رواية الاعصار الفصل الثاني عشر 12 بقلم محمد منصور
وقفوا قدام بيت قديم في حي الوكالة… جدرانه باهتة، وشبابيكه مقفولة كأنها شايلة أسرار سنين. داليا بصّت له وقالت بصوت واطي فيه رهبة:
هو ده بيت العيلة القديم بتاع أهل عبود...
خيري لفّ عينه في المكان، واتأمل التفاصيل، وبعدين قال بشك
متأكدة؟
داليا ردت بسرعة، وهي عينيها فيها لمعة غريبة
أيوة متأكدة… أنا جيت هنا مرة زمان، يوم موت جده أمير… الحجة إنعام. فاكر؟ اللي رفضت تسيب البيت ده وتروح قصر ابنها عبود… كانت عارفة كويس إن فلوسه متجمعة من الحرام.
خيري هز راسه باعتراض وقال بنبرة فيها توتر:
بس فلوس عبود مش من الحرام يا داليا!
داليا بصّت له بحدة، وقربت منه خطوة وقالت
جرى إيه يا خيري؟! ما أنت عارف وأنا عارفة الفلوس دي جاية منين… بلاش نضحك على نفسنا.
خيري اتنهد وقال وهو بيحاول يدافع
يعني كل واحد فحت تحت بيته وطلع آثار وباعها يبقى حرام؟!
داليا ضحكت بسخرية خفيفة، وقالت وهي بتبص للبيت تاني
هو عبود خد اللي تحت بيته بس؟! ده حفَر تحت المنطقة كلها… سيبك بقى من القديم
.
وسكتت لحظة… وبعدين كملت بصوت أخفض، أخطر
خلينا في المهم… نشوف مين لسه عايش هنا. يمكن نلاقي حد يقولنا حاجة… حاجة نقدر بيها نجيب أجل مالك.
خيري بلع ريقه، وبص للبيت بقلق…الاتنين وقفوا قدامه لحظة صمت… نظرة أخيرة، فيها خوف وفضول…
وبعدين… دخلوا.
وجوه البيت ده… مش بس هتتكشف الحقيقة…
ده هينكشف سر الأسرار.
الإعصار
من تأليفي
محمد منصور
منص
وقبل ما نبدأ… نوحد الله ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ
صلاة تُحلّ بها العقد… وتتفكّ بها الكُرب.
ونروح للمستشفى…
الهدوء اللي فيها كان مخيف، بس فجأة بيتكسر بصوت جري سريع في الطرقات…
الدكتور المعالج لأمير كان بيجري وهو متوتر، ومعاه ممرض بيحاول يلحقه… الاتنين رايحين ناحية أوضة العزل اللي فيها أمير.
فتحوا الباب بعنف…
الدكتور وقف مكانه مصدوم!
أمير على السرير… نفسه مقطوع… عينه شبه مطفية…
وجنبه… برشامة!
نفس البرشامة اللي مالك اداها لهالة…
الدكتور قرب بسرعة، بص للبرشامة وبعدين لفّ وشه للممرض وقال بحدة
البرشامة دي وصلت له إزاي؟!
الممرض اتلخبط وقال وهو بيرتعش
ما… ماعرفش يا دكتور!
الدكتور صرخ فيه بعصبية:
يعني إيه ما تعرفش؟! مش أنت اللي كنت ماسك الوردية بالليل؟!
الممرض بلع ريقه وقال بخوف
أيوة… بس أنا من التعب نمت… ساعة بس، والله!
الدكتور قرب منه أكتر، وعينه فيها غضب مرعب
تنام؟! تنام وفيه حالة خطرة في أوضة العزل؟! ده مش إهمال… ده قتل! إهمالك ده وصل لانتحار مريض!
سابه فجأة وجرى على أمير… مسك إيده بسرعة، يحاول يحس بالنبض…
ثواني عدت… تقيلة… كأن الزمن وقف…
بعدين الدكتور ساب إيده ببطء… ووشه اتغير…
وقال بصوت منخفض، لكنه قاطع
المريض… مات.
