
قطع لحظات الحنين صوت هاتف وسام، يعلن على اتصال تليفوني.
نظرت للمتصل الذي كان زين.
قام والدها وهو ينظر لها وقال وهو يغادر الغرفة:
"إنت عارفة إن عصفورتي هتتصرف إزاي، وعندي ثقة كبيرة فيكي."
ابتسمت وسام لوالدها، وأغلقت الهاتف، وسرحت بخيالها.
فلاش باك
قبل 4 أيام…
كانت وسام واقفة قدام باب شقة زين… مترددة… قلبها بيدق بسرعة.
بعد اتصال والدته وأخبارها بمرضها، لم تتردد وسام لحظة.
رفعت يدها تدق جرس الباب… ولكنها سحبتها، والتردد يتحوز عليها.
"لو زين شافني… ممكن يفهم غلط…"
لكن فجأة… سمعت صوت خبط خفيف يأتي من الداخل… زي حاجة وقعت.
اتجمدت لحظة… ثم حسمت الأمر:
"مش مهم هو هيفهم إيه… المهم أطمن عليها."
خبطت بسرعة… ولكن لم تلقَ ردًا، ثم عاودت الطرق مرة أخرى.
ولكن بعد لحظات فتحت لها الباب سيدة، يظهر على وجهها الضعف… ثم وقعت مغشيًا عليها.
جريت عليها بخوف:
"يا نهار أبيض!"
ركعت جنبها… حاولت تفوقها:
"طنط! طنط فوقي معايا!"
مفيش استجابة.
نظرت حولها بسرعة… وجدت جهاز قياس السكر على الترابيزة.
قامت مسرعة لقياس سكرها… اتسعت عيناها:
"السكر منخفض جدًا!"
بإيدين بتترعش… جريت مسرعة على المطبخ… وحضّرت عصير وسكر…
رجعت بسرعة… ورفعت رأسها بحذر… وبدأت تحاول تعطيها سكر:
"استحملي معايا… بالله عليكي…"
ثواني عدت كأنها سنين…
بدأت تتحرك حركة خفيفة.
تنفست وسام براحة:
"الحمد لله… الحمد لله…"
لكنها لم تكتفِ بذلك…
أخرجت موبايلها بسرعة، واتصلت بالإسعاف.
بعد نصف ساعة…
المسعفون وصلوا… وبدأوا يتعاملوا معها.
أحدهم نظر لوسام وقال:
"لو ما كنتيش لحقتيها في الوقت ده… كانت دخلت في غيبوبة سكر خطيرة."
بلعت وسام ريقها… ونظرت للسيدة بخوف:
"طيب… هي هتبقى كويسة؟"
أجاب المسعف:
"إن شاء الله… إنتي أنقذتي حياتها."
وقف فريق الإسعاف.
وقفت وسام مكانها… وهي تنظر للسيدة التي كانت تبتسم لها.
وقالت لها السيدة بحب:
"شكرًا يا بنتي… مش عارفة لو ما جيتيش كان إيه ممكن يحصلّي."
نظرت وسام حولها وقالت:
"بس حضرتك إزاي عايشة في الفيلا دي كلها لوحدك؟"
قالت السيدة:
"لا، أنا معايا واحدة بتساعدني… بس هي بقالها كده إجازة عشان تجوز بنتها، فمش فاضية، وأنا بصراحة مش بحب حد غريب يدخل عندي."
تذكرت وسام أثناء الاجتماع في منزل زين عندما قال إن الخادمة في إجازة، لذلك أجبرت وسام على عمل القهوة بنفسها.
ابتسمت لها وسام وقالت:
"ألف حمد الله على سلامة حضرتك."
وابتسمت، وتركتها، وخرجت دون أن تقول لها حتى عن اسمها.
في نفس الوقت…
رنا كانت قاعدة في مكتبها… بتقلب في موبايلها…
إلى أن وصلها إشعار: "وصول زين من السفر."
ابتسمت ببطء… وقالت:
"رجعت بدري يا زين… أحلى توقيت."
فتحت رقم محفوظ باسم (مجهول):
"عايزة خدمة صغيرة…"
بعدها بساعات…
كان يقف واحد من موظفي الفندق مع رنا…
أعطته مبلغًا من النقود… هز رأسه وابتسم.
قالت له ببرود:
"كل اللي عليك تعمله… إنك تقول إن في اجتماع باسم شركة LUMIÈRE… والباقي عليا."
هز رأسه:
"تمام يا فندم."
وشخص آخر صوّر وسام، وأرسل الصور لزين.
وصل زين مطار القاهرة…
وجد… وعندما فتح موبايله، وجد العديد من الرسائل، منهم عدة رسائل من والدته لتخبره بمرضها.
ثم فتح الرسالة التالية…
ليجد صور وسام أمام الفندق، ورسالة تحت الصورة:
"الآنسة عندها اجتماع سري مع منافس شركتكم…"
شد على الموبايل بقوة… وعينيه اتحولت لغضب:
"مستحيل…"
لكن الشك دخل… زي السم.
ولكنه ذهب للاطمئنان على والدته…
وجد صحتها أفضل، وقصّت عليه ما حدث.
قال وهو يستعد للخروج:
"اسمها إيه البنت اللي جت ساعدتك؟"
قالت:
"والله يا حبيبي معرفش… نسيت أسألها. هي بعد ما اطمنت عليا مشت على طول."
"وإنت إزاي يا أمي تدخّلي حد عندك متعرفهوش؟"
قالت:
"يا ابني دي من الشركة عندكم، غير إن وشها سمح وفيها قبول… مش زي البلياتشو اللي شغالين معاكم… هادية كده ومش ملغمطة وشها."
توقع أنها هي.
رجوع للحاضر…
في مكتب زين…
واقف قدام هاني… بعد ما شاف الفيديو.
لكن فجأة… تليفونه رن.
رقم غريب.
رد بحدة:
"ألو؟"
جاء صوت يتحدث بأدب:
"حضرتك أستاذ زين؟"
"أيوه."
"أنا الدكتور المسعف اللي جه امبارح لوالدتك… كنت حابب أبلغ حضرتك إن والدتك كانت معرضة لدخول في غيبوبة سكر… لازم تتابع مع دكتورها ضروري."
قال زين:
"شكرًا لحضرتك… أكيد طبعًا. أنا اتصلت بيه امبارح، وتقريبًا هيحجزها في المستشفى علشان يظبطها."
قال الدكتور:
"والله اللي لازم يتشكر… الآنسة اللي كانت معاها. هي اللي أنقذتها وجابت الإسعاف في الوقت المناسب."
وقف زين مكانه وقال:
"أكيد حضرتك معاك بيانات الآنسة… علشان هي اللي طلبتكم؟"
أجاب الدكتور:
"آه طبعًا يا فندم… ثواني أشوفلك الاسم… بس سؤال، هو حضرتك متعرفهاش إزاي وهي كانت في فيلات حضرتك؟"
قال زين:
"أنا كنت مسافر… وحابب أشكرها."
"تمام يا فندم… اسمها… وسام."
اتسعت عينه بصدمة… وندم قاتل بدأ ينهش في قلبه.
همس بصوت مكسور:
"وسام… كانت بتنقذ أمي… وأنا…"
سكت… ولم يستطع أن يكمل.
لكن الحقيقة كانت واضحة…
هو لم يتهمها بالخيانة فقط…
بل كسر إنسانة كانت في ضهره…
طلب زين من HR عنوان وسام.
في منزل وسام…
كانت تجلس مع أختها، تشاهد مسلسلها المفضل، ونتاكف بشقاوتها المعتادة.
وفجأة رن جرس الباب.
نظرت ريهام لوسام وقالت:
"هو إحنا مستنيين حد؟"
رفعت وسام أكتافها وقالت:
"لا، ما أفتكرش."
ثم خبطت على رأسها فجأة وقالت:
"ده أكيد الأكل اللي طلبته! مش كنتي عايزة شاورما؟"
نطت ريهام وقالت:
"احلفي! بجد طلبتي لنا سندوتشات شاورما؟"
ضحكت وسام وقالت:
"خليكي كده اتكلمي زي الهبلة لحد الراجل ما يزهق ويمشي!"
قالت ريهام:
"افتحي بسرعة!"
جرت وسام وهي تضحك على أختها، وفتحت الباب…
لكنها أطلقت شهقة، ووقفت مكانها مصدومة.
كان زين يقف أمامها، وهو ينظر لمظهرها ويبتسم.
كانت وسام ترتدي بيجامة عليها صور كارتونية.
ظلت وسام تنظر له في صمت…
جاءت ريهام وقالت:
"إيه يا سو واقفة كده ليه؟ الأوردِر مش كامل ولا إيه؟"
ثم نظرت لوسام التي كانت واقفة كالتمثال، وقالت:
"مين ده؟"
اقترب الأب منهم وقال:
"خير يا بنات؟ واقفين كده ليه؟"
ثم التفت نحو زين، الذي سبق ومد يده وقال:
"السلام عليكم… أنا زين، مدير الآنسة وسام، وكنت حابب أتكلم معاها في أمر ضروري."
رحب الأب ودعاه للدخول.
جرت وسام مسرعة تبدل ملابسها.
ثم دخلت عليهم وقالت:
"السلام عليكم."
قال الأب:
"تعالي يا وسام شوفي مستر زين عاوزك في إيه."
نظر زين… وعينه فيها ندم واضح…
قال بهدوء:
"ممكن نتكلم؟"
ردت ببرود:
"مفيش كلام بيني وبينك يا فندم."
قال الأب بحدة:
"وسام… مستر زين في بيتنا. اتفضلي اقعدي وشوفي عاوز إيه، وبعد كده اعملي اللي شايفاه صح. أنا مش بغصبك على حاجة."
خرج الأب، لكنه ترك الباب مفتوح، وجلس بالقرب منهم يستمع لحديثهم، وطلب من ريهام تعمل حاجة يشربوها.
وفي الداخل…
حاول زين أن يقترب خطوة وقال:
"أنا غلطت…"
"وأنا عارف إني غلطت جامد… بس لازم تسمعيني."
ردت بسرعة، بحدة مكبوتة:
"دلوقتي بس عايز تسمعني؟"
اقتربت منه، وعينيها تحمل وجعًا وكَسرة:
"أسمعك؟! ولما كنت بقولك اسمعني… كنت فين؟
لما كنت بقولك أنا معملتش حاجة… كنت فين؟"
تنهد زين ولم يستطع الرد…
كملت بصوت مكسور لكن قوي:
"إنت حكمت عليا من غير ما تسأل…
كسرتني… وصدقت أسوأ حاجة فيا بسهولة."
قال بهدوء متوسل لأول مرة:
"أنا كنت خايف… الشركة—"
قاطعته بسخرية:
"لا… إنت كنت شايفني خيانة… وخلاص."
سكتت لحظة…
ثم قالت الجملة القاضية:
"أنا ما بزعلش من الغلط…
أنا بزعل من اللي بيصدق الغلط فيا بسهولة."
قال وهو يحاول أن يستسمحها:
"وسام… اديني فرصة أصلّح—"
رجعت خطوة لورا فورًا، ونظرت له بثبات:
"أنا مش هرجع الشغل تاني يا مستر زين."
اتصدم وقال:
"إيه؟! ليه التسرع ده؟ إنتي عملتي اسم، وشغلك ميزك عن غيرك!"
ضحكت بوجع وقالت:
"بس للأسف تميزي ده ما شفعليش عندك… وشوفتني خاينة في لحظة."
ثم أكملت بنفس نبرة الوجع:
"وأنا مش هشتغل في مكان… مديري شايفني خاينة."
نظر لها، وعينه مليانة ندم، وقال:
"ولو قلت لك إن الشغل محتاجك؟"
ضحكت وقالت:
"مبتقفش على حد… وزي ما عملت اسم في شركتك، هعرف أعمل اسم في أي حتة."
قال:
"طب… وأنا؟ يا وسام."
بصت له لحظة… وفي عينيها ألف كلام…
لكن قالت:
"إنت اخترت تصدق إني خنتك…
فاستحمل نتيجة اختيارك."
ظل زين صامت… ولم يستطع الرد…
لأول مرة… يشعر أنه خسر معركة.
قال لآخر مرة:
"أنا مستعد أقدم لكِ اعتذار رسمي قدام كل الموظفين."
أجابت دون أن تنظر له:
"متتعبش نفسك… أنا خلاص مش مستنية منك حاجة."
هز زين رأسه… وخرج.
التقت عيونه بوالدها… الذي نظر له نظرة امتنان…
وخرج من منزلها