
منيرة كانت واقفة فى نص الأوضة، شعرها منكوش ودموعها مغرقة وشها، وعينيها كلها خوف وانهيار.
أول ما عبدالله دخل وقفلت الباب وراه بسرعة، رفعت إيدها فى وشه وهى بتصرخ بطريقة هستيرية:
"إوعى تقرب! إياك تقرب منى!"
عبدالله وقف مكانه فورًا، وعينيه مليانة وجع عليها.
أما هى… فكانت بترجع لورا بخطوات مهزوزة، وبتضم إيديها على بطنها كأنها بتحمى نفسها.
"أنا مرات أسعد… فاهم؟! مرات أسعد!"
قالتها وهى بتضرب على صدرها بعنف.
"وهو هييجى… هييجى ياخدنى أنا وخالد… واللى فى بطنى كمان… وهنرجع لبعض."
صوتها كان بيتكسر بين كل كلمة والتانية، وكأن عقلها خلاص قرب ينهار من كتر الضغط والخوف.
عبدالله قرب خطوة صغيرة جدًا، ورفع إيده بهدوء:
"أهدى يا منيرة… والله لا يمكن أقربلك."
هزت راسها بعنف وهى بتعيط:
"كلكم كدابين… كل مرة تقولوا علشان مصلحتى، وفى الآخر بتاخدوا منى كل حاجة!"
الكلمة ضربت قلبه بقوة.
عبدالله بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت واطى:
"أنا عمرى ما كنت عايز أتجوزك بالشكل ده."
منيرة ضحكت ضحكة مكسورة وهى بتمسح دموعها بعشوائية:
"أمال وافقت ليه؟! ليه وقفت قدامى وكأنك بتدفنى بإيدك؟!"
عبدالله سكت ثوانى، وبعدها قال بألم حقيقى:
"علشان أحميكى."
منيرة شهقت بعدم تصديق:
"تحمينى بأنك تبعدنى عن جوزى؟!"
عبدالله غمض عينيه للحظة، وكأن الكلام بيخنقه، وبعدها قال:
"أسعد لو قربلك دلوقتى… هما هيموتوكى"
منيرة اتجمدت مكانها.
وعبدالله كمل بصوت متوتر:
"الناس دى مش هتسيب حد يعيش مرتاح… خصوصًا بعد اللى عرفوه."
منيرة همست بخوف:
"عرفوا إيه؟"
عبدالله بص لبطنها للحظة… وسكت.
لكن الصمت كان كفاية يخليها تفهم.
حطت إيديها على بطنها بسرعة، وعينيها وسعت برعب:
"هما عرفوا إنى حامل؟!"
عبدالله رد بسرعة:
"لسه… بس الشك بدأ يوصلهم."
منيرة حست إن نفسها بيتسحب منها، فقعدت على السرير وهى بترتعش.
"يعنى ابنى فى خطر…؟"
عبدالله قرب بحذر، لكنه وقف بعيد زى ما وعدها:
"وأنا أقسم بالله ما هسمح لحد يلمسك."
رفعت عينيها له فجأة، وبصتله بوجع حقيقى:
"بس أنا قلبى عند أسعد."
الكلمة نزلت عليه كسكينة.
ومع ذلك… ابتسم ابتسامة حزينة جدًا وقال:
"عارف."
منيرة دموعها نزلت أكتر:
"كل يوم بصحى وأنا حاسة إنى بخونه… حتى وأنا مجبرة."
عبدالله لف وشه الناحية التانية، لأن ملامح القهر اللى ظهرت فى عينيه كانت كفيلة تفضحه.
وبعد لحظة صمت طويلة…
قال بهدوء موجوع:
"أنا عمرى ما هطلب منك تبقى ليا."
منيرة بصتله بعدم فهم.
عبدالله كمل وهو بيحاول يثبت صوته:
"الجواز ده قدام الناس وبس… لحد ما الأزمة تعدى."
شهقة ضعيفة خرجت منها، وكأن حمل كبير اتحرك من فوق قلبها.
لكنها همست بخوف:
"ولو أسعد عرف…؟"
هيكرهنى
عبدالله رد بسرعة:
اللى يحب مايعرفش يكره
وسكت لحظة قبل ما يكمل بابتسامة باهتة:
"وده أهون عندى من إنى أشوفك مقتولة."
منيرة غطت وشها بإيديها وانهارت فى عياط مكتوم.
أما عبدالله… فوقف يبصلها من بعيد، حاسس إن قلبه بيتسحب منه حتة حتة، لكنه لأول مرة اقتنع إن الحب أحيانًا بيكون فى الحماية… مش الامتلاك.
وفى نفس اللحظة…
بعد اسبوع
كان أسعد قاعد لوحده فى أوضته، ماسك صورة قديمة لمنيرة، وعينيه كلها نار وشك.
وفجأة…
تليفونه رن.
رقم غريب.
رد بعصبية:
"مين؟"
لكن اللى سمعه بعدها… خلا الدم يتجمد فى عروقه.
أسعد..... "أيوة يا بابا؟! إنت فين؟ ورقم مين ده؟"
محمد أبو بكر..... وصوته خارج بفرحة مصطنعة: "لقيت خالد يا أسعد… لقيته."
أسعد اتنفض من مكانه مرة واحدة، وقلبه بدأ يدق بعنف: "إيه؟! لقيته فين؟! قولى بسرعة!"
محمد أبو بكر..... "لقيته فى دار أيتام… العنوان هو…"
لكن أسعد تقريبًا ماستناش يسمع باقى الكلام.
أول ما استوعب جملة "دار أيتام"… حس كأن حد ضربه فى قلبه مباشرة.
قعد على أول كرسى قابله، وعينيه مليانة صدمة وعدم استيعاب.
همس بصوت مكسور: "ليه يا منيرة…؟"
إيده شدت فى شعره بعنف، ودموع القهر لمعت فى عينيه: "إزاى هان عليكى خالد؟! إزاى تسيبين ابننا فى دار أيتام؟! وإنتى فين؟!"
افتكر ضحكتها… خوفها على خالد… حضنها له وهو صغير.
قلبه رفض يصدق.
لكن الوجع كان أكبر من أى تبرير.
وفجأة… قام مرة واحدة بعصبية، خطف مفاتيحه وفتح الباب بعنف، ونزل السلم جرى كأنه بيهرب من أفكاره.
طول الطريق… كان سايق بعينين مليانة نار وقهر.
بين كل دقيقة والتانية كان يضرب الدريكسيون بغضب: "ليه عملتى كده؟! ليه بعتيتينا بسهولة؟!"
لكن جواه… كان فيه صوت تانى موجوع بيقول: "لا… منيرة مستحيل تعمل كده من غير سبب."
وصل أخيرًا قدام دار الأيتام.
المكان كان قديم وهادى بشكل يوجع القلب.
نزل من العربية بسرعة، ودخل بعينين تايهة.
أول موظفة شافها قال بعصبية ولهفة: "فين مديرة الدار؟! أنا جاى علشان خالد… خالد أسعد محمد أبو بكر."
الموظفة اتوترت من شكله، وأشارت ناحية مكتب فى آخر الطرقة.
أسعد تقريبًا جرى للمكتب.
أول ما فتح الباب بعنف…
عيونه جت على خالد.
الطفل كان قاعد على الأرض، ماسك لعبة صغيرة ومندمج معاها ببراءة.
ثانية واحدة…
وأسعد حس إن الدنيا كلها وقفت.
خالد رفع عينيه الصغيرة ناحية الصوت، وبص لأسعد بعدم فهم.
أما أسعد… فكان واقف مكانه، جسمه كله بيترعش.
ملامح ابنه… كانت نسخة منه بشكل وجعه أكتر.
وفجأة… خالد ساب اللعبة، وجرى بخطوات صغيرة وهو بيضحك: "بابااا!"
الكلمة خبطت قلب أسعد بعنف.
ركع على ركبته فورًا، وفتح دراعاته، وخالد رمى نفسه فى حضنه.
أسعد ضمه بقوة رهيبة، وكأنه خايف يضيع منه تانى.
دموعه نزلت بدون ما يحاول يمنعها.
وهو بيبوس شعره بجنون: "حبيبى… ابنى…"
خالد ضحك ببراءة وهو ماسك وشه الصغير بإيديه: "بابا زعلان ليه؟"
أسعد ماعرفش يرد.
لأن قلبه كان بيتقطع بين فرحته بابنه… ووجعه من غياب منيرة.
رفع عينيه ببطء ناحية مديرة الدار: "مين اللى جابه هنا؟"بقلم ميادةيوسف الذغندى
مديرة الدار فتحت درج المكتب، وطلعت ملف صغير.
وقالت بهدوء: "اللى سلمته والدته."
أسعد عقد حواجبه بسرعة: "منيرة؟!"
الست هزت راسها، وطلعت صورة بطاقة وحطتها قدامه: "اسمها منيرة حسن عبدالجليل."
أسعد خطف البطاقة بإيده بسرعة، وعينيه جريت على الصورة.
هى…
منيرة فعلًا.
إيده بدأت تترعش وهو باصص للصورة، وقلبه بيدق بعنف.
قال بصوت متقطع: "قالتلكوا إيه؟"
مديرة الدار اتنهدت بحزن: "كانت منهارة جدًا… وبتعيط طول الوقت."
وسكتت لحظة قبل ما تكمل: "ولما سألناها عن السبب… قالت إنها مش قادرة تربى الطفل لوحدها، لأن أبوه محبوس."
الكلمة نزلت على أسعد كأنها سكينة.
بص قدامه بصدمة وعدم استيعاب.
"لوحدها…؟"
كررها بصوت واطى، وكأنه بيحاول يفهم.
مديرة الدار كملت: "وقالت إنها مالهاش حد يساعدها."
أسعد حس قلبه بيتقبض بقوة.
رعشتها وهى بتترجاه يصدقها.
منيرة اللى كانت بتموت لو خالد سخن شوية…إزاى تسيبه فى دار أيتام وتمشى؟!
قبض على خالد أكتر، وصوته خرج منخفض لكنه مخيف:"أنا مش مصدق."
محمد بصله بسرعة:"تقصد إيه؟"
أسعد رفع عينيه له مباشرة:"حاسس إن فى حاجة مستخبية عنى."
محمد حاول يضحك بخفة:"إنت تعبان ومتوتر."
عند منيرة…
كانت قاعدة على طرف السرير، ضامة صورة أسعد وخالد لصدرها بقوة.
أصابعها كانت بتمشى على ملامحهم فى الصورة وكأنها بتحاول تلمسهم فعلًا.
وعينيها مليانة دموع موجوعة.
همست بصوت مكسور: "ياريتك سمعت كلامى يا أسعد…"
دموعها نزلت أكتر وهى تكمل: "قولتلك إنهم مش هيسيبونا فى حالنا… قولتلك."
حضنت الصورة أكتر، وكأنها آخر حاجة باقية من حياتها القديمة.
وفجأة…
الباب خبط خبطتين خفاف، وبعدها عبدالله دخل بهدوء.
وقف يبصلها للحظات بحزن، قبل ما يقول بنبرة خفيفة يحاول يهون بيها الجو: "لسه بتكلمى الصورة؟"
منيرة مسحت دموعها بسرعة، لكنها ماقدرتش ترد.
عبدالله اتنهد، وبعدها قال: "قومى جهزى نفسك… إحنا مسافرين."
منيرة رفعت عينيها له بسرعة: "مسافرين؟"
عبدالله هز راسه: "آه."
منيرة قامت ببطء وهى مش فاهمة: "رايحين فين؟"
عبدالله سكت لحظة، وكأنه بيختار كلامه بحذر.
وبعدين قال: "السودان."
منيرة بصتله بصدمة: "السودان؟!"
عبدالله قرب من الشباك وبص بره وهو بيقول: "جالى شغل هناك… وفيه مكسب حلو."
لكن صوته ماكانش مقنع حتى ليه هو شخصيًا.
منيرة قربت منه بخوف: "إحنا بنهرب… صح؟"
عبدالله لف يبصلها، وسكت.
والصمت كان كفاية يجاوبها.
منيرة قلبها بدأ يدق بعنف: "يعنى هما عرفوا مكاننا؟!"
عبدالله رد بسرعة: "لسه… بس قربوا."
وبعدين قرب منها أكتر وقال بجدية: "لازم نمشى قبل ما يوصلولك."
منيرة حطت إيدها على بطنها بخوف لا إرادى.
أما عبدالله… فكان لأول مرة شكله مرعوب فعلًا.
قال بصوت منخفض: "أنا مستحيل أخاطر بحياتك أو حياة الطفل."
منيرة بصت للصورة اللى فى إيدها، ودموعها نزلت من جديد: "طب وأسعد؟"
عبدالله غمض عينيه بألم: "لو عرف مكانك دلوقتى… هيراقبوه ويوصلولك."
منيرة هزت راسها برفض: "بس قلبى بيقول إنه قرب يعرف الحقيقة."
عبدالله ابتسم ابتسامة حزينة: "ويمكن الحقيقة لما توصل… تكون متأخرة."
الكلمة وجعتها بشكل مخيف.
وفى نفس اللحظة…
كان أسعد قاعد فى أوضته، وخالد نايم على رجله، بينما هو باصص لصورة البطاقة بتاعة منيرة بعينين كلها شك.
وفجأة…
لاحظ حاجة خلت ملامحه تتغير تمامًا.
تاريخ استخراج البطاقة…
كان جديد.
جديد جدًا.
يعنى منيرة كانت مستخدمة بطاقتها من أيام قليلة.
أسعد رفع عينيه بصدمة…
وهمس: "يعنى انتى لسه هنا يا منيرة…"