
رواية في ظلال الوادي الفصل الخامس عشر15 بقلم زيزي محمد
بعنوان قتل الطبيبة خراب للوادي بأكمله
لم تشعر بشيء سوى بقبضته القوية تطبق على ذراعها، يحاصرها بجسده الضخم كأنه جدار بشري يحتمي بها ويُخفيها عن العالم في آنٍ واحد، دفعها إلى الداخل بعجلة وقسوة أربكت أنفاسها، وحتى بعدما دخلا الشقة وأغلق باب الشرفة بعنف اهتزت له الجدران، لم يتركها لحظة بل ظل ممسكًا بها بكل تلك الهيمنة التي تبث الرهبة في القلب، وكأنه يخشى أن تنفلت منه في ثانية واحدة.
كانت أصوات الرصاص بالخارج تتعالى بصورة مرعبة ومتقطعة أحيانًا، ثم تعود أكثر شراسة واتساعًا، حتى بدا الأمر وكأن الحي بأكمله تحول إلى ساحة حرب حقيقية، امتزجت الأصوات بصراخ بعيد وضوضاء ركض وفوضى عارمة، بينما قلب عائشة كان يخفق بعنف حتى شعرت أنه سيقفز من بين أضلعها،
دفعها عاصم نحو غرفة طفليها بسرعة حاسمة، ففتحت الباب لتجد خالتها شريهان جالسة خلف الفراش، تضم الطفلين إلى صدرها بقوة محاولة حمايتهما، بينما ملامح الرعب مرتسمة بوضوح على وجهها الشاحب.
وما إن وقعت عيناها عليهما حتى قالت بفزع بالغ:
-هي الحرب قامت ولا إيه؟
لكن عاصم لم يُجبها، فبدا وكأنه لا يسمع أحدًا، أو لعل عقله كان منشغلًا بما يحدث في الخارج بصورة أكبر من قدرته على الحديث، فاستدار نحو عائشة فجأة وأمسك كتفيها بقوة جعلتها تنتفض، ثم قال بصوت حازم يحمل نبرة أمر لا تقبل النقاش:
-خلي بالك من الولاد وأنا هنزل اشوف في إيه وارجعلكم.
ما إن أنهى جملته حتى تعلقت به عائشة فورًا، أمسكت بذراعه بكلتا يديها كأنها تخشى أن يختفي بمجرد أن تتركه، وقالت بصوت مرتجف يغمره الذعر:
-لا لا طبعًا استحالة اسيبك تنزل، انت مش سامع ضرب النار.
حاول أن يحرر ذراعه منها وهو يزفر بضيق واضح، ثم قال بنبرة يغلب عليها نفاد الصبر:
-عائشة اقعدي هنا مع الولاد، اسمعي الكلام.
لكن خوفها كان أقوى من قدرتها على الطاعة، فتشبثت به أكثر وهي تهز رأسها بعنف، وعيناها تمتلئان بالدموع تحاول منعه من جديد:
-لا، ما تنزلش! لو سمحت… يا عاصم افضل هنا لغاية ما الشرطة تيجي، أو ممكن يكونوا هما بيقبضوا على مجرمين!
وفي لحظة خاطفة انفجر صوته بصورة أرعبتها أكثر من أصوات الرصاص ذاتها:
-عــــائـــــشــــــة.
تجمدت في مكانها فورًا، واتسعت عيناها بصدمة حادة، ثم تراجعت للخلف بخوف حقيقي وهي تنظر إليه كأنها تراه لأول مرة، فلم يكن هذا هو الرجل الذي اعتادت هدوءه وصلابته الصامتة، بل بدا الآن شخصًا آخر تمامًا؛ أكثر قسوة وأكثر شراسة...وأكثر استعدادًا للاشتعال.
أما هو فلم يلتفت إليها بعدها حتى، فقط استدار سريعًا وغادر الغرفة بخطوات واسعة متعجلة، ثم خرج من الشقة بأكملها تاركًا خلفه بابًا مغلقًا على خوف خيم فوق الجميع.
ظلت عائشة تنظر نحو الباب للحظات طويلة كأن عقلها لم يستوعب ما حدث بعد، ثم التفتت نحو خالتها بملامح مصدومة وقالت بصوت متحشرج:
-هو في إيه؟ هو زعقلي ليه؟!
لكن قبل أن تحصل على أي إجابة، دوى صوت إطلاق نار جديد، هذه المرة أقرب وأعنف من السابق، حتى بدا كأن الطلقات تخترق الهواء أسفل البناية مباشرة، فصرخت عائشة بفزع لا إرادي، ثم اندفعت بسرعة نحو طفليها، تحتضنهما بقوة وهي ترتجف بالكامل، فكان الطفلان متشبثين بها، يدفنان وجهيهما في صدرها، لا يفهمان شيئًا مما يحدث سوى ذلك الخوف الغامض الذي تسلل إلى قلبيهما الصغيرين.
أما شريهان فرغم الرعب الواضح في عينيها، فقد حاولت التخفيف من التوتر بطريقتها الساخرة المعتادة، وقالت بحنق وهي تضم الطفلين أكثر هما وعائشة نحوها.:
-ياختي ما يتحرق المهم نخلص من الاكشن ده!
لكن كلماتها الساخرة لم تستطع أن تخفف شيئًا من ذلك القلق الخانق الذي ملأ المكان، ففي الخارج كانت أصوات الفوضى لا تزال مستمرة بينما في الداخل كانت عائشة تجلس فوق الأرضية محتضنة طفليها بقوة، وعيناها معلقتين بباب الغرفة، وكأنها تنتظر عودة عاصم في أية لحظة… أو ربما كانت تخشى ألا يعود أبدًا.
*أما بالأسفل*
وقف عاصم كطود شامخ وسط رجاله، ثابتًا في مكانه بصورة تبعث الرهبة في النفوس، بينما الرياح الليلية تعصف بأطراف سترته السوداء، فتزيد هيئته قسوة وهيبة، فكانت عيناه الثاقبتان تجوبان المكان بحدة مريبة، تمران فوق رجاله المنتشرين في محيط الأرض كذئاب مستعدة للانقضاض في أية لحظة، ثم تستقران أخيرًا فوق الرجلين الجاثيين أمامه.
كان الاثنان يجلسان في وضع القرفصاء، وأيديهما مقيدة خلف ظهريهما بإحكام، بينما أُلقي سلاحاهما إلى جوارهما تحت أقدام رجال عاصم، لم يجرؤ أيً منهما على رفع عينيه نحوه، بل ظلا ينظران إلى الأرض بترقب مشوب بالرعب، ينتظران رد فعله أو بالأحرى ينتظران الحكم الذي سيصدره عليهما.
وفي الجهة البعيدة خلف صفوف الأشجار الكثيفة التي غمرها الظلام، وقف ملثمان يراقبان المشهد بصمت متوتر، فكانا يتابعان كل حركة تصدر عن عاصم، وكل كلمة ينطق بها وكأن مصيرهما معلق بما سيحدث لهذين الرجلين اللذين أرسلهما رجال عائلة وهدان لتنفيذ تلك المهمة الحمقاء.
فقد تلقى الاثنان أوامر واضحة، بإثارة الفوضى وإطلاق النار نحو منزل عائشة، بعد أن لمحها محمود وهدان جالسة في الشرفة، ظاهرة بوضوح تحت ضوء المنزل الخافت، حينها اشتعل حقده الأعمى وقرر أن يطلق الأعيرة النارية من بين الأشجار متخفيًا، غير عابئ بما قد يسببه الأمر من كارثة، فقط ليشبع تلك الرغبة المريضة في الانتقام وإثبات السيطرة.
لكن ما لم يتوقعوه أبدًا، أن رجال عاصم كانوا يحيطون بالمكان كله كالأشباح، يراقبون أدق التحركات حتى تمكنوا من الإمساك بالمهاجمين خلال دقائق قليلة، وفر محمود وهدان مع بعض من رجاله، تحرك عاصم ببطء حول نفسه، يدور بعينيه فوق رجاله المنتشرين في كل زاوية، وكأنه يتأكد أن كل شيء بات تحت السيطرة، ثم عاد بخطوات هادئة نحو الرجلين، وانحنى قليلًا بجسده العلوي أمامهما.
الغريب أن صوته جاء هادئًا بصورة لا تتناسب أبدًا مع الموقف، ولا مع الرصاص الذي دوى في كل مكان قبل قليل، ولا حتى مع الغضب الأسود المشتعل داخل عينيه، فقال بهدوء بارد:
-كنتوا بتجربوا سلاحكم ولا إيه؟
ارتجف أحد الرجلين بعنف، ثم رفع رأسه قليلًا وهو يجيب بالكلمات التي حُفظت له مسبقًا على يد كبير حرس عائلة وهدان:
-لا...لا يا بارون، كنا عايزين نقتل بنت السوالمي.
ساد الصمت لثوان بسيطة، ثم رفع عاصم حاجبيه ببطء، وقد ارتسم فوق وجهه استنكار مرعب أكثر من الغضب ذاته، فاقترب أكثر حتى صار وجهه قريبًا من وجهيهما، ثم سألهما بصوت منخفض للغاية، إلا أن نبرته كانت صلبة وقاتمة، تحمل شيئًا مرعبًا تحت هدوئها:
-وقتلتوها؟!
هز الرجل الآخر رأسه سريعًا وقال بارتباك واضح، بينما عيناه تتحركان بخوف بين رجال عاصم المحيطين به:
-رجالتك منعونا يا بارون، مع إننا بنعمل خير لكل الوادي.
في لحظة واحدة تبدلت ملامح عاصم بالكامل، وقبض فوق عنق الرجل بعنف مفاجئ، ثم جذبه نحوه حتى اختنقت أنفاسه، وقال بصوت شرس اهتز له من حوله:
-خير؟ إنك تقتل الدكتورة ده يبقى خير؟ ده يبقى خراب للوادي كله!!
ارتجف الرجل أسفل قبضته القاسية، وأخذ يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة بينما الرجل الآخر بدا أكثر ذهولًا من رد فعل عاصم نفسه، فقد كانوا يظنون أنه مهما حدث، لن يخرج عن تقاليد العهد القديم وعدائه المعروف لعائلة السوالمي، لذلك قال بسرعة وقد غلبه الارتباك:
-هي مطلعتش بنت السوالمي ولا إيه؟ مش العهد بيقول...
لكنه لم يُكمل جملته، فقد ترك عاصم الرجل الأول يسقط على الأرض وهو يلهث بقوة، ثم استدار ببطء نحو الآخر وأخرج مسدسه من خلف ظهره بحركة هادئة زادت المشهد رعبًا،
ووجه فوهة المسدس مباشرة إلى رأسه، بينما كانت نظراته مشتعلة بانتقام أسود بدا وكأنه يوشك أن ينفجر في أية لحظة،
ثم قال بصوت حاسم تقشعر له الأبدان:
-العهد ده تبله وتشرب ميته، أنا مفيش ورقة تحكمني، واه هي بنت السوالمي، وقاعدة براحتها في بيتها واللي هيفكر بس يبصلها بصة متعجبهاش هطلع روحه في إيدي.
توقف كل شيء من حوله مع اعترافه المفاجئ، حتى أن الرياح قد توقفت للحظة إثر صدمة رجاله الواقفون حوله، فقد تبادلوا النظرات بصمت مذهول، فلم يكن أحد منهم معتادًا أن يسمع عاصم يتحدث بهذه الطريقة عن امرأة، أو يعلن حمايتها بهذا الوضوح أمام الجميع.
وفي الجهة البعيدة خلف الأشجار، انقبض قلب محمود وهدان بعنف وهو يستمع إلى كلماته، وضغط بقوة فوق سلاحه وهو يتذكر أخته أمامه تصارع أنفاسها.
لكن صوتها جاءه من بعيد، متسللًا وسط ضجيج الرجال وصرير السيارات وأصوات الحركة المتوترة، صوتًا يعرفه جيدًا مهما حاول تجاهله.
-عاصم.
توقفت اللحظة بأكملها، فالتفتت أعين رجاله نحو مصدر الصوت فورًا، وقد ارتسم فوق وجوههم استنكار واضح، لم يعتادوا أن تناديه امرأة باسمه مجردًا هكذا، دون لقب أو هيبة تليق بمكانته بينهم، فهو بالنسبة لهم "البارون"، أو "الكبير"، الرجل الذي لا يجرؤ أحد على مخاطبته بتلك العفوية،
لكنها فعلتها بل وعادت تناديه مرة ثانية بصوت أوضح هذه المرة، تختلط فيه الحيرة بالخوف:
-عـــاصـــم.
أما هو فكان للحظات غارقًا في عالم آخر تمامًا، عالم يحاول فيه السيطرة على الفوضى التي انفجرت دفعة واحدة حوله، ظهورها المفاجئ أربك كل شيء؛ أفكاره الغاضبه وحتى رغبته السوداء في الانتقام التي كانت قبل ثوان فقط على وشك التنفيذ، فكان مستعدًا لأن يطلق الرصاصة دون تردد،
مستعدًا لأن يجعل من هذين الرجلين عبرة لكل من يفكر في الاقتراب منها، لكن صوتها وحده كان كافيًا ليوقفه.
تراجع ببطء قبل أن يلحظ أحد ارتباكه، ثم حرك يده بخفة ودفع المسدس نحو "فايد" الذي التقطه سريعًا بحركة خفية وأخفاه بعيدًا عن مجال رؤيتها.
بعدها أشار لبقية رجاله بإشارة حادة، ففهم الجميع الأمر فورًا،
واقترب الرجال من المقبوض عليهما بعنف، وبدأوا يسحبونهما نحو السيارات المركونة في طرف الساحة، تمهيدًا لاقتياادهما إلى الجناح الغربي للقصر… ذلك المكان الذي يعرفه الجميع باسم آخر أكثر رعبًا، "بوابة الجحيم".
مكان لا يخرج منه أحد كما دخل، فكان الرجلان يصرخان ويرتجفان بينما تُسحب أقدامهما فوق التراب، لكن عاصم لم يلتفت إليهما حتى، بل ظل واقفًا يتابع بعينيه تحركات رجاله حتى اطمأن أن كل شيء بات تحت السيطرة، وأنها لم ترَ ما كان ينوي فعله قبل لحظات.
حينها فقط استدار إليها وبمهارة اعتادها طويلًا، رسم فوق وجهه ملامح هادئة لا تمت بصلة لما يعتمل داخله، فاختفت تلك النظرة القاتمة من عينيه، وحل محلها هدوء بارد ثم انطلق بخطواته الرزينة نحوها.
كانت تقف على بُعد خطوات، تلف ذراعيها حول نفسها كأنها تحاول الاحتماء من هذا الليل المخيف، بينما شعرها المضطرب يتحرك مع الرياح وعيناها معلقتان بما يحدث من خلفه.
توقف أمامها مباشرة ثم سألها بصوت هادئ بصورة أثارت التناقض مع ما حدث منذ دقائق:
-إيه اللي خلاكي تنزلي؟!
لكنها بالكاد انتبهت لسؤاله، فكانت عيناها تتبعان الرجلين اللذين يُسحبان بقوة نحو السيارات، وملامحها ممتلئة بارتباك وخوفٍ واضحين، ثم قالت بسرعة متوترة:
-هما واخدينم فين؟ هما عملوا إيه؟ هما دول اللي كانوا بيضربوا نار؟
خرجت الأسئلة دفعة واحدة ومتلاحقة، وكأن عقلها يحاول فهم ما يدور حولها بأي طريقة، أما هو فكان بحاجة لاستعادة السيطرة فورًا...السيطرة على الموقف، وعليها هي أيضًا.
لذلك تجرأ على رفع يده ولمس ذقنها برفق ثابت، مجبرًا إياها على تحويل وجهها نحوه بدلًا من متابعة الرجال، فكانت لمسته قوية بما يكفي لتثبيتها لكنها لم تكن عنيفة.
نظر مباشرة داخل عينيها ثم قال بنبرة ثابتة واثقة، بينما ينسج الكذبة بسرعة مذهلة داخل عقله:
-ضرب النار عشان كان معاهم كلاب مسعورة منزلينها الوادي، وكانت هتأذي الناس.
توقفت عيناها فوق وجهه تنصت إليه، بينما أكمل بنفس النبرة الهادئة:
-فرجالتي ضربوا نار على الكلاب، ودول حاولوا يضربوا نار على رجالتي، بس خير الكلاب ماتت.
ثم أشار بعينيه نحو الرجلين اللذين يُدفعان داخل السيارات وأضاف ببرود:
-ودول لسه هنشوف هما عملوا كده ليه؟! وعايزين يأذوا أهل الوادي ليه؟
ظلت تنظر إليه بصمت طويل، نظراتها أربكته للحظة، فلم يفهم معناها تحديدًا أكانت نظرة انبهار بثباته؟ أم شك في روايته؟ أم مجرد فضول تحاول به جمع ما يحدث؟ لكنها لم تواجهه بشيء،
بل ظلت صامتة للحظات ثم تنهدت أخيرًا وهي تعود بعينيها نحو الرجلين، وقالت بصوت هادئ بدا مقتنعًا بما رواه:
-معرفش الناس بتستفيد إيه لما بتأذي غيرها.
هزت رأسها بأسف حقيقي، وقد بدت ملامحها ممتلئة بحزن صادق وهي تقول:
-افرض الكلاب دي كانت عضت حد من الولاد الصغيرين ولا حتى كبير، لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم تنهدت بخفوت وكأنها تحاول طرد أثر الخوف الذي ما زال عالقًا داخل صدرها منذ أن دوى الرصاص، قبل أن ترفع عينيها نحوه مجددًا وتضيف بنبرة أكثر هدوءًا واقتضابًا:
-الولاد فوق خايفين عليك، متنساش تطلع تطمنهم، عن إذنك.
أنهت كلماتها واستدارت مبتعدة عنه بخطوات سريعة نسبيًا، بينما ظل هو واقفًا مكانه للحظات يتابعها بعينيه دون أن يجيب، فحمحم بخفة وكأنه يحاول استعادة توازنه الداخلي، ثم تحرك خلفها ببطء وقبل أن يغلق البوابة الحديدية خلفه، ألقى نظرة أخيرة على محيط المكان.
كانت السيارات موزعة كما أمر ورجاله ينتشرون في أرجاء المنطقة بحذر وتنظيم، بعضهم يراقب المداخل وآخرون يتمركزون قرب الأشجار والطرق الجانبية. فكل شيء بدا تحت السيطرة أخيرًا.
لكن رغم ذلك لم يكن عقله منشغلًا بأي من تلك التفاصيل الأمنية الآن، بل كان منشغلًا بها هي...بصوتها وبخوفها عليه، وبالطريقة التي تحدثت بها إليه أمام الجميع دون رهبة.
أغلق البوابة أخيرًا ثم تابع صعوده خلفها بخطوات هادئة، بينما هي كانت قد وصلت تقريبًا إلى باب الشقة، وحين همت بالدخول ناداها بصوت منخفض:
-عائشة.
التفتت إليه فورًا، لكن بدلًا من الهدوء الذي توقعه استقبلته بنظرة استنكار حادة، ثم قالت بسرعة وعتاب واضح:
-ما انت بتعرف تقول اسمي بصوت واطي اهو، كان له لازمة الزعيق جوه ده؟!
اتسعت عيناه قليلًا بدهشة لم يُظهرها بالكامل، بينما أكملت هي دون أن تمنحه فرصة للكلام:
-وانا كنت بعامل ضميري بس، يعني واحد عايز يرمي نفسه في النار وكنت بمنعه تصرف إنساني مش اكتر، المفروض كان ردك عليا يكون الطف واهدى من كده.
صمت للحظات فلم يكن يملك الجرأة على تهدئتها وهي بهذا الشكل الغاضب، ورغم غضبها الواضح إلا إنها كانت غريبة عليه بصورة لم يعتدها، فلم يسبق لأحد أن وقف أمامه وتحدث إليه بهذه الطريقة!!
حتى أعداؤه أولئك الذين يكرهونه ويتمنون سقوطه، كانوا يهابونه بما يكفي لخفض أصواتهم أمامه، فالجميع كان يخضع لنفوذه وهيبته والجميع يعرف الحدود التي لا يجوز تجاوزها معه، إلا هي كانت تقف أمامه الآن بكل غضبها الصادق، ترمي نحوه كلماتها الحادة دون خوف، وتعاتبه بعينين مشتعلتين فيهما الكثير من الانفعال، وكأنها نسيت تمامًا مَن يكون،
أو ربما لم تهتم أصلًا.
ظل ينظر إليها بصمت غير قادر حتى على الرد، أما هي فقد ألقت نحوه نظرة عتاب أخيرة قوية بما يكفي لترك أثرها داخله، ثم استدارت ودخلت الشقة، تاركة إياه واقفًا في مكانه كالأبله، لا يعرف كيف يرد ولا لماذا عجز أساسًا عن الرد؟!
تنفس بعمق وأغمض عينيه للحظة قصيرة، ثم زفر بهدوء وهو يهز رأسه بخفة قبل أن يدخل خلفها أخيرًا، وما إن وطأت قدماه داخل الشقة، حتى لمح طفليه يقفان في منتصف الصالة وكأنهما كانا ينتظرانه منذ غادر.
وفور أن رأياه اندفعا نحوه بسرعة ولهفة، ثم احتضنا ساقيه بقوة نظرًا لطوله الفارع، بينما تعلقت به أيديهما الصغيرة وكأنهما يخشيان اختفاءه مجددًا، وفي تلك اللحظة تحديدًا شعر شيء داخله باللين بصورة مفاجئة، لين نادر لا يعرفه إلا معهما.
ارتخت ملامحه القاسية أخيرًا، ولانت شفتيه بابتسامة حانية هادئة، بينما اجتاحه شعور غريب لم يختبره كثيرًا من قبل،
شعور أن هناك مَن يخاف عليه فعلًا، ليس خوفًا منه بل خوفًا عليه هو شخصيًا!!
انخفض بجسده حتى أصبح في مستواهما، ثم مرر يده فوق رأسيهما بحنان واضح وقال بصوت دافئ:
-أنا كويس متقلقوش.
رمشت ليلة أولًا بعينيها الواسعتين، وتحركت رموشها الكثيفة ببطء وهي تنظر إلى والدها بنظرة ممتلئة بالعتاب الصغير، ثم قالت بنفس النبرة التي استخدمتها عائشة منذ قليل، وكأن العدوى انتقلت إليها دون قصد:
-اوعى تنزل للأشرار تاني يا بابا، احنا كنا خايفين عليك يا حبيبي.
وما إن أنهت كلماتها حتى اندفعت نحوه أكثر، تلف ذراعيها الصغيرتين حول عنقه بكل ما تملك من قوة، وكأنها تحاول التأكد بنفسها أنه عاد فعلًا ولن يختفي مرة أخرى، وفي تلك اللحظة انهار شيء ما داخل عاصم.
انهيار هادئ صامت، لا يشبه الانكسار بقدر ما يشبه الاستسلام الكامل لدفء افتقده طويلًا، فهبط بجسده الضخم إلى الأرض دون مقاومة، جالسًا أمام طفلته بينما يستقبل عناقها بصدر رحب، ثم دفن وجهه داخل خصلات شعرها الناعمة، يستنشق عبيرها الطفولي بهدوء عميق، وأغمض عينيه لأول مرة منذ ساعات وربما منذ سنوات شاعرًا براحة حقيقية.
ورغم أنها كانت راحة صغيرة ومؤقتة، لكنها كانت كافية لتجعله ينسى كل شيء لبضع لحظات، نسي الرجال الذين ينتظرونه في الأسفل ونسي الرصاص ونسي الدم، نسي الحقد القديم الممتد بين العائلات، حتى تلك النار السوداء التي كانت تشتعل داخله منذ قليل، انطفأت مؤقتًا وهو يحتضن طفلته بين ذراعيه،
وكأن العالم كله تقلص فجأة داخل هذا العناق الصغير.
لكن عمر الذي كان يقف بجوارهما يراقب عناقهما، انقبض وجهه فجأة باعتراض واضح ثم قال بتذمر طفولي:
-لا طبعًا سيبيه ينزل للأشرار، انتي مش شايفة بابا عضلاته كبيرة ازاي؟ لو كنت شفتك من زمان كان أي حد ضايقني كنت خليتك ضربته.
خرجت من عاصم ضحكة خافتة ممزوجة بشيء من التأثر، ثم ابتعد قليلًا عن عناق ليلة ونظر نحو ابنه، فكم بدا صغيرًا وصادقًا وواثقًا فيه بطريقة مؤلمة.
مد يده فجذب عمر نحوه، ثم قبله فوق رأسه عدة مرات، قبل أن يهمس له بصوت متحشرج اختلط فيه الحنان بشيء آخر أكثر ظلمة:
-لو أي حد فكر بس يضايقك قولي وأنا همحيه من على وش الأرض.
قالها بعفوية مرعبة وبعقيدة رجل اعتاد إزالة كل ما يهدد مَن يحبهم، لكن عمر لم يفهم تلك القسوة الكامنة خلف الكلمات، بل عقد حاجبيه ببراءة شديدة وسأل باستغراب:
-هتمحيه ازاي؟!
انفجرت ليلة ضاحكة بخفة وهي تقول بمشاكسة طفولية لطيفة:
-بأستيكة يا أهبل.
انطلقت ضحكة عاصم هذه المرة بصورة أوضح، ضحكة حقيقية خرجت من قلبه دون تكلف، ثم جذب طفلته نحوه وقبل وجنتيها عدة قبلات متفرقة، بينما هي تتلوى ضاحكة بين ذراعيه، راقبهما عمر للحظة ثم انضم إليهما سريعًا، ليجد عاصم نفسه محاصرًا بعناق صغيريه وضحكاتهما، ولوهلة قصيرة
شعر أنه رجل طبيعي وليس "البارون"، ليس الرجل الذي ترتجف الأسماء خوفًا منه، ليس صاحب الجناح الغربي الذي يهابه الجميع.
بل هو مجرد أب يحتضن طفليه، لكن الواقع لم يتركه طويلًا داخل تلك اللحظة الهشة، فتلاشت ابتسامته تدريجيًا وعادت الصلابة إلى ملامحه شيئًا فشيئًا، ثم ابتعد عنهما برفق ونهض واقفًا ثم نظر إليهما بحنان أخفاه خلف نبرة أكثر رزانة وقال:
-أنا لازم امشي دلوقتي، ادخلوا ناموا وبكرة من بدري هجيلكم.
ورغم اعتراضهما الصامت الذي ظهر داخل أعينهما الصغيرة، إلا أنهما انصاعا لأوامره بطاعة اعتادا عليها، وأمسكت ليلة بيد شقيقها ثم سارا نحو الغرفة بخطوات بطيئة، يلتفتان إليه بين الحين والآخر وكأنهما لا يريدان مغادرته، فظل يتابعهما بعينيه حتى اختفيا داخل الغرفة، ثم رفع بصره تلقائيًا نحو الباب الآخر…باب الغرفة التي دخلت إليها عائشة.
ساد الصمت داخل الشقة فجأة بينما وقف هو مكانه يتأمل الباب المغلق بحيرة حقيقية لم يختبرها منذ زمن، لقد أربكته بصورة غير مفهومة بطريقة حديثها معه وعتابها الصريح،
نظراتها التي لا تخافه،كل ذلك كان جديدًا عليه بالكامل.
لم يعرف كيف يتعامل مع امرأة لا ترتجف منه ولا تسعى لإرضائه، ولا تخفي غضبها أو اعتراضها عليه، بل والأسوأ
أنه وجد نفسه يفكر في رضاها فعلًا.
تنهد ببطء، وأدار وجهه بعيدًا عن الباب محاولًا طرد تلك الأفكار من رأسه، ربما كانت غاضبة الآن وربما احتاجت وقتًا حتى تهدأ، لذلك قرر تركها وشأنها ولو مؤقتًا.
لكن ما إن تحرك نحو باب الشقة وغادرها أخيرًا، حتى تبدلت ملامحه بالكامل مرة أخرى، اختفى ذلك الأب الحنون، واختفى الرجل المرتبك أمام امرأة ولم يبقَ سوى عاصم، ذلك
الرجل الذي يملك بوابة الجحيم.
الرجل الذي كان في طريقه الآن ليُلقن أولئك الرجال درسًا لن ينسوه ما حيوا طالما حاولوا قتل عائشة.
***
دفع "سالم وهدان" أخاه محمود إلى داخل القصر بعنف ظاهر، حتى ارتطم كتفه بحافة الباب الخشبي العريض، ثم صاح فيه بصوت جهوري اهتزت له أرجاء المكان:
-ادخل يا باشا يا كبير عيلة وهدان، ادخل عايز تجبلنا مصيبة بعمايلك السوده؟
كان الغضب يشتعل في عينيه كجمرة حية، بينما ارتفعت أنفاسه بعنف واضح، وكأن صدره يضيق بما يحمله من خوف وغل دفين، أما محمود فقد بدا مرتبكًا، يتلفت حوله بنظرات حادة متوترة، كأنما ما يزال عالقًا خارج القصر، في تلك اللحظة التي كاد يطلق فيها الرصاص دون تفكير.
وفي لمح البصر اندفعت نادية زوجة محمود نحوهما فكانت شاحبة الوجه، بعينين متورمتين من كثرة البكاء، وثوبها يهتز حولها مع خطواتها المرتبكة، حتى وقفت أمام زوجها تهتف بانهيار موجوع:
-عايز تضيع نفسك تاني يا محمود، كفاية بالله عليك اللي حصل زمان، احنا لغاية دلوقتي كلنا بندفع التمن بسببه.
اهتز صوتها بالبكاء وغلبها القهر حتى وضعت يدها فوق صدرها تحاول التقاط أنفاسها، لكن سالم لم يعبأ بانكسارها بل أطلق ضحكة ساخرة خالية من الرحمة، ثم قال وهو يرمق أخاه بازدراء:
-جوزك رايح يضرب نار على البت وكان معاها ابن اخته، معاها عاصم، عايز يولع فينا!
تبدلت ملامح محمود في الحال، واشتعلت عيناه بجنون مكبوت، ثم اندفع نحو سالم بخطوات غاضبة، وصاح بصوت مرتفع اختلط فيه الغضب بالخوف:
-قول بقى إنك خايف منه، قول يا كبير، خايف من عاصم؟ هيعملنا إيه عاصم يعني؟!
ارتفع حاجبا سالم بقوة، ونظر إلى أخيه وكأنه ينظر إلى أحمق لا يدرك حجم الكارثة، ثم قال بنبرة حادة متوترة:
-اه أخاف منه عشان نابه أزرق، ولو حس بالغدر من ناحيتنا يدفنا كلنا عادي ولا يهمه، وبعدين يا محمود ده ابن أختك فاطمة الله يرحمها وصيتها الوحيدة، نسيت ولا إيه؟!
وما إن ذُكر اسم فاطمة حتى تبدل الهواء داخل القصر، وكأن الحزن القديم عاد يزحف فوق الجدران من جديد، وفي تلك اللحظة هبطت همت درجات السلم بخطوات واسعة متسارعة، وقد كانت ملامحها مشتعلة بقهر قديم لا يهدأ، فكانت عيناها حمراوان من البكاء، لكن خلف دموعها كان هناك شيء أشد ظلمة ألا وهو نار انتقام متأصلة لم يخمدها الزمن.
وقفت في منتصف الدرج ثم قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:
-لما يكون ابنها نفسه نسيها وراح رمى نفسه في حضن بنت السوالمي، وكل يوم والتاني عندها في البيت، يبقى تسميه إيه يا سالم!
اشتعل وجه نادية فورًا واستدارت نحوها صارخة بكره مكتوم:
-انتي عايزة تولعيها يا همت، اللي راح راح خلاص، هو إيه يا ناس خلاص اتحكم علينا نعيش في قرف وتار عشان خاطر فاطمة الله يرحمها.
ولم تكد تُتم جملتها حتى ارتفع صوت صفعة قوية داخل القصر،
فترنحت نادية إلى الخلف واضعة يدها فوق وجنتها بذهول، بينما وقفت همت أمامها كالوحش الجريح، عيناها تقدحان شررًا وصدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بفحيح مرعب:
-قطع لسانك قبل ما تجيبي سيرة فاطمة عليه، واختي هتفضل اسمها موجود طول العمر في القصر وفي عيلة وهدان وفي الوادي كله، سامعة ولا لا؟!
تجمعت الدموع في عيني نادية، ونظرت نحو زوجها تستغيث بصمت مكسور، لكنها لم تجد منه سوى التجاهل، فكان محمود واقفًا جامدًا وشارد النظرات، عاجزًا عن معارضة أخته كعادته، وكأن شخصيته تتلاشى تمامًا أمام سطوة همت وغضبها.
شعرت نادية بالإهانة تخنقها فاستدارت سريعًا، ثم انطلقت نحو الطابق العلوي وهي تبكي بحرقة، تحاول أن تخفي انكسارها عن أعين نساء القصر اللواتي كن يراقبن المشهد في صمت حزين، فتنهد سالم بقوة ثم مرر يده فوق وجهه المرهق، وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
-اللي حصل ده ميتكررش، وانت يا محمود حكم عقلك شوية وبالذات مع عاصم، والبت دي محدش يفكر في طريقة موتها غيري.
ثم استدار وغادر بخطوات غاضبة نحو شقته في الطابق العلوي، تاركًا خلفه جوًا خانقًا من الصمت والتوتر، فبدأ أفراد العائلة يتفرقون الواحد تلو الآخر، حتى خلت القاعة الكبيرة إلا من همت ومحمود، فساد بينهما صمت طويل، لم يُسمع خلاله سوى صوت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الجدار.
فكانت همت واقفة قرب الدرج تضم عباءتها حول جسدها، بينما عيناها معلقتان في الفراغ بشرود مخيف، أما محمود فظل ينظر إليها بتردد، وكأنه يخشى ما قد يسمعه منها، وفجأة التفتت إليه ببطء فكان في نظرتها شيء بارد ومرعب، شيء جعل القشعريرة تسري في جسده دون إرادة، ثم قالت بصوت خفيض لكنه كان أشد رعبًا من الصراخ:
-البت دي هتموت بنفس الطريقة اللي ماتت بيها فاطمة.
توقفت لحظة وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة قاسية مشوهة بالحقد قبل أن تُردف همسًا:
-وهيكون بإيدي أنا.
***
فُتح الباب الحديدي الضخم بعنف شديد، فصدر عنه صرير حاد اخترق سكون المكان الكئيب كأنه صرخة معدنية مخيفة، ارتجفت جدران الغرفة الرطبة لذلك الصوت، بينما اندفع جسد شوقي إلى الخلف بفزع غريزي، رغم أن السلاسل الحديدية الثقيلة المقيدة حول معصميه وقدميه منعته من الابتعاد أكثر،
اتسعت عيناه بذعر وتسارعت أنفاسه بصورة هستيرية، فقد ظن للوهلة الأولى أن القادم هو عاصم.
عاصم ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليزرع الرعب في قلبه،
ففي كل ليلة كان يأتي إلى هذا المكان المظلم كالإعصار، يفرغ فيه غضبه وكأن شوقي لم يعد إنسانًا، بل مجرد كيس بشري يتلقى الضربات بلا رحمة، لم يكن عاصم يضربه فقط بل كان يسكب داخله نارًا كاملة من الحقد والقهر، حتى صار شوقي يحفظ وقع خطواته ونبرة صوته والطريقة التي يخلع بها سترته قبل أن يبدأ حفلة التعذيب المعتادة.
لكن هذه المرة اندفع إلى الداخل رجلان آخران تدفعهما أيدي رجال عاصم بعنف وقسوة، فكانا مكبلين ويترنحان من شدة الدفع، والخوف ظاهر فوق وجهيهما الشاحبين، حين رآهما تنفس الصعداء دون وعي، وشعر بشيء من الراحة الخبيثة يتسلل إلى داخله، إذًا… الليلة ليست ليلته وحده.
الضرب والعذاب سيقعان على غيره هذه المرة، أما هو فسيكتفي بالمشاهدة وكأن الألم حين يُقسم على الآخرين يصبح أخف وطأة فوق القلب، لكن تلك الراحة لم تدم طويلًا،
فما إن ظهر عاصم من خلف الرجلين حتى انقبض قلب شوقي بعنف وتجمد الدم في عروقه.
دخل عاصم بخطوات ثابتة بطيئة إلا أن هيبته وحدها كانت كافية لملء المكان توترًا واختناقًا، فكانت عيناه سوداويتين بشكل مرعب، وملامحه جامدة كالصخر لكن الغضب المشتعل داخله كان واضحًا في كل تفصيلة من وجهه.
تقدم نحوه مباشرة ثم انحنى قليلًا أمامه وقال بصوت أجش بارد، تلك الجملة التي صار شوقي يسمعها كل ليلة حتى حفرت نفسها داخل رأسه:
-انت مين يا كلب عشان تحرمني من عيالي؟
وما إن انتهت الجملة حتى بدأت العاصفة، فانهالت الشتائم أولًا وكانت حادة وقاسية، تليها الضربات التي سقطت فوق وجه شوقي وجسده بلا رحمة، فقبضات عاصم كانت تهبط بعنف محموم، وكأنه لا يرى أمامه رجلًا، بل يرى كل خيانته وكل ألمه، وكل لحظة حُرم فيها من أطفاله.
تأوه شوقي بصوت متقطع بينما الدماء تسيل من فمه وأنفه، وجسده يرتجف من شدة الألم، وحين شعر بأن أنفاسه تكاد تنقطع صاح متوسلًا بصعوبة:
-يا بارون أنا غلطت حقك عليا، أنا طمعت.
توقفت يد عاصم للحظة ثم مال فمه بابتسامة ساخرة مخيفة، وأشار إلى نفسه بازدراء مشتعل:
-يوم ما تطمع تطمع في عيالي أنا، انت جرا لمخك إيه؟ بتشرب إيه؟ عشان تفكر تدوس لي على طرف.
ارتجف شوقي بعنف وتلعثم وهو يحاول النجاة بنفسه بأي طريقة، فراح يلقي التهمة على الجميع دون تفكير:
-آآ...أنا حاولت ارفض يا بارون، حاولت بس هما ضغطوا عليا بالفلوس، وأنا كنت محتاج وقتها يا عاصم باشا، الحوجة صعبة.
اقترب منه بخطوات محسوبة كأنما يستمتع بالخوف المرتسم في عينيه، ثم قال بصوت منخفض مرعب:
-حوجة ***، ده انت هتشوف مني العذاب الوان لغاية ما روحك تطلع للي خالقها.
حاول شوقي التراجع إلى الخلف لكن القيود شدته بقسوة، فارتطم بالحائط خلفه وهو يهتف بانهيار:
-اشمعنا أنا يا بيه، اشمعنا أنا، مجبتش اللي كانوا السبب ليه يا بيه، چيني هانم وصفية مراتي هما اللي خططوا...
لكن كلماته لم تُجدِ نفعًا، ففي اللحظة التالية اندفع عاصم نحوه كوحش ثائر فقد آخر ذرة من سيطرته، وانهالت عليه الضربات بجنون أكبر من كل ليلة، وكأن مجرد ذكر الأسماء زاد النار اشتعالًا داخله، فكان يضربه بعنف أعمى بينما تتردد صرخات شوقي داخل الغرفة الكئيبة، ممتزجة بصوت السلاسل المعدنية وشتائم الرجال.
أما الرجلان الآخران فقد تبادلا النظرات المرتعبة بصمت متوتر،
ورغم أن رجال عاصم كانوا يحكمون قبضتهم عليهما بقوة، فإن أحدهما مال قليلًا نحو الآخر وهمس بصوت مرتجف، بينما كان شوقي يتوسل الرحمة في الخلفية:
-احنا نقوله الحقيقة ونخلع منها، احنا كده هنموت..وهو عمره ما هيعمل حاجة في خاله.
اتسعت عينا الرجل الآخر بذعر واضح، ثم هز رأسه سريعًا وهو يهمس بتحذير حاد:
-اوعى تفكر تعمل كده، عاصم هيعمل فينا إيه؟ هيموتنا يعني، لكن هما فيهم الغدر اصلاً ممكن يموتنا ويموتوا عيالنا، اسكت خالص لما نشوف هترسى على إيه.
عاد الصمت المشحون يخيم فوقهما، بينما استمرت صرخات شوقي تمزق أرجاء المكان، واستمر عاصم في تفريغ غضبه كأنما يحاول أن يدفن ألمه داخل جسد رجل لم يعد قادرًا حتى على الصراخ.
***
في *نجمة رشيد*
أخيرًا عاد إليها وعيها بعد مدة لم تستطع تقديرها، وكأن الزمن قد توقف في تلك العتمة الثقيلة التي ابتلعتها، فكانت تشعر بيد خشنةٍ قوية تتحرك فوق ذراعها ببطء مريب، تمر على بشرتها كما لو أنها تتحسس شيئًا ثمينًا تخشى فقدانه، قبل أن تنحدر نحو أصابعه فتداعبها بتمهل أثار القشعريرة في أوصالها، ثم ارتفعت اليد نحو وجهها، تتحرك فوق ملامحه في تمادٍ مستفز، تتوقف عند وجنتيها ثم تتابع سيرها حتى شفتيها، وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلهما عن ظهر قلب.
في تلك اللحظة استفاق وعيها كاملًا، فاندفعت تفتح جفنيها بعنف لتواجه المشهد الذي لم يخطر لها يومًا أن تراه، فكان موسى يجلس أرضًا بجوارها مباشرة، يحدق بها بابتسامة غامضة لم تستطع تفسيرها، إلا أن الجنون كان واضحًا خلفها بصورةٍ مخيفة، فعيناه كانتا تلتهمانها التهامًا، بنظراتٍ جعلتها تشعر وكأنها محاصرة داخل قفص ضيق لا مهرب منه، هي تعلم جيدًا أنها امرأة جميلة، واعتادت نظرات الإعجاب والانبهار، لكن شيئًا في نظراته لم يكن طبيعيًا، لم يكن إعجابًا عابرًا بل افتتانًا مختلًا يحمل خطرًا دفينًا.
هبط بصرها سريعًا نحو يدها، فوجدت أصابعه ما تزال تعبث بأصابعها في استرخاءٍ مستفز، وكأنه يمتلك الحق في لمسها، نظرت حولها بتوتر فوجدت نفسها لا تزال ممددة فوق الأرضية الصلبة، وخصلات شعرها مبعثرة حولها، بينما الغرفة القاسية نفسها تحيط بها بجدرانها الباردة، تلك الغرفة التي كانت قبل قليل تصارع فيها للحفاظ على آخر أنفاسها.
اندفعت تحاول النهوض بفزع، وصاحت به بانفعال حاد وقد اشتعلت عيناها بالغضب:
-انت بتعمل إيه؟
لكن موسى دفعها بيده إلى الخلف مجددًا، فعادت تسقط في موضعها بينما قال بعبثٍ زاد اضطرابها:
-زعلت أوي من صالح على اللي عمله فيكي، معقولة قلبه مفيهوش رحمة خالص ورأفة بالجمال ده.
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بالاشمئزاز، فدفعت يده بعيدًا عنها بعنف، تنظر إليه بحنق شديد جعل صدرها يعلو ويهبط بسرعة، إلا أنه ابتسم وكأن غضبها يسليه، ثم مال نحوها بجرأةٍ جعلت أنفاسها تختنق داخل صدرها، وهمس بمكر:
-عنيكي فيها قوة واحدة جاية تنتقم، مش واحدة جاية تاكل عيش وخايفة رزقها يتقطع!
تصلبت ملامحها للحظة لكنها هذه المرة لم تدفعه، بل بقيت تنظر إليه بصمت مؤقت، قبل أن تقول بصوت مبحوح خرج مثقلًا بالقهر:
-مستغرب إن أنا بدافع عن نفسي، وبتتهمني إن جاية بنتقم، انت مين وأنا مين، أنا مين عشان انتقم منك، مش شايف أخرتي كانت فين؟ انتوا كرهتونا في أكل العيش.
ساد الصمت لثوانٍ ولمعت عيناه وهو يتأمل كلماتها المرتبة بعناية، كأن كل حرف فيها يحمل معنى أعمق مما تُظهره، تنهد ببطء ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يقترب أكثر:
-مبحبش الناس اللي كلامها مرصوص، بقلق منهم.
كانت تشعر أن المسافة بينهما تختنق أكثر فأكثر، وأن وجوده قربها يشبه اقتراب عاصفة سوداء لا تعرف كيف تنجو منها، فحاولت أن تبدو ثابتة لكن قلبها كان يضرب بعنف داخل صدرها بينما عقلها يصرخ بحثًا عن مخرج، فصمت موسى قليلًا ثم عاد يمسك يدها بين كفيه، يمرر إبهامه فوق بشرتها الناعمة ببطءٍ أربكها، وقال بخبثٍ واضح:
-مفيش واحدة شغالة تبقى إيديها ناعمة وحلوة كدا
حاولت أن تسحب يدها من قبضته، لكن أصابعه شدت عليها بقوةٍ جعلتها تشعر بالعجز، وقبل أن تنطق بكلمة قال بنبرة خبيثة جعلت الدم يتجمد في عروقها:
-على العموم هنقطع الشك باليقين وهدخلك اختك دلوقتي ونشوف رد فعلها يا..... يا نجمة.
توقفت أنفاسها للحظة وتجمد جسدها بالكامل، شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحتها دفعة واحدة، بينما أخذت كلماته تتردد داخل رأسها بصورة مرعبة، أما هو فكان يراقبها بدقة، ينتظر ارتباكها وينتظر خوفها، ينتظر تلك اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة أمامه كاملة.
فُتح الباب الحديدي الثقيل بعنف، فاهتزت جدران الغرفة الرطبة لذلك الصوت الحاد الذي شق السكون كطعنة مفاجئة، ارتعش جسد غالية بعنف ورفعت رأسها بسرعة، بينما اتسعت عيناها تدريجيًا برعب واضح، وهي تحاول النهوض رغم الألم الذي ينهش جسدها المنهك.
كانت أنفاسها متقطعة ويديها المرتجفتان تحاولان الاستناد إلى الأرض الباردة، لكن الضعف كان يفتك بها بقسوة، وفي اللحظة التالية اندفعت فريدة إلى الداخل بخطوات مذعورة، تتلفت حولها بفزع من هيئة المكان الكئيب؛ الرطوبة، والرائحة الثقيلة، والجدران القاسية التي تشبه القبور.
لكن كل ذلك اختفى من وعيها تمامًا ما إن وقعت عيناها على غالية، فقد تجمدت للحظة وصدر عنها شهقة مرتعبة خرجت من أعماقها، ثم صرخت بصوت مرتعش مزقه الخوف:
-مين عمل فيكي كده يا حبيبتي؟
اندفعت نحوها بسرعة ثم جثت أرضًا تحتضنها بقوة، وكأنها تخشى أن تُنتزع منها في أية لحظة، فراحت تمرر يديها المرتجفتين فوق كتفيها وظهرها وخصلات شعرها المبعثرة، بينما كانت دموعها تنهمر بلا توقف، ثم قالت بصوت مختنق بالبكاء وهي تتفحص وجهها المتورم والكدمات المنتشرة فوقه:
- مين اتجرأ وعمل فيكيك كده يا حبيبتي ردي؟
كانت تضمها بقوة هستيرية، وكأنها تحاول أن تخفيها داخل صدرها بعيدًا عن هذا المكان المرعب، بينما ظلت غالية جامدة بين ذراعيها للحظات، تشعر بحرارة أختها وارتعاشها فيكاد قلبها ينفطر قهرًا.
أما في الخلف فقد وقفت الحاجة فايقة تراقب الوضع بصمت جامد، إلا أن الارتباك كان واضحًا رغم محاولتها إخفاءه، فلم تتوقع أبدًا أن يكون رد فعل فريدة بهذه القوة، ولا أن تتمسك بغالية بذلك الشكل الذي يحمل خوفًا حقيقيًا عليها.
أما غالية فقد التقطت تحذيرات فايقة الصامتة في نظراتها جيدًا، فكان الخوف واضحًا في عيني المرأة العجوز، خوف من ذلك الذئب الجالس هناك يراقب كل شيء بصمت مريب،
فابتعدت غالية قليلًا عن أحضان فريدة، ثم نظرت داخل عينيها برجاء خافت، رجاء يائس يطلب منها ألا تخطئ، ألا تنطق بشيء قد يشعل الكارثة فوق رؤوسهما.
فهمت فريدة تلك النظرة لكنها لم تستطع السيطرة على انهيارها، وقالت بشهقة حزينة مزقتها الدموع:
-مين عمل فيكي كده يا نجمة ردي؟
في تلك اللحظة تحولت نظرات غالية سريعًا نحو موسى،
كانت تراقب رد فعله بقلق خانق، لكنها وجدته يميل برأسه إلى الجانب ببطء، ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساخرة غريبة، وكأن المشهد كله يثير تسليته، ثم قال بنبرة عبثية تحمل شيئًا مخيفًا خلفها:
-هو انتوا كلكوا حلوين كده، يعني امك وابوكي حلوين كده؟!
شعرت غالية بالاختناق لكنها أجابت بصوت جامد بالكاد خرج من بين شفتيها:
-الله يرحمهم يا بيه.
ساد الصمت للحظة قبل أن تتدخل الحاجة فايقة سريعًا، وكأنها تحاول تغيير مسار الحديث بأي طريقة، فقالت بحدة مصطنعة:
-انتي يا بت يا مقصوفة الرقبة عملتي إيه غلط؟ مش أنا طردتك، كان المفروض اطرد اختك بردو وتمشوا من البلد كلها عشان تتعلموا الأدب.
هبطت نظرات غالية نحو حجابها المرفوع بعشوائية بجانب مصباح الإضاءة، وشعرت بإهانة جارحة تخنقها من الداخل،
فكانت مقيدة وعاجزة تتلقى الإذلال وهي لا تملك حتى حق الدفاع عن نفسها.
للحظة شعرت بأن روحها توشك على الانهيار تمامًا، لكن شيئًا عنيدًا داخلها رفض أن ينكسر أمامه، فرفعت رأسها ببطء ثم قالت بسخرية موجوعة:
-معرفش يا حاجة، أنا مقولتش غير اسمي بس، ووقتها عينك ما تشوف إلا النور، باين الباشا عنده عقدة من اسم نجمة.
اتسعت ابتسامة موسى فورًا، لكنها لم تكن ابتسامة إعجاب أو تسلية، بل ابتسامة رجل بدأت الوحشية تتحرك داخله ببطء،
فاقترب أكثر من فريدة حتى صار صوته بجانب أذنها مباشرة، ثم قال بنبرة منخفضة مرعبة:
-اطلعي برة يا حلوة، عشان اللي هيحصل هنا عيب وحرام تشوفيه.
اندفع الذعر إلى وجه فريدة فورًا، وأمسكت بيده بسرعة بينما راحت تتحدث بتوسل مرتبك وهي تبكي:
-لا عشان خاطري، لو سمحت سيب اختي، احنا ملناش غير بعض، والله أنا أبويا وأمي ماتوا، وأخويا كمان مات وماليش حد إلا هي...
لكن غالية صرخت فجأة بكل ما بقي لديها من قوة، رغم تورم وجهها وآلامها الحادة:
-فريدة اخرسي، متتحايليش على حد، أنا مغلطتش ومش عارفة بتعاقب على إيه؟
ازدادت شهقات فريدة ثم احتضنتها بقوة أكبر وهي تهز رأسها برعب هستيري:
-مش هسيبك مش هسيبك، غالية....مش هسيبك...
وفجأة توقف الزمن كله، وشعرت غالية وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها دفعة واحدة، فاتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وتجمد الدم داخل عروقها، عندما أدركت ما نطقت به فريدة للتو....لقد قالت اسمها الحقيقي أمام موسى.
أما موسى فقد تحولت ملامحه ببطء شديد، واختفت السخرية من وجهه دفعة واحدة، وحل محلها انتباه حاد مخيف، كأن عقله التقط خيطًا خطيرًا فجأة، بينما شحب وجه الحاجة فايقة تمامًا وتجمدت في مكانها وهي تراقب ملامح موسى بحذر شديد، وقد بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبها،
لأنها أدركت في تلك اللحظة تحديدًا، أن الكارثة التي حاولت إخفاءها مهما فعلت ربما بدأت تنكشف قبل آوانها.
وجاء أخيرًا صوت موسى وهو يتساءل بتسلية كبيرة:
-مين....غالية؟!