
خرجت أنا وسميحة من الفيلا اللي شُفت فيها أول مرة معنى الراحة…
وشُفت فيها كمان أكبر كسرة في عمري.
دخلتها وأنا بنت بسيطة بتحلم بالأمان…
وخرجت منها مكسورة… شايلة وجع يكفي عمر كامل.
كنت ماشية وأنا مش عارفة أروح فين…
لو رجعت بيت أهلي هبقى جايبة لهم العار،
وأبويا ممكن يقتلني…
وأمي تروح فيها من القهر،
وإخواتي يتشردوا بسببي.
سميحة مسكت إيدي وقالت بدموع:
ـ تعالي اقعدي عندي يا حنان… لحد ما نشوف هنعمل إيه.
هزيت راسي وأنا ببكي:
ـ لا يا سميحة… ما ينفعش.
أهلي ممكن يعرفوا مكانك… وساعتها تحصل مصيبة.
قالت بحزن:
ـ طب هتروحي فين لوحدك يا بنتي؟
الدنيا بره صعبة، وإنتِ مالكيش حد.
بصيت للسما وقلت بصوت مكسور:
ـ ربنا معايا…
هو الوحيد اللي عارف إني مظلومة.
كانت دموعي بتنزل من غير ما أحس…
وقلبي واجعني بطريقة عمري ما حسيت بيها قبل كده.
سميحة دخلت بسرعة وطلعت الفلوس اللي معاها ومدتهالي.
قلت لها:
ـ لا يا سميحة، إنتِ محتاجاهم.
لكن أصرت وهي بتحضني:
ـ خديهم… يمكن ينفعوكي في غربتك.
أنا هنا وسط أهلي، لكن إنتِ رايحة لمين؟
حضنتها جامد…
وحسيت إنها أخت ما جبتهاش أمي.
مشيت…
وأنا مش عارفة رجلي هتوديني على فين.
فضلت ألف في الشوارع لحد ما وصلت محطة مصر.
لقيت قطر واقف… فركبته من غير ما أعرف رايح فين.
بعد شوية سألت الست اللي قاعدة جنبي:
ـ هو القطر ده رايح فين؟
بصتلي باستغراب وقالت:
ـ إنتِ ركبتي وإنتِ مش عارفة؟!
قلت لها بتنهيدة:
ـ والله ما أعرف…
أنا رايحة أي مكان بعيد.
قالت:
ـ القطر رايح إسكندرية.
سكت شوية… وبعدين سألتني:
ـ عندك حد هناك؟
هزيت راسي:
ـ لا.
واضح إن شكلي صعب عليها، فقالت بحنية:
ـ مالك يا بنتي؟
كدبت عليها وقلت:
ـ اتطردت من شغلي… ومليش حد.
الكومسري جه ياخد التذاكر،
ولقيتها بتدفعلي التذكرة من غير ما تحسسني بإحراج.
قلت بسرعة:
ـ لا لا، معايا فلوس.
ابتسمت وقالت:
ـ اعتبريني زي أختك الكبيرة.
وصلنا إسكندرية…
وهي مشيت، وأنا فضلت قاعدة في المحطة لوحدي.
الوقت كان متأخر جدًا… حوالي واحدة بعد نص الليل.
قلت أستنى للصبح أحسن.
نمت على كرسي المحطة من التعب…
وصحيت الصبح على صوت الناس والزحمة،
وبطني بتصرخ من الجوع.
اشتريت قرصين من فرن صغير وأكلتهم،
وبدأت ألف على المحلات أسأل على شغل.
لكن محدش رضي يشغلني.
من الصبح لحد بالليل وأنا ماشية…
لحد ما الدنيا اسودت في وشي فجأة،
وحسيت بعربية خبطتني وقعتني على الأرض.
سمعت صوت راجل كبير بيقول بخضة:
ـ يا بنتي! إنتِ كويسة؟!
فتحت عيني بالعافية…
ولقيت راجل كبير لابس شيك جدًا ووشه كله طيبة.
أخدني بسرعة على المستشفى،
وبعد الكشف قالوا إن دراعي الشمال مكسور واتجبس.
وإحنا خارجين سألني:
ـ بيتك فين أوصلك؟
بصيتله ودموعي نزلت:
ـ ماليش بيت… ولا ليا حد.
