
مهما حاول الإنسان لا يمكنه أن يتحكم في ذاته ومشاعره وانفعالاته طوال الوقت, هناك أوقات تسبق فيها انفعالاتك عقلك, وخاصًة تلك التي يكن فيها الخوف أو الغضب هما المسيطران, تنفلت زِمام الأمور, والغلبة لتلقائيتك, وما يصدر عنكَ لا يمكن التراجع عنه"
سقوطها هكذا غارقة في دمائها التي ظهرت واضحة من كنزتها الزرقاء الفاتحة, جعل عقله يُشل للحظات قبل أن يستوعب الواقع, رغم أنه ليست اول مرة يرى فيها قتيل, وليست هي أول شخص يسقط أمامه بروح ذاهبة, ولكنها.. تخصه, تهمه, ليست كمن سبقوها ابدًا..
إن حاول إحصاء عدد من كانوا في مشهد مماثل لها الآن, لن يستطيع إحصائهم, وكان كل ما ينالونه منه نظرة عابرة لا تتعدى ثواني ثم ينطلق في طريقه ويكمل ما يفعله.
ولكن الآن ولأول مرة لا تكن نظرة عابرة, ولم يهتم ابدًا بالنظر لمحل إطلاق الرصاصة ومعرفة من أطلقها, أو حتى الركض ورائهم, بل ركض ناحيتها هي.. يلتقطها من فوق الأرضية الصلبة, لتنظر له بعينيها الناعسة والتي أصبح بياضها يغزوه شعيرات دموية حمراء.
كان يظهر عليهِ الارتباك والقلق, ملامحه كانت مضطربة بشكل لم تراه عليهِ من قبل, ولم يكن هو عليهِ منذُ اليوم الذي عرف فيه خبر وفاة والدته, كان وقتها مضطرب كالآن, لا يعرف ما عليهِ فعله ولا أين يذهب, فقط يمرر كفه على ذراعها دون أن يكتشف مكان الإصابة, وكأنه يواسيها!
هي مجرد حركة حمقاء تدل على صدمته وتوتره, وبعدها كان يسمعها تهمس بما جعله يستفيق من حالته:
-هموت... ماما... عاوزه اشوفها... قولها...
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بشيء بدأ يملأ حلقها, وأكملت بينما أصبحت كمن أخذ جرعة مخدر قوية تسحبه نحو اللاوعي دون اراده منه:
-كان معاها حق.. انا غبية... كانت صح..
لم يفهم ما تقوله, أليس والدتها متوفية! ولكن أرجع الأمر أنها لا تشعر بنفسها وهي تقريبًا أصحبت في حالة قريبة من اللاوعي.
-قوم يا شاهين نوديها المستشفى, انتَ هتفضل تتفرج عليها؟
رفع رأسه ليرى "نصر" يقف بالقرب منه تمامًا, لا يعلم متى أتى أو ماذا أتى بهِ لهُنا, وقد كان "نصر" الذي ترجل بسرعة البرق ينادي باسمه وقلبه يخفق وجلاً من إصابته بمكروه, قد هدأ قليلاً زافرًا أنفاسه براحة حين وجده سالمًا, والإصابة لم تكن بهِ, ووقف هادئًا, صامتًا, ينتظر أن يطمئن "شاهين" عليها, ولكنه لم يفعل شيء, هو فقط يقوم بأفعال غريبة ستجعل المسكينة تفقد حياتها وهي بمحلها, لذا كان عليهِ التدخل.
عاد "شاهين" ينظر لها وقال بعدما ابتلع ريقة بقوة:
-متخافيش, هتكوني كويسة.
وجاء ليحملها لتصرخ هي بوجع من بين قربها لفقدان الوعي:
-لا...متحركنيش.. ابعد...ابعد..
-هي الرصاصة فين؟
سأله "نصر" ليحرك رأسه باضطراب مرددًا بجهل:
-مش عارف.
ثم استكمل حديثه ل "فيروز" يطالعها بشفقة حقيقية:
-لازم اشيلك عشان تروحي المستشفى, معلش اتحملي بس ثواني لحد ما ارفعك.
وقبل أن تعترض كان يرفعها بين ذراعيه بأقصى رفق يعرفه, ولكن هذا لم يمنع صرخة خافتة متألمة خرجت منها قبل أن يستقيم بها, فتلقي رأسها على صدره بإنهاك وتغمض عيناها في استسلام تام للتخلص من بشاعة الألم... وفي نفس اللحظة تناثرت بعض الدماء من فمها.
-متغمضيش يا فيروز.. متغمضيش.
صرخ بها وهو يركب أحد السيارات التي فُتح بابها أمامه, لكنها لم تستجيب.. فكانت بالفعل قد فقدت وعيها.
لعن من بين أسنانه حين لاحظ أنها قد فقدت الوعي, وحاول أن يتفحص جسدها لمعرفة مكان الإصابة, لكن تلطخ الكنزة بالكامل بلون الدماء جعله يخفق في معرفة موضع إصابتها.
-متقلقش هنلحقها.
قالها "نصر" الجالس في المقعد الأمامي بجوار السائق, لينظر له "شاهين" بملامحه المتجهمة يسأله:
-انتَ عرفت مكاني ازاي؟ وعرفت اللي حصل منين؟
أجاب "نصر" في هدوء:
-للأسف كنت جاي انقذك بس وصلت متأخر, كويس إنك بخير وإلا كنت هحرقه حي.
لم ينتبه لنبرته الغريبة, ولا جملته الأغرب عن مدى مكانته لديه, فقط ردد بشراسة:
-انا كده بخير! مش واخد بالك إن في واحدة بين الحيا والموت؟ بعدين هو مين ده؟ معتقدش إن عقابه دلوقتي هيختلف.
-هيختلف لأنك سليم, فهحاول اديله فرصة تانية ي...
صرخ "شاهين" غاضبًا غضب قد يجعل السيارة تنقلب بهم الآن:
-بردو هيقولي سليم! هي دي واحده كانت معدية في الشارع واتصابت مكاني! دي خطيبتي, ده كان ربنا هيرحمه لو انا اللي اتصابت, قولي هو مين؟
-بطل صرخ...
قالها "نصر" منزعجًا من صوته العالي وأكمل:
-بعدين مش وقته, خلينا نشوف البت الأول بعدين نتكلم, ادخل يا بني على أقرب مستشفى.
وجه جملته الأخيرة للسائق الذي هزَّ رأسه موافقًا ومنفذًا...
كبح غضبه المشتعل بصدره, وحول نظره لها وهي متسطحة فوق مقاعد السيارة ليحاول جعلها أكثر راحة وحشر نفسه في جلسة غير مريحة جوارها, وكانت رأسها تجاهه, لاحظ تعرقها بغزارة فطلب من السائق بتبجح:
-هات المناديل دي.
مد يده له بعلبة المناديل على الفور, ليبدأ في تجفيف عرقها من على وجهها ورقبتها, ويمسح فمها من الدماء, التي أصابته بذعر أكثر, ودون شعور منه وجد نفسه ينحني عليها هامسًا في أذنها بعنفوانه وغضبه المعتادين:
-مش هرحمك لو جرالك حاجة, ومش هعديهالك لو قومتي منها.
هو حقًا لا يدري بحماقة ما يتفوه بهِ!
لكن هذا ما سيفعله بكل تأكيد, ربما لن يملك الفعل إن ذهبت, وحتمًا لن يمررها لها إن نجت.
-------------
ضحكة مجلجلة صدرت منه فور وصوله الخبر, وبدى الابتهاج جليًا على وجهه وهو ينهي المكالمة:
-تمام... تمام اوي, أي اخبار جديدة تبلغني بيها, ويا ريت المكالمة الجاية تبلغني بخبر موتها.
أغلق الهاتف ليقول الذي يجلس أمامه ينهيا بعض الأعمال الخاصة بشحنة جديدة:
-مين دي اللي مستني خبر موتها؟
ضحك "مختار" وهو يقول:
-خطيبة شاهين.
رفع الجالس حاجبه يسأله بحذر:
-انتَ اللي وراها؟
رفع "مختار" كفيهِ مستسلمًا وابتسم يقول:
-لأ يا غسان انا ملوثش ايدي انا بعرف ازاي أوصل للي عاوزه بس من بعيد, انا بس رفعت ايدي عن شاهين ودي كانت النتيجة.
همهم "غسان" يقول:
-بس إيه علاقة خطيبته بمشاكله, معتقدش في حد هيكون مستقصدها!
-لا مهو مكانتش هي المقصودة, هي اتصابت بالغلط.
اتسعت عيني "غسان" بقلق وهو ينتفض من فوق كرسيه:
-يعني شاهين المقصود؟ ومين اللي عمل كده!؟
سخر "مختار" من انتفاضته وقال:
-مالك هبيت ليه كده؟ اوعى تكون لسه بتخاف عليه من باب الصحوبية والهبل ده.
-مين اللي عمل كده؟
رددها بإصرار للمعرفة دون اهتمام بحديث الآخر, ليجيبه "مختار" بلامبالاة:
-انا إيه عرفني, لسه الخبر واصلي واكيد مش هعرف في نفس اللحظة مين وراها, خصوصًا إن أعداء شاهين زي الرز.
جمع أشيائه وهو يسأله مرة أخرى:
-هم راحوا علي فين؟
وقف "مختار" يوازيه مرددًا باستنكار:
-إيه هتروحله؟ بطل جنان يا غسان, وبعدين مانا قولتلك هو زي القرد محصلوش حاجة.
ردد "غسان" بما يعرفه عن "شاهين":
-بس هيودي نفسه في داهية, مش هيسكت على اللي حصل وهيتغابى.
-وانتَ مالك!
-يعني هحاول الحقه.
والحقيقة "مختار" لا يتمنى الشر ل "شاهين" أو بمعنى أدق يتمنى له الشر بحد معين وليس لدرجة الموت أو مصيبة لا يخرج منها, لذا قال وهو يلتقط هاتفه:
-هعرفلك هو فين.
----------------------
انتفضت من نومها بذعر بعد كابوس مزعج شعرت فيه أنها تختنق, والكابوس كان واضحًا, رأت ابنتها تركض في مكان مظلم ومخيف, وخلفها يركض ذئاب ضخمة ذات شكل مخيف, وفجأة وصلت "فيروز" لنهاية الطريق المغلق, والتفت خلفها تصرخ وهي تنظر للذئاب التي لم تتوقف وهي تركض نحوها, وفجأة وصل لها أحدهم ينقض عليها لتختفي صرختها بين أنيابه..
وحينها استيقظت "مديحة" تشهق بهلع وتتلفت حولها لا تعرف علاما تبحث, لكنها تشعر بالعجز, تشعر بغصة قوية تقبض قلبها, وكأنه ينبئها بخطر ما, خطر بالتأكيد يخص ابنتها, واخيرًا بعد فترة من البكاء والهلع اهتدت لهاتفها, ففورًا اتصلت بهِ, حتى أتاها رده فقالت على الفور:
-مازن باشا, بنتي مالها؟ متخبيش عليا بنتي جرالها حاجة صح؟
نهض "مازن" الذي كان يجلس على كرسي مكتبه, وسألها باستغراب:
-في إيه؟ مين قالك إن فيروز جرالها حاجة!
أجابته ببكاء:
-انا حلمت حلم وحش ببنتي, وانا احلامي مبتخبش, قولي بنتي جرالها إيه؟
أنتابه القلق حيال "فيروز" من حديث والدتها, ولكنه أجاب بصدق:
-انا معرفش حاجة والله, وإن شاء الله ميكونش حصل حاجة, اقفلي بس وسبيني أوصل لأخبارها.
-طمني يا باشا الله يخليك, انا قلبي مقبوض ومش هطمن غير لما اسمع صوتها, لو وصلتلها خليها تكلمني.
-حاضر, متقلقيش مفيش حاجة.
وأغلق معها المكاملة وعقله يفكر هل بالفعل قد أصاب الفتاة شيء؟
---------------
وفي المستشفى كان الأمر أشبه بانتظار انفجار قنبلة موقوتة..
الجميع في حالة ترقب, بعد أن أخذها الأطباء لغرفة العمليات منذُ ساعة كاملة, خرج الطبيب يخبرهم باحتياجهم للتبرع بالدم للمصابة, بعد أن استنفذوا ما يلائمها من بنك دم المستشفى, فتوجه "شاهين" ورِجال "نصر" الذي طلبهم لإجراء اللازم إن كان أحدهم يستطيع التبرع لها, ولكن لم يكن سوى "شاهين" هو الخيار الوحيد المتاح, وتم أخذ كمية لا بأس بها منه, في محاولة لإنقاذها بها لحين الحصول على كمية أخرى.
وقبل أن يدلف الطبيب لغرفة العمليات مرة أخرى, سأله "شاهين" وهو ينزل كم قميصه الملوث بدمائها بعد سحب الدماء من ذراعه:
-هي الإصابة خطيرة؟
أجابه الطبيب بعملية موضحًا:
-الرصاصة في نص صدرها, بس الحمد لله مصابتش أي عضو حيوي, لكن النزيف مستمر وبنحاول نسيطر عليه, نحمد ربنا انها مصابتش القصبة الهوائية رغم انها كانت قريبة جدا منها وعشان كده كانت بتنزف من بوقها.
وعاد للداخل تاركًا "شاهين" في أقصى حالات غضبه, اقترب من أحد الرِجال وطلب منه بفظاظة لفافة تبغ, وأخذها منه يخرج غضبه, وقلقه بها.
اقترب منه "نصر" يقول:
-همشي انا يا شاهين, ومتقلقش هتقوم بالسلامة.
و"شاهين" الآن بدى أكثر وعيًا من اللحظة التي تفاجئ فيها ب"نصر" فسأله مستغربًا:
-عرفت منين إني هنا؟
أجابه "نصر" بضجر:
-بردو بتسأل أسئلة مش وقتها؟ لما خطيبتك تطمن عليها لينا قعدة مع بعض.
انهى حديثه وربط على كتفه مستكملاً:
-هسيب 3 من رجالتي هنا لحد ما تكلم رجالتك تجيلك.
وضع كفيهِ على جيوب بنطاله وردد بنزق:
-تقريبًا التليفون وقع مني..
-اكيد في مكان الحادثة, انا سيبت هناك ناس من رجالتي يلموا الدنيا اكيد هيلاقوه.
سأله "شاهين" مستغربًا:
-يلموا الدنيا ازاي؟
-يمسحوا أثر الجريمة, ويسكتوا اللي شافها, مش عاوزين شوشرة, هبعت حد من الرجالة بيتك يبلغ رجالتك يجولك.
حرك رأسه بلامبالاة لينسحب "نصر" مبتعدًا وخلفه بعض رِجاله, وبالقرب منه "رأفت" ذراعه الأيمن, فقال له "نصر" بملامح تحولت للغضب العاصف:
-اطلبلي يسري الصاوي... النهاردة يكون عندي.
ويبدو أن "نصر" لن يمرر فعلته على خير, فحتى وإن نجا "شاهين" فقد هدد ذلك الأبلة حياته, وهو لن يسمح له بالتفكير في تكرار فعلته, فإن خابت مرة تصيب الثانية.
----------------
-يا باشا انا شغلي بيكون الصبح.
قالتها "مستكة" بضجر وهي تحدث "مازن" وأكملت:
-لو روحت دلوقتي هيبقى فيه الف سين وجيم, بعدين انا قولت لسعادتك انا سيباها كويسة وكانت نازلة معاه مشوار.
أتاها صوت "مازن" القلِق:
-مش يمكن عرف حاجة وخدها عشان يأذيها.
جلست "مستكة" على سريرها وهي تقطب جبينها بقلق انتقل إليها:
-يوه, هتوغوشني ليه, هو يعني لو عاوز يعملها حاجه هياخدها بره البيت! إذا كان بيته مخصصه للتعذيب.
أتاها رده الحائر:
-مش عارف, يعني انتِ مش هتعرفي أي معلومة غير لما تروحي الصبح؟
أجابته بقلة حيلة:
-والله لو في ايدي شيء كنت عملته, بس مقدمناش غير إننا نستنى للصبح.
وأغلق كلاهما والقلق يتلاعب بعقولهما.
------------------------
" يقرص الموت أذني ويقول عش حياتك! فأنا قادم.
(أوليفر وندل)"
على الفراش الأبيض القابض للقلب رغم بهيج لونه, وعلى ضوء الكشافات الموضوع فوق رأسها وجسدها, كان جميع من بالغرفة يسابقون الزمن لإنقاذها, كمية الدم التي خسرتها ليست طبيعية ابدًا, والنزيف الغير قابل للتوقف في حد ذاته مريب, أصوات أشخاص تختلط بأصوات أجهزة يُفزع لها البدن, وبين كل هذا هي.. في عالم آخر, كالنائم في سباط عميق.. لا تسمع شيء من حولها, فقط تحلم...
تسير في مساحة كبيرة, أراضي صحراوية موصولة لا نهاية لها, يتصبب منها العرق, ويجف ريقها من العطش, تبحث حولها عن أي منقذ أو سبيل للنجاة, والنهار على وشك الذهاب, والليل يبدأ في إسدال ستائره, وهذا في حد ذاته يرعبها.
هدأت دقات قلبها العالية حين أبصرت شخص يجلس على صخرة تراها جيدًا, فأسرعت في خطاها حتى وصلت له, تهتف من خلفه:
-لو سمحت انا تايهه, قولي على طريق يرجعني.
التف لها الشخص لتبتسم بعدم تصديق, مرددة بابتهاج:
-بابا؟؟ حبيبي انتَ وحشتني اوي, لو كنت اعرف إنك هنا كنت جيتلك من زمان.
أجابها بصوته المألوف:
-كل شيء بأوان يا فُلة, انتِ كمان وحشتيني.
-خلاص انا هفضل معاك هنا مش عاوزه ارجع.
قالتها بسعادة كبيرة وهي تحاول التقدم للصعود للصخرة ليوقفها قائلاً:
-وهتسيبي امك؟ ده انا مطمن عليها عشان عارف إن بنتي بميت راجل, هتحمي نفسها وامها.
وقفت بحزن تقول:
-الدنيا وحشة اوي, وانا مش جامدة زي مانتَ فاكر.
-لا انتِ جامدة, طول عمرك ذكية, وتعرفي ازاي تخرجي نفسك من المصيبة قبل ما تقع على راسك, مفهاش حاجة لما تغلطي كام مرة, واهم بردو بيعلموكي.
-بس غلطاتي دي خلتني زي الفار اللي وقع في مصيدة مستحيل يطلع منها سليم.
-مين قالك كده؟ عمرك ما شوفتي فار هرب من مصيدة! الفار الذكي هو اللي يستنى الفرصة اللي الصياد يفتح فيها الباب وقبل ما يقدر يمسكه يهرب, يهرب وميبصش وراه, بس يبص قدامه, ويلاقي مكان آمن يهرب له, اصله مش هيقعد يجري من غير ما يقف.
نظرت له بحيرة وتفكير, لتسمعه يكمل مبتسمًا:
-الدنيا لونين يا ابيض يا اسود, والألوان اللي في النص رغم انها بتكون جذابة لكن مُرة, مفيش اوحش من إنك تقفي في النص, تتمرجحي لا منك عارفة إنك مع الأبيض ولا منك اتأقلمتي إنك مع الأسود, بصي وراكي كده.
نظرت خلفها لتجد المكان قد تحول لطريقين, أحدهم يظلله السواد, والآخر يشع منه البياض, وسمعت صوته يخبرها:
-شوفي هتمشي في انهي طريق, بس خدي بالك, دايمًا البداية بتغر.
وفي اللحظة تذكرت جملة والدها التي قالها منذُ لحظات "طول عمرك ذكية" فوزنت الأمر بعقلها واختارت طريقها, لتخطو نحو الطريق المظلل بالسواد وجملته ترن في أذنيها "دايمًا البداية بتغر" دخلته وسارت بهِ مسافة لا بأس بها تحت خوفها وفزعها من شدة ظلمته, ولكن فجأة ضرب نور قوي في وجهها فوضعت كفها تحجبه عنها, وحين أزالت كفها ببطء اتسعت عيناها وهي تراه أمامها, مبتسمًا, وفي أبهى صوره, يخبرها فاتحًا ذراعيهِ لاستقبالها...
"اتأخرتي عليا, بقالي مدة مستنيكي"
وابتسمت هي, تخطو نحوه خطوات واثقة, سعيدة, والأعين تتحدث, لكنها وقفت أمامه بعدما اختفت ابتسامتها تنظر خلفها بحزن حين لم تجد والدها مرددة:
-بابا..
جذب ذراعيها له وهو يخبرها بابتسامة جميلة:
-طريقه غير طريقك.
وفي غرفة العمليات... كان صوت الطبيب يصدح:
-النبض انتظم أخيرًا, بس النزيف مبيقفش, محتاجين نقل دم حالاً لحد ما نسيطر على النزيف.
---------
-ولما انتَ لسه محتاج دم لها مخدتش دم تاني مني ليه؟
حاول الطبيب أن يشرح له الموقف فقال بعد أن عدل عويناته بشكل صحيح:
_ يا استاذ احنا خدنا منك دم كتير، واكتر من كده هيكون خطر على حياتك، وللأسف بنك الدم عندنا مكانش فيه غير كيس واحد ينفع فصيلتها وهي خسرت دم كتير ومحتاجين نعوضه، وكل اللي واقفين دول مينفعوش معاها.
أشار على الرِجال ضخام الجسد الواقفين في أحد الجوانب بعد أن قام بإجراء فحوصات لمعرفة فصيلة دم بعضهم والبعض الآخر كان يعلم فصيلته والجميع غير متطابق لا يمكنهم التبرع لها.
_هكلم ناس تيجي تتبرع..
وقبل أن يبحث عن هاتفه الذي لا يعلم اين تركه تحديدًا في خضم ما حدث، كان الطبيب يخبره:
_لو مش هيكونوا هنا في ظرف نص ساعة يبقى مفيش داعي تتصل.. لأن أي تأخير مش في صالحها.
نظر له نظرة مميتة وكأنه سيحرقه وهو يسأله بحذر خطير:
_وبعدين؟
ابتلع الطبيب ريقه بتوتر من ملامحه التي تحولت لملامح إجرامية مخيفة، وقال:
_مانا قولتلك من شوية الممرضات بيحاولوا يشوفوا متبرعين في المستشفى هنا، وأن شاء الله هيلاقوا يعني.
_ ولو ملاقوش؟
أمال رأسه قليلاً للجانب وهو يلقي سؤاله، وبدى وكأنه متحفزًا لسماع الجواب ليقدم على شيء ما!
ولكن قبل أن يسمع الجواب وجد أحد الممرضين يخرج من غرفة العمليات وهو يخبر الطبيب بتوتر واضح:
_يا دكتور.. دكتور صفوت بيقولك محتاج كيس دم في ظرف عشر دقايق.
فنظر له الطبيب محاولاً فِهم وجه السرعة، فهمس الممرض بما وصل لمسامع "شاهين" المنصت باهتمام:
_الحالة بتتصفى لسه مش قادرين يسيطروا على النزيف، مش حِمل تأخير...
وقبل أن ينبت الطبيب بحرف كان يشهق بخضة حين وجد ياقتي قميصه بين كفي الثور الهائج الذي أمامه وهو يهدر بعنف وملامح صارخة بغضب:
_هتسحب انتَ من دمي ولا اشرب انا من دمك!
جحظت عينا الطبيب بذهول من عنفوان الذي أمامه، وشعر أنه لا يمزح ابدًا، ومن الرِجال الموجودين معه يبدو أنه سيقدر على فعلها، ولكن ضميره المهني لم يسمح له بالخضوع وهو يخبره بإصرار:
_انا مش هموت شخص عشان انقذ التاني احنا لو سحبنا منك ٥ سم كمان هيحصلك هبوط حاد.
ويبدو أن حديثه لم يلقى استحسان "شاهين" ابدًا، الذي بدى وكأنه على شفا حفرة من تنفيذ تهديده، بعدما ضغط على شفته السفلى بأسنانه بقوة غاشمة كادت تدميها وربما فعلت! في مشهد يشبه مشاهد غضب زعماء المافيا في تلك الأفلام.
ولكن ولأنه طبيب أمين، وصادق، انقذه الرب، حين وجد شاب يقل عن الواقف أمامه في الطول وعرض الجسد القليل، يمسك بقبضة الآخر يقول بنبرة مشحونة ومستنكرة:
_متعرفش تكون بني آدم طبيعي ابدًا، البلطجة بقت بتجري جواك؟
نظر له "شاهين" نظرة جانبية ساخطة وهو يهدده:
_ابعد ايدك يالا.
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة وردد:
_يالا! طب نزل ايدك انتَ ومطلعش روح البطلجي اللي جوايا.
وأزال يده بعيدًا عن الطبيب وهو يقول:
-انا موجود يا دكتور, اعمل التحاليل اللازمة, لو ينفع اتبرعلها, خد مني دم واكيد هفيدك أكتر من الجحش ده.
-متختبرش صبري.
قالها "شاهين" مزمجرًا, ليبتسم له "غسان" بسماجة معتادة:
-انا مش اجي اختبر حاجة, انا قولت اساعد, مش عشانك بس عشان عارف إنها لو جرالها حاجة هتقلب تور هايج وهتطربقها على دماغ الكل.
انهى حديثه ونظر للطبيب باستغراب:
-ما يلا يا دكتور ولا حابب تكمل معانا الحوار!
تنحنح الطبيب بخجل وهو يشير له للدخول لغرفة مجاورة, وأشار للمرض الواقف معه أن يتبعه, وعاد هو لغرفة العمليات.
وبعد عدة دقائق خرج "غسان" وهو يعدل ملابسه, وقال بمرح سخيف:
-ليكوا الشرف إنكوا خدتوا من دمي, كده اضمن إن عيالك كمان هيبقى فيهم منه.
لم يعقب "شاهين" على سخافته, ولم يكن لديهِ طاقة لأي حديث معه, فاستند على الحائط خلفه والتزم الصمت, مما جعل "غسان" يفعل المثل, ولكنه لم يصمت بل سأله:
-عرفت مين اللي وراها؟
-لسه, تفوق بس وهعرفه.
هز "غسان" رأسه يقول بعدم رضى:
-بس ياريت متلبسش نفسك مصيبة زي زمان.
نظر له بعينيه الغاضبة وردد من بين أسنانه:
-ولو رجع بيا الزمن هعمل نفس المصيبة تاني.
سخر "غسان" وهو يغمغم بألم مخفي:
-المصيبة اللي خسرتنا بعض.
-انتَ اللي غبي, لسه مش قادر تفهم إني عملت الصح وقتها.
-ولا عاوز افهم.
قالها منهيًا الحوار, فالتزما الاثنان الصمت وكلاً منهما شاردًا في أفكاره.
---------------------
"الحمد لله سيطرنا على النزيف والحالة حاليًا كويسة, بس هتفضل 48 ساعة تحت الملاحظة قبل ما نحدد وضعها النهائي"
كانت الجملة التي سمعها "شاهين" من الطبيب قبل أن يتحرك فورًا وهو يبصر رِجاله قد حضروا, وتحرك خلفه "غسان" يسأله باستغراب:
-رايح فين؟
-مرسي خليك هنا انتَ واتنين من الرجالة, مش عاوز دبانة تقرب منها.
اومأ "مرسي" بطاعة, وذهب باقي رِجاله خلفه, ليهدر "غسان" بغضب وهو يجذبه من ذراعه ليوقفه أمامه:
-بقولك سايبها ورايح فين؟
أجابه بشراسة وملامح تدل على الشر المطلق:
-متعودتش يبدأ يوم جديد من غير ما اصفي حساباتي..
نظر لساعته ثم قال بابتسامة قاسية:
-الساعة 2 يعني فاضل 3 ساعات على النهار ما يطلع, يدوب الحق.
وتخطاه مسرعًا في خطواته و "غسان" خلفه يغمغم بغيظ:
-مش قولت تور هايج..
الفصل الثامن عشر من الجزء الثاني..
"قال عثمان بن عفَّان: الدنيا خضرة، قد شُهِّيَتْ إلى الناس، ومال إليها كثيرٌ منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلاَّ من تركها"
وصل لفيلا "نصر العقاد"..
ليترجل من سيارته وعاصفة غصبه تسبقه وخلفه رجاله فأشار لهم بالانتظار وتبعه "غسان"، حتى وصلا لبهو فيلا" نصر" فقابلهما" رأفت" الذي هتف متسائلاً:
_خير يا شاهين بيه؟ إيه الموضوع المهم اللي يجيب حضرتك بدون ميعاد سابق.
بوجه صارم وملامح يبدو أنها تتحكم في الغضب بالكاد سأله:
_نصر باشا فين؟
وقبل أن يجيب "رأفت" صدح صوت "نصر" الذي كان ينزل درجات السلم الداخلي في هدوء وكأنه كان ينتظر قدومه:
_أنا هنا يا شاهين.. وكنت مستنيك، عارف إنك مش هتهدى غير لما نتكلم.
التزم "شاهين" الصمت حتى وصل أمامه، فوجه نظره ل "غسان" يسأله مستغربًا:
_طب هو جاي يعرف اللي يخصه، إنما انتَ منورنا ليه يا بلتاجي؟
اجاب "غسان" متحفظًا:
_بحاول الم الدنيا، انا عارف إنه مش هيسكت، وهو لما بيهيج بيبقى غبي، وسعادتك عارف اللي جوه دايرتنا مينفعش يتغابى.
ضغط "شاهين" على نواجزه غاضبًا وهو ينظر لها بسخط:
_هو انتَ فاكر إن وجودك هيمنعني من حاجة عاوز اعملها! وبطل تغلط عشان مبوظش لك معالم وشك.
حرك "غسان" رأسه بلا معنى ولم يرد، وقال "نصر" خافيًا ابتسامته:
_يعني بدل ما تشكره إنه خايف عليك!
لم يعقب، بل عاد بنظره له يسأله مباشرًة:
_ مين اللي عملها؟ مين اللي اتجرأ يبعت ناس تقتلني؟
ابتسامة بسيطة سخيفة ارتسمت على وجه "نصر" يقول:
_انتَ فاكر إني هقولك؟ زي ما صاحبك قال، في حالتك دي مينفعش تعرف مين عملها، بس عمومًا ماتقلقش، انا هشد ودنه وهخليه يحرم يقرب منك.
قطب ما بين حاجبيهِ بتعجب، وسأل وكأن عقله انتبه لهذه النقطة للتو:
_انتَ بتعمل معايا كده ليه؟ إيه يدخلك بيني وبين الشخص ده؟ وإيه اللي جابك وقت الحادثة؟
حاول "نصر" الثبات وهو يجيبه:
_انا جيت مكان الحادثة لما رأفت عرف باللي هيحصل، كنت بحاول الحقك.
_وتلحقني ليه؟ اصلاً كان كفاية تبعت رجالتك، معتقدش إنك كل ما يوصلك خبر ان في راجل من الرجالة هيتقتل بتجري على هناك!!
هز رأسه بتأكيد وقال:
_معاك حق، بس انا بعتبرك في مكانة تانية، انتَ عزيز عندي يا شاهين، بيعجبني تفكيرك وقوتك وخطواتك الثابتة، معتقدش إني هحب اخسر راجل زيك، بالعكس أنا من يوم ما عرفتك وانا بعاملك كأنك ابني او راجل من رجالتي المخلصين، فأكيد لما اعرف بخطر بيحوم حواليك هحاول انقذك.
لم يعبأ بكافة حديثه بل قال في هدوء مصطنع:
_جميل، بس ياريت بقى تقولي هو مين، اكيد لو انا زي ما بتقول عزيز عندك مش هتحب تسبني على ناري كده.
ابتسم له "نصر" ابتسامة صادقة هذه المرة وهو يخبره بما جعله يستشيط غضبًا:
_واني اقولك أنا هتصرف معاه مش كفيل يطفي نارك؟
- هو انا اكتع؟ ولا مشلول عشان حد يجيب حقي، انا حقي هيرجع بأيدي، وحتى لو مقولتش هو مين انا كده كده هعرف، بس قولت اجي أسألك بما إنك عارف، بس لو مقولتش انا هعرف بردو، ووقتها بقى مش هو بس اللي هيطوله أذايا.
اتسعت أعين "غسان" بصدمة ولكزه في ذراعه يحذره هامسًا:
_شاهين انتَ اتجننت؟ اظبط كلامك متقومش الدنيا عليك.
ولكن همسه وصل ل "نصر" الذي قال محافظًا على ابتسامته وهدوءه كما لا يفعل مع أي أحد آخر، فيقسم لو أن أحد غيره لمحَ بتهديد له لكان أراه من الويل أشكال، لكنه "شاهين" ولده الحبيب، وقرة عينه، وقلبه الملكوم ببُعده، فبالطبع سيمررها له:
_ واضح إن صاحبك الموقف مأثر عليه لدرجة انه واقف في نص بيتي يهددني.. يهددني أنا!
أردف جملته الأخيرة ساخرًا وما إن أوشك "شاهين على الرد حتى قاطعه يقول بعدما اختفت ابتسامته:
_خد صاحبك وامشي يا غسان، وهديه، ده لمصلحته، ولو عرفت مين اللي عملها ابقى اعمل ما بدالك.
قال جملته الأخيرة موجهًا حديثه ل" شاهين" الذي نظر له بصمت غاضب، وعيناه تتوعد بالكثير، قبل أن ينسحب مهرولاً للخارج واتبعه "غسان" بعد أن القى نظرة أخيره على "نصر".
_شاهين مش هيسكت غير لما يعرف مين اللي عملها.
قالها "رأفت" بحقيقة مؤكدة، فقال "نصر" وهو مازال ينظر لمحل ذهابه:
_واحنا هنقطع عليه كل طريق يوصله للحقيقة، شاهين لو عرف إن يسري اللي عملها مش هيتردد يقتله، وانتَ عارف إن ده هيقلب عليه البشوات الكبار اللي يهمهم حياة يسري عشان مصالحهم تمشي.
_مش وارد يشك فيه؟
_لأ، مش وارد، لأن في ناس كتير اوي لهم عداوة مع شاهين، خصوصًا إن يسري ساكت على حقه بقاله ٣ سنين.. يعني مش منطقي لسه فاكر ينتقم من شاهين.
_ وحضرتك خلصت الموضوع مع يسري؟
صمت "نصر" وهو يتذكر آخر حديثه مع "يسري" حين هتف الأخير بغضب:
انا مش هسيب حقي اللي عنده، وإن كنت ساكت السنين اللي فاتت فسكت عشان مختار المنشاوي كان مُصر يحاميله، وكان بيني وبينه مصالح كتير مينفعش اخسرها، لكن انا عرفت انه بقى على خلاف بمختار وإنه خلاص رفع ايده عنه، فمبقاش في حاجة توقفني عن أذيته.
سخر "نصر" يقول:
_عرفت؟ ولا اتقالك! مختار بلغك انه مبقاش يخصه فتعمل فيه اللي انتَ عاوزه! عمومًا لو مختار رفع ايده فانا ايدي لسه محطوطه، ومش هسمح بلعب العيال ده، قولنا اللي حصل زمان كان شاهين معاه حق فيه، وبناءً عليه انتَ ملكش حق اصلاً عنده.
_ده اللي انتَ شايفه، لكن انا شايف إن ليا حق، وهاخده من حبة عنيه.
_يسري!
هتف بها "نصر" في غضب تمكن منه، وأكمل بصرامة:
_لو قربت لشاهين تاني انا اللي هقفلك.
نهض "يسري" واقفًا يسأله باستنكار:
_طب مختار كان عمه، انتَ بقى تبقاله إيه عشان تحاميله؟
وقف "نصر" هو الآخر وقال بثبات:
_شاهين راجل من رجالتي، ولما حد يقربله ويأذيه تبقى إهانة ليا.
_بس شاهين مش راجل من رجالتك، شاهين راجل في المنطمة وانتَ بترأسه مش اكتر!
ضجر من ضغط "يسري" في الأسئلة حول هذه النقطة فقال منهيًا الحديث بقوة:
_ميخصكش، المهم إنك تعقل وترجع تعمل نفسك مش شايفه زي ما كنت عامل طول السنين اللي فاتت.
ظهر الغضب على ملامح الأخير وهو يقر:
_انتَ مش أعلى مني ولا بترأسني عشان تكلمني كده، انا وانتَ في نفس المكانة يا نصر، فملكش تأمرني، وانا مش هنفذ اللي بتقوله.
_انا مش بأمرك، بس لو كملت اللي في دماغك انتَ عارف انا واصل لفين، فهخلي الأعلى مني ومنك يأمرك تبعد عنه، متخليناش نوصل للنقطة دي.
وانتهى اللقاء، ويبدو أن "يسري" اهتزَ من تهديد "نصر" وربما يفكر في العودة للصمت الذي طبقه على نفسه لسنوات مضت من أجل مصالحه الشخصية، وأما عن "نصر" فسيكون مترقب جيد له، ولن يعطيه الأمان ابدًا.
-------------------
وفي سيارة شاهين...
أعرب عن غضبه من قدوم "غسان"..
_انتَ جاي معايا ليه! هو انا عيل صغير ماشي وراه ليتوه!
سخر "غسان" يقول ناظرًا أمامه:
_سلامة الشوف.. مانتَ شايفني وانا جاي معاك، جاي تتكلم بعد ما المشوار خِلص...
رد بغيظ:
_عشان مكنتش فايق وانا جاي، كان كل همي اوصل لنصر واعرف منه اللي عاوز اعرفه.
_المفروض متكونش فايق اكتر وانتَ راجع، بعد ما مشوارك طلع فشنك وماستفدتش حاجه.
_عرفت منين كل اللي حصل؟ وعرفت منين مكاني؟
نظر له وهو يراه يسأل السؤال الأهم والمنطقي فأجاب بمرح زائف:
_حمد الله على السلامة.
ونظرة "شاهين" الحادة جعلته يجيب بجدية:
_كنت قاعد مع مختار ووصله الخبر.. انتَ عارف مفيش حاجه بتخفى عنه.
سخر "شاهين" معقبًا بما فاجئ الآخر:
_مفيش حاجه بتخفى عنه ولا مراقبني.
_انتَ عارف؟
_انتَ أهبل؟ هيكون في حد مراقبني وانا معرفش!
_وسايبه ليه؟
أردف بلامبالاة:
_خليه يتسلى، هو فاكر أنه كده بيعرف عني كل حاجة، لكن انا بعرفه اللي عاوزه يعرفه، زيه زي الأهبل التاني.
ضحك "غسان" مغمغمًا:
_اكيد قصدك مازن.
_هو كمان فاكر إني مغفل ومعرفش إن في حد من طرفه مخصصه يراقب كل تحركاتي، لكن اللي ميعرفوش إني بخليه يعرف اللي انا عاوزه يعرفه، زي النهارده كده، مكنتش عاوز يوصله خبر عن مكاني.. واكيد موصلش.
قطع حديثهما رنين هاتف "غسان" فرفعه مجيبًا:
_ايوه يا فريال.
صمت قليلاً ثم أجاب:
_مشوار مهم خِلص خلاص، نص ساعة وجاي.... تمام.. تمام يا فريال نتكلم بعدين!.. ماشي سلام.
أغلق معها لينظر فورًا بتلقائية ل "شاهين" فوجد ما توقعه تمامًا، علامات السخرية تزين وجهه، وغمغم:
_بقالك ست تشكمك، حلو.. اصلك من زمان عيارك فالت، الله يعينها عليك.
_متقولش إنك معرفتش بجوازي!
رد بلاهتمام:
_عرفت.. متجوز من سنه باين! واستغربت، مكنتش اتخيل إنك من الرجالة اللي بتدور على الاستقرار، او حتى يكتفي بست واحده.
_انا كمان اتفاجئت إنك هتتجوز تاني، فكرت شدوى عقدتك بس طلع لسه عندك نفس تجرب تاني.
حسنًا إنها حرب تتحدث فيها الأسلحة، كلاً منهما يلقي الآخر بما فيه ويعرفه عنه، دون مراعاة لأي شيء او شعور.
_ما عاش ولا كان اللي يقطع نفس ابن المنشاوي، وبعدين فكرتك هتفرحلي.
ورغم تهكمه في جملته الأخيرة، وشعور "غسان" بذلك، لكنه أجابه بجدية:
_مبقتش افرحلك ولا ازعلك، مبقاش في حاجه بتربطنا ببعض عشان اهتم بيك اصلاً.
_كداب.
قالها "شاهين" باسترخاء تام، وأكمل بابتسامة سِمجة:
_ووجودك النهاردة معايا دليل على كدبك.
_اقف على جنب.
قالها "غسان" بحدة للسائق الذي نفذ ووقف، ليكمل بعدها ل "شاهين" :
_وجودي النهاردة غلطة مش هتتكرر، بس اني احميك من جنانك هيتكرر، لأني للأسف فاكر العيش والملح اللي كان بينا.
وترجل بعدها من السيارة فورًا دون النظر خلفه، تنهيدة عميقة خرجت من "شاهين" تحمل كمًا هائلاً ينتابه الآن من المشاعر السلبية، قبل أن يأمر السائق:
_اتحرك.
وبعد ثواني رن هاتفه برقم "معاذ"، ليجيبه فوجده يقول:
_شاهين انتَ فين؟ انا في المستشفى ومعايا نورهان.
_جاي يا معاذ، جاي..
وأغلق المكالمة ناظرًا أمامه، شاردًا في عتمة السماء رغم وجود القمر!
--------------
_أخيرًا فتحت تليفونك، انتَ فين يا بني آدم!؟
هدر بها "مازن" غاضبًا، ليجيبه الرجل عبر الأثير:
_يا باشا تليفوني فصل شحن، وعلى ما قدرت اشحنه كان خد وقت انا اسف، بس هو في حاجه؟
تنفس "مازن" بقوة مهدئًا نفسه وسأله:
_قولي إيه الأخبار عندك؟
_مفيش حاجه يا باشا، شاهين بيه مخرجش من الفيلا من وقت ما رجع من الشغل، بس رجالته خرجوا لوحدهم من يجي ساعة ونص كده، ومن شوية صغيرين خرجت نورهان هانم بعربيتها.
_متأكد أن شاهين مش مع رجالته؟
سأله "مازن" بحذر ليجيبه بيقين:
_متأكد يا باشا.
تنفس براحة وهو يقول:
_تمام أي حاجه تحصل بلغني.
وأغلق المكالمة مطمئنًا أن الأمور على ما يرام، ويبدو أن "شاهين" بالفعل يوصل له ما يحب إيصاله!
----------
صباح اليوم التالي...
قبل أن تذهب لعملها بالفيلا، وبعد انتهائها من بيع الفل في ساعتها الصباحية، جهزت بعض الأطعمة السخنة الشهية لوجبة الإفطار، وأخذتهم على صينية متوسطة الحجم، متجهه لمحل عمل "مجد"...
اقتربت منه وهي تراه يعمل في أحد السيارات وألقت السلام لينتبه لها وبعدها بادرت في قول:
_لما عديت ولاقيت الورشة مفتوحة، فرحت وقولت لازم اجبلك حاجه بالمناسبة الحلوة دي.
مسح كف يده السليم في قماشة حمراء حال لونها للأسود من اتساخها، لتلاحظ المفاجأة الثانية والتي جمدتها لثواني بينما كان يقول:
_مناسبة! هي أول مرة افتح الورشة؟!
_انتَ... دراعك!
تمتمت بتلعثم وهي تنظر لذراعه، فأجابها في هدوء:
_ركبت طرف صناعي.
رفعت نظرها له، وأدمعت عينيها وهي تسأله:
_بالسرعة دي؟ يا ترى انتَ عاوز كده دلوقتي ولا عملت ده عشان في خطوبتنا محدش يبصلك نظرة تضايقك؟
_هتفرق؟
سألها بوجوم واضح، فأجابته بإصرار:
_جدًا.
زفر أنفاسه ثم قال:
_الاتنين... مش متقبل نفسي بالشكل ده، وكنت عاوز حاجه اداري وراها دارعي اللي خسرته، على الاقل في اوقات بنسى انه صناعي واحس بدراعي عادي، وعشان بردو يوم الخطوبة مش هتقبل نظرة الناس، لا هتقبل شفقة ولا هتقبل نظرة معناها ازاي وافقت عليه.
ابتسمت ابتسامة صافية خرجت من قلبها فوصلت لقلبه في سلام:
_إن كان عليك انتَ فطبيعي تحس بحاجة غريبة في الأول وتستغرب نفسك، ويمكن بردو متقدرش تتقبل الحقيقة على طول كده، بس لازم تعود نفسك تتقبل شكلك في أي حالة، لأن اكيد مش هتفضل مركبه طول الوقت عشان ماتتعبش، وإن كان على الخطوبة فمتقلقش انا اصلاً مش هعمل هيصة، يكفيني نروح نشتري الدهب والبسه عند الصايغ، وفي الفرح نبقى نعمل اللي هوانا فيه، ومتركزش مع الناس، الناس في كل وقت وفي كل حال بيتكلموا، واللي يركز معاهم يتعب... ووقت ما نعمل فرحنا ان شاء الله مش هنركز مع حد غيرنا، اكننا احنا الاتنين بس اللي موجودين محدش حوالينا.
غمغم في هدوء:
_ان شاء الله.
أكملت بنفس ابتسامتها:
_بعدين اسمع ان اللي بيخسر جزء من جسمه في الدنيا بيسبقه على الجنة، يعني دلوقتي دراعك قاعد متهني هناك ومستنيك.
قالت جملتها الأخيرة بمرح، فضحك بخفوت وهو يعقب:
_يا عالم هروحله هناك ولا هيفضل هو في الجنة لوحده.
_لا إن شاء الله ربنا يوعدنا بالجنة، المهم ده فطار كده يعني على القد بس اللي لحقت اعمله أصل لسه راجعة من شغل الصبح، ويا دوب الحق شغلي التاني...
_ماشي، بس اعملي حسابك، بعد جوازنا ان شاء الله لا في ده ولا ده، انا مش عاوز اقولك اقعدي من دلوقتي عشان....
قاطعته تقول:
_عشان انا مش هقبل اقعد وتصرف عليا وانتَ حياله خطيبي، ولا هقبل علاج ابويا تكون انتَ دافع فلوسه، وعشان كمان اجهز نفسي، وإن كان على بعد الجواز فربنا يحلها ولو قعدت هكون بعمل مشروع او حاجة تجيب مصاريف ابويا.
نظر لها مستغربًا يسألها:
_وتجيبي مصاريف ابوكي ليه؟ وانا روحت فين؟
نفت برفض قاطع:
_ لا معلش، انتَ ملزم بيا اه، لكن ابويا لأ، ومش هقبل حد يصرف على ابويا حتى لو جوزي، وابويا مش هيكون مرتاح.
نظر لها نظرة معاتبة:
_بتعملي يعني فرق من اولها! وبتقولي ابويا وابوك.
_لا مش فرق، بس الدنيا مش مضمونه، وإن كنت حلو معايا النهاردة الله أعلم ببكره، اكيد مهما حصل مش هتيجي في يوم من الايام تعايرني إنك كنت بتصرف عليا وبتأكلني وبتشربني، عشان انا في الاخر مسؤوليتك وده واجبك، لكن ابويا مش واجب عليك تعمل معاه كده، وانا مش هستنى لما يتقالي في يوم انا كنت بصرف على ابوكي وبعمل وبعمل... انا عارفه انك ابن أصول ومتعملهاش، بس زي ما قولتلك الواحد لازم يحرص، ولازم نعمل حساب لغدر الأيام.
_رغم ان كلامك حاسس في إهانه ليا، بس مش قادر اقولك إنك غلط، عشان لو حطيت نفسي مكانك مش هقبل حد يمد ايده بجنية لابويا، زي ما عاش عمره كله معززني، جه الدور عليا اعمل كده، بس بردو وقتها أي مبلغ مني له ميعتبرش لا واجب ولا جميل، هيكون حب في الراجل الطيب ده، ولا انتَ ناسية ان هو وبابا صحاب وانا طول الوقت بحبه وبحترمه.
تسللت إليها الراحة بعد حديثه، ووضعت الصينية على أحد السيارات المجاورة، وقالت:
_ربنا يقدم اللي فيه الخير، وبألف هنا الأكل، همشي انا بقى عشان الشغل.
ذكرها بما جعل وجنتيها تحمر خجلاً، وقلبها يرقص على نغمات الفرح، وعيناها تشع بهجة ولهفة.
_متنسيش بعد بكرة هننزل نشتري الدهب.
وكان هذا بناءً على اتفاقهم يوم ان تقدموا لخطبتها.
وهو الأمر بالنسبه له تقليديًا بحت، حتى أنه لا يجد شعور لا للسعادة ولا للحزن، شعوره فاتر.. وكل ما في الأمر انه سيخطب..!
-------------------
في المستشفى....
جلست بجواره تناوله كوب القهوة اولاً، فأخذه منها مبتسمًا ابتسامة بالكاد تُرى، مدت له كفها ببعض البسكويت فرفض هازًا رأسه، مما جعلها تقول بضيق:
_يا حبيبي مينفعش كده، لازم تاكل حاجه، انتَ من امبارح العصر ماكلتش، من وقت الغدا، وكمان عمال تشرب قهوة وسجاير وده غلط.
اشعل بالقداحة لفافة أخرى وأشار لها بكفه:
_مش عاوز يا نورهان، وبالله عليكي ما تضعطيش عليا، انا دماغي مصدعة ومش قادر اجادل، كفاية صممتِ تباتي معايا في المستشفى.
_ايوه طبعًا اومال كنت عاوزني امشي واسيبكوا كده.
_والله انتوا الاتنين وجودكوا مكانش له داعي... صباح الخير.
قالها "معاذ" الذي اقتحم جلستهما في أحد غرف الاستراحة المفتوحة، لترد "نورهان" تحية الصباح بينما قال "شاهين" :
_مينفعش امشي واروح انام مرتاح في بيتي وهي يا عالم هتكون كويسة ولا لأ.
عقب "معاذ" :
_يا شاهين ما امبارح الدكتور نفسه قال وجودكوا ملوش داعي لو حصل أي حاجة هيبلغنا في التليفون، عمومًا اللي حصل حصل.. يلا عشان تروح بقى تغير هدومك دي اللي عفنت عليك.
رفع "شاهين" حاجبه مستنكرًا:
_عفنت إيه ده الحرس جابوهم امبارح بليل وغيرت هدومي اللي كانت كلها دم.
عقبت "نورهان" موضحة:
_يا حبيبي انتَ غيرت اه بس ماخدتش شاور، وريحة الدم ماسكة فيك، الأحسن تروح تاخد شاور وتريح ساعتين وتاكل وترجع.
نهض واقفًا وهو يقول بصرامته المعهودة:
_هاخد شاور واغير وارجع... ويلا معانا عشان تفضلي في البيت وجودك هنا ملوش داعي لحد ما تفوق.
وقبل أن تقاطعه قال:
_نورهان لو سمحتي! قولتلك مش عاوز جِدال.
وانسحب مبتعدًا عنهم، لينظر لها "معاذ" وقال ناصحًا:
_بلاش تعارضيه في حاجه لأنه فعلاً على آخره.
_أنا خايفة عليه.
غمغمت بها في حزن واضح، فابتسم لها يطمئنها:
_متقلقيش مش هسيبه، لولا ان كان في شغل ضروري لازم يخلص في الشركة الصبح مكانتش سيبته.
_انا واثقة من ده، وشكرًا على تعبك معانا.
قالتها بأعين ممتنة، ليبتسم لها وقال:
_ده واجبي.
--------------------
بعد ثلاث ساعات.....
وصل أمام فيلا شاهين وهو كالبركان النشط، أو كالقنبلة الموقوتة، ينتظر فقط أن يراه لينفجر في وجهه، منذُ حدثته "مستكة" تخبره بما حدث ل "فيروز" وعفاريت الجان تتلبسه، لم يحسب للأمر، ولم يفكر فيه ثانية واحدة، فقط انطلق تاركًا عمله ولم يعبأ بشيء، فقط ليصل له، ويلكم وجهه السخيف، ويخبره أن يُعيد له الفتاة التي كاد أن يقضي على حياتها، هو لا يعلم ماذا حدث لها، هو فقط علم بإصابتها بطلق ناري ووجودها في المستشفى، ويرجح أنه هو من اطلق عليها، لربما عرف حقيقتها فأحب أن ينتقم، فتبًا لخطته وعمله، فقط ليعيدها سالمة، فلن يتحمل ذنب موتها، ولا لوم والدتها، فقط ليعيدها وتنتهي القصة لكنها مستمرة بينهما هما.
وفي نفس لحظة وصوله ودلوفه بسيارته للبهو الداخلي للحديقة وترجله من السيارة، كان "شاهين" و "معاذ" يخرجان من الباب الداخلي للفيلا، ليقف "شاهين" على حافة الدرج الخارجي، وهو يرى "مازن" يصعده إليهِ بملامح صارخة غضبًا..
وقف أمامه ليس تمامًا فبينهما مسافة لا بأس بها، فهدر "مازن":
_فيروز فين؟
_قصدك خطيبتي؟
سألها "شاهين" في هدوء ساخر، ليصرخ فيه الآخر غاضبًا:
_خِلصت يا شاهين، خرج فيروز من كل حساباتك، انا عارف إنك خطبتها كيد فيا، وعارف أنها مش فارقة معاك ولا تهمك، بس فارقة مع ناس تانية، خليني ارجعها لأهلها، انا غلطان إني دخلتها بينا من الأول وهي ملهاش ذنب في حاجة، مش هقبل يحصلها حاجة، خليها ترجع لحياتها... وