
رواية النغم الحزين الفصل العشرون20 بقلم فاطيما يوسف
هنعمل إيه يا ابني آدي الله وآدي حكمته هو رفع القضية وخبرني إن هي هيجي لها ميعاد بالجلسة الأولى كمان أسبوعين، وطمني إن عيالك هيبقوا في حضانتي طالما أم أمهم مريضة.
بص لقدام بنظرات كلها شر وهو بيتوعد لـ "نغم" إنه هيوريها الجحيم على الأرض، وهيخليها تبكي بدل الدموع دم وهو بيرد على أمه بحرقة على رجوعها لأخوه:
ـ أني لحد دلوك ما مصدقش حالي ياما إنها عايشة وياه وفي حضنه ومستقوية بيه وهي بذات نفسها ما طلبتش منيه الطلاق عشان ترجع لي، "نغم" دي بتاعتي وأني أولى بيها وأني اللي من حقي تعيش معاه، أني هعشِقها يا أمي.
ضـ.ــربت "رابحة" كف على كف وهي بتنفخ بضيق من كلام "سمير" والود ودها تمسك "نغم" وتخلص منها خالص وتستريح علشان ولادها الاتنين ما يمسكوش في بعض وقالت له بتذمر:
ـ انت تاعب حالك يا "سمير" يا ولدي اللي خلقها خلق مليون ست غيرها وكلاتهم يتمنوا يبقوا تحت رجليك بس أنت تشاور وأني أجيب لك زينة البنات تحت رجليك يتمنوا رضاك.
هز راسه برفض قاطع وصوته كان فيه نبرة تملك مرعبة، وكأن "نغم" بالنسبة له مش مجرد ست دي حق مكتسب مستحيل يتنازل عنه لأي حد:
ـ بس أني ما عايزش حد غيرها ولا هطيق أبص في وش ست غيرها، وبعدين ما حدش ياخد حاجة مني غصب عني، و"نغم" بتاعتي ومن حقي ياما.
حاولت "رابحة" تلف وتدور معاه بذكاء عشان تخرجه من الحالة دي، وعرضت عليه فكرة الجواز من واحدة تانية كنوع من أنواع الكيد لـ "نغم" عشان تـ.ــحرق قلبها:
ـ طب هقول لك إيه إيه رأيك تسيبك من الموضوع دي دلوك وما تفكرش فيه إنك ترجِعها، ادي لنفسك وقت إنك تتجوز غيرها وكمان علشان تغير وتنكاد لما تلاقيك شفت واحدة غيرها وتشوفك وانت هتجلعها وهتخليها ست الدار وتعرِف إنها خسرت أبو ولادها وتندم.
سألها بشك وهو بيحاول يتخيل رد فعل "نغم" لو شافته مع غيرها، وهل فعلاً العشرة والعيال هيخلوا الغيرة تاكل قلبها زي ما أمه بتقول:
ـ تفتكري ياما إني لو اتجوزت غيرها هتغير ما هو اني أبو ولادها برده وعشرة عمرها، وأول راجل انكشفت عليه؟!
ردت عليه بثقة الستات اللي فاهمين بعض كويس، وأكدت له إن كبرياء الست هو اللي هيخليها تندم لما تلاقيه طنشها وراح لغيرها:
ـ آه أمال إيه هتغير الست اللي هتلاقي الراجل هيحايلها علشان ترجع له وهيتمسك بيها وهي مطنشاه ويروح يشوف غيرها الغيرة هتاكل في قلبها ووقتها تقول تسلم أفكارك ياما رابحة.
وافق على طول وهو عينه بتلمع برغبة في الانتقام، وطلب منها تنقي له أجمل بنت في الصعيد عشان يعمل فرح يحرق بيه دم "نغم":
ـ خلاص ياما جوزيني وهاتي لي بنتة تفلقها في الجمال عايزها بنتة طول بعرض وهعمل فرح تتحاكي عنيه الصعيد كلاته وهحـ.ــرق قلبها وهخليها تندم.
فرحت "رابحة" بقراره وطلبت منه يركز في علاجه الطبيعي الأول، وحذرته بلهجة شديدة إنه لازم يغير معاملته القاسية مع العروسة الجديدة عشان ما تطفش:
ـ خلص انت علاجك الطبيعي هو فاضل شهر عليه وبعدين نشوف موضوع الجواز دي، والبنتة على قفا يشيل، وهو دي الصُح يا ولدي، بس الأهم من دي كلاته إن اللي هتتجوَزها ما تتعاملش وياها كيف ما كنت هتتعامل ويا المسخوطة داي، لازماً تعاملها زين علشان ما تنفرش منك وفي الآخر بدل ما تاجي تكيدها بعروستك الجَديدة اللي هتحبك العروسة هي اللي تطفش منك ومن طريقتك الصعبة.
وعدها بإن كلامها سيف على رقبته طالما هيختاروا له عروسة تليق بمقامه، وبدأ يسأل عن تطورات قضية العيال اللي شاغلة باله:
ـ حاضر ياما هتعامل وياها زين بس انتِ اختاري لي عروسة حلوة وتليق بمقام "سمير" الناجي، طب موضوع القضية هتعمل فيه إيه خلاص فاضل وقت هبابة ويتبعت لها إنذار من المحكمة بميعاد الجلسة الأولى؟
وكمل رده بمنتهى القسوة والتصميم على كسر "نغم" عن طريق ولادها، وتحدى أخوه "سند" إنه يقدر يحميها من سحب الحضانة منها:
ـ موضوع القضية دي منتهي إني هاخد ولادي منيها يعني هاخدهم مهما عملت وتبقى توريني ولدك هيحميها كيف وهياخد ولادي مني كيف.
حاولت "رابحة" تهدي اللعب وتدافع عن "سند" وتصور له إنه مسحور بجمال "نغم"، وحذرته من خسارة أخوه اللي في إيده كل المال والجاه:
ـ يا ابني أخوك مغلوب على أمره وياها هتسحر له بجمالها وبحركاتها المتجلعة وهو راجل مش راهب، العيب كلاته منيها مش من أخوك، أني ما عايزكش تخسر أخوك "سند" خلي بالك هو اللي بيده كل حاجة تملكها وفي لحظة غضب منيه ممكن يمنع عنك كل حاجة وهتخسر خسارة ما هتعرفش تكسبها تاني، بلاش تعادي أخوك وخليني أني اللي واقفة بينك وبينها وأجيب لك حقك تالت ومتلت على غدرها بيك.
وافق بظاهر الكلام بس قلبه كان لسه مليان غل، وحلف يمين إنه مش هيسيب العيال لـ "نغم" أبداً طالما اختارت تكمل حياتها مع أخوه:
ـ ماشي ياما أديني ساكت ومبعد كيف ما طلبت مني ما هقربش منيها خالص بس يمين الله ما هسيب لها العيال طول ما هي مختارة تكمل طريقها وياه، يُبقى عيالي اني أولى بيهم علشان أبكيها ليل ونهار.
بصت له "رابحة" بنظرة واقعية وسألته باستنكار عن قدرته على تربية العيال، وهي عارفة إن غرضه هو الحرمان والوجع مش الرعاية:
ـ هو أنت هتِعرف تربي عيال يا "سمير"؟! أني هساعدك آه علشان انت ولدي وحرقة قلبك هتحرق في قلبي أني كمان لكن موضوع العيال دي مجرد تهديد انت ما هتعرفش تربيهم ولا تراعيهم ولا تاخد بالك منهم.
رد بمنتهى الاستعلاء والغرور بفلوسه، وأكد إنه هيحرمها منهم بكل الطرق الممكنة طالما لسه على ذمة "سند":
ـ هجيب لهم بدل المربية عشرة بفلوسي وهحرمها منهم يعني هحرمها منهم، وتُبقى تقابلني إن عرفت تاخدهم طول ما هي على ذمته.
بدأت "رابحة" تلطم على حظها وتدعي بالصبر من النار اللي قايدة بين ولادها بسبب ست، وخايفة من اليوم اللي واحد فيهم يكسر التاني:
ـ آه يا وجع قلبك على عيالك يا رابحة من حتة عيلة لا راحت ولا جت وولادك هيقاتلوا بعضهم عشانها الصبر من عندك يا رب الصبر من عندك أخوك ما هيسيبكش تعملها ولا تاخد عيالها منيها وواحد فيكم هيحرق قلبي التاني وأني هقعد ألطم عليكم وأعد نجوم الليلة على ولادي اللي غدروا ببعضهم بسبب حرمة.
رمى اللوم كله على "سند" واعتبره هو اللي بدأ بالعداوة لما طمع في مراته، وما راعاش الأخوة ولا وجع قلب "سمير":
ـ ابنك هو البادي وهو اللي اختار طريق العداوة بيني وبينه كان بيده ينفذ اتفاقه ووعده ويرجع لي مرتي وعيالي لكن هو طمع في حاجة مش حاجته وبص لحرمة أخوه اللي لساته عايش على وش الدنيا ومهموش إني هتقطع من جواي وأني شايف مرتي في حضنه.
قفلت "رابحة" الكلام وهي حاسة بخيبة أمل كبيرة، ودعت ربنا يسترها على ولادها من اللي جاي ومن كتر الحكاوي اللي مش هتقدم ولا تأخر:
ـ ما منهوش عازة الكلام دي يا ولدي حكينا فيه كَتير والحكاوي لا هتنفع ولا تشفع استرها يا رب استرها يا رب على ولادي.
بص لأمه بنظرة مليانة غل وهو ناوي يحـ.ــرق قلب أخوه ويفضح "نغم" قدام الكفر كله، وقرر يرمي قنبلة الخبر اللي نشره في الخفاء:
ـ لااااه ولسه الخبر اللي أني شيعته في البلد كلاتها من سبوع إنه اتجوزها سد خانة، اتجوزها مجرد صورة واتفاق ما بيني وما بينه ان هو مجرد باترينا علشان ترجع لي ولما فوق من حادثتي هيطلقها وهترجع لي والكلام دي هيتردد في الكفر كلاته وهبعت له كمان اللي يوصله له ويحـ.ــرق دمه علشان ما اخليهوش يتهنى معاها ليلة واحدة.
اتفزعت "رابحة" وهي بتخبط على صدرها ومبرقة عيونها بصدمة من اللي سمعته، وحست إن "سمير" دمـ.ــر سمعتهم وجرجر اسم أخوه الكبير في الطين:
ـ ليه يا ولدي عِملت اكده وسوءت سمعة أخوك الكبير، واتجاهَرت بالعداوة اللي بينك وبينه قدام الخلق، إنت غلطت قوي يا "سمير"؟!
على صوته وغضب الدنيا مالي عيونه، وبدأ يفرغ كل السواد اللي شايله من ناحية "سند" واتهمه بالخيانة والاستندال في حق أخوه:
ـ آه أخوي اللي طمع في مرتي أم عيالي وكرهها فيا بسهتنته وهو هيمثل عليها الرجولة والجدعنة اللي ما يعرفش حاجة عنيهم واصل واستندل ويا أخوه، هو السبب في رقدتي داي وبعت لي ناس كسروني ودشدشوني وفي الآخر عِمل حاله جدع قدام الخلق وبقى واقف جاري وأني في المستشفى بين الحياة والموت ومفكرني أهبل ومهعرفش إن هو اللي عملها عشان يخلص مني ويخلا له الطريق مع الفاجرة اللي سلمت له نفسها، وهيرد لي السكينة اللي جات في دراعه الغلط مني وما كانتش تقصده هو، وسكت عن الموضوع دي علشان كلمة أخوي اللي هتقوليها لي كل شوي شوفي مين فينا الظالم والمظلوم يا أم "سند".
"رابحة" خبت عنه الحقيقة وعن دور "غالية" في اللي جرى له عشان تحميه من نفسه، بس لما لقيته شاكك في أخوه قررت تدافع عن "سند" بمنتهى القوة:
ـ لا يا ولدي ما تظلمش أخوك "سند" عمره ما يعمل فيك اكده "سند" ولد حلال وأنتم الاتنين ولاد حلال، مش هو اللي عِملها يمين بالله العظيم أخوك عمره ما يفكر ياذيك أبداً يا "سمير" حرام عليك تظلمه.
بص لها بذهول لما شاف التأكيد القوي في عينيها، وحس إن ورا كلامها سر كبير هي مخبياه عنه بخصوص الناس اللي اتعرضوا له وكسروه:
ـ واه يا حاجة كانك عارفة مين اللي عِمل في ولدك اكده وسكتي وكل يوم والتاني سايباني أحـ.ــرق في حالي ودماغي تودي مين وشمال، مين اللي عملها ياما؟
عيونها زاغت يمين وشمال وحاولت تتهرب من نظراته الفاحصة، وادعت إنها متعرفش حاجة وإنها مش حكومة عشان تمشي تقص أثر المجرمين:
ـ وأني هعرِف منين يا ولدي كنت شايفني الحكومة اللي هتمشي تقصص مين اللي هيعملها؟
سألها بحدة وهو مش مقتنع بكلامها، وعايز يفهم هي جابت الثقة دي منين إن "سند" بريء من حادثته:
ـ أمال عرفتِ كيف إنه مش "سند" اللي عِملها؟
ردت عليه بحنان الأم اللي عارفة طبع عيالها كويس، وأكدت له إن قلبها دليلها وإن "سند" مستحيل يمد إيده بالشر على لحمه ودمه:
ـ ولدي وأني خبراه زين كيف ما خبراك يا "سمير" خليك واثق ومتوكد إن أخوك عمره ما يمد يده بالأذية ليك واصل مهما عملت فيه "سند" عمره ما يعملها.
حس بمرارة في قلبه وإن أمه بدأت تنحاز لصف "سند" وتشوفه هو اللي ظالم، واتهمها إنها بدأت تنسى إن ليها ابن اسمه "سمير":
ـ هو أنا ليه حاسس إنك شايفاني دلوك أني الظالم والمفتري وشايفك هتدافعي عن ولدك وشوية وهلاقيكي نسيتي إني ليكي ولد اسمه "سمير" وتروحي تحت جناحه.
شهقت بوجع من اتهامه وفكرته بكل المرات اللي وقفت فيها معاه وجارت على أخوه الكبير عشان خاطره، وطلبت منه يكره اللي فرقت بينهم بس:
ـ أني يا "سمير"؟! حرام عليك يا ولدي دي أني هقف وياك قصاد أخوك الكبير وعمري ما نصرته وطول عمري هاجي عليه علشان خاطر يحاجي عليك، وطول عمري هقسى في المعاملة عليه وهطلعه هو الغلطان وأنت الصُح، حب أخوك علشان هو ما يستاهلش منك كل دي خليك في اللي فرقت بينكم وهي دي مربط الفرس.
******
انتشر الخبر في الكفر زي النار في الهشيم، وبقت البيوت مفيهاش سيرة غير جوازة السند اللي طلعت مجرد تمثيلية، الرجالة في الغيطان بتتكلم وكل واحد بيألف حكاية من عنده، اللي يقول ؛دي واخدها أمانة وهيرجعها لأخوه، واللي يضحك بسخرية ويردد إن "سند الناجي" عامل حاله جوز ست وهو في الحقيقة غفير على مرات أخوه، الكلام كتر وزاد ، وبقت العيون تلاحق "سند" بنظرات غريبة فيها شفقة على استهزاء، وكلام الناس في الصعيد واعر، بيقطع في العرض والسمعة أشد من السكاكين، والكل مستني يشوف هيبة "الناجي" هتروح فين بعد الفضيحة دي،
"منصور" الغفير كان ماشي في وسط الناس وقلبه واكله، مش طايق يسمع حد بيجيب سيرة "سند" بكلمة عفشة، لملم الكلام اللي بيتردد في كل مكان ،وجري على الدار ووشه مخنوق، دخل على "سند" وهو قاعد في المزرعة، وبص في الأرض بكسرة وقال بصوت واطي:
ـ فيه حاجة لازمن تعرِفها يا سي "سند" بيه ومهقدرش اخبيها عنك،الكلام كتر في الكفر، والناس بقت تقول إن جوازتك من الست هانم يعني سد خانة واتفاق مع "سمير" بيه ، وإنك مجرد صورة قدام الخلق، والله ما اقصد ازعلك ، الخبر شايع يا سعادة البيه، والناس مبتبطلش رغي وقصص تسم البدن، وأني مهقدرش أسمع وأكتم كان لازمن أخبرك.
"سند" سمع الكلام، وحس كأن نغزة قوية ضـ.ــربت في قلبه، وجع جواه ملوش وصف، مكنش مصدق إن أخوه يوصل بيه الغل إنه ينهش في عرضه وسمعته قدام الغريب والقريب، شد على إيد الكرسي بقوة لحد ما مفاصله ابيضت، وعيونه لمعت بقهر ووجع مكتوم، بص للسما وهو في قمة انكساره، ورفع إيده لربنا وقال بنبرة طالعة من حرقة قلبه بعد ما خلى الغفير يمشي:
ـ يا رب انت خابر باللي في القلوب، وخابر إني صنت العرض ومشيت بما يرضيك، يا رب اجبر خاطري واكتم ألسنة الخلق دي، وارزقني منها بالذرية الصالحة اللي تكون الرد القاطع على كل كلمة اتقالت في حقي، يا رب متكسرش قلبي قدامهم وارزقني بالضنا اللي يخرس الكل .
خلص دعاه وكتم وجعه جوة قلبه وساب أمره بإيد ربنا سبحانه وتعالى.
******
اتكأ "يونس" على مكتبه وهو بيحاول يداري نبرة العتاب اللي في صوته، وسألها بوضوح :
ـ أظن إحنا رجعنا من السفر بقى لنا شوية عايزين نحدد ميعاد نتقابل فيه أنا وانتِ وماما علشان تتعرفوا على بعض، مش فاهم انتِ ليه بتأجلي الموضوع كل شوية وحاسك كل لما آجي أكلمك فيه تتهربي يا "مهرة".
حاولت "مهرة" تبرر غيابها بضغط الشغل اللي مبيخلصش :
ـ مش موضوع بتهرب والله يا نع... أمممم أقصد يا "يونس" الموضوع إن إحنا كان عندنا حالة طوارئ في المستشفى الشهر دي كلاته بسبب حادثة القطر اللي حُصلت فكان طبيعي إنك تلاقيني مشغولة وأكيد شفت "مريم" كانت مضغوطة كيف؟
بص للسقف بتفكير وهو حاسس إن لسه فيه حاجز نفسي بينها وبين شخصيته الحقيقية، وأكد لها :
ـ أنا ليه حاسس إنك لسه خايفة ومش مستوعبة وبتتهربي مني علشان شايفه إن شخصيتي جديدة عليكي لحد دلوقتي، على فكرة أنا بالنسبة لي ما يفرقش معايا إنك تقولي لي يا "نعمان" لو ده اللي محسسك إنك مش قادرة تتقبلي اسم "يونس"، وبعدين أنا عارف إن الشغل ما بيخلصش فهتفضلي انتِ مضغوطة وأنا يجي لي شغل ما أعرفش هرجع منه إمتى ونلف في دايرة مقفولة وإحنا واقفين مكاننا ولا إيه.
ابتسمت بهدوء وهي بتطمنه إنها بدأت تتأقلم مع وجوده الجديد في حياتها، وسألته بفضول :
ـ لا والله مش المقصد ولا اللي في دماغك إني خلاص أخدت على طبعك وكيف ما كنت حافظة "نعمان" حفظت "يونس"، طب قل لي انت كلمت والدتك عني؟
حسم "يونس" الجدل بخصوص ماضيها وشغلها القديم، وأكد لها :
ـ بصي بقى الموضوع شغلك القديم ده إيه لازمته إن إحنا نفتحه، وعلشان ما تفهميش كلامي غلط أنا والله ما يفرقش معايا وما بقولش كده علشان شغلك ده كان مضايقني بالعكس والله، لكن أنا شايف إن دي حاجة ما حدش له دعوة بيها أيا كان مين حتى أنا، ومش لازم حد يعرف أي حاجة عنها طالما انتِ ما عملتيش حاجة غلط تخافي إن حد يعرفها في يوم من الأيام يبقى بلاش منها.
سكن القلق ملامحها وهي بتفكر في احتمالية ظهور حد من ماضيها قدام أهله:
ـ إفرض حصل موقف في يوم من الأيام قابلت صاحبة من صاحباتي في الجامعة واتكلمت عن الموضوع ده قدام والدتك وقتها هيبقى موقفي إيه؟
رد عليها بمنتهى الفخر والاعتزاز بكفاحها، وشجعها تفضل صامدة :
ـ موقفك هيبقى عادي جداً زي ما كان موقف شجاع أيام ما كنتِ في الجامعة لما كانوا بيحاولوا يتنمروا عليكِ هيبقى برده موقفك وقتها إنك بتفتخري بماضيكي وكونك إنسانة مكافحة بنت نفسها بنفسها تردي نفس الرد وقتها وبعدين نبقى نفهم اللي حوالينا ظروف شغلك وحياتك إيه في الماضي.
استجمعت شجاعتها وهي بتفكره بأصولها الصعيدية اللي مفيهاش تهاون، وشرطت عليه :
ـ طب في حاجة كمان مهمة لازمن تعرِفها إني من الصَعيد وليا أم وأختين بنات ولازماً لما تاجي تتقدم لي انت ووالدتك تروح لأهلي وتتقدم لي هناك منهم وقدام أهل بلدي.
ضحك "يونس" بخفة وهو بيأكد لها :
ـ طبعاً دي أصول والأصول ما تفوتش "يونس الهلالي" يا "مهرتي"، أنا بجد مستعجل بقى كفاية تأجيل لحد كده أنا عارفك يا بنتي داخل على سنتين أهو ولسه لحد دلوقتي ما أخدناش خطوة الخطوبة حتى، وبعدين هو انتِ مش مشتاقة إننا نكون مع بعض زي ما أنا مشتاق؟
اتكسفت من كلامه وتلميحاته وردت عليه برقة:
ـ أمممم.... وه كيف ما هشتاقش إن أنا وانت يجمعنا بيت واحد؟
خلاص توكل على الله ونتفق على ميعاد هستقبلكم في بيتي انت وماما و"مريم" نتعرف على بعض وبالمرة أعزمها على الغدا وتدوق وكل الصعايدة.
قرر "يونس" يفرض أمره الواقع بتهور محب، وأعلن قدامها:
ـ تمام حلو قوي خلاص إحنا معزومين عندك على العشا النهاردة.
شهقت بصدمة من سرعته اللي خلتها تفقد توازنها، وحاولت تعترض علشان تلحق تجهز البيت وتعمل عزومة تليق بمقامهم:
ـ وه بالسرعة دي من غير ما أجهز حالي انت متسرع قوي؟
بدأ يعدد لها قايمة الطلبات اللي نفسه يدوقها من إيدها، وحاول يقنعها :
ـ بذمة الله بعد الصبر ده كله أبقى متسرع؟
إحنا لسه الساعة تمانية الصبح تقدري حضرتك تتصلي بسوبر ماركت وتطلبي كل طلباتك تيجي لك لحد عندك وتبدأي تشوفي هتعملي لنا عشا إيه، ولا أقول لك أنا عايز آكل محشي ورق عنب وبط وحمام وممبار كمان من إيدك.
بصت للتليفون بذهول وهي مش مصدقة حجم المهمة اللي رماها على كتافها، واقترحت :
ـ وه حيلك حيلك يا حضرة الرائد هعمل دي كلاته النهاردة ولحالي، وبعدين انت مفكر حالك هتتجوز مازنجر يعني، خلينا بكرة طيب أكون جهزت كل حاجة وأعمل لك الأكل اللي نفسك فيه.
عرض عليها مساعدته في المطبخ بمنتهى الحماس، ووعدها إنه هيكون دليفرى ومساعد شيف في نفس الوقت عشان يخلصوا بسرعة:
ـ والله ولا هستنى يوم كمان ابدأي من دلوقتي ولو عايزة مساعدة أنا موجود عارفة هقف معاكي في المطبخ مش هخليكي تتعبي خالص صدقيني شاوري لي بس وقولي لي تعالى يا "يونس" ساعدني وأنا في سرعة البرق هتلاقيني في ضهرك، وممكن كمان أشيلك وأقعدك على الرخامة وأدلعك وتقولي لي اعمل، كذا ومتعملش كذا وأنا هبقى مطيع لأوامر المهرة .
ابتسمت على كلامه وقالت له بتعجب :
ـ واو حضرة الظابط "يونس" ولد الهلالي عايز يقف في المطبخ يقشر بصل ويعمل ممبار دي آخر حاجة ممكن الإنسان يتوقعها ما مصدقاش حالي والله.
أكد لها إن حبه ليها وتمنيه للبيت اللي هيجمعهم يخليه يعمل أي حاجة:
ـ وليه لا يا بنتي طالما هكون مع "مهرتي" حبيبتي اللي هموت وأكون معاها ويجمعنا بيت واحد إيه المانع إن أنا أساعدك.
حاولت تثبت عليه الوعد ده للمستقبل وسألته بمكر :
ـ افهم من كلامك دي يا باشمهندس "نعمان" إنك لما نتجوَز هتساعدني في المطبخ وهبقى راجعة من الشغل مش قادرة أصلب طولي وأقول لك تعالى جهز معاي الغدا هتستقبل طلب مساعدتي بصدر رحب.
ضحك بصوت عالي وهو بيصحح لها اللقب :
ـ أنا آه تقولي لي يا "نعمان" لكن باشمهندس انسي يا ماما بقى الباشمهندس بعيداً خالص عن الرائد.
قفشت ملامح التهرب في رده ورجعت سألته تاني بجدية، لأنها عارفة حركات الرجالة اللي بتتغير بمجرد ما يتقفل عليهم باب واحد:
ـ عفواً غلط غير مقصود بالمرة، المهم يعني ما تهربش من سؤالي علشان حسيتك إنك هتهرب؟
اتنحنح بإحراج وهو بيحاول يقفل السيرة بذكاء، ووعدها :
ـ امممم، آه أمال إيه هساعدك بس وافقي نتجوز بسرعة وبعدين نشوف حوار المطبخ ده.
اتهمته بخفة دم بإن الرجالة كلهم ملهومش أمان، وإنهم بيفرشوا الأرض رمل في الأول وبعدين الست بتشيل الشيلة لوحدها:
ـ آه اني عرفت اكده إنكم هتثبتونا وإحنا مخطوبين وبعد ما الفاس تقع في الراس ولا هشوف مساعدة ولا يحزنون هي داي طبيعتكم يا رجالة.
دافع هو عن الرجالة الغلابة اللي مظلومين في المجتمع :
ـ يادي الرجالة اللي مظلومين معاكم يا ست "مهرة" والله إحنا غلابة خالص وانتم واخدين حقكم تالت ومتلت، وبعدين هي رضوى الشربيني مخليانا نعرف نتنفس ولا نطلب بحقوقنا حتى.
دافعت عن "رضوى" بلسان أنثوى بحت، وأكدت له:
ـ يادي رضوى الشربيني والله الست دي مظلومة معاكم هي بتنادي بأن الست تتعامل زين من زوجها وبتطالب بحقوق الست بدون أفورة عاد.
قرر يقفل الجدال ويرجع لموضوع العزومة الأهم، وسألها بوضوح :
ـ طب تمام مش قصتنا، ها قلتي إيه أعزم ماما بقلب جامد وهتشرفيني ولا نخلي المقابلة مجرد تعارف بس ونأجل العزومة؟
ردت عليه بكبرياء بنات الصعايدة اللي بيعشقوا الكرم، بس أبدت قلقها من رد فعل والدته :
ـ عيب عليك دي انتم هتاجوا بيت صعيدية يعني بيت الكرم، بس مش داي المشكلة دلوك، هي والدتك أول ما تقول لها إنها معزومة عند واحدة المفروض إنها هتتعرف عليها لسه تبقى عروسة ابنها وتفاجئها إن العزومة النهاردة هتوافق اكده على طول؟
طمنها إن والدته هتطير من الفرحة من كتر لهفتها :
ـ من ناحية الموضوع ده ما تقلقيش ماما لو قلت لها دلوقتي إن في عروسة ارتحت لها وعايز أخطبها وعايزك تقابليها مش بعيد تيجي لك بالجلابية الفسكوز بتاع البيت اللي هي عليها من فرحتها بالخبر.
ضحكت من قلبها على وصفه، وسألت بخفة:
ـ ياه للدرجة دي مامتك عايزة تخلص منك يا حضرة الرائد؟
حكى لها عن محاولات أمه الكتيرة إنها تجوزه بنات أشكال وألوان، وأكد لها :
ـ مش هتصدق أصلاً إن أنا بطلب منها كده، أصلك ما تعرفيش ده جابت لي بنات أشكال وألوان ولما هتصدق إن أنا أقول لها إني خلاص هستقر وهتجوز، انتِ بذات نفسك هتلاقيها قاعدة جنبك ماسكة فيكي بإيديها وسنانها، انتِ ما لحقتيش تشوفيها ولا تتعرفي عليها في عيد ميلاد "مريم" انتِ عارفة لو كانت شافتك أصلاً كانت قالت هي دي عروستك يا "يونس".
دعت لوالدته بالبركة وطول العمر، وحست بإنها هتحبها جداً وهتعتبرها زي والدتها:
ـ والدتك باين عليها ست سكرة من "مريم" وحكاويها عنها ربنا يخليها لكم ويبارك فيها يا رب.
شوقها لمقابلة والدته اللي بتعشق عمل الخير، وفاجأها بطلبه اللي مكانتش متوقعاه:
ـ انتِ كمان لما تشوفيها هتحبيها قوي ست ولا كل الستات مش علشان هي ماما والله بس هي فعلاً طيبة جداً وبتحب عمل الخير جداً وعودتنا أنا و"مريم" على كده، قولي لي بقى هتلبسي إيه علشان نعمل ماتشينج مع بعض؟
اندهشت من معرفته بمصطلحات الموضة زي واكتشفت إن حضرة الرائد وراه جوانب تانية كتير مكنتش عارفاها:
ـ وكمان تعرف الماتشينج في اللبس ده أنت ما طلعتش سهل يا حضرة الرائد؟
طلب منها تبطل استغراب وتنسى الصورة القديمة اللي شافته بيها :
ـ لا بقول لك إيه مش هنقضيها استغراب انتِ مفكراني جاي من تحت الأنقاض يا بنتي انسي الصورة اللي انتِ عرفتيني بيها وحاولي تتأقلمي على الصورة الجديدة علشان هي دي طبيعتي أصلاً.
ودعته وهي مستعجلة تبدأ المعركة اللي دبسها فيها عشان تلحق تخلص :
ـ طيب يا سيدي مش هنقضيها بقى حوارات على الصبح سيبني علشان أقوم أشوف اللي وراي والعزومة اللي اتدبست فيها علشان الحق أخلص وأجهز حالي.
همس لها بكلمة رقيقة هزت كيانها، وغازلها إنه مشتاق من دلوقتي لحد ما عينه تقع جوة عيونها بالليل:
ـ طب بقول لك إيه وحشتيني ولحد ما أجي لك هتوحشيني يا "مهرة" "النعمان"."
حاولت تهرب من كلامه المعسول اللي بيسبب لها خجل من طريقته اللي اتغيرت تماما لانه بقى بيغازلها بوضوح وكلامه بيخليها تتكسف جدا وطلبت منه :
ـ أمممم... طب نأجل الكلام في الموضوع دي بقى علشان بجد بتكسف من طريقتك دي قوي.
اتريق على كسوفها بضحكة شقية، وسألها بجرأة :
ـ يا حلاوة هي كلمة وحشتيني بتكسفك أمال لما نتعمق في التفاصيل هتعملي إيه، ده انتِ هتموتي يا سوسو.
شهقت بذهول من جرأته اللي زادت عن حدها، واتهمته بالوقاحة وهي مش قادرة تداري ضحكتها المكتومة من أسلوبه:
ـ هااااا، "نعمان" إنت قليل الأدب على فكرة.
ختم كلامه بجرأة أكبر وهو بيوصفها بأحلى الأوصاف، وأكد لها :
ـ ومالها قلة الأدب مطلوبة بردو، تعرفي قلة الأدب دي هتحبيها وهتتمنيها بعدين لما تجربيها بنفسك يا الاسم "مهرة" والوصف "مهرة"، ده إنتي جننتي أمي بتقلك عليا ومخلياني ألف حوالين نفسي، بس يمين بالله لا اخد حقي منك تالت ومتلت، بس اصبري بس يتقفل علينا باب واحد ونتنيل نتجوز.
قفلت السكة وهي بتتوعد له بضحك، وهي طايرة من الفرحة بالخطوة الجديدة اللي هياخدوها:
ـ هااا، والله لا أقفل السكة في وشك يا وقح.
سند على كرسي مكتبه واتكلم بوقاحة وهو بيحط موبايله على المكتب:
ـ هي دي بالنسبة لك وقاحة ، ولا انتي شفتي وقاحة يا مهرتي، ده إنتي وقعت في ايد يونس ابن الهلالية يعني في ايد التعلب المكار اللي بيعرف يراوض المهرة بحق بس اخد فرصتي معاكي ويتقفل علينا باب واحد وأنا أوريكي الوقاحة بجد .
******
سندت "نغم" ضهرها على الرخامة وهي حاسة إن الحيطان بتلف بيها، ونفَسها بدأ يتقطع وصوتها طالع مهزوز وهي بتشتكي لـ "سند" من التعب اللي هجم عليها فجأة:
ـ اني دايخة جامد وحاسة إني مقدراش أصلب طولي.
قرب منها "سند" بلهفة وحط إيده على جبينها يطمن على حرارتها، وأخد إيدها في إيده برفق وهو بيلومها بحنان على دخولها المطبخ في القيلولة والجو نار بره:
ـ طب تعالي استريحي قلت لك الجو حر النهاردة بلاش تدخلي تتعبي حالك في المطبخ وناكل أي حاجة وانتِ مهتسمعيش حديتي عاد.
كانت ماشية بتتحرك جنبه وعينيها مزغللة وشايفة الدنيا حواليها بتوهان، وفجأة سابت إيدها من إيده غصب عنها والدنيا بتدور بيها وقعت على الأرض مغمى عليها، شاف حالتها قلبه انخلع ونزل لمستواها وحملها بين إيديه ودخلها على السرير وحاول يفوقها وهو مرعوب عليها وعلى اللي حصل لها فجأة والخوف جواه بيحكي حكاوي،
فاقت بعد محاولات منه وفتحت عيونها برؤية مشوشة، لقت "سند" فوق راسها وعلامات الرعب مالية وشه وهو بيبعد شعرها عن عيونها وبيدور على أي كلمة تطمنه:
ـ مالك يا حبيبي، طمنيني عنك، حاسة بإيه؟
بلعت ريقها بصعوبة وهي بتبلل شفايفها بلسانها، وحاولت ترسم ابتسامة باهتة عشان تهدي ضربات قلبه اللي كانت واضحة من لمسة إيده ليها:
ـ متقلقش عاد شوية دوخة وهيروحوا لحالهم عاد.
حرك راسه برفض وهو حاسس بالقلق الشديد على حالتها وإيده بتحسس على شعرها بحنان، وقرب منها وباسها من جبينها وهو مصمم يعرف سبب الحالة دي:
ـ لااااه، أنتِ حالتك مش زينة واصل، أني هبعت أجيب الدكتورة تاجي تشوف مالك وتطمنا عليكي.
مسكته من إيده وهي بتبص له بدهشة واستغراب من حجم الخوف اللي شايفاه في عيونه، وحست بوجع في قلبها وهي بتسأله عن سر اللهفة دي:
ـ كد اكده خايف علي يا "سند" من مجرد دوخة وعيونك هتلمع باللهفة على حالتي؟
رفع حاجبه بدهشة مماثلة واستنكر سؤالها، وكأن خوفه عليها ده شيء بديهي وميحتملش أي استغراب بعد اللي شافه بعينه:
ـ وه! كيف يعني مخافش عليكي و انتِ لساتك من شوي كنتي غميانة بين يدي، هي داي محتاجة سؤال يا بت الناس؟!
عيونها التمعت بالدموع وهي بترد على كلامه، وافتكرت سنين عمرها اللي ضاعت وهي بتعاني من غير ما تلاقي إيد تطبطب عليها أو قلب يشيل همها:
ـ تعرِف أني عمري ما شفت حد هيخاف علي وهيهمه تعبي في الدنيا كلاتها من يوم ما وعيت لحد دلوك غيرك، طول عمري هتوجع وأكمل، وهمرض وأقوم أشوف اللي مسؤول مني لو حتى فيا تعب الدنيا كلاته مكنتش هلاقي اللي يرحم تعبي ويسبني أتعافى أو حتى حد يداويني، كنت بشكي همي وتعبي لربنا وأتحمل وهو يرزقني الصبر والشفا من عِنده.
قلبه دق بين ضلوعه بوجع شديد على البؤس والذل اللي عاشتهم، ولو كان بإيده يمسح كل ذرة وجع ودمعة ألم وذكريات مرة عاشتها كان عمل، وقرب منها وشدها لحضنه وهو بيشدد عليه جامد:
ـ ياه يا "نغم" كد اكده الوجع لساته معشش في قلبك؟! انسي يا حبيبي، انسي وعيشي الدنيا بلونها الحقيقي، انتِ دلوك في أمان، والأمان دي وعد علي لحد ما أموت ليكي ولعيالك، اهدي يا حبيبي وبطلي بكا الدَكتورة زمانتها على وصول.
وقبل ما يخلص كلامه كانت الدكتورة جت وبعد ما قالت السلام سألتهم عن اللي حصل لها وإزاي أغمى عليها وبدأت تفحصها، وبعد شوية بصت لهم بابتسامة وهي بتبشرهم بالخبر اللي هيغير حياتهم:
ـ ما تقلقوش يا جماعة مالكم وشكم قالب اكده ليه، المدام حامل في شهر التاني.
كلمة حامل نزلت على ودن "سند" زي المطر اللي بيروي أرض عطشانة بقالها سنين، الدنيا وقفت بيه والزمن سكت، فضل باصص لـ "نغم" بذهول كأنه مش مصدق إن ربنا جبر بخاطرهم بالسرعة دي بعد كل الوجع اللي فات، وعيونه بدأت تلمع بسعادة و فرحة وهو شايف وش "نغم" اللي نور فجأة رغم التعب والدوخة اللي كانت فيها،
مقدرش يتمالك أعصابه، قرب من "نغم" اللي كانت لسه ممددة على السرير وبص للدكتورة بنظرة كلها لهفة وتأكيد عشان يطمن قلبه إن اللي سمعه ده حقيقة مش حلم من أحلام اليقظة، وصوته طلع مخنوق من الفرحة وهو بيمسك إيد "نغم" بقوة كأنه بيثبت ملكيته ليها وفي دنيته اللي نورت بوجودها وبخبر الجنين اللي جاي في السكة:
ـ إنتي هتقولي إيه يا دكتورة؟ عيدي كلامك داي تاني وسمعيني زين، "نغم" مرت "سند" الناجي حامل صُح؟ وطمني قلبي اللي هيرقص من الفرحة جوه صدري كأن الدنيا كلاتها بقت ملك يدي في اللحظة داي.
"نغم" كانت بتبص له وعيونها بتلمع بالدموع، وحست إن الخبر ده غسل كل الهموم اللي شالتها في سنين عمرها اللي فاتت، وكأن ربنا باعت لها الطفل ده عشان يمسح أثر "سمير" وقسوته ويزرع مكانها حب "سند" وحنيته، وبدأت أنفاسها تهدا وتنتظم وهي شايفة "سند" وسعادته بخبر حملها ومكانتش متخيلة ان رد فعله هيكون بالشكل ده:
ـ ألف مبروك يا حبيبي، متتصورش اني فرحانة كد ايه علشان هشوف السعادة الحقيقية في عيونك النهاردة ، بس كرم ربنا واسع قوي، ووجودك جنبي هو اللي خلاني أحس إن الحياة لسه فيها خير، وإن البطن اللي شالت الهم، النهاردة شايلة حتة منك ومن روحك يا "سند".
الدكتورة ضحكت وبدأت تلم حاجتها وهي بتطمنهم إن الأمور مستقرة بس محتاجة راحة تامة وتغذية كويسة عشان الشهور الأولى، و"سند" كان في عالم تاني خالص، عيونه مش مفارقة وش "نغم" ، كأنه بيحفظ ملامحها وهي حامل لأول مرة منه، وانحنى على إيدها وباسها بوسة طويلة عميقة فيها كل معاني العشق والامتنان والتقدير لست البنات اللي فرحت قلبه وجملت دنيته:
ـ يا هلا وغلا بأحلى الأخبار، نورتي قلبي إنتي وابننا يا ست البنات كلاتهم، والله لو طلبتي نجمة من السما دلوك لهجيبها ليكي وأحطها تحت رجليكي، أني النهاردة أسعد راجل في الصعيد كله، ومش بس الصعيد، دي في الدنيا كلاتها، انتِ غالية يا "نغم" ، وغلاوتك زادت في قلبي مليون مرة، والطفل اللي هياجي دي هيكون حبيب عيون أبوه وتاج راسي كمان لأنه منك إنتِ.
قام "سند" ووقف بطوله وهيبته اللي رجعت له مضاعفة، وفتح صدره للهوا وهو بيضحك ضحكة عالية هزت حيطان الأوضة، وخرج للبلكونة ونادى بصوته الجهوري على "منصور" الغفير اللي كان قاعد يحرس الدار تحت، والكل انتبه لصوته اللي كان مليان فخر وعزة وكأن ملك من ملوك الزمان بيعلن عن نصر عظيم في معركة استمرت شهور طويلة:
ـ يا "منصور" ! يا واد يا "منصور" ! سيب اللي في يدك وفز اسمعني زين، النهاردة عيد في دار الناجي، والخبر اللي هقولهولك داي توصله لكل بيت في النجع، الست "نغم" هانم هتجيب ولي العهد النهاردة، والدار لازمن تتملى بالزغاريد والفرح، فز يا "منصور" وسمع الدنيا كلاتها.
"منصور" الغفير وقف بذهول وفرحة، وبدأ يهلل ويبارك، و"سند" كمل كلامه وهو بيشاور بإيده في الهوا بحماس منقطع النظير، وأمر بذبح العجول وتوزيعها، وكأن كرمه النهاردة ملوش حدود زي فرحته اللي مكنتش سيعاه، وصوته كان واصل لآخر الشارع وهو بيوزع المهام عشان الكل يعرف إن فرحته بابنه أو بنته من "نغم" فرحة كبيرة:
ـ تروح يا منصور دلوك حالاً، تذبح عجلين من أحسن ما في المزرعة، وتوزع لحمتهم على الفقرا والمساكين وأهل الله في البلد كلاتها، وتقول لهم جاي لـ"سند الناجي" واد تالت، وندر عليا لأخلي النجع كله ياكل ويشبع النهاردة، ومحدش ينام جعان واصل، لأن ربنا كرمنا بفضله الواسع وأعطانا من غير حساب، والكل لازم يفرح ويشاركنا في الفرحة داي.
بعدها دور وشه وهي ودخل الصالة ونادى على "جليلة" اللي جت تجري وهي مخضوضة في الأول بس وشها نور لما شافت وش "سند" بيبتسم، وقال لها الخبر اللي هيخليها تملى البلد كلام، وهو كان عارف إن "جليلة" هي الراديو اللي هيوصل فرحته لكل لسان جاب سيرته انه اتجوز "نغم" سد خانة، وإنه مجرد جواز على الورق علشان يرجع هيببته ويخرس ألسنة الناس:
ـ يا "جليلة" اسمعي يا وش السعد، الست "نغم" حامل، وعايزك دلوك تطلعي تنشري الخبر داي في البلد كلها بطريقتك، مش عايز واحدة في النجع متعرفش إن "نغم" هانم شايلة ولد "سند الناجي" في بطنها، املي الدنيا زغاريد وهللي، ورايدك كمان تجيبي كام ست وياكي علشان هنعملو وليمة في الدوار وهيتعزم فيها كبارات وشيوخ الصعيد.
"جليلة" بدأت تزغرد بصوت عالي وهي بتدعي لهم بالتمام والكمال، و"سند" رجع تاني للأوضة عند "نغم" اللي كانت بتسمع كل ده بذهول وفرحة وخجل، قعد جنبها تاني وخدها في حضنه وبدأ يهمس في ودنها بكلام كله عشق، وكأنه بيعيد اكتشاف حبه ليها من أول وجديد في ظل الخبر العظيم ده، وإيده كانت بتطبطب على ضهرها بحنان أب وخوف حبيب ولهفة زوج:
ـ شفتي يا "نغم" ؟ شفتي الدنيا بقت حلوة كيف؟ أني مش هسيبك تتحركي خطوة واحدة واصل، من النهاردة إنتي ملكة في الدار داي، والأرض اللي بتمشي عليها هشيلها فوق راسي، والكل هيخدمك برموش عينيه، ولدي اللي في بطنك دي هيُبقى غالي على قلبي كيف خواته وعلشان هيكون اللصغير هياخد حتة في قلبي هبابة، وإنتي يا "نغم" أغلى من الضنا ومن الروح، ربنا يخليكي ليا يا فرحة قلب "سند" وهناه.
دفنت راسها في صدره وهي بتستنشق ريحته اللي بتمثل لها الأمان، وحست إن كل ذرة خوف كانت جواها تلاشت وتبخرت، وبدأت تتخيل شكل ابنها او بنتها من "سند" وإزاي هياخد هيبته وقوته، وردت عليه بصوت ناعم مليان حب وامتنان للرجل اللي عرف يخليها تحس بقيمتها كأنثى وكزوجة وكأم ومن غير خوف من بكرة:
ـ ربنا ما يحرمني منك يا "سند" ، إنت اللي عملت لي قيمة، وإنت اللي خليت للحياة طعم، لولا وجودك جنبي مكنتش هعرف أفرح الفرحة داي، إنت السند الحقيقي اللي ربنا بعتهولي عشان يسندني في وقعتي، والطفل دي هيكون أغلى هدية هقدمها لك في حياتي عشان يفضل شاهد على قصة حبنا اللي بدأت في عز الوجع وطلعت للنور بفضل حنيتك وقلبك الأبيض.
فضل ضاممها ومغمض عيونه، وكأنه بيشكر ربنا في سره على العوض الجميل ده، وكان حاسس إن كل خطوة مشيها في طريق الوجع كانت تستاهل عشان يوصل للحظة دي، لحظة ما يحس بإن "نغم" بقت جزء منه ومن مستقبله بجد، والخبر ده كان بمثابة صك الغفران لكل الآلام اللي مرت بيهم، وبداية لعهد جديد ملهوش نهاية غير في حضن بعض:
ـ انسي أي حاجة وحشة شفتيها يا "نغم" ، النهاردة اتولدنا من جديد، والضنا داي هيكون فاتحة خير علينا وعلى الدار كلاتها، أني هبني له قصور محبة في قلبي ، وهخليه من أحسن الناس، بس المهم عندي دلوك إنك تفضلي زينة، وتاكلي وتتغذي وترتاحي، ومسمعش حسك في المطبخ ولا في الشغل واصل، إنتي دلوك شيلتك تقيلة وغالية، وأني اللي هشيل عنك كل المهام الصعبة اللي تخص العيال لحد ما تقومي لي بالسلامة.
الليل بدأ يدخل والدار كانت مليانة حركة وزغاريد، ومن بره كان صوت الناس بيدعوا لـ"سند" و"نغم" بالبركة، و"سند" كان قاعد جنب "نغم" مش راضي يسيب إيدها، كأنه خايف الخبر يطلع وهم أو نغم تختفي، فضل يتأمل فيها بحب ملوش حدود، وبدأ يحكي لها عن أحلامه للولد اللي جاي، وإزاي هيربيه على الأصول والحق، بكلام جميل بعد العواصف اللي مرو بيها :
ـ تعرِفي يا "نغم" ، أني حاسس إن ربنا هيكرمني بولد يشبهك في طيبة قلبك، بس هياخد مني القوة والصلابة، وهنسميه اسم يليق بمقامه الغالي، وهعلمه الرجولة كيف ما علمت اخوه الكَبير، وكمان هو اللي هيقرب مابيني وما بين خواته أكتر وهيخلوهم يتعلقوا بيه وهيحبوه، إنتي غيرتي فيا كتير يا بت الناس، وخليتي الراجل الناشف داي يبقى زي العيل الصغير من كتر الفرحة اللي زرعتيها في قلبه.
ابتسمت برقة وحطت إيدها على بطنها وكأنها بتحس بنبض الجنين اللي لسه متكونش بجد، وبصت لـ"سند" بنظرة كلها فخر وقالت له إنها متمنية الولد يطلع زيه في كل حاجة، عشان هي حبت فيه الرجولة والشهامة اللي ملقيتهاش في حد غيره، والحوار فضل مستمر بينهم بنغمات هادية مليانة عشق ووعود ببكرة اللي هيكون أجمل بكتير من كل اللي فات:
ـ أني مش عايزة غير إنه يطلع زيك يا "سند" ، شهم وسيد الرجالة، وعنده قلب يساع الدنيا كلاتها زي قلبك، إنت علمتني إن الحب مش كلام، الحب هو الفعل والخوف والوقفة اللي وقفتها جنبي، ربنا يتم لنا على خير يا حبيبي، ويجعل أيامنا كلها فرح وعوض، ويبعد عننا كل عين حاسدة وكل قلب ميعرفش الرحمة، عشان نعيش لبعض ولولادنا في أمان وستر.
********
بالليل جات ميعاد المقابلة و "مهرة" عملت كل حاجة طلبها منها "نعمان" بحب من جواها مرعوبة من المقابلة دي وكمان مكسوفة ومشاعر كتير متلخبطة جواها وخصوصاً إن هي لوحدها هي نقلت في شقة في الدور الرابع في نفس العمارة من وقت ما اتعينت وهي بتقبض مرتب كويس وكمان فرشتها أحسن فرش لأنها من النوع المدبر جداً، ولبست طقم شيك جداً دريس لونه كشمير غامق وحجاب بنفس اللون وحطت لمسات تجميل بسيطة أبرزت جمالها أكتر وخليتها زي القمر في ليلة تمامةؤ
وكمان "نعمان" ما يفرقش عنها في شياكته كان لابس بدلة سوداء وفاتح الجاكيت وتحتها قميص أبيض مفتوح منه أول زرارين ومنظره كان شياكة وأناقة، وجاب لها بوكيه ورد وعلبة شيكولاتة وكمان هدية بسيطة وطول الطريق وأمه عمالة تتكلم معاه وتسأله عنها وهو يجاوب والفرحة مش سيعاها وأخيراً وصلوا بيت "مهرة" وفتحت لهم الباب أول ما "نعمان" شافها كانت لسه والدته جاية وراه هي و "مريم" بخطوات بسيطة علشان يسيبوه يمهد لوجودهم:
ـ القمر اللي لما يطل الطلة كله يقول ما شاء الله."
وكمل كلامه وهو بيغمز لها بشقاوة:
ـ بقول لك إيه يا "مهرتي" أنا أبعت أجيب المأذون على طول علشان العبد لله ما كانش متخيل إنك هتهزي مشاعره وهتخليه واقف قدامك عيونه هتاكلك وبصراحة بقى مش هقدر أصبر أكتر من كده إيه رأيك أدخل ماما و "مريم" وأروح أجيب المأذون على طول وخير البر عاجله.
حطت إيديها على شفايفها تكتم ضحكتها وقالت له بخجل:
ـ "نعمان" بطل بقى بجد غير طريقتك دي قدامهم علشان ما تكسفنيش.
مسح شعره بإيده وهو بيغمز لها بعبث:
ـ "يخرب بيت "نعمان" على سنين "نعمان" واللي جابه "نعمان"، يقطع الصبر وسنينه، طب بقول لك إيه بلاش تتكلمي خالص علشان حتى كلامك بيخليني عايز أخطفك وأطير بيكي لحد ما أشبع ولو إني عارف إني مش هشبع.
جه يكمل كلامه لقى والدته و "مريم" واقفة وراه سلمت "مريم" وأفسحوا الطريق لوالدته اللي أول ما شافتها برقت عيونها بصدمة وهي بتردد اسمها:
"مهرة" ....