تأن بتعب وهي تمسك رأسها بين كفيها, هي تعلم جيدًا تلك الحالة التي تنتابها حين تسمع صوتًا عاليًا او ضجيج لفترة تزيد عن ثواني معدودة ينتهي الأمر بها مغشيًا عليها من شدة الألم, لكنها قررت في قرارة نفسها أنها لن تسكت وان حاول "شاهين" أن يُلقي عليها اللوم أو يحملها ذنب وخطأ ما حدث ستعرف حينها كيف تأخذ حقها جيدًا من الجميع, ولن تسمح لأحد أن يحملها خطأ ليس بخطئها فشدوى هي من بدأت وهي لم تكن سوى رد فعل, همست لنفسها وهي تعود للتسطح:
- لا انام شويه مش قادره دماغي هتنفجر عشان اصحى فايقة للغجر اللي في البيت ده.

*********
و في مكان بعيد نذهب له لأول مرة...

فيلا في منطقة نائية بعيدًا عن التجمعات السكنية, لكنها فيلا فخمة ويرتص أمامها الكثير من الحرس والسيارات التي تدل على ثراء صاحبها..

 كان قد أغلق الهاتف بعد أن انهى حديثه مع "شاهين" وأخبره بموعد مقابلتهم غدًا, حين دخل عليهِ رجله وذراعه الأيمن "رأفت" والذي قال سائلًا:
- كلمت شاهين بيه؟

 ليرفع "نصر" نظره عن الأوراق التي أمامه وهو يجيبه:
- ايوه كلمته, وحددت معاه ميعاد بكره الساعه 12:00 بالليل.

 جلس "رأفت" على الكرسي المقابل للمكتب وهو يهمهم قبل أن يقول:

_ لسه بردو مش ناوي تقوله انك ابوه!؟ هتفضل مخبي لامتى؟

توقفت يده عن كتابة ما كان يدونه، وتجمدت ملامحه رغم لمعة التأثر بعينيهِ التي رفعها لينظر للجالس أمامه الآن وهو يقول:
_ مش يمكن مش ناوي اقوله.

ظهر الرفض جليًا على وجه الآخر وهو يعقب:
_هتفضل عمرك كله حارم نفسك من ابنك وحارمه منك؟

حاول أن يوهم نفسه قبل أن يوهم الجالس أمامه بأنه بخير والحال هكذا افضل للجميع فقال:
_ أنا مش محروم منه، كفاية إني قادر اشوفه واتكلم معاه، اطمن عليه وأأمنه.

ابتسم بتهكم وسخرية وهو يقول:
_ بس مش قادر تضمه لحضنك.. كام مره بشوف عينك هتطلع عليه واحسك بتتخيل انك جريت عليه وخدته في حضنك، مش قادر تسمع منه كلمة بابا، مش معقول تكون ناوي تموت حارم نفسك وحارمه من احاسيس ومشاعر كتير حلوة ممكن تعشوها.

زفر بقوة وهي ينتفض من فوق كرسيه واتجه له يقف أمامه يهتف بحزن وغضب في آنٍ:
_ بلاش تزود وجعي، انا مش محتاجك تقولي كل ده عشان اخد بالي، الوجع اللي جوايا بيصرخ فيا كل يوم وكل مره بشوفه فيها، واوقات... اوقات بحس اني هنفجر واقوله واللي يحصل يحصل... بس خايف يكرهني وده اللي بيرجعني، خايف يسألني اسئلة معنديش إجابات لها، أو... أو يلومني وميقتنعش بمبرراتي.. خايف اسمع منه جملة "انتَ فضلت نفسك عليا، وضحيت بيا عشان نفسك".. خايف من حاجات كتير اوي اقوى من رغبتي في اني اخده في حضني.

هز "رأفت" رأسه بحزن وحيرة، هو يفهمه لكن الوضع القائم لا يجب أن يستمر، ينبغي أن ينتهي يومًا ما، أن يكشف الستار عن ما خلفه، والحقائق التي دفنت من سنوات يُعاد النبش بها، فلا حقيقة تبقى مدفونة للأبد...
_ مفيش سر بيتدارى للأبد ومليون في المية بييجي يوم ويتكشف، ولو اكتشفه من حد غيرك هيبقى موقفك معاه صعب اوي.

ضرب الأرض بقدمه عدة مرات بوتيرة ثابتة ورفع رأسه للأعلى يأخذ نفسًا قويًا مغمغمًا بعدها بقلة حيلة وعجز:
_ يارب....