اتأثر بكلامي وقال:
ـ طب تعالي معايا…
إنتِ زي بنتي.
اتخضيت فورًا…
وخفت من الدنيا ومن الناس.
قلت بتردد:
ـ ما ينفعش أروح مع راجل غريب.
ابتسم بحزن وقال:
ـ شكلي يخوف للدرجة دي؟
ده أنا ممكن أبقى أكبر من أبوكي.
فضل يطمني لحد ما وافقت.
ركبت معاه العربية،
ووقف قدام عمارة فخمة جدًا.
قلبي كان بيرتعش…
وخوفي رجعلي تاني.
طلعنا الشقة، ولسه داخلين…
لقيت بنت واقفة بتبصلي بصدمة وبتقول بعصبية:
ـ مين دي يا بابا؟!
هو إنت جايب واحدة من الشارع تدخلها بيتنا؟!
الكلمة جرحتني جدًا…
لكن الصدمة الأكبر كانت لما الراجل رد وقال:
ـ إنتِ اتجننتي؟!
دي مراتي على سنة الله ورسوله!
اتجمدت في مكاني…
وحسيت إن الأرض بتلف بيا…
ياترى الراجل ده بيقول الحقيقة؟!
وإيه السر اللي مخبيه؟!
وهل حنان هتبدأ حياة جديدة…
ولا هتدخل في كابوس أخطر من اللي فات؟!
رواية صرخة في بيت الأغنياء الفصل الثامن8 بقلم وفاء الدرع
فتح باب الشقة…
وفجأة ظهرت بنت في أواخر الثلاثينات، شكلها شيك جدًا، لكن أول ما شافتني بصتلي من فوق لتحت وقالت بعصبية:
ـ إيه اللي إنت جايبها دي يا بابا؟!
رد عليها الراجل بهدوء:
ـ إنتِ اتجننتي يا مريم؟!
دي مراتي على سنة الله ورسوله.
اتصدمت من كلامه…
وبصيتله بذهول.
إزاي يقول كده وإحنا أصلًا ما اتجوزناش؟!
لكن الصدمة الأكبر كانت رد بنته…
ضحكت بسخرية وقالت:
ـ حضرتك دي عادتك أصلًا!
كل شوية تجيب واحدة من الشارع وتقول دي مراتي على سنة الله ورسوله،
وفي الآخر يطلع جواز عرفي يومين وينتهي!
كنت واقفة مكاني مكسورة…
الكلام كان جارح جدًا.
كملت بعصبية:
ـ إحنا تعبنا منك ومن تصرفاتك يا بابا!
إنت لازم نِحجر عليك بقى!
بص لها بهدوء لأول مرة أحسه حزين وقال:
ـ كل مرة فعلًا كنت بغلط…
لكن بقالي سنة كاملة مستقيم، وربنا هداني.
والبنت دي غير أي حد شوفتيه قبل كده.
ودي فعلًا هتبقى مراتي قدام ربنا والناس، والقسيمة هتيجي بعد كام يوم.
ردت عليه ببرود:
ـ حاضر يا بابا… لما نشوف المرة دي حقيقي ولا زي كل مرة.
أخدت بنتها الصغيرة ومشيت وهي متعصبة.
فضلت واقفة مش فاهمة أي حاجة،
وبعدين بصيتله وقلت:
ـ حضرتك ليه قلت كده؟!
إحنا أصلًا ما اتجوزناش!
رد عليا بهدوء غريب:
ـ لأنّي فعلًا ناوي أتجوزك يا حنان.
اتصدمت أكتر وقلت بسرعة:
ـ وأنا أصلًا مش عايزة جواز…
أنا كل اللي محتاجاه شغل يسترني، وأبعد عن أهلي.
قعد قدامي وقال:
ـ أول مرة أقابل واحدة زيك…
حسيت إن كلامك صادق، وإن وراكي وجع كبير.
ارتحت لكلامه جدًا…
وحسيت لأول مرة إن في حد سامعني بجد.
وحكيتله كل حاجة…
حكيتله عن آدم…
وعن اللي ضاع مني…
وعن كسرتي وخوفي،
وإني نفسي أرجع في يوم وآخد حقي.
تنهد وقال بحكمة:
ـ أوعي يا بنتي تضيعي نفسك بسبب الانتقام.
الإنسان وقت غضبه ممكن يعمل حاجة يندم عليها العمر كله.
