
أسعد كان واقف قدام المكتب، وأنفاسه طالعة بعنف، وعينيه كلها غضب وصدمة، بينما محمد قاعد قدامه بكل هدوء، كأنه بيحاول يخفي العاصفة اللي جواه.
وفجأة—
باب المكتب اتفتح بسرعة.
ماجى دخلت على الصوت، وعينيها مليانة قلق وهي بتبص لأسعد:
"فيه إيه يا أسعد؟ بتزعق كده ليه؟"
أسعد لف لها بسرعة، وصوته خرج حاد لأول مرة بالشكل ده:
"اسأليهم هما… اسأليهم عملوا إيه في سعيد!"
أول ما الاسم اتقال…
ماجى وشها اتغير، وبصت لمحمد وكريمان بتوتر واضح.
أما محمد… ففضل قاعد مكانه، حاطط إيده فوق المكتب، وعينيه ثابتة على أسعد بدون أي ارتباك.
وده زود غضب أسعد أكتر.
قرب منه بخطوات سريعة وقال بعصبية:
"إنت قاعد بكل برود كأن مفيش حاجة حصلت؟!"
محمد رد بهدوء تقيل:
"الصوت العالي عمره ما كان حل."
أسعد ضحك بسخرية كلها وجع:
"آه طبعًا… أصل الحل عندكم كان السكوت! سيبتوا الراجل يضيع لوحده!"
كريمان اتدخلت بسرعة محاولة تسيطر على الوضع:
"أسعد بلاش الأسلوب ده."
لف لها بعنف:
"لا هتكلم بالأسلوب ده وأكتر! لأن لأول مرة أشوف الحقيقة بعيني."
ماجى قربت من أسعد بخوف واضح:
"طيب افهم الأول… مين قالك إيه؟"
أسعد بصلها لحظة، وصوته هدي شوية لكنه كان مليان قهر:
"عادل جالي النهارده."
أول ما الاسم اتقال…
محمد ملامحه اتغيرت لأول مرة، أما كريمان فاتشد جسمها بتوتر.
وقالت بسرعة:
"عادل؟!"
أسعد لاحظ خوفهم، فضحك بمرارة:
"آه… شكلكم عارفين هو اكتشف إيه."
محمد قام ببطء من مكانه، وقال بصوت هادي لكنه تقيل:
"عادل ميعرفش كل الحقيقة."
أسعد رد بعصبية:
"يبقى قولها أنت!"
الصمت نزل على المكان…
محمد بص بعيد شوية، وكأنه بيجمع نفسه، قبل ما يقول:
"أخويا سعيد ماكانش طبيعي."
أسعد عقد حواجبه بحدة:
"تقصد إيه؟"
ماجى دموعها لمعت فجأة، وكأن الكلام رجعلها ذكريات قديمة.
أما محمد فكمل بصوت منخفض:
"كان عنده مشاكل نفسية من سنين… وكان سهل جدًا يتأثر بأي حد حواليه."
أسعد حس قلبه اتقبض:
"وده يبرر اللي حصل؟"
محمد هز راسه بالنفي:
"لا… بس يفسر حاجات كتير."
كريمان أخدت نفس طويل وقالت:
"سعيد كان بيتصرف من غير وعي أوقات… وكان بيصدق أي حد."
أسعد بصلها بغضب:
"وإنتوا استغليتوا ده."
محمد ضرب المكتب بإيده فجأة، وصوته علي لأول مرة:
"ماحدش كان عايز يأذيه!"
الكل سكت من نبرة صوته.
محمد كان بيحاول يتمالك نفسه بالعافية، وقال:
"أنا شيلت مسؤولية العيلة كلها فوق دماغي… وكل قرار أخدته كنت فاكر إنه الصح."
أسعد رد بقهر:
"حتى لو على حساب أخوك؟"
الكلمة نزلت على محمد بقسوة.
قعد ببطء على الكرسي، ومرر إيده على وشه بإرهاق واضح:
"إنت فاكرني مرتاح؟"
صوته كان مكسور لأول مرة بالشكل ده.
ماجى نزلت دموعها وهي بتبص له، أما كريمان ففضلت ساكتة لأول مرة.
لكن أسعد كان لسه غضبه مسيطر عليه.
وقال بحدة:
"طيب قولي… عمي فين دلوقتي؟"
الصمت خنق المكان بالكامل.
محمد رفع عينه ببطء ناحية أسعد…
وقال الجملة اللي جمدت الدم في عروقه:
"سعيد مختفي من خمس سنين… ومحدش يعرف هو عايش ولا ميت."
أسعد رجع خطوة لورا بصدمة حقيقية:
"إزاي يعني محدش يعرف؟!"
ماجى انهارت على الكنبة وهي بتعيط:
"دورنا عليه في كل مكان…"
أما كريمان فغمضت عينيها بتعب:
"بس اختفى."
أسعد حس إن البيت كله بقى غريب عليه فجأة…
العيلة اللي طول عمره شايفها قوية ومتماسكة، طلعت مليانة أسرار وكسور مستخبية.
وفجأة—
تليفونه رن.
بص للشاشة…
منيرة ❤️
ولأول مرة من وقت ما دخل البيت، ملامحه هديت شوية.
رد بسرعة:
"أيوه يا منيرة."
لكن صوتها كان متوتر:
"أسعد… خالد حرارته عليت تاني ومش راضي ياخد الدوا."
ملامحه اتبدلت فورًا.
قال بدون تفكير:
"أنا جاي حالًا."
وقفل السكة بسرعة.
محمد بصله بتعب:
"أسعد… لازم نكمل الكلام."
لكن أسعد وقف عند الباب، وبصلهم كلهم بنظرة مليانة خيبة ووجع:
"أنا هارجع… لأن واضح إن أسراركم لسه ماخلصتش."
وبعدين خرج بسرعة.
أما جوا المكتب…
فكان الصمت تقيل بشكل مخيف.
وكريمان لأول مرة حسّت بالخوف الحقيقي…
لأن الماضي اللي دفنوه سنين،
بدأ يطلع للنور واحدة واحدة…
ماجى جت تتكلم، لكن كريمان سبقتها بسرعة وهي بتعدل هدومها وكأن مفيش حاجة حصلت:
"مش وقت الكلام ده دلوقتي… فرح عادل بعد يومين، وجاب دعوة الفرح بنفسه."
وبعدين مدت الدعوة لماجى وهي بتقول ببرود:
"أهي… يادوب تلحقي تجهزي فستان شيك."
ماجى بصتلها بعدم استيعاب.
الكلمة نفسها نزلت عليها كالصاعقة.
"فرح… عادل؟"
صوتها خرج مكسور بشكل وجعهم كلهم.
أما كريمان فهزت كتفها ببرود مستفز:
"أيوه… مالك متفاجئة كده ليه؟ الحياة مبتقفش على حد."
ماجى حسّت إن نفسها بيتسحب منها فجأة.
عينيها لمعت بصدمة ووجع حاولت تخبيه بالعافية، لكن ملامحها فضحتها بالكامل.
أسعد لاحظ ارتجافة إيديها، وعقد حواجبه باستغراب، لكن قبل ما يتكلم—
ماجى لفت بسرعة، وطلعت تجري ناحية فوق.
"ماجى!"
محمد ناداها بقلق.
لكنها ماوقفتش.
طلعت السلم بسرعة وهي بتحاول تاخد نفسها، لحد ما وصلت أوضتها.
فتحت الباب بعنف، ودخلت وهي بتترعش من الغضب والقهر.
وأول ما الباب اتقفل—
مسكت أقرب فازة قدامها، ورمتها بكل قوتها في الأرض.
الزجاج اتكسر بصوت عالي.
لكنها ماوقفتش.
بدأت تكسر كل حاجة قدامها بعصبية هستيرية… الصور، البرفانات، أي حاجة تقع تحت إيدها.
وهي بتصرخ بوجع مكتوم:
"ليه؟! ليه بردو؟!"
دموعها كانت بتنزل بغزارة وهي بتحاول تاخد نفسها بالعافية.
افتكرت كل حاجة…
كل مرة حاولت تبعده عن أي بنت تقرب منه.
كل لعبة لعبتها.
كل كدبة.
كل مرة أذت فيها ناس بس علشان يفضل ليها هي.
وفي الآخر؟
هيتجوز غيرها.
وقعت على الأرض وسط الزجاج المكسور، وأنفاسها متقطعة بشكل مرعب.
وهمست بصوت مبحوح كله انهيار:
"بعد كل اللي عملته… بردو ما بقاش ليا."
وفي اللحظة دي—
الباب اتفتح بسرعة.
أسعد دخل بصدمة أول ما شاف الأوضة المكسرة.
وعينيه وسعت لما شاف ماجى قاعدة وسط كل ده، ودموعها مغرقة وشها.
قال بحدة وقلق:
"إنتي اتجننتي؟!"
لكن ماجى رفعت عينيها له…
وكان الوجع اللي فيها أكبر من أي كلام.
وقالت بصوت متكسر:
"أنا تعبت يا أسعد… تعبت قوي."بقلم ميادةيوسف الذغندى
ماجى رفعت عينيها لأسعد، ودموعها بتنزل بانهيار وهي بتقول بصوت متقطع:
"أنا بحبه قوي يا أسعد… أنا هموت… أنا فعلًا بموت من غير عادل."
الكلمات نزلت على أسعد كالنار.
ملامحه اتشدت بعنف، وقرب منها بسرعة وهو بيحاول يستوعب اللي سمعه.
ومسك دراعها يشدها تقوم وهو بيقول بغضب مكتوم:
"إزاي وصل بيكي الحال إنك تقولي لجوزك إنك بتحبي واحد تاني؟!"
ماجى بصتله ثواني…
وفجأة ضحكت ضحكة قصيرة كلها سخرية ووجع.
وقالت وهي بتمسح دموعها بعنف:
"جوزي؟ ضحكتني."
أسعد عينيه ضاقت بخطورة.
أما هي فكملت بقهر متراكم سنين:
"إنت لسه فاكر إن ليك وجود في حياتي أصلًا؟ فوق يا أسعد… إنت بقالك قد إيه بعيد عن الثريا؟"
وبعدين بصتله مباشرة، ونبرة صوتها كانت جارحة بشكل قاسي:
"أنا عمري ما شفتك راجل ليا… إحنا كنا اسم وبس."
الكلمة ضربت أسعد في كبريائه بعنف.
حس الدم بيغلي في عروقه، وقرب منها خطوة وعينيه كلها غضب:
"إنتي بتقولي إيه؟!"
ماجى وقفت قدامه رغم دموعها، وكأن كل اللي جواها انفجر مرة واحدة:
"الحقيقة… الحقيقة اللي عمرك ما حبيت تسمعها."
الصمت بينهم بقى خانق.
وأسعد كان واقف بيبصلها بنظرة كلها صدمة وغضب ووجع في نفس الوقت.
أما ماجى…
فكانت لأول مرة بتطلع كل السنين اللي عاشتها وهي حاسة إنها محبوسة في حياة عمرها ما اختارتها.
وقالت بصوت مكسور:
"أنا كنت بموت بالبطيء يا أسعد… وإنت حتى ماكنتش شايفني."
الكلمة الأخيرة هدت غضبه للحظة.
لأنه لأول مرة شاف قد إيه هي فعلًا منهارة.
أخد نفس طويل، وبعد عنها خطوة، ومرر إيده على وشه بعنف وهو بيحاول يسيطر على أعصابه.
وقال بصوت منخفض لكنه موجوع:
"إحنا الاتنين ضيعنا نفسنا في الجوازة دي."
ماجى ضحكت بمرارة وهي قاعدة وسط الزجاج المكسور:
"بس الفرق إنك قدرت تعيش… وأنا لا."
أسعد سكت.
ولأول مرة بينهم…
الحقيقة كانت أوضح من أي وقت فات.
ماجى بصت له بعناد موجوع، ولسه دموعها على وشها وهي بتقول بحدة:
"علشان كده عمري ما شفتك راجل."
الكلمة نزلت على أسعد كأنها صفعة قوية.
ملامحه اتغيرت فجأة، والغضب سيطر عليه بشكل مخيف، فقرب منها بسرعة ومسك دراعها بعنف وهو بيقول بصوت مهزوز من العصبية:
"إنتي بتستفزيني ليه؟!"
ماجى حاولت تبعده عنها وهي بتبصله بتحدي ووجع في نفس الوقت:
"لأن دي الحقيقة."
أسعد كان على آخر أعصابه، لكن في اللحظة دي—
صوت تكسير زجاج تحت رجله خلاه يفوق لنفسه فجأة.
بص لماجى…
شاف خوفها، وانهيارها، وحالتها اللي وصلت لها.
وساعتها سابها مرة واحدة، ورجع خطوتين لورا وهو بياخد نفسه بعنف، كأنه بيحارب نفسه بالعافية.
مرر إيده في شعره بغضب، وبعدين ضرب الحيطة بإيده بقوة لدرجة إن ماجى انتفضت مكانها.
وقال بصوت متكسر من القهر:
"إحنا بقينا بنكره بعض بالشكل ده؟"
ماجى نزلت عينيها وهي بتحاول تمنع دموعها، لكن صوتها خرج مهزوز:
"إحنا عمرنا ما حبينا بعض أصلًا."
الصمت نزل بينهم تقيل جدًا.
أسعد فضل واقف ثواني يبصلها، وبعدها أخد الجاكيت بتاعه بعصبية وبدأ يلبسه بسرعة.
وقبل ما يخرج، وقف عند الباب بدون ما يبصلها مباشرة وقال بصوت بارد موجوع:
"واضح إن اللي بينا انتهى من زمان… وإحنا بس اللي كنا بنكدب على نفسنا."
وبعدين فتح الباب وخرج، سايب ماجى قاعدة وسط الأوضة المكسرة، بتعيط بانهيار لأول مرة من غير ما تحاول تخبي ضعفها.