 نهض "رأفت" يقترب من "نصر" وهو يربط على كتفه من الخلف قائلًا بمواساة ونصح:
- صدقني يا نصر باشا إن شاهين بيه يعرف إن ابوه عايش حتى لو كان فيها صدمة له,و لو كان هيبقى في خلافات ما بينك وما بينه, وهتتعب شوية لحد ما يسامحك, أحسن مليون مرة من إحساسه باليتم وإن ضهره مكشوف.

 التف له يقول:
- ايوه بس ممدوح كان طول الوقت معاه, كنت دايمًا بعرف من مصادري انه بيتعامل معاه كويس جدًا وفعلًا معتبره زي ابنه وعمره ما قصر معاه وزي مانت شوفت في اخر مرة لما كان شاهين هيتأذي ولحقه ممدوح برجالته. 

هز "رأفت" رأسه بعدم اقتناع:
- هو اه يمكن يكون بيتعامل معاه كويس وبيحميه, بس انت قلتها بيعتبروا زي ابنه يعني عمره ما يكون ابنه حقيقي, وعلى فكره انا متأكد مليون في المية ان كل اللي بيعمله  ده ورا مصلحة, ما هو يعني ما تقنعنيش ان في حد هيعمل كل ده حبًا في ابن مراته, خصوصًا بقى إن ممدوح عنده إبن ومخلف يعني حتى مش محروم من خلفة عشان نقول بيعوض حرمانه فيه.

 هز "نصر" رأسه مؤكدًا على حديثه وهو يقول:
- ممدوح مش بيعمل ده حبًا في شاهين وبس, ممدوح عارف قوة شاهين وعارف انه طول ما شاهين عايش وموجود ما بينا واسمه موجود في شغلنا فهو حماية له, يعني تقدر تقول ممدوح بيستند على اسم شاهين وعلى قوته في شغل السلاح.

 هز "رأفت" رأسه بأسف وهو يقول:
- مش متوقع رد فعل شاهين بيه لما يعرف إن البيج بوس لشغلنا هنا في مصر يبقى ابوه.

 ببسمة ساخرة أكمل بنبرة ظهر عليها الجمود الذي يخفي خلفه المًا  شغلنا اللي بسببه اتحرم من ابوه العمر كله, واللي بسببه برده أمه ماتت بعد ما ممدوح قتلها لما عرفت انه شغال في السلاح...
الفصل الرابع من الجزء الثاني... 
 فراشه في سكّ العقرب... 
 حب أعمى..  ناهد خالد.. 

" ما أصعب أن تحضنك عيني دون أن يفعل جسدي،  وأن يحبك قلبي دون أن ينطق لساني ، 
أن يركض إليك عقلي راغبًا في البوح بالكثير وأنا في الحقيقة ما زلت ثابتًا في مكاني.. 
فلا الظروف تسمح ولا الوقت يناسب" 

 بعد ثلاث ساعات كانت قد استيقظت "فيروز" من نومها على صوت دقات فوق باب غرفتها،  فنهضت تفرك عينيها بكسل سائلة عن هوية الطارق،  لتعرف أنها" مستكه" فأذنت لها بالدخول،  دلفت الأخرى وهي تقول:

_ أنا قلت اشوفك قبل ما أخلص وأروح.. 

 سألت" فيروز "وهي تجلس فوق الفراش:

_ أنتِ الشفت بتاعك خلص؟ 

 أومأت برأسها مجيبة:

_ ايوه فاضل نص ساعة وهمشي. 

 ثم نظرت إليها  بفضول واضح وهي تسألها بأعين ضيقه:

_ هو أنتِ ايه اللي حصلك؟ ايه اللي خلاكِ صرختِ فجأه ووقعتِ كده؟ 

 توترت نظرات "فيروز" وهي تبعدها عنها وتقول مبرره:

_ ما حصلش حاجه، أنا بس حسيت بضغط مع الصريخ الكتير و لما الزفته دي هجمت عليا فجأه فزعتني،  وبيني وبينك بقى أنا اصلاً كنت بهرب من الحوار ده كله. 
و "فيروز" لا تبين نِقاط ضعفها لأحد، فمستكة اليوم حليفتها ولكن في الغد لربما تصبح عدوتها، وعليهِ فلن تعطيها سلاحًا تستغله ضدها فيما بعد، وهذا ما علمه لها العمل في الشارع وسط مختلف البشر، ووسط أشخاص إن رأوك مهزوزًا سيقضون عليك بلا رحمة. 

 سألتها "مستكه" بتعجب:

_  بتهربي إزاي يعني؟ 

 اجابت "فيروز" بثبات مصطنع:

_ يعني... حسيت إن الموضوع كده هيقلب عليا خصوصًا مع  رجوع شاهين فجأه رغم إن  ده مش ميعاد رجوعه خالص،  وكمان لما جه شاف إن أنا اللي بضربها،  ولما حب يسأل راح يسأل الحيزبونه اللي اسمها صفاء اللي هي أصلاً من حلفاء الصفرا التانيه،  حسيت ان الدنيا هتعك على راسي فقلت اهرب من الموضوع بأي حاجه. 

 اتسعت أعين "مستكه" بصدمه وهي تسألها:

_ يعني أنتِ كنتِ بتمثلي؟ 

"لا حرج من بعض الكذب" هذا ما رددته "فيروز" في عقلها وهي تستكمل كذبتها على مستكه:

_  اه اومال يعني هكون وقعت ليه هو كان حد لمسني أصلاً! 

 حركت "مستكه" رأسها مقتنعه بحديثها وقالت:

_ وأنا برده قلت كده، استغربت قوي يعني ما حدش جه ناحيتك. 

 تمادت "فيروز" في كذبتها وهي تقول:

_ أنا بس حسيت إني في ضغط والدنيا قربت تتقلب عليا،  فجه في دماغي الحوار ده فعملت نفسي اغمى عليا والحمد لله الموضوع عدى على خير. 

سألتها "مستكه" مستنكرة:

_ وأنتِ تفتكري أن شاهين بيه مش هيفتح الموضوع تاني! 

 رفعت منكبيها جاهلة وهي تقول:

_ ما اعرفش بصراحه إذا كان هيفتحه ولا لأ،  بس يعني حتى لو فتحوا أنا دلوقتي هديت وهقدر أفكر وأرد عليه كويس في أي حاجه هيوجهها ليا. 

 عقبت "مستكه" قائلة:

_ بس أنتِ لو عاوزه رأيي فأنتِ زودتيها قوي مع شدوى،  بصراحه اللي في وضعك أصلاً ما ينفعش أنه  يكسب عداوة حد،  يا بنتي ده أنتِ المفروض كل اللي في البيت ده تاخديه تحت جناحاتك وتضميه لصفك،  أنتِ أكيد مش ناقصه ناس تقلب عليكِ ويبدأوا يخططولك عشان يوقعوكِ في مشاكل،  لأ ويركزوا معاكي وساعتها ممكن يكتشفوا اللي شاهين نفسه ما اكتشفوش، وهتبقى وقعتك سودا.. 

 توترت "فيروز" وهي تنظر لها قائلة بضيق:

_ الله! أنتِ هتقلقيني ليه بقى. 

 ربطت "مسكته" بكفها على فخذ الأخرى وهي تجيبها:

_ أنا مش بقلقك.. أنا بقولك الصح،  شدوى لو حطيتك في دماغها وبدأت تنبش وراكي أنتِ عندك كتير قوي اللي يوقعك،  فأنا من رأيي تحاولي تتجنبيها على قد ما تقدري،  وحتى لو عملت معاكي حاجه غلط اعملي نفسك مش سامعه، خلي الشغلانه السودا دي تعدي على خير. 

 حركت رأسها بمعنى أنها توافق على حديثها:

_ هحاول و ربنا يستر. 

 نهضت "مستكه" وهي تقول:

_ طيب همشي أنا بقى أروح  ولما اجيلك بكره الصبح ابقي احكيلي لو في حاجه حصلت لما شاهين بيه يرجع. 

ضحكت "فيروز" تسألها:

_ أنتِ ليه بتقولي بيه وهو مش موجود ومحدش سامعك! 

ضحكت "مستكه" هي الأخرى وجعدت ملامحها بخوف مصطنع:

_ والله يا ختي ماعرف، الراجل ده له هيبة كده حتى لو مش موجود، اول ما اسمه بييجي قدام الواحد جتتي بتتلبش واحس إني عامله مصيبة والاقي نفسي بتكلم عليه بكل احترام، وبعدين عشان بردو لساني ميتعودش اقول اسمه من غير بيه واجي اغلط قدام ام اربعة وأربعين.. قصدي صفاء الحيزبونه زي ما قولتي من شوية. 

ضحكت "فيروز" بشدة على طريقتها وحديثها، لتهز "مستكة" رأسها ضاحكة بقلة حيلة وتحركت خارجه من الغرفة تاركة "فيروز" تفكر جديًا في حديثها وفي كونها لابد وأن تتجنب "شدوى" قدر المستطاع كي لا تجلب لنفسها متاعب أخرى فلديها ما يكفي ويفيض!

******************

وفي تمام الثانية عشر منتصف الليل....  
كانت سيارة "شاهين" تقف أمام فيلا "نصر العقاد"  الأسم الذي ذاع صيته في مجال عملهم وأصبح من أهم وأكبر الأسماء التي يهابها الكثير ويضع لها ألف تقدير وحساب. 

 دلف "شاهين" لداخل الفيلا بعدما استقبله الخادم واجلسه في غرفة مكتب "نصر"،  فجلس ينتظر قدومه حتى سمع صوت الباب يُفتح وبعدها يدلف هو، وهو يقول:

_ أهلاً يا شاهين نورت. 

 نهض "شاهين"  ليقف قباله ويمد كفه يتصافحا بينما يقول بهدوءه المعتاد:

_ ده نورك يا نصر باشا. 

 كان ينظر إليه الآن وحديث "رأفت" يرن بأذنيهِ عن كونه قد حرم عليهِ وعلى ابنه مشاعر يهفو كليهما إليها، ورغم عنِاده مع "رأفت" وإخباره أنه بالعكس لا ينقصه شيء وولده كذلك، فهو الآن ينظر له بأعين تخفي الكثير من الشوق والحب، والرغبه في جذبه لأحضانه وبعدها يحدث ما يحدث فلا يهم،  المهم أن يهدأ قلبه الذي يهفو إلى وليده وتهدأ ثورة مشاعره التي تحثه على الاقتراب دون حدود، لكنه تمالك نفسه وهو يقول 
 بعتاب ليس معتادًا بين رئيس العمل والمرؤوس:

_ ما جيتش يعني تزورني من وقت آخر مشكلة حصلت في المينا،  وكأن زيارتك ليا ما بتكونش غير لمصلحة أو لو في كارثه حصلت في الشغل. 

 سحب "شاهين" كفه في هدوء وهو يقول مجيبًا:

_ لأ الحكاية مش كده،  بس المره اللي فاتت لما جيت كان عشان انبهك إن في حد من رجالتنا خاين وبلغ الناس في المينا عن الشحنة، من بعدها وكان في كذا شحنة داخلين وأكيد سعادتك عارف بتاخد قد ايه ترتيبات ومجهود عشان تدخل وتوصل لمخازنا بسلام وتتوزع كمان،  كل الحكايه إن الشغل كان كتير لكن أكيد حابب أزور سعادتك من غير ما يكون في مشاكل في الشغل. 

 استعاد "نصر" نفسه بصعوبة وهو يشير له للجلوس وجلس على الكرسي المقابل له تاركًا كرسي مكتبه فارغ، وهذا لا يحدث سوى مع "شاهين"، ابتسم له وهو يقول بإعجاب بشخصيته:

_ دبلوماسي أنتَ يا شاهين وده بيعجبني فيك، قلي بقى تشرب ايه الأول؟ 

 وقبل أن يجيب "شاهين" كان "نصر" يرفع كفه وهو يقول مازحًا:

_ اتمنى تغير القهوة المظبوطة بتاعت كل مره. 

 مازحه "شاهين"  في هدوء وهو يقول:

_ خلاص نخليها ساده. 

 ضحك "نصر"  هازًا رأسه بيأس،  قبل أن يقترح بلهفه  وأمل في أن يوافق شاهين:

_  طب ايه رأيك اخليهم يحضروا العشاء على ما نخلص كلام؟

تحكم "شاهين" في مشاعر استغرابه وتعجبه من أفعال نصر معه، وسؤال واحد يتردد في ذهنه، هل الرجل الجالس أمامه بكل هذا التواضع والأريحية في التعامل؟ فتعامله بعيدًا تمامًا عن تعامل أي شخص في عملهم، ما بالك وهو صاحب العمل نفسه! 
لكنه تجاوز استغرابه وهو يضع كفه على صدره في حركة شكر وقال:

_  تسلم يا باشا والله، بس أنا ما بتعشاش. 

انعقد جبين "نصر" بإحباط وحاول معه مرة أخرى مبتسمًا:

_ طب يعني حتى مش هتكسر القاعده دي عشاني! 

وجملته ازادت شاهين استغرابًا تجاوزه كسابقه، 
وابتسم بدبلوماسيته واجاب:

_ معلش مش هقدر.. ممكن نخليها غدا المره الجايه إن  شاء الله. 

تنهد "نصر" باستسلام وهو يتخطى الموضوع كي لا يلفت نظر "شاهين" لشيء وقال:

_ طيب براحتك.. هطلبلك القهوه بتاعتك. 

 وبعد أن طلب قهوته المعتادة، نظر له وهو يسأله:

_ قولي لسه أخوك بينخور وراك ؟ 

حرك رأسه  بلا مبالاة وهو يقول:

_ خليه يتسلى،  هو كده كده مش هيوصل لحاجه. 

 ابتسم "نصر" في مكر وهو يسأله:

_ طب وحكاية البت اللي عندك في البيت هنعتبرها تسلية بردو؟ 

لم يتفاجئ "شاهين" ابدًا بالعكس رفع حاجبه الأيسر وهو يجيبه في ثقة:

_كنت متأكد إنك هيكون عندك خبر بيها،  عمومًا اطمن ما تشغلش بالك، أنا ومازن بنلاعب بعض هو واخد الموضوع جد وانا اديني بتسلى،  حاكم أنا بحب الألعاب دي قوي ... بتضيع وقتي وفي نفس الوقت بتحسسني بمتعه،  متعة الانتصار بعد كل جولة... 

ربط "نصر" على ركبته بكفه بقوة وهو يقول:

_ وأنا واثق فيك،  عشان كده لحد دلوقتي أنا ما ادخلتش بأي طريقة مع أخوك، أنتَ عارف كويس إني لو ادخلت مش هيبقى في لعب بعدها، أنا مقبلش إن يبقى في شخص مهدد حياة راجل من رجالتي. 

وجملته الأخيرة كانت تبريرًا لحدته التي لم يقصدها وتبديدًا لأي شكوك قد تُثار بداخل شاهين.. 

 تجمدت ملامح "شاهين" لوهلة قبل أن يعقب:

_ مفيش داعي لتدخل سعادتك،  الوضع تحت السيطرة. 

 هز رأسه مقتنعًا بحديثه وقال:

_ وأنا متأكد من ده، ده أنتَ العقرب.. بس بقلق لحبك لأخوك يخليك تسيبه يضيعك. 

أُظلمت نظرات "شاهين" لتظهر عيناه الآن مقتبسة من أعين صاحب اسمه، فباتت تشبه أعين الصقر تمامًا الذي رأي عدو يقترب منه في استعداد لأذيته:

_ أنا بحبه اه، لكن مهما كان حبي له فأنا أكيد بحب نفسي أكتر ومش هسمحله يوقعني، بالمناسبة بما إن سعادتك مسبقش ليك التقابل معاه وجه لوجه، فأيه رأيك لو تشرفنا وتحضر حفلة عاملها بكره في فندق ****. 

سأله مستغربًا:

_ بمناسبة ايه؟ 

_ الحفل السنوي لشركة العقرب، وغالبا كل رجال الأعمال هيكونوا موجودين. 

هز رأسه مرتان ثم قال:

_ هشوف جدولي بكره لو مناسب هحضر أكيد. 

وبداخله بالطبع سيحضر، فهو لن يضيع فرصة يرى فيها شاهين ليوم إضافي. 

صمت لثواني ثم قال:

 _ تمام خليني بقى اكلمك في اللي أنا طلبتك عشانه،  في شوية تعديلات هتحصل الفتره الجاية في شغلنا لازم نتفق عليها عشان تبقى كل حاجه واضحه. 

وبدأ يوضح له طبيعة التعديلات وأن  سبب إجرائها هو زيادة أمان وحيطه أكثر، كي لا يستطيع أحد إدانتهم  بشيء.
*************
بقصر العقرب.. 

كانت جالسه في غرفتها تتصفح مواقع التواصل الإجتماعي بملل حين أتتها رساله من أحد التطبيقات، لتنتفض جالسه فجأه وقد اتسعت عيناها بذهول حين أبصرت إسم صاحب الرساله والذي لم يكن سوى معاذ! فتحت الرسالة لتجد مضمونها 

"الصورة اللي نزلتيها من شوية حلوة قوي بس لو تسمحيلي شايف إنها مش مناسبه تنزل على فيسبوك" 

 ظلت تنظر للرساله بتوتر بالغ واستغراب في نفس الوقت، فمعاذ لم يفعل هذا ابدًا من قبل، ولم يبعث لها برسالة أو حتى تعليق على أي منشور لها،  هم فقط مجرد أصدقاء على تطبيق التواصل الاجتماعي فيسبوك ولكن لم يتم التواصل بينهما بأي طريقه كانت،  وبعد عدة ثواني استطاعت أن تتمالك نفسها وردت سائله:

" وليه يعني ما ينفعش تنزل على فيسبوك!  هو أنتَ شايف إن الصوره فيها حاجه مخله؟" 

 أتاتها رسالته سريعًا:

" أكيد مش قصدي كده،  بس تطبيق الفيسبوك ده للناس كلها أي حد ممكن يشوف صورتك دي سواء بقى الشخص ده يعرفك او لأ،  بصراحه دي حاجه مش كويسه خصوصًا البنات،  يعني ولد ممكن يشوف الصوره دي صدفه حتى لو هو مش من أصدقائك ويقعد يتأمل فيها وفي تفاصيل جسمك فهي بصراحه شيء مش لذيذ"

ظلت تنظر لرسالته لبعض ثواني وهي تعيد قراءتها مرارًا وتكرارًا وشعرت بأنها اقتنعت بحديثه ولكنها أبت أن تظهر هذا فردت:

" احنا مش مطالبين إننا نتقيد بتصرفات الآخرين يعني، أنا مثلاً لو جت قدامي صورة شاب أنا ما اعرفوش صدفه أكيد مش هقف اتملى في ملامحه زي ما انتَ ما بتقول،  لأن ده مش من حقي،  لكن لو ده حد تاني عمله زي ما انتَ ما تقصد فأنا كشخص منزل صورة ليا مش ملام ابدًا" 

 " لا على فكره أنتي لما نزلتي صورتك على موقع فانتي عارفه كويس قوي أنه  بابلك وأي حد يقدر يشوف الصوره دي،  فانتي اللي مش من حقك تتحكمي في الناس مين يقف يتأمل الصورة ومين يعديها كأنه ما شافهاش،  عارفه دي عامله زي إيه؟  سوري يعني لو التشبيه هيكون مبالغ أو فج شويه، بس انتي اكيد  هتفهمي قصدي،  ده بالظبط عامل زي واحده نزلت من بيتها لابسه بدلة رقص ولما كل الناس اللي في الشارع بصوا عليها قالت مش من حقهم انهم يبصوا،  رغم ان هي اللي سمحت لهم بكده انها نازله في الشارع ما طلعتش على سطوح بيتهم مثلا! "

 بعدما قرأت الرسالة شعرت بأن تشبيهه فج كما قال،  فردت رافضه:

" أنت بتشبه إيه بأيه؟  أنا فاهمه إنك عاوز توصلي الرساله، بس لأ طبعًا ما ينفعش تشبه حاجه زي دي بأني  أنزل صوره عادي على فيسبوك،  يعني معنى كده إن أي حد بينزل صور على فيسبوك يبقى منزلها للعرض!"

" لأ طبعًا انا ما قلتش كده،  بس لازم لما تيجي تنزلي صوره على تطبيق الناس كلها هتشوفها تراعي الصوره اللي هتنزل،  يعني تكون مش مبينه ملامحك قوي،  أو مش مبينه تفاصيلك، مش مبينه جسمك ودول أهم من الملامح على فكره،  لأن على الأغلب ما حدش بيركز في صوره شافها في التايم لاين عشان ملامحها،  يعني الملامح مش هي اللي بتلفت الانتباه"

 فهمت قصده فردت بتحفز:

" طيب اللي منزلاها مالها ده حتى الصورة من بعيد وملامحي مش باينه قوي"

وأتتها رسالته التي جعلت حمرة الإحراج والخجل تضرب وجهها كأنه يجلس أمامها

" ما هو المشكله إنها مش مبينه الملامح بس مبينه حاجات تانيه بما إنها من بعيد"

 وفورًا خرجت من تطبيق الرسائل لترى الصورة مرة أخرى وحين دققت بها فهمت قصده،  فالصورة بالفعل تبين انحناءات جسدها بشكل واضح، خاصةً مع ذلك البنطال المجسم والكنزة القصيرة لحد ما وعارية الذراعين،  ورغم أن هذه طريقة لبسها في الطبيعي وأن ما ترتديه في الصورة خرجت به للشارع ولعملها وألف عين رأتها،  ولكن إن تكن صوره بين يديكَ تسمح لك بتفحص كل جزء بها فهو أمر مخالف لنظره عابره تلقيها وانتَ تمر بالجوار.. 

 وفجأة وجدت نفسها تضغط على حذف الصوره وبعدها أغلقت الهاتف ووضعته بجوارها ووضعت كفها فوق قلبها حين اتتها رسالة أخيرة منه تتضمن كلمة واحدة
" شاطره"
 ورغم أنها كلمة لا تعني أي شيء، ولا تثير أي مشاعر ، لكنها جعلت قلبها الأحمق يدق بشدة،  فهو يهمه أمرها! ويراقب أفعالها حتى وإن لم يظهر في الصورة من قبل!

***************

يوم جديد يحمل بين طياته الكثير يحمل... 
 أحداث هادئة للبعض .. 
أحداث مقلقه للبعض الآخر.. 
وأحداث كارثيه لبعضهم....

خرجت من غرفتها التي ظلت عاكفه بها اليوم السابق،  فهي لم تخرج منها إلا مرتين ، أولهما حين أرادت تناول الطعام وكانت تعلم بأنه غير موجود في المنزل،  والثانيه قرب منتصف الليل بعدما سمعت صوت سيارته تغادر المكان،  وفي المرتين كانت حريصه على أن تسرع بما تريد فعله قبل أن يأتي، فهي لا تريد مواجهه معه رغم أنها تعلم أنها آتيه لا ريب، ولكنها تحاول تأجيلها بقدر استطاعتها. 
 وها هو اليوم لا مفر من المواجهة،  فاضطرت أن تحضر الإفطار المقدس كي لا يفوتها مثل أمس وتحدث مشكلة جديدة،  نزلت درجات السلم بعدما ارتدت بنطال من "الجينز" الأبيض  وكنزة صيفية من اللون الأصفر  تصل لبداية البنطال من قماش "الشيفون المبطن"  وحذاء أبيض، وربطت شعرها من الأعلى تاركة الجزء المتبقي منه ينسدل على ظهرها، اقتربت وهي تلقي تحية الصباح بعدما وجدت الجميع حول الطاولة، وجلست دون أن ترفع نظرها لأيًا منهم،  ولكنها بعد ثواني سمعت صوته يقول بنبرة جامدة أسرت خوفًا في عروقها:

_ بعد ما تخلصي فطار عاوزك في مكتبي. 

وقبل أن ترفع نظرها له سمعت صوت "شدوى" الثائر:

_ يعني ايه عاوزها في مكتبك؟  أنتَ ناوي تحاسبها على اللي حصل امبارح بينك وبينها؟ اومال هتجيبلي حقي منها ازاي؟؟! 

 نظر لها بجانب عينيهِ بنظرة حتى قاسية وهو يقول:

_ أنتِ ليه بتتكلمي كأنك بريئه فعلاً!  أنا لسه ما عرفتش ايه اللي حصل امبارح،  ولا حددت مين اللي له حقه ومين اللي عليه. 

لم تهدأ وهي تقول:

_ ايوه يعني بردو هتكلمها بينك وبين..... 

 قاطعها بحدة واضحة:

_ شدوى مش عاوز كلام في الموضوع،  أنتِ مش هتعلميني اعمل إيه و ما اعملش إيه! 

ابتسمت "فيروز" بشماتة وهي تضع وجهها في طبقها كي لا يلاحظ أحد ابتسامتها، وتدخلت "نورهان" وهي ترى الوضع يتصاعد بينهما:

_  خلاص يا شدوى اهدي ما يصحش كده تيم قاعد، وأنتَ يا شاهين هدي نفسك شويه. 

 نظر "شاهين" لتيم الذي ينظر إليهما في قلق ليمسد على ظهره بحنو، وهو يقول مبتسمًا:

_ ايه رأيك لو خلصت الساندوتش بتاعك كله هلعب معاك كوره. 

تخلى الصغير عن قلقه من المشادة التي شاهدها للتو وهو يبتسم بفرحه قائلاً بحماس:

_ بجد هتلعب معايا؟  بقالنا كتير ما لعبناش كوره سوا. 

 عبث بكفه في شعر الصغير وهو يقول آسفًا:

_ معلش يا حبيبي الفترة اللي فاتت كان عندي شغل كتير،  بس اوعدك لو خلصت الساندوتش بتاعك نلعب مع بعض كوره كتير لحد ما تزهق. 

 هز الصغير رأسه عدة مرات بحماس قبل أن يتوجه لإلتهام طعامه متحمسًا لاللعب مع والده فور انتهاءه. 

 تابع الجميع تناول الطعام في صمت تام حتى كان "شاهين" أول الناهضين وهو يقول مناديًا على "صفاء":

_ دخليلي قهوتي على المكتب. 

ووجه حديثه لفيروز بعدها:

_ لما تخلصي أكلك حصليني. 

ثم نظر لتيم الذي ينظر له بقلق من أن يكون قد رجع في وعده له وقال مبتسمًا:

_هخلص قهوتي واتكلم مع طنط فيروز شويه على ما تكون أنتَ خلصت أكلك عشان ناوي اقطعك جوال. 

ابتسم الصغير ابتسامة واسعة وهو يومأ له بحماس،  فانسحب "شاهين" من الأجواء تحت نظرة "فيروز" له المتعجبة كيف يبدل حاله بين ثانية وأخرى! فيتعامل بقوة وحزم وجدية ثم حنو مع الصغير! تنهدت بحيرة وحقًا "شاهين" هذا لغز كبير بالنسبة لها لم تستطع حل جزء فيه، حركت عيناها لتتقابل نظرتها مع "شدوى" التي تنظر لها بأعين تطق شرارًا ، فلم تستطع أن تفي بوعدها لمستكه بأن تتجنبها،  والقت إليها ابتسامة مستفزة،  كأنها تخبرها بألا تحلمي بالانتصار، فالغلبه دومًا ستكون لي وهذه أول جولة..
*********

انتهوا جميعًا من تناول الطعام، وكانت أخرهم "فيروز" لحضورها إياه متأخره عنهم، بعدما انتهت شربت كوب ماء كامل وهي تستعد لمواجهة العقرب الغاضب بالداخل، وأخذت نفس قوي تهدأ ذاتها كي تستطيع الرد على أي تهمة سيوجهها لها، نهضت عن الطاولة متجهة لمكتبه ولكنها لفت انتباهها جلوس "نورهان" على كرسي منزوي قليلاً يطل على الحديقة الخارجية، كانت ستتجاهلها لولا أنها سمعت شهقة بكاء خافتة تخرج منها، اتجهت لها لترى شاشة هاتفها وتحتله صورة شقيقها "مازن"، وضعت كفها فوق كتفها لتنتبه لها:

_ اللي يشوفك وأنتِ بتعيطي وباصة في التليفون يقول بتشوفي صورة حبيبك اللي افترقتي عنه مش أخوكِ. 

مسحت "نورهان" دموعها وهي تقول:

_ أول مرة ابعد عن مازن المدة دي كلها، أول مرة اقعد كذا يوم من غير ما اشوفه، كان أخري يومين لو عنده مأمورية، حاسة إن في حاجة كبيرة اوي نقصاني. 

نظرت "فيروز" للصورة بأعين لامعة وهي تقول:

_ حلوة اوي علاقتك بأخوكِ وحبك له ما شاء الله، وهو يستاهل حبك ده. 

طالعتها "نورهان" لثواني بصمت، لتنتبه ل "نورهان" لنفسها فتبعد عيناها بتوتر عن الهاتف، ولكنها صُدمت حين سمعت "نورهان" تقول:

_ أنتِ حبيتي مازن؟ 

نظرت لها بتوتر واضح وهي تسألها:

_ ليه بتقولي كده؟ 

قالت "نورهان" بحيرة:

_ المفروض إنك بتحبي شاهين، ومازن وقع بينكوا، واستغل ده وقرب منك وكان هيتجوزك، لكن لما عرفتي الحقيقة سبتيه ورجعتي لشاهين.. لو محبتيش مازن مكنتيش هتقولي دلوقتي انه يستاهل حبي له، ولمعة عينك وأنتِ بتبصي لصورته بتقول إنك بتحبيه.. 

_أ... أنا.. مش.. 

قاطعتها "نورهان" وهي تقف أمامها ممسكة بكفيها تقول:

_ لو بتحبي مازن بلاش تعاندي نفسك وتبعدي عنه، هو اه غلط لما وقعك بينك أنتِ وشاهين، لكن كل إنسان منا بيغلط، وأنا شوفت حبه ليكي لما جابك ليا عشان تتعرفي عليا، لو بتحبيه بلاش توهمي نفسك إنك لسه بتحبي شاهين، مش شرط أصلاً تكوني لسه بتحبي شاهين، ممكن لما اتعاملتي مع مازن حبتيه واكتشفتي إنك نسيتي حبك لشاهين.. وده مش عيب ولا غلط، الغلط بجد لو استمريتي واهمة نفسك إنك بتحبي شاهين وعينك بتروح على مازن غصب عنك. 

وحديثها كان يفعل الكثير في فيروز، فها هي "نورهان" من مجرد ثواني اكتشفت حبها لمازن ولاحظته، حبها التي كانت تدركه ولكنها تتأرجح أحيانًا من صدقه أو زيفه، والآن تأكدت أنه حقيقة مؤلمة، بالطبع مؤلمة فهي موقنة أنها لن تجني منه خيرًا. 

طال صمتها حتى قالت:

_ أنا هروح اشوف شاهين. 

وهربت منها تحت نظرات نورهان المشككة بأمرها والتي تدعي ألا تكون "فيروز" وقيعة جديدة بين اخويها.. 

************

فتحت باب المكتب ودلفت تنظر للمكتب لتجده فارغ، وفور تخطيها للباب وقبل أن تتفحص أرجاء المكان كانت تشهق بخوف وهي تجد من يجذبها ويدفعها بقوة لتستند على الباب الذي أُغلق بعنف جراء اصطدامها بهِ و"شاهين" يقف أمامها لا يفصله عنها سوى بضع سنتيمترات وملامحه غير مبشرة بخير أبدًا وقال بفحيح مرعب أثار الفزع فيها:

_ مجاوبتيش نورهان... بتحبي مازن؟ 

ارتفع تنفسها وعلى وجيب قلبها وهي تنظر له فقط بفزع وكأن لسانها قد عُقد...! 

تعليقات



<>