صمت تقيل سيطر على الأوضة…
وبعدين كمل بجدية
بلغ المديرية فورًا… لازم حد ييجي يستلم القضية ويكمل الإجراءات اصل … ده مش مريض عادي…
وسكت لحظة… وبص لأمير نظرة غامضة
ده كان سجين…!،،،،،
وننقل المشهد لبيت قديم في حي الوكالة… السكون مالي المكان، وخيري واقف قدام باب شقة في آخر دور، بيخبط بعصبية مرة ورا التانية… لحد ما زهق، فبص لداليا اللي واقفة جنبه وقال بضيق:
"واضح إن مفيش حد هنا…"
وفجأة… الاتنين سمعوا صوت خطوات جاية من على السلم… حد طالع ناحيتهم، والخطوات بتقرب… لحد ما ظهر مالك، ووقف تحتهم وقال بهدوء غريب
"بتخبط على باب شقتي ليه يا خيري؟"
الاتنين اتخضوا وبصوا له بصدمة… خيري حاول يتماسك وقال:
"هي دي شقتك؟!"
مالك وهو بيكمل طلوعه درجة درجة، بابتسامة باردة:
"دي شقة ستي… الحاجة إنعام… الله يرحمها… اللي عيشت فيها أنا وأمي… الله يرحمها هي كمان… وطالما جبنا سيرة الأموات… يلا نقرأ لهم الفاتحة."
ووصل قدام خيري بالظبط… وقف قصاده، ورفع إيده لفوق وقال بنبرة فيها تحدي:
"اقرأ يا خيري… ولا مش حافظها؟"
خيري، من غير ما يحس، رفع إيده وبدأ يقرأ… وداليا كمان رفعت إيدها وقرأت… لحظات صمت تقيل… وبعد ما خلصوا، مالك مسح وشه بإيده وقال:
"آمين…"
وبهدوء طلع مفتاح الشقة… فتح الباب… دخل الأول، وبص لهم وهما واقفين متجمدين مكانهم
"اتفضلوا… بيتكم ومطرحكم."
ولا واحد فيهم اتحرك… فمالك قال وهو بيبتسم ابتسامة مستفزة:
"ادخلوا… وأنا هقول لكم على اللي يخليكم تخلصوا مني… مش علشان كده جيتوا؟"
وضحك بصوت عالي ودخل… وقعد على الركنة اللي في وش الباب… خيري دخل وراه وهو متعصب، وداليا قفلت الباب وراهم…
خيري قال بنبرة حادة:
"اسمع بقي … اللي بتعمله ده مالوش لازمة… وهيكون سبب نهايتك! فتعالى كده على السريع… وقولي انت مين! لأن حوار إنك ابن عبود الكبير… ده مش داخل دماغي!"
مالك رد بهدوء مستفز:
"طب إيه اللي يدخل دماغك؟"
داليا دخلت في الكلام:
"قول لنا انت مين… ومين اللي زقك علينا؟"
مالك ضحك بسخرية:
"يعني إنتي مش عارفة مين؟"
داليا اتلخبطت:
"وأنا هعرف منين؟!"
مالك بص لخيري بنظرة تقيلة وقال فجأة:
"إيه رأيك في قميص النوم الأحمر يا خيري؟"
خيري اتشد وقال بعصبية:
"انت باين عليك فا…"
مالك قاطعه بابتسامة:
"أحمر… ناري."
الصمت نزل فجأة… خيري اتجمد… التفصيلة دي محدش يعرفها غيره هو وداليا!
بص لها بشك… قلبه بدأ يولع… ومالك كمل بهدوء قاتل: "أنا كمان بحب القميص ده… ده حتى داليا… آخر مرة كانت معايا… نسيته جوه على السرير… والأوضة قدامك أهي… افتح وشوف."
النار ولعت في عيون خيري… بص لداليا، وهي قالت بسرعة وارتباك:
"ده كداب! عايز يوقع بينا! والله ده لعب!"
بس خيري… ما سمعش… مشي ناحية الأوضة بخطوات تقيلة… فتح الباب…
وشاف…!!!
بعد ساعة بالظبط…
حي الوكالة كله مقلوب… صوت صريخ… ناس متجمعة… وعربية إسعاف داخلة بسرعة ووقفت قدام البيت…
نزل اتنين مسعفين شايلين نقالة… وطلعوا يجري على السلم…
باب الشقة مفتوح…
والدم… سايح ونازل على السلم…
والمنظر جوه…
كان كفيل يخلّي أي حد يفقد عقله…!!!
