
السلطة الخامسة و الاربعون 💘💘❤️
بينما كان السكون يلف أرجاء فيلا الإسكندرية، دفنت نيرفانا هاتفها المحمول على عجلٍ تحت الوسادة، كأنها تواري جُثة جريمة قتل، ثم صاحت بصوتٍ مرتجفٍ لا يكاد يُسمع: – "مَـين؟!"
جاءها الرد الذي جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ صوتٌ هادئ، مألوف، يحمل ثقلاً لا يخطئه قلبها، رغم أنها تركت صاحبه في القاهرة منذ ايام : – "أنا يا نيرفانا... أبوكِ."
ابتلعت ريقها بصعوبة مريرة، واهتز صدرها بأنفاس متلاحقة تفتقر للأكسجين. لم تكن تتخيل أن "رائد" سيلحق بها إلى هنا بهذه السرعة والكيفية. فُتح الباب على مهل، وانشق ظلام الغرفة عن قامة رائد بخطواته الرصينة، وعلى وجهه تلك الابتسامة الناعسة التي لطالما كانت القشرة الخارجية لبركانٍ يغلي.
أغلق الباب خلفه بإحكام—تكة القفل كانت كإعلان حصار—ثم سار نحوها قائلاً بنبرة هادئة حد الرعب: – "إيه يا حبيبتي؟ طلعتي فوق ليه؟ ليلى قالت لي إنك نايمة من بدري؟"
تلعثمت نيرفانا، وهي تحاول حياكة كذبتها بخيطٍ واهٍ يوشك على الانقطاع: – "حسّيت بصداع مفاجئ يا دادي.. قلت أطلع أستريح شوية."
جلس رائد إلى جوارها على طرف الفراش، ومد يده يتحسس جبينها بحنان أبويّ يسبق العاصفة، وكأنه يختبر ثباتها قبل أن يختبر حرارتها: – "مافيش حرارة.. إن شاء الله هتبقي كويسة."
لكن الطمأنينة الهشة انكسرت في لحظة، حين انبعث رنين مكتوم ومستمر من تحت الوسادة.. نغمة محرّمة فضحت كل ما حاولت مواراته. انقبض وجه نيرفانا وشحب لونها وكأنها أُمسكت بالجرم المشهود. رصد رائد تلك الرعشة في حدقتيها، وببرودٍ مرعب، مد يده وسحب الهاتف من مخبئه.
أضاءت الشاشة، وعكست الضوء على ملامح وجهه التي تحولت إلى قناع من السخرية المرة وهو يقرأ الاسم: – "آدم حمدي؟"
أطرقت نيرفانا رأسها بيأس، بينما أطبق رائد أصابعه على الهاتف حتى كاد يهشم إطاره، ثم أغلقه بحدة، وأمسك بذراعها برفقٍ موجع أجبرها على النظر إليه: – "بصّيلي يا نيرفانا.. إنتي لسه بتكلميه؟"
لم تجد حديتها القدرة على الرد، فكانت دموعها المنهمرة هي الاعتراف الصريح. هنا، انفرط عقد هدوء رائد، وانفجر بنفاد صبر مكتوم: – "كده ماينفعش أنا أديتك أعذار وفرص بما فيه الكفاية. إنتي عايزة مني إيه؟ بتهدي كل اللي بنيته عشانك بيدك حرام عليكي.. السذاجة دي مش هتجيب لك غير الأذى. لازم تبقي زَيّي يا نيرفانا.. سامعة؟ لازم تكوني صلبة."
ردّت بنشيج متقطع يمزق نياط القلب: – "أنا بحاول.. صدّقني! عمري ما هكلمه تاني، أوعدك."
زفر رائد بضيق، وألقى بكلماتٍ كانت كطلقات الرصاص التي تُنهي مرحلة وتبدأ أخرى: – "نيرفانا، إنتي بقيتي متجوزة (غيث) دلوقتي.. فاهمة يعني إيه؟ انسي كل اللي اتعلمتيه من أمّك، وافتكري بس اللي أنا علّمتهولك. أنا مش عايز أسيبك وإنتي بالهشاشة دي."
توقفت دموعها فجأة، ورفعت رأسها بسرعة وقد تسارعت دقات قلبها من نبرة "الوداع" المستترة في صوته، وسألت بهلع: – "تسيبني؟! قصدك إيه؟! إنت هتروح فين وتسيبني يا دادي؟!!"
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜
ثبت رائد نظراته في عينيها لثوانٍ طالت حتى شعرت نيرفانا أن الزمن توقف، كانت نظرة غامضة، مزيجاً من الشفقة والقسوة، وكأنه يودع فيها الطفلة التي كانتها ليحضر المرأة التي يجب أن تكونها.
أفلت ذراعها ببطء، ثم نهض وخطا نحو النافذة المطلة على سواد البحر في الإسكندرية، وقال بصوتٍ منخفض الرنين: – "الدنيا مابتفضلش على حالها يا نيرفانا.. والمراكز اللي بنوصل لها ليها ثمن، والثمن ده أحياناً بيكون الغياب. غيث مش مجرد زوج، غيث هو الدرع اللي اخترته ليكي لما مأكونش موجود."
استقامت نيرفانا في جلستها، ونزلت قدماها على الأرض بوهن وهي تهمس بصوت مخنوق: – "كلامك بيخوفني.. إنت في مشكلة؟ حد بيهددك؟ عشان كده جوزتني غيث بالسرعة دي؟"
استدار إليها رائد فجأة، واقترب منها حتى انحبست أنفاسها، ثم وضع يده على كتفها وضغط بقوة: – "أنا اللي بهدّد يا نيرفانا، مَحَدش يهددني.. بس اللعبة كبرت، والقطط السمان اللي كنت بمشّيهم على صوابعي بقوا دياب وجاعوا. أنا مش هسيبك، أنا بـ "أمّنك". وعشان أتطمن عليكي، لازم آدم حمدي ده يتمسح من ذاكرتك.. ومن حياتك."
مد يده وأعاد إليها الهاتف المغلق، لكنه لم يتركه حتى تأكد أنها أمسكت به جيداً، وأكمل بتحذير أخير: – "لو رن التليفون ده تاني وظهر اسمه.. مش هكسر التليفون يا نيرفانا، هكسر القلب اللي لسه بيحنّ له. غيث لو عرف، مش هيرحمك.. وأنا مش هقدر أمنعه."
اتجه نحو الباب، وقبل أن يخرج، التفت إليها بظله الطويل الذي غطى نصف الغرفة: – "اغسلي وشك وانزلي.. ليلى وغيث مستنيينك تحت على العشا. مش عايز خذلان يا بنتي.. النهاردة بالذات، لازم تكوني (بنت رائد الذهبي ) بجد."
خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء مخيف، تاركاً إياها في تلك الغرفة الباردة، تمسك بهاتفها كأنه قنبلة موقوتة، وتتساءل برعب: من هو الخطر الحقيقي؟ الدياب التي يخشاها أبوها، أم غيث الذي أصبح زوجها، أم قلبها الذي لا يعرف كيف يتوقف عن حب الرجل الخطأ؟
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜
وقفت نيرفانا أمام المرآة، تمسح آثار دموعها بعنف وكأنها تمسح ضعفها. وضعت القليل من مساحيق التجميل لتخفي شحوب وجهها، لكن عينيها ظلتا تحكيان قصة رعبٍ مكتوم. نزلت درجات السلم بخطوات ثقيلة، وكل درجة تهبطها كانت تشعرها بأنها تقترب من قفص حديدي لا مفر منه.
في غرفة الطعام الواسعة، كان الصمت سيد الموقف، لا يقطعه إلا صوت ارتطام الملاعق بالصحون الصينية الفاخرة. جلس رائد في صدر المائدة بهيبته المعتادة، وعن يمينه ليلى التي كانت تراقب الأجواء بنظرات قلقة، وعن يساره جلس غيث.
كان غيث يجلس بوضعية مسترخية لا تخلو من حذر، يرتدي قميصاً أسود برزت من خلاله عضلات كتفيه، وبمجرد أن خطت نيرفانا داخل الغرفة، رفع عيناه الصقريتان نحوها. لم تكن نظراته نظرات زوج مشتاق، بل كانت نظرات "صياد" يراجع تفاصيل فريسته.
قال رائد بنبرة آمرة وهو يشير إلى المقعد المجاور لغيث: – "تعالي يا نيرفانا.. غيث كان بيسأل عليكي."
جلست نيرفانا، وشعرت ببرودة جسد غيث رغم أنه لم يلمسها. سألها بصوتٍ رخيم، فيه نبرة غريبة جعلت قشعريرة تسري في جسدها: – "سلامتك يا نيرفانا.. الصداع راح؟"
نظرت إلى طبقها ولم تجرؤ على رفع عينها إليه: – "الحمد لله.. أحسن شوية."
وضع غيث شوكته وهبط بجسده قليلاً نحوها، وهمس بصوت مسموع للجميع لكنه موجه لها وحده: – "غريبة.. أنا قلت يمكن هواء إسكندرية ما جاش على هواكي، ووحشتك زحمة القاهرة.. وأهلها."
توقفت يد نيرفانا عن الحركة. هل سمع شيئاً؟ هل أخبره والدها؟ تلاقت نظراتها بنظرة والدها "رائد" الذي كان يتابع المشهد ببرود، وكأنه يختبر قدرتها على الصمود.
تدخلت ليلى محاولة تلطيف الأجواء: – "يا حبيبي هي لسه مش متعودة على سهر الإسكندرية، بكره تاخد على الجو."
لكن غيث لم يتراجع، بل مد يده وأمسك ببراعة يد نيرفانا التي كانت ترتجف فوق المائدة، وضغط عليها ببطء وهو ينظر لرائد قائلاً: – "ما تقلقيش يا طنط ليلى.. نيرفانا من النهاردة لازم تتعود على حاجات كتير.. وأولها إن مفيش حاجة بتستخبى عني، مش كده يا عروسة؟"
شعرت نيرفانا أن أنفاسها تضيق، ونظرت إلى يد غيث التي تطوق يدها كالقيد، ثم نظرت إلى والدها الذي هز رأسه ببطء، وكأنه يبارك هذا الحصار.
فجأة، اهتز هاتف رائد الموضوع على المائدة. نظر إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه تماماً، اختفت الابتسامة المصطنعة وحل محلها وجوم قاتم. نهض رائد بسرعة وقال باقتضاب: – "غيث.. كملوا عشاكم. عايزك في المكتب حالاًَ."
انسحب رائد بخطوات واسعة، ونهض غيث خلفه، لكنه قبل أن يترك يد نيرفانا، مال على أذنها وهمس بكلمات جمدت الدماء في عروقها: – "التليفون اللي كان بيرن فوق.. لو رن تاني وأنا موجود، مش هكتفي إني أقفل السكة يا نيرفانا.. هخلي صاحب النمرة ينسى إنه اتعلم الكلام أصلاً."
تركها وخرج، لتسقط هي في مقعدها، تائهة بين أبٍ يبيعها للأمان، وزوجٍ يعرف أكثر مما ينبغي.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜
دخل غيث المكتب، وأغلق الباب خلفه بهدوء لم يقلل من توتر الموقف. كان رائد يقف خلف مكتب غيث الضخم، يحدق في شاشة هاتفه بوجهٍ كأنما نُحت من صخر. التفت إلى غيث، وألقى الهاتف فوق الطاولة قائلاً بنبرة خافتة: – "الرسالة وصلت.. بعتوا الصور."
خطا غيث نحو المكتب ببرود، التقط الهاتف وتفحص ما فيه. كانت صوراً لنيرفانا وهي تقابل آدم حمدي في أحد الكافيهات المنزوية بالقاهرة قبل سفرها بيوم واحد. لم تهتز شعرة في وجه غيث، بل ازداد بريق عينيه قسوة.
قال غيث وهو يعيد الهاتف لرائد: – "آدم حمدي مش بس بيلعب بقلب بنتك يا رائد بيه.. ده بيلعب بورقة ضغط ضدنا. الصور دي لو وصلت للصحافة أو المنافسين في التوقيت ده، اسم (الذهبي ) هيتهز، والصفقة اللي بنرتب لها هتطير."
ضرب رائد المكتب بقبضة يده: – "عشان كده لازم ننهي الحكاية دي الليلة. نيرفانا لسه خام، فاكرة إن الحب ممكن يحميها من الحيتان اللي حوالينا. هي مش فاهمة إن آدم ده مجرد طُعم بعتوه عشان يكسروا عيني بيه."
نظر غيث إلى رائد مطولاً، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تصل لعينيه: – "أنا وافقت أتجوز نيرفانا لأني عارف قيمتها وقيمة الشراكة اللي بينا.. بس أنا مابحبش الشريك "المستعمل" يا رائد بيه. آدم حمدي لازم يختفي.. مش بس من حياتها، من الدنيا كلها."
رائد بصوتٍ حذر: – "مش عايز دم.. مش دلوقتي. إحنا تحت الأضواء."
رد غيث وهو يتجه نحو الباب: – "الدم بيلوّث الإيدين.. وأنا بحب أشتغل بجوانتي. سيب لي الملف ده، واعتبر إن آدم حمدي انتهى من اللحظة اللي فكر فيها يلمس حاجة تخصني."
في غضون ذلك.. في غرفة نيرفانا
كانت نيرفانا قد صعدت لغرفتها، وأغلقت الباب بالمفتاح. يدها كانت ترتجف وهي تفتح هاتفها الذي أعاده لها والدها. وجدت رسالة نصية واحدة من رقم مجهول:
"نيرفانا.. اهربي. غيث مش اللي إنتي فاكراه، وأبوكي بيضحي بيكي عشان يداري بلاوي قديمة. أنا مستنيكي في المكان القديم الفجر.. لو ماجيتيش، اعتبريني ميت."
انفجرت نيرفانا في بكاء صامت. هي الآن بين مطرقة والدها الذي يراها "صفقة"، وسندان غيث الذي يراها "ملكية خاصة"، وحبيبٍ يطلب منها المجهول.
سمعت فجأة صوت خطوات رصينة تقترب من باب غرفتها.. توقفت الخطوات. ثم طرقتان هادئتان، وصوت غيث من خلف الباب: – "نيرفانا.. افتحي. لسه فيه كلام ماخلصش."
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜
انتفضت نيرفانا من مكانها، وأخفت الهاتف بسرعة خلف ظهرها وهي تنظر إلى الباب الموصد برعب. كانت رسالة "آدم" لا تزال تحرق عينيها، وصوت غيث من الخارج يطالب بالدخول.
مسحت وجهها ببراعة، وحاولت استجماع شتات نفسها قبل أن تتحرك بخطوات ثقيلة وتدير المفتاح. فُتح الباب، وظهر غيث بقامته التي سدت ممر الغرفة، وعيناه تتفحصان ملامحها بدقة مريبة.
دخل غيث الغرفة دون أن ينتظر دعوة، وأغلق الباب خلفه، ثم استدار إليها وسأل بنبرة هادئة لكنها حادة كالسكين: – "تأخرتي ليه في الفتح؟ كنتي بتعملي إيه؟"
تلعثمت وهي تتراجع للخلف: – "كنت.. كنت هنام. انا تعبانة يا غيث."
رفع غيث حاجبه بسخرية، وتقدم نحوها حتى حاصرها بين نظراته وبين الفراش، وقال بصوت منخفض: – "رائد بيه قالي إنه طالع يطمن عليكي تاني ، بس مكنتش أعرف إن طلعته بتخلي وشك يصفرّ كدة. هو قالك إننا هننقل بيتنا يوم الخميس، مش كدة؟"
أومأت برأسها بالنفي بصمت، فتابع غيث وهو يميل نحوها، وضغط بإصبعه على ذقنها ليرفع وجهها إليه: – "نيرفانا.. أنا مش رائد. رائد بيخاف عليكي من الهوا، أنا بخاف عليكي من "نفسك". الخوف اللي في عينيكي ده مش مني، ده من حاجة تانية.. حاجة إنتي مخبياها."
توقفت أنفاسها حين مد يده ببطء نحو الوسادة، وكأنه يشم رائحة السر الذي تخفيه، لكنه توقف قبل أن يلمسها، ونظر إليها ببرود مرعب: – "جهزي نفسك.. من هنا ليوم الخميس، مش عايز حركة واحدة غلط. وأي حد هيحاول يقرب منك، أو يبعت لك رسالة، أو حتى يذكر اسمك على لسانه.. اعتبريه انتهى."
ابتعد عنها فجأة، واتجه نحو الباب، ثم التفت إليها بابتسامة غامضة: – "نامي يا عروسة.. وارتاحي كويس. لأن من يوم الخميس، مفيش نوم.. فيه حياة تانية خالص مستنياكي."
خرج غيث، وتركها تنهار فوق الفراش. أخرجت الهاتف من خلف ظهرها بيد ترتعش، ونظرت لرسالة آدم: "لو ماجيتيش، اعتبريني ميت."
كانت نيرفانا تدرك في تلك اللحظة أن "الموت" يحيط بها من كل جانب؛ فإما أن تموت هي قهراً تحت سيطرة غيث، أو يموت آدم بسببه.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى 💜 💜 💜 💜 💜
بعد أن خرج غيث من غرفتها تاركاً جملته تتردد كحكم بالإعدام: "يوم الخميس مفيش ميت بيقوم من قبره"، شعرت نيرفانا بجدران الغرفة تضيق عليها. لم تحتمل البقاء وحيدة مع رسالة "آدم" وتهديد "غيث".
اندفعت خارج غرفتها، وسارت في الممر بخطوات متعثرة حتى وصلت إلى جناح والدها. فتحت الباب دون طرق، وجدته واقفاً يلملم بعض أوراقه بوجوم.
لم تستوعب نيرفانا ما يحدث، فقامت واقفة أمام المكتب ، تدور في الغرفة كأن الأرض قد فقدت اتزانها تحت قدميها، وهتفت بصوت يخنقه البكاء: – "لا لا لا... مش هينفع يا دادي، مش مستعدة! غيث لسه خارج من عندي وبيقول الخميس.. أنت بتقول كده ليه؟! في حاجة حصلت؟ في خطر؟!"
توقف رائد عما يفعله، وسار نحو النافذة دون أن يجيب. ظل صامتًا لحظات، يتأمل الشارع الخافت من خلف الزجاج، ثم قال بنبرة غريبة: – "فيه حاجات يا نيرفانا، ماينفعش أقولها. بس لو جي يوم، وحسّيتي إني اختفيت فجأة... أو إن فيه حاجة غلط... افتكري اللي بقولهولك دلوقتي."
شهقت وهي تقترب منه وتشدّ كمه كطفلة ترفض أن تفلت يد أبيها أمام وحش كاسر: – "لا تقول كده... بالله عليك، ما تقولش كده! خدني معاك، بلاش تسيبني لغيث دلوقتي."
استدار نحوها، وقبض على وجهها بين كفيه، وفي عينيه نظرة انكسار لم ترها من قبل: – "يا حبيبتي، أوقات الرجالة بيتطرّوا يختفوا علشان البنات يفضلوا واقفين. أنا عمري ما كنت هسيبك، بس فيه أوقات... لازم تختاري إنتي تبقي إزاي. غيث هو حمايتك الوحيدة دلوقتي."
ثم أضاف بنبرة خافتة كأنها وصية: – "لما تبقي لوحدك في بيته... افتكري إنك مش لوحدك."
انفجرت في بكاءٍ حار، وعانقته بعنفٍ، كأنها تتشبث بآخر خيط يربطها بحياتها القديمة، كأنها ترجوه أن يتراجع عن هذا الزواج أو هذا الرحيل. لكنه لم يعدها بشيء، فقط أمسكها بين ذراعيه بصمتٍ يشبه الوداع الجنائزي.
قلب السلطة
بقلم: مروة البطراوي 💜
في هذه اللحظة، قطع هذا العناق الوداعي اهتزاز هاتف "رائد". نظرة سريعة منه للشاشة كشفت عن اسم المتصل الذي جعل تقاسيم وجهه تزداد تشنجاً: "سميحة".
تراجع رائد قليلًا، وتغيرت نظراته تماماً. قبل أن يفتح الخط، وجّه نظرة صارمة لنيرفانا وقال بلهجة آمرة: – "خلّيكِ هنا... ماتنزليش لتحت غير لما أقولك."
خرج من الغرفة بسرعة، يمسك بالهاتف وهو يرد بصوتٍ خفيض يحمل قلقاً حاول مواراته: – "أيوه يا سميحة... حصل إيه؟! طمنيني."
جاءه صوت "سميحة" من الطرف الآخر منكسراً، يغلبه النحيب والاضطراب: – "أوس يا رائد... أوس اختفي بقالي ساعة بقلب عليه الدنيا ومش لاقياه."
تسمّر رائد في مكانه، وانقبضت ملامحه وهو يسأل بحدة: – "يعني إيه اختفى؟! كان عندك في البيت، راح فين؟!"
ردت سميحة بشهقة مكتومة: – "من ساعة ما عرف إن نيرفانا اتجوزت غيث رسمي وهو مش في وعيه.. ثار وقلب الدنيا، وحلف إنه مش هيعدي الليلة دي على خير. خايفة يعمل كارثة يا رائد.. خايفة يضيع ويضيعنا معاه!"
حدّق رائد في الفراغ، وعيناه تضيئان بحذرٍ قاتم، وأدرك أن النيران بدأت تشتعل من جهة لم يحسب لها حساباً كافياً، فهمس بصرامة: – "اهدي يا سميحة.. اقفلي دلوقتي، وأنا هتصرف. أوس مش هيخرج برا القاهرة ، أنا هعرف أجيبه."
أغلق الهاتف، ووقف لثوانٍ يستجمع شتاته، ثم التفت نحو الباب المغلق حيث تقبع ابنته، غير مدرك أن نيرفانا كانت خلف الباب مباشرة، تلصق أذنها بالخشب، وقد سمعت اسماً واحداً جعل كيانها يرتجف: "أوس".
عادت نيرفانا إلى الخلف بخطوات متعثرة، وصوت سميحة يتردد في خيالها. لم تعد تدري أيُّ ثمنٍ هذا الذي تدفعه، و لماذا "أوس" يزلزل كيان والدها بهذا الشكل؟
كانت هذه الليلة هي البداية الفعلية لتحوّلٍ لن تنساه طيلة عمرها.. تحوّل سيجرف في طريقه كل الضحايا، والجلادين على حد سواء.
قلب السلطة
بقلم: مروة البطراوي 💜 💜 💜
غريبٌ أمرُ الكيمياء، تلك الساحرةُ الشرسة التي تتلاعب بتركيبة أرواحنا. "نيرفانا" بالنسبة لمن أحبها لم تكن مجرد امرأة، بل كانت ذلك المزيجُ الخارق الذي يوقظك تارةً في هيئةِ عالمٍ مهيب يدرك قيمة الجمال، وتارةً أخرى يمسخك في صورةِ وحشٍ هائج لا يرى أمامه سوى التملك.
هكذا كان الحال دائماً؛ تجد نفسك متأنّقاً، وسيمُ الطلعة، تقفُ أمام حبيبتك، تبحثُ بين زوايا قلبك وأعماق روحك عن كلماتِ العشقِ العذبة، علّها تليقُ بحضورها الطاغي، فإذا بك—تحت تأثير كيميائها الخاصة—وعلى غير قصد، تُسمعها الجدولَ الدوريَّ للوجع، وكأنك تُلقي درسًا في الثبات لا اعترافًا بالهوى الذي يزلزل كيانك.
كانت نيرفانا هي "العنصر" الذي يقلب استقرار أي معادلة يدخل فيها، والآن، وبعد أن أصبحت ملكاً لغيث، انفجرت كل التفاعلات الهامدة، وبدأت الغازات السامة تتصاعد من ماضٍ ظن الجميع أنه دُفن.
نعود للواقع.. داخل فيلا الإسكندرية:
سحبت نيرفانا أذنها عن الباب ببطء، وقلبها يخفق بعنف خلف ضلوعها. "أوس".. الاسم تردد في عقلها كصدى مشؤوم. تذكرت ملامحه، وتذكرت تلك "الكيمياء" المضطربة التي كانت تجمعهما دائماً، وكيف في اخر لقاء بينهم تحول من الهدوء القاتل إلى الهياج الذي لا يرحم.
سمعت صوت باب الفيلا الخارجي يُغلق بقوة، وصوت محرك سيارة رائد ينطلق في عتمة الليل بسرعة جنونية. لقد خرج والدها ليبحث عن "أوس"، تاركاً إياها وحيدة في مواجهة الوحش الآخر الذي يقبع في الغرفة المجاورة.. غيث.
لم تكن نيرفانا تدري أن "الجدول الدوري" لحياتها سيتغير الليلة، وأن كل العناصر التي كانت تحميها، أصبحت الآن هي مصدر الخطر الأكبر.
قلب السلطة
بقلم: مروة البطراوي 💜
بعد بحثه عن أوس جاء يوم الخميس
بخطواتٍ ثابتة وصوتٍ يملؤه التهكم، كان رائد يتحرك في أرجاء الغرفة وهو يراقب "ليلى". لم تكن تلك القسوة المعتادة، بل كانت سخرية واضحة تعكس تحدياً خفياً. – "أنا شايفك لسه مش مصدقة"
ابتلعت ليلى ريقها بتوتر، ونظرت إليه بنبرة مهزوزة تكاد تكسرها الخشية: – "إنت... إنت ناوي على إيه يا رائد؟"
جلس بجانبها، ضاحكاً بمرحٍ عميق لا يطمئن، ومسح على شعرها برقة مبالغ فيها، ثم رمقها بنظراتٍ تمزج بين الغموض والدعابة: – "إنتِ لسه قلقة مني؟ إحنا مش اتفقنا إن لو سمعتِ كلامي هعمل لك كل اللي إنتِ عايزاه؟"
أومأت برأسها ببطء، مستحضرةً ذلك الاتفاق السري: – "حصل... قولتلي لو مثلت إني فجأة حبيتك، وقبلت أعيش معاك عادي قدام أهل بيتك لمدة أسبوع واحد بس، هتديني حريتي وهتسيبني أمشي..."
ثم تابعت بريبة: "بس أنا مش مطمنة... حاسة إنك بتدبّر لي حاجة!"
انفجر رائد بالضحك، ضحكة قوية ملأت أركان الغرفة: – "ده إنتِ فقدتي الثقة فيا خالص بس بذمتك، هكون متأنق ومتشيك كده، وملبسك الفستان الأنيق ده، عشان أخدك الصحرا أصفيكي مثلاً؟ إطمني يا قلبي، أنا هاوصلك لبيت مامتك، وأوعدك مش هتشوفي وشي الجميل ده تاني... غير في أحلامك"
ورغم دعابته، سألته بحدة عن الورقة التي تضمن نجاتها: – "طيب... وورقة طلاقي؟" أجاب بجدية غامضة: "كل حاجة هتمشي تمام.. وأنا عند وعدي."
لكنها قاطعته بحزم الأمومة: "مش هتنازل عن ابني يا رائد.. سامعني؟" ابتسم ابتسامة خبيثة: "إطمني.. مش هتتنازلي عنه، ده ليكي.. أنا غيرت رأيي، ومستكفي أوي بنيرفانا ومكانتها في قلبي."
نهض رائد بحماس مريب: "يلا يا حبيبتي.. ورايا مشوار تاني." أودعت يدها في كفه، فاجتذبها إليه وأوقفها، ثم وضع في يدها الأخرى عصاها المعدنية لتوازن خطواتها كأنها طفلة تتعلم السير.
بعد أن أحكم وثاق حزام الأمان حولها في السيارة، استأذن لدقيقة. سار مبتعداً، وأخرج هاتفه ليجري اتصالاً مع "يقين": – "خلصتي يا يقين؟" جاءه صوتها عبر الهاتف: "لسه.. بعمل الميك آب وهلبس الفستان. مش هتقولي إيه السهرة دي؟" رد بابتسامة لئيمة: "مفاجأة.. وشامل هيعدي عليكي طبعاً.. مسافة السكة وأكون عندكم."
أغلق الخط وتنهد بعمق وهو يستقل مقعد القيادة، دندن بصوتٍ عذب: "حاسس إن صدري هينفجر من كمية الإثارة اللي جوايا." نظرت إليه ليلى بعدم فهم، فأدار وجهه نحوها وابتسامته تتسع: – "الدايرة هتكمل أخيرًا يا ليلى... كل حاجة هتنتهي النهاردة... أو يمكن هتبدأ!"
انطلق بالسيارة بسرعة، مخلفاً وراءه الفيلا الساكنة، حيث تقبع نيرفانا وحيدة، وحيث بدأت خيوط اللعبة تتشابك في ليلة لن تمر بسلام على أحد.
قلب السلطة
بقلم: مروة البطراوي 💜 💜 💜 💜 💜 💜
ومع ارتطام عجلات السيارة بطريق المدينة المعبد، ترك "رائد" خلفه ضوضاء الفيلا وصمتها المطبق، بينما في قلبه تزداد دوائر الخطط والدهاء تعقيدًا؛ فكأنه يود أن يرسم بأصابعه خارطة لمصيره هو، وها هي "ليلى" تسير معه كأنها ورقة في لعبة أكبر منها، لم تدرك بعد من هو اللاعب الحقيقي ومن هو مجرد قطعة شطرنج.
كسر رائد الصمت، وقال بحدةٍ لا تخلو من غموض، وعيناه مثبتتان على الطريق الممتد أمامهم كالأفق المجهول: – "اللي جاي ده مش بس يوم جديد يا ليلى... ده بداية حركة كبيرة، وأنتِ مش هتكوني إلا جزء من المشهد الكبير."
تأملت "ليلى" في جانب وجهه، تبحث في عينيه عن شعاع صدقٍ واحد أو ركن أمانٍ تأوي إليه، فلم تجد سوى الغموض والبرود؛ فشعرت بخوفٍ أكبر، وحنينٍ جارف أن تخرج من تلك الحلقة المفرغة التي لا تعرف أين ستنتهي بها.
لكن رائد لم يمنحها فرصة للسؤال أو التراجع، بل تابع وكأنه يلقي حكمةً جنائزية: – "أهو كلنا في مركب واحد يا ليلى.. يا ننجو كلنا يا نغرق كلنا... وأنا ما بخافش الغرق، بس خايف على اللي بيحبني فعلاً."
ارتعشت يد ليلى في يده، لكنها لم تجرؤ على الانسحاب؛ ربما لأنه الوحيد الذي يملك مفاتيح ذاكرتها المبعثرة، أو لأنها أدركت—بيأسٍ مرير—أنها لم تعد تملك خيارًا آخر سوى المضي معه إلى النهاية.
وهكذا، انطلقا معًا في رحلةٍ يتخللها الظل، لا يعلمان أين نهايتها، لكنّ اليقين الوحيد هو أن الأيام القادمة ستكتب لهما فصلًا من المواجهة لا يُمحى، وأن "نيرفانا" التي تركاها خلفهما ليست إلا الشرارة الأولى في الحريق القادم.
قلب السلطة
بقلم: مروة البطراوي💜
قاطعه صوت "يقين" كشفرة حادة قطعت حبل كلامه: – "أنا شايفاك انسجمت مع المكان بسرعة!"
تجمد شامل، وبلل شفته السفلى بلسانه باحثاً عن مخرج، لكنه حين استدار نحوها، صدمه مظهرها الصارخ بالأنوثة. كانت "يقين" في تلك الليلة فتنة تمشي على قدمين؛ ترتدي رداءً أحمر من الحرير يلتصق بجسدها كالقيد، عارية الكتفين، يبرز مفاتنها بوضوحٍ طاغٍ.
تسريحة شعرها المرفوعة كشفت عن بهاء عنقها الطويل، ووجهها المستدير الذي تحدى خريف العمر بنضارةٍ مدهشة. كانت زينتها هادئة هذه المرة، باستثناء عينيها المجللتين بالسواد، وطلاء شفاهها الناري الذي بدا كجمرة تشتعل.
لم يستطع شامل سوى إطلاق زفرة مذهولة: – "أوف!"
لم تبتسم يقين لإطرائه، بل كانت تهز قدمها بنفاد صبر وهي تراقب نظراته التي تائهت بينها وبين الفتاة العشرينية. اقترب منها شامل وهو يتمتم بإعجاب شديد: – "يقين... إيه اللي إنتِ عاملاه في نفسك ده؟ انطقي قبل ما أعمل فعل فاضح هنا!"
انكسرت حدة صرامتها قليلاً، وأفلتت منها ابتسامة مقتضبة أخفتها سريعاً وهي تعود لغلظتها المصطنعة: – "أنا اتصلت بيك عشان تاخدني، ولا عشان ألاقيك بتظبط مع البنت وتعاكسها؟"
ضحك شامل وهو يقبض على خصرها فجأة، مجتذباً إياها لتصطدم بصدره: – "أعاكس مين بس؟ ركزي معايا هنا! إنتي بتجنني النهاردة يا يقين... لدرجة إني مش شايف غيرك!"
شهقت يقين من المفاجأة، لكنها استسلمت لغرورها الأنثوي وابتسمت باستحياء: – "عشان تعرف قيمتي بس... الظروف مش مخلياني متفرغة ليك، بس ده مش معناه إني ما عجبش يا شامل!"
ردّ عليها بتيهٍ وانبهار: "إنتي الليلة دي تعجبي الباشا، ومحدش هيقدر قيمتك غيري يا كوكي!"
نظرت يقين نحو عاملة الاستقبال بنظرة استكبار أرضت كبرياءها، ثم دفعت شامل في صدره برفق وقالت بجدية: – "طيب، يلا نستنى رائد بره... هو ممكن يوصل في أي وقت."
تفاجأ شامل ودهشته واضحة: "هنستنى في الشارع يا حبيبتي؟ إحنا قاعدين هنا" ردّت يقين بصرامة وهي تتحرك نحو المخرج: "هنتسناه في عربيتك... يلا!