
انسحبت وسام… منهارة، وهي مذعورة من رد فعل زين.
ومصممة على ترك العمل، ولكنها تذكرت العقد وشروط الجزاء، غير عقد الحملة الجديدة.
وبعد يومين بدأت الأمور تهدأ، وينتظم العمل مرة أخرى، وظهر زين لايف وتوضيحه للأحداث وتحسين وضع الشركة.
ولكن ظل الجو محتدًا بين زين ووسام، فقد انكسر شيء داخلها.
وفي آخر اليوم…
كانت وسام تخرج من الشركة بمفردها…
ولكنها وقفت عندما سمعت صوتًا يناديها:
"وسام."
وقفت مكانها ولم تلتفت.
قال زين، وهو يقف خلفها… ويقترب ببطء حتى أصبح أمامها:
"إنتِ زعلانة؟ لسه زعلانة؟"
أجابت عليه ببرود:
طبيعي يا مستر أكون لسه زعلانة، أنا اتهمت بالخيانة… المفروض أعمل إيه؟ مش فاهمة.
سكت لحظة…
ثم قال لأول مرة بصراحة:
أنا مصدقتش اللي اتقال، بدليل إني فضلت ورا الموضوع، وإن شاء الله قريب هعرف مين اللي عمل كده.
رفعت عينيها… وقالت بحدة:
تمام يا مستر، في حاجة تانية؟
وتركته واقفًا… ومشت دون أن تلتفت خلفها.
ولأول مرة… يشعر زين بهذا الشعور.
وقف مكانه… شدّ على إيده…
وابتسم ابتسامة غريبة وقال بمزاح لنفسه:
"واضح إن السحر انقلب على الساحر، وشكل المجنونة دي هتخلص القديم والجديد."
ذهبت وسام إلى منزلها، وهي لا تعلم ما اسم الشعور الغريب الذي تملكها. فهي أخذت عهدًا على نفسها ألا تفتح قلبها، ولكن من الواضح أن قلبها أعلن العصيان ورفع حالة التمرد عليها. حاولت جاهدًا أن تهدأ من خفقاته.
دخلت وسام غرفتها تحاول تتجنب النظر لأي حد… لكن عيون أختها كانت مثل الرادار.
قالت أختها بخبث وهي تقرب وجهها منها:
"خير يا سوسو؟ لا أسكت الله لكِ صوتًا… مالك كده؟ مش على بعضك؟ البطارية فصلت ولا إيه؟"
ردت وسام وهي تزقها بإيدها:
"ابعدي بس… مفيش حاجة… عادي."
جلست ريهام بجوارها وقالت بضحك:
"لا لا لا… في حاجة! إنتِ من إمتى بتقعدي عاقلة كده؟ دي مصيبة قومية! أو حدث تاريخي!"
دخل الأب وهو يضع مفاتيحه على الطاولة:
"في إيه؟ صوتكم عالي ليه؟"
قالت الأخت بسرعة وكأنها وجدت فرصتها لمضايقة وسام:
"اسأل بنتك يا بابا… شكلها وقعت في حاجة كده ومش راضية تقول!"
نظرت لها وسام بحدة:
"خير يا ريهام، في إيه؟ مفيش الكلام ده… بطلي تأليف."
تدخلت الأم وهي تخرج من المطبخ تحمل أطباق الغداء:
"مالك يا ريهام ومال أختك؟ سيبها براحتها… لو عايزة تقول هتقول. مالها؟"
لكن الأخت لم تسكت، وقالت بنبرة فيها غيرة خفيفة:
"أصل مش متعودة أشوفها ساكتة كده… ولا سرحانة! واضح إن في حد شاغل تفكيرها أوي."
الأب رفع حاجبه وقال بهدوء:
"حد مين؟"
توترت وسام وقالت بسرعة:
"مفيش حد يا بابا… شغل بس وضغط عادي، وشوية مشاكل في الشغل مش أكتر… بس حضرتك عارف ريهام ورخامتها."
ابتسمت ريهام ابتسامة جانبية:
"آه شغل… واضح جدًا إنه شغل!"
نظرت لها وسام بغيظ:
"إنتِ مالك؟ مركزة معايا كده ليه؟ خليكي في حالك يا رخمة."
ردت ريهام وهي تهز كتفها:
"عادي… أصل اللي زيك لما يتغير، الموضوع بيبقى مهم. واحدة عاملالنا البيت سيرك، وفجأة تسكتي."
قطعت الأم كلام ريهام وقالت بابتسامة هادئة وهي تمعن النظر لوسام:
"سيبي أختك يا بنتي… يمكن تكون تعبانة."
لكن ريهام تمتمت بخفوت:
"أو يمكن في حد جديد دخل حياتها… بكرة هنتفرج."
سكتت وسام فجأة… وشعرت إن الكلام لمس حاجة جواها…
فقالت بحدة وهي تقوم:
"أنا داخلة أوضتي… ومش عايزة حد يضايقني."
نظر الأب للأم وقال بهدوء:
"واضح إن في حاجة كبيرة عندها… بس هنسيبها لحد ما تحب تتكلم."
ابتسمت الأخت بخفة، لكن في عينيها لمعة غيرة واضحة:
"أنا هعرف… وساعتها مش هسيبها."
جلست وسام مع نفسها طول الليل تفكر في كل الأحداث التي مرت بها في الشركة، وتتوقع مين اللي دبّر لها المكيدة.
ثم استسلمت للنوم، فغدًا عندها اجتماع كبير، وهي لم تستعد له بسبب أحداث اليوم الطويل.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت وسام أفضل من أمس. قامت وفتحت نافذة غرفتها واستنشقت نسيم الهواء، وقالت في نفسها:
"لا مكان للضعفاء… وأخذ الحق حرفة. اصبروا عليّ، أنا مش هسيب شغلي. أنا هحارب علشان اسمي ونفسي، ولازم أثبت نفسي. وإن شاء الله هوصل… لحد ما اسم وسام لما يتذكر في سوق التسويق، الكل يعمل له ألف حساب."
وسام بقت أقوى بكلامها مع نفسها، ولمعت عينيها بتحدٍ واضح. ارتدت ملابس أنيقة مبهجة، وضحت ملامح وجهها الصافي بدون وضع أي مساحيق، سوى بعض اللمسات الخفيفة جدًا التي أبرزت لمعان وجهها فقط.
شربت قهوتها على عجل، واستقلت سيارتها وذهبت إلى الشركة. عينيها تلمع بحماس واضح.
دخلت الاجتماع تجري، فقد بدأ منذ دقائق. دخلت مسرعة تعتذر.
رفع زين حاجبيه وقال:
"ساعتك كام يا آنسة؟"
ارتبكت وسام، ولكن تذكرت كلامها، وقالت بثقة:
"بعتذر مستر زين… العربية عطلت، وأنا حابة إني نزلت زقتها."
ضحك كل الموجودين في قاعة الاجتماع، وظهر شبح ابتسامة على وجه زين، فأشار لها بالجلوس.
قال زين:
"تمام، يلا نبدأ… كفاية الوقت اللي ضيعته الآنسة."
ثم قال بجدية:
"الأرقام مش عاجباني خالص."
ردت وسام فورًا:
"والطريقة القديمة مش هتجيب أرقام جديدة."
رفع عينه لها:
"إنتِ بتجادلي؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"لا خالص… بفكر بس بصوت عالي."
ضحكات خافتة من الفريق…
نظر لهم زين، لكن عينه فيها شرارة.
وكالعادة، رنا… الغيرة متمكنة منها.
كل مرة وسام تتكلم… بتسرق فيها نظر زين،
وكل مرة زين يسمع لها ويبتسم على طريقتها العشوائية.
مر الاجتماع بين شد وجذب وعرض أفكار جديدة…
في يوم…
كانت وسام في مكتبه، بتناقش معاه فكرة مجنونة كالعادة.
اقترب وهو ينظر في اللابتوب وقال:
"ركّزي هنا… أنا شايف إن في مجازفة كبيرة لو طبقنا الفكرة دي، مش عارفة ممكن تودينا…"
وسكت فجأة.
شعرت وسام بأنفاسه قريبة جدًا…
اتوترت لحظة، لكن كملت عادي، النظر إليه دون أن تنظر له مباشرة.
قال فجأة:
"إنتِ مش سهلة."
التفتت له وقالت بدون ما تنظر له:
"ليه بس حضرتك بتقول كده؟
علشان شغلك كله معتمد على المجازفة والحظ؟"
ضحكت بصوت منخفض وقالت:
"مافيش مكسب من غير مجازفة."
"طيب والـRisk؟"
"عادي يا فندم… أي حاجة في الحياة معرضة للخسارة. حياة الإنسان نفسها كلها مجازفة وخسارة.
لو هنحسب الـRisk ونخاف، مش هنتميز… هنكون شبه الباقي.
السوق مليان سلع كتير كلها شبه بعض، المهم التميز.
وحد بالك إن الحلو هو اللي بيفرض نفسه، وأنا قررت أكون متميزة في شغلي، فلازم زي ما أتحمل المكسب أتحمل الخسارة.
محدش بيكسب على طول… لازم يكون في خسارة، وإلا هنتعلم إزاي؟"
قطع كلامهم دخول رنا فجأة…
وشافتهم قريبين بالشكل ده.
اتجمّدت.
والغيرة بقت واضحة لأول مرة من غير ما تخبيها.
نظر لها زين وقال باستفهام:
"خير يا رنا؟ إيه الشيء المهم جدًا اللي يخليكي تدخلي بالشكل ده ومن غير استئذان؟"
ارتبكت رنا وقالت بتوتر:
"لا أبدًا… أصل لسه ما بدأناش في الحملة، فكنت حابة أسأل حضرتك هنبدأ بإيه؟"
"تمام، بس ده ما يستدعيش دخولك بالمنظر ده، وعامة خلاص اخترت مع وسام طريقة الحملة وهنبدأ شغل حالًا."
قالت رنا بدون تفكير:
"هو في إيه يا مستر زين؟ حضرتك مش شايف إلا وسام وأفكار وسام؟ وإحنا فين من كل ده؟ إحنا كمان بنفهم، وعندنا أفكار زيها… مش هي لوحدها!"
رفعت وسام عينها وقالت دون انتظار رد زين:
"مالك يا رنا؟ اهدي على نفسك. الحملة دي العميل هو اللي كلفني بيها. المنتج سمنة وهنسوقها.
ما أنا سايبة لكِ كل تسويق أدوات التجميل، لو عايزة السمنة خدي الحملة، أنا معنديش مشكلة."
ثم التفتت لزين وقالت:
"مستر زين، كلام رنا صح… مينفعش أنفرد أنا بالشغل. حضرتك اطلع شوف شغل كل المصممين اللي برا، واللي هيتم عليه التصويت هو اللي هنعتمد عليه في الحملة.
وأظن حضرتك كنت قايل لهم يشتغلوا، أكيد الزملاء تعبوا هما كمان."
اقتنع زين بكلامها، وقام واقفًا وقال:
"تمام… يلا بينا برا نشوف باقي التصميمات."
طلع زين وقال بصوت مرتفع:
"يلا كده بالدور، كل واحد يقوم بعرض تصميم حملة السمنة ويقول تصور الحملة. وهنبدأ برنا علشان كانت زعلانة إن وسام هي اللي هتعمل الحملة."
ارتبكت رنا وقالت:
"لا… أصل أنا بصراحة معملتش تصميم، أنا كنت بتكلم عن باقي الزملاء."
احمر وجه زين من الغضب وقال بصوت مرتفع حاد:
"يعني إنتِ ما اشتغلتيش على الحملة من الأساس، ودخلة عليّ المكتب من غير استئذان، وقطعتي الشغل اللي كنت بعمله مع وسام، علشان في الآخر بتتكلمي عن زملائك؟ وإنتِ ما اشتغلتيش! هما يعني موكلينك محامية عنهم؟"
اقترب هاني من زين وقال:
"زين، اهدى… براحة، مش كده."
"أهدى إيه وزفت إيه يا هاني! إنت ما شفتش الآنسة دخلت عليّ إزاي، والطريقة اللي اتكلمت بيها، وكأني باكل حقهم الفكري!"
"معلش يا زين، اهدى بس."
وأشار هاني لباقي الزملاء بعرض شغلهم، اللي كان زي المعتاد، وظلت فكرة وسام هي اللي خارج الصندوق… فكرة كلها جنان وتهور.
وبالفعل عرضوا الأفكار على العميل، وكانت فكرة وسام في المرتبة الأولى، وبالفعل اعتمدوا الفكرة.
مر أسبوع…
اضطر زين يسافر فجأة لشغل مهم.
استدعى وسام إلى مكتبه وقال:
"وسام، أنا مسافر تقريبًا أسبوع."
"الشغل هنا في إيدك… الحملة تخلص زي ما كنتِ بترسمي لها."
استغربت:
"في مدراء أقدم مني—"
قاطعها:
"أنا اخترتك. إنتِ اللي تمسكي حملتك لوحدك… بس أوعى تكسفيني، عاوز أرجع ألاقي الحملة مكسرة الدنيا."
سكتت.
ثم قال بنبرة أهدى:
"ما تخليش حد يلعب على أعصابك."وخالي عندك ثقة في شغلك
بصت له…
"ولا حضرتك؟"
ابتسم بخفة:
"أنا أولهم."
حاجة كمان قبل ما تمشي من فضلك يا وسام تجنبى رنا علي قد ما تقدري و اقعدي هنا في المكتب خلصي شغلك بلاش تقعدي معاها في مكان واحد
هزت وسام رأسها بتغهم
سافر زين…
لكن حضوره لم يختفي فكان مسيطر علي كل ركن في الشركة
كل حاجة في الشركة… فيها قراراته.و تعليماته
وكل قرار… بقى فيه لمسة من وسام.
في يوم متأخر… رن هاتف مكتب زين في الشركة.
أجابت وسام لأنها كانت تجلس تقرأ بعض الملفات.
أتاها صوت ست كبيرة… مرهق:
"لو سمحتي… عايزة زين."
وسام بهدوء:
"حضرتك مين؟"
"أنا… أمه."
اتغيّرت ملامح وسام فورًا.
"هو مسافر… بس حضرتك محتاجة حاجة؟"
سكتت الست لحظة… .
وقالت هو لسه مجاش هو كان قايلي أنه هيوصل انهاردة
"أنا تعبانة شوية…