وسكت شوية وبعدين قال:
ـ أنا هجيب المأذون، ونكتب الكتاب.
تبقي مراتي قدام الناس كلها، لكن صدقيني… أنا مش عايز منك أي حاجة.
بصيتله باستغراب:
ـ ليه بتعمل معايا كل ده؟
ابتسم بحزن وقال:
ـ عشان أنا عملت ذنوب كتير قوي زمان…
ويمكن ربنا باعتك ليا عشان أكفر عن اللي فات.
أنا كنت إنسان مستهتر جدًا، وربنا هداني من سنة واحدة بس.
وسألني:
ـ تعرفي أنا عندي كام سنة؟
قلت بابتسامة خفيفة:
ـ العمر كله ليك يا حاج.
ضحك وقال:
ـ عندي ٦٥ سنة يا حنان.
دعيتله من قلبي…
وحسيت إن ربنا بعتلي طوق نجاة في الوقت اللي كنت بغرق فيه.
وفعلًا…
بعد يومين جه المأذون ومعاه شاهدين،
واتكتب الكتاب.
كنت مرعوبة…
لكن لأول مرة من شهور أحس إني مستورة.
بعد ما المأذون مشي بحوالي ساعة،
الباب خبط.
دخلت مريم ومعاها أخواتها الاتنين.
وقتها عرفت إن جوزي اسمه كمال المصري…
وإنه واحد من أهم رجال الأعمال في إسكندرية.
بص لمريم وقال:
ـ إنتِ جايبة إخواتك عشان تحجروا عليا؟
فجأة اتكلم ابنه الكبير، وكان طويل جدًا وشكله مهيب كأنه لاعب رياضة.
قال باحترام:
ـ عمرها ما تحصل يا بابا…
حتى لو ثروتك كلها راحت، إحنا فداك.
وبص لمريم بغضب خفيف وقال:
ـ أنا أول ما عرفت إنها قالتلك كده، اتصلت بحازم وجينا فورًا نراضيك.
دمعت عيون كمال، وقام حضنه وقال:
ـ ربنا يخليكوا ليا يا ولادي.
مريم قربت من أبوها وباسته في راسه وقالت:
ـ أنا آسفة يا بابا… والله كنت مضغوطة.
أبو بنتي كل شوية يهددني ياخدها مني.
قالها بحنان:
ـ طول ما أنا عايش محدش يقدر يقربلك.
اتكلم أخوها الصغير حازم بعصبية:
ـ وأنا هخليه يطلقك ويكتب تنازل إنه ما يتعرضلكيش تاني!
كنت واقفة مذهولة…
أول مرة أشوف عيلة متماسكة بالشكل ده.
رغم أخطاء أبوهم…
لكن حبهم واحترامهم ليه كان كبير جدًا.
كمال بدأ يعرفني عليهم:
ـ ده سمير ابني الكبير، متجوز وعنده ولدين وبنت.
وده حازم، متجوز وعنده توأم.
ودي بنتي مريم…
ودي حفيدتي أريام.
وبعدين بص لهم وقال:
ـ حنان مش مرات أبوكم وبس…
دي أختكم الصغيرة كمان.
ابتسم سمير وقال فورًا:
ـ دي فعلًا أختنا.
ورد حازم ومريم بنفس الكلام.
وفي اللحظة دي…
حسيت إني لقيت العيلة اللي اتحرمت منها طول عمري.
بدأت الأيام تعدي…
وكان كل يوم جمعة العيلة كلها تتجمع عند كمال.
ضحك… هزار… حب…
حاجات عمري ما شفتها قبل كده.
وقلت لنفسي:
ـ يمكن ربنا بيعوضني أخيرًا.
لكن القدر كان مخبيلي صدمة جديدة…
في يوم صحيت تعبانة جدًا…
دوخة وترجيع وتعب غريب.
مريم خافت عليا وأصرت تاخدني للدكتورة.
وبعد الكشف…
الدكتورة ابتسمت وقالت:
ـ ألف مبروك… المدام حامل.
اتجمدت في مكاني…
وحسيت إن الدنيا وقفت حواليا…
ياترى حنان هتقول الحقيقة لكمال؟!
ولو عرف إن الطفل من آدم… هيكون رد فعله إيه؟!
وهل الماضي هيرجع يطاردها من جديد؟! 😳🔥