
رواية صرخة في بيت الأغنياء الفصل الحادي عشر11والثاني عشر12 بقلم وفاء الدرع
فتح المحامي الظرف الموجود داخل الوصية، ثم أخرج منه قرصًا مدمجًا وقال:
— المرحوم الأستاذ كمال أوصى أن الجميع يشاهد هذا التسجيل قبل تنفيذ أي بند من بنود الوصية.
ساد الصمت داخل الغرفة...
كانت العيون كلها متجهة نحو شاشة اللاب توب.
ضغط المحامي على زر التشغيل، وظهر كمال بصورته وصوته.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
— السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لو أنتم بتشوفوا الفيديو ده، يبقى أنا خلاص بقيت في رحمة ربنا.
وقبل ما أتكلم عن الوصية، لازم أوضح بعض الأمور المهمة.
أول حاجة...
حنان بريئة.
الجميع التفت نحو حنان في صدمة.
أما مريم فشحب وجهها فجأة.
أكمل كمال كلامه:
— كل الكلام اللي اتقال على حنان باطل.
أنا عارف كل حاجة عنها، وعارف إن الطفل اللي معاها مش ابني، وهي بنفسها اعترفت لي بالحقيقة كاملة.
لكن كمان عارف إنها بنت محترمة وشريفة.
بنت عمرها ما عضّت اليد اللي اتمدت لها بالخير.
واللي حصل لها كان غصب عنها، وليس بإرادتها.
عشان كده سابت بلدها وهربت من كلام الناس ونظراتهم.
انخفض رأس حنان وهي تبكي.
أما سمير وحازم فبدأت نظرات الندم تظهر على وجهيهما.
وأكمل كمال:
— دلوقتي نبدأ الوصية.
لكن قبل الوصية...
في شخص لازم أتكلم عنه.
مريم.
انتفضت مريم من مكانها وقالت:
— بابا!
لكن المحامي أشار لها بالسكوت.
وأكمل التسجيل:
— مريم بنتي، وأنا بحبها، لكن للأسف اكتشفت حاجات كتير كانت مخبياها عني.
عرفت إنها متفقة مع زوجها على تمثيلية الطلاق عشان تكسب عطفى وأكتب لها ممتلكات أكتر.
واعترف أني في البداية صدقتها.
لكن ربنا كشف الحقيقة قدامي.
في يوم كنت ماشي بعربيتي وشفت جوزها بعيني.
كان نازل من عربية فخمة ومعاه واحدة ست جميلة جدًا.
وشفتهم وهم داخلين العمارة اللي أنا شاري فيها الشقة لمريم.
وساعتها عرفت إنه متجوز عليها.
الصدمة كانت قوية...
لأنها كانت بتضحي بكل حاجة عشانه.
أما هو فكان بيخدعها.
هنا انفجرت مريم في البكاء.
أما إخواتها فكانوا ينظرون إليها بحزن وغضب في نفس الوقت.
وأكمل كمال:
— بالنسبة للميراث...
الفيلا الكبيرة تكون من نصيب سمير وحازم.
والشركتان الكبيرتان لهما.
أما الشركة الصغيرة فتكون من نصيب مريم.
والأموال الموجودة بالبنك يتم تقسيمها حسب الشرع.
مع خصم الثلاثة ملايين جنيه المسجلين مسبقًا باسم مريم.
وتوقفت الأنفاس لحظة...
قبل أن يكمل كمال:
— أما حنان...
فالشقة التي كنت أقيم بها تصبح ملكًا لها بالكامل.
كما أودعت باسمها مبلغ مليونين جنيه في البنك.
حتى تبدأ مشروعًا خاصًا بها وتعيش حياة كريمة.
هذا أقل تعويض أستطيع تقديمه لها عما مرت به من ظلم وقهر.
وأنا الآن مرتاح الضمير أمام الله.
انتهى التسجيل...
وساد الصمت داخل الغرفة.
لم يستطع أحد الكلام.
كانت دموع حنان تنزل بلا توقف.
بكت على كمال أكثر مما بكت عليه ابنته.
فهو الشخص الوحيد الذي صدقها عندما كذبها الجميع.
مسح سمير دموعه وقال:
— سامحينا يا حنان.
إحنا ظلمناكي.
صدقنا كلام غيرك وما سمعناش منك.
والفيلا مفتوحة ليكي في أي وقت.
إنتِ من ريحة بابا.
وأضاف حازم وهو ينظر للأرض خجلًا:
— لو الزمن رجع بينا، عمرنا ما كنا هنسيبك تمشي بالطريقة دي.
أما مريم فكانت جالسة في زاوية الغرفة منهارة تمامًا.
وفجأة صرخت:
— ده ظلم!
إزاي يكتب لها شقة ومليونين جنيه؟!
أنا بنته!
أنا أولى منها!
رد حازم بغضب:
— كفاية يا مريم!
كل اللي حصل ده نتيجة طمعك.
قال سمير بهدوء:
— إحنا إخواتك ومش هنسيبك.
وهنساعدك ترجعي حقك من جوزك.
لكن بطلي تفكري في فلوس الناس.
انفجرت مريم في البكاء وهي تقول:
— ضيعت عمري كله عشان شخص ما يستاهلش.
انتهى الاجتماع...
وعادت حنان إلى ماما عليا.
وبمجرد أن رأتها، احتضنتها بقوة.
وقالت:
— كنت عارفة إن ربنا هيظهر الحق.
جلست حنان تحكي لها كل ما حدث.
فابتسمت ماما عليا وقالت:
— شوفتي يا بنتي؟
ربنا عمره ما بينسى المظلوم.
أخذ منك كتير...
لكن عوضك أكتر.
قالت حنان وهي تنظر إلى طفلها:
— نفسي أعرف بس أبوه الحقيقي هيعمل إيه لو عرف بالحقيقة.
ردت ماما عليا:
— الأيام جاية بكل الإجابات.
ثم ابتسمت حنان وقالت:
— أنا مش هسيبك أبدًا يا ماما عليا.
هجيب أمي وإخواتي يعيشوا في الشقة.
وكمان سميحة هتيجي معانا.
إحنا بقينا عيلة واحدة.
وبعد أيام...
نزلت حنان إلى القاهرة.
وأول مكان راحت له كان بيت سميحة.
فتحت سميحة الباب...
وبمجرد ما شافتها ارتمت في حضنها.
وظلتا تبكيان طويلًا.
ثم نظرت سميحة إلى ملابس حنان الأنيقة وقالت وهي تضحك:
— يا بنتي! إيه الشياكة دي كلها؟
إحنا بقينا هوانم ولا إيه؟
ضحكت حنان لأول مرة من قلبها وقالت:
— أيوه يا ستي... ربنا عوضني خير.
لكن بعدها مباشرة...
تغير وجه سميحة.
واختفت الابتسامة.
وقالت بصوت مرتعش:
— يا حنان...
أنا لازم أحكيلك حاجة.
حاجة خطيرة جدًا.
حاجة لو عرفتيها...
هتقلب حياتك كلها.
تجمدت ملامح حنان وهي تنظر إليها في خوف.
وقالت:
— خير يا سميحة؟
إيه اللي حصل؟
تنهدت سميحة بعمق...
ثم قالت:
— اللي هقولهولك دلوقتي...
هيكشف سر مخبي من سنين!
😱 تُرى ما هو السر الذي ستكشفه سميحة لحنان؟ وهل له علاقة بآدم؟ أم أن هناك حقيقة أخطر لم تكن تعرفها حنان طوال حياتها؟
💫 صرخة في بيت الأغنياء
الحلقة الثانية عشرة
قالت لي سميحة وهي تنظر إليَّ بعينين امتلأتا بالشفقة:
– بعد ما مشيتي يا حنان... آدم بيه افتكر كل حاجة. والله العظيم جه بنفسه لحد بيتي يسأل عنك، وكان ناوي يكتب عليكِ ويتجوزك ويصلح كل اللي حصل. دور عليكِ في القاهرة كلها، وسأل كل الناس اللي يعرفهم، لكنه ما لقاش ليكي أي أثر.
سكتت لحظة، ومسحت دموعها، ثم أكملت:
– أول مرة أشوف آدم بيه بالشكل ده... كان مكسور. دخل على ثريا هانم وقال لها وهو بيصرخ: "ليه يا أمي؟! ليه ظلمتي حنان؟! إنتِ عارفة إنها عمرها ما خرجت من الفيلا، ولا كانت تعرف حد غيرنا. ليه ما صدقتيهاش؟!"
ردت عليه ثريا وخفت ترمي المصيبة عليك. وإنت بنفسك كنت بتقول إنك مش فاكر أي حاجة من الليلة دي... كنت أعمل إيه؟
قالت سميحة:
– ومن يومها والبيت كله اتغير. الضحك اختفى، والراحة اختفت، وكل واحد بقى شايل هم في قلبه.
تنهدت حنان، وأغمضت عينيها وهي تحاول تمنع دموعها، ثم قالت بصوت مخنوق:
– أنا مش عايزة من آدم أي حاجة... والله ما نفسي في فلوسه ولا في اسمه. كل اللي عايزاه إنه يعترف بابنه ويكتب اسمه عليه. غير كده... أنا مش محتاجة أي حاجة منه. أكيد اتجوز، وعاش حياته، ونسي كل اللي حصل.
هزت سميحة رأسها بحزن شديد وقالت:
– لا يا حنان... آدم ما اتجوزش. قبل الفرح بيوم واحد عمل حادثة كبيرة، ومن ساعتها وهو قاعد على كرسي متحرك. العروسة سابته، وفسخت الخطوبة، وقالت إنها مش هتقدر تكمل مع واحد معاق. وثريا هانم تعبانة، والشركة بقت بتنهار، والناس اللي حواليهم بينهبوا كل حاجة. والله يا حنان... آدم بيه بيحبك، ولسه لحد النهارده مش قادر ينساكي.
شعرت حنان وكأن الأرض بتميل تحت قدميها.
انهارت دموعها، واحتضنت طفلها بقوة، وكأنها بتحتمي به من وجع السنين.
وبعد صراع طويل مع قلبها...
قررت تروح الفيلا...
الفيلا اللي خرجت منها يومًا ما وهي بتصرخ من الظلم والقهر.
دخلت الفيلا وقت الغداء...
كان المكان هادئًا بصورة غريبة.
آدم يجلس على كرسيه المتحرك، شارد الذهن، لا يتكلم مع أحد.
وفجأة...
رفع عينيه.
وقعت عيناه على حنان.
في لحظة واحدة...
وقعت الملعقة من يده، وتجمد مكانه، وكأنه رأى حلمًا عاد إليه بعد سنوات.
أما ثريا هانم، فقامت بسرعة، وجريت عليها وهي ترتجف.
نظرت إلى الطفل...
ثم حملته بين ذراعيها، وأخذت تقبل وجهه الصغير وهي تبكي.
– ده حفيدي... صح يا حنان؟! والله نسخة من آدم. نفس العينين، ونفس الضحكة، وحتى ملامحه وهو ساكت... يا رب لك الحمد.
أما آدم...
فلم يكن قادرًا حتى على التنفس.
قلبه كان يخفق بعنف.
وعيناه معلقتان بالطفل.
وفي داخله ألف سؤال وألف وجع.
"معقول... ده ابني؟! ولا أنا بحلم؟! يمكن حنان اتجوزت... يمكن الطفل مش ابني... يمكن جاية تنتقم مني بعد اللي حصل..."
قطعت حنان أفكاره، وقالت بثبات رغم الدموع التي تغرق وجهها:
– ما تتعبش نفسك بالتفكير يا آدم بيه... الولد ابنك. من لحمك ودمك. ولو عندك ذرة شك... اعمل تحليل DNA، وهو اللي هيقول الحقيقة.
ارتعش جسد آدم كله.
وانهمرت دموعه لأول مرة دون أن يحاول إخفاءها.
قال بصوت متقطع:
– ابني... معقول ربنا رزقني بابن؟!
ثم انفجر في البكاء.
– يا رب... كنت فاقد الأمل. بعد الحادث حسيت إن حلم الأبوة مات خلاص. نفسي أقوم من الكرسي ده... نفسي أشيله بين إيديا... أضمه لصدري... لكنه حتى دي مش قادر أعملها.
كانت كلماته تمزق قلب كل من يسمعها.
رفع عينيه إلى حنان وقال:
– دورت عليك كتير... والله العظيم ما سبت مكان إلا وسألت فيه عنك. كنت محتاجك جنبي في أصعب أيام حياتي. لكن لما شوفت لبسك وشكلك... افتكرت إنك اتجوزتي وبدأتي حياة جديدة.
ابتسمت حنان ابتسامة مليئة بالوجع وقالت:
– أيوه... اتجوزت من راجل غني جدًا. ربنا عوضني بيه، وكان أحنّ عليَّ من الدنيا كلها. سترني، وحماني، وحافظ على كرامتي... لكنه مات وسابني.
وسكتت لحظة...
ثم قالت وهي تنظر في عيني آدم:
– ورغم كل اللي حصل... عمري ما كرهتك. حاولت أنساك... معرفتش. حاولت أكرهك... قلبي رفض. لأن اللي حصل كان ذنب الخمر... مش ذنب قلبك.
انهارت ثريا هانم في البكاء.
أما آدم، فشعر وكأن الدنيا كلها انهارت فوق رأسه.
وقال بصوت مخنوق:
– ربنا يسعدك يا حنان... حتى لو مش من نصيبي. بس عندي طلب... أوعي تكسري قلبي وترفضيه.
قالت بهدوء:
– قول.
قال وهو ينظر إلى الطفل:
– سيبيني أشوف ابني... كل فترة. ما تحرمينيش منه. يمكن وجوده يديني سبب أعيش عشانه... يمكن ربنا يكرمني وأقف على رجلي تاني.
نظرت إليه طويلًا...
ثم قالت:
– يعني... تحب ييجي لوحده؟ ولا تحب أكون أنا معاه؟
أطرق آدم رأسه، وقال بابتسامة تخفي ألف وجع:
– كنت أتمنى تيجي إنتِ قبله... لكن إنتِ دلوقتي أرملة، وليكي حياتك... وربنا يسعدك.
تقدمت ثريا هانم، وأمسكت يد حنان بكلتا يديها وهي تبكي وتتوسل:
– بالله عليك يا بنتي... ما تحرميناش منه. ده الأمل الوحيد اللي باقي لابني. يمكن ضحكته ترجع الروح لقلبه، ويمكن ربنا يكتب له الشفا.
وقفت حنان تنظر إلى آدم...
إلى الرجل الذي كان حبها الأول... ووجعها الأول... والذي لم تستطع يومًا أن تمحوه من قلبها.
امتلأت عيناها بالدموع...
لكنها لم تنطق بكلمة واحدة.
حملت طفلها بين ذراعيها...
ألقت نظرة أخيرة على الجميع...
ثم استدارت ببطء، وخرجت من الفيلا.
ظل آدم يراقبها حتى اختفت من أمام عينيه...
وشعر لأول مرة أن فقدانها أصعب من أي ألم مر به في حياته.
أما ثريا، فجلست على الأرض تبكي بحرقة، وهي تردد:
– يا رب... رجعهالي يا رب... ما تحرمنيش من حفيدي.
يا ترى... هل ستسامح حنان آدم وتعود إليه من جديد؟ أم أن القدر ما زال يخبئ لهما اختبارًا أصعب مما مضى؟
الفصل الثالث عشر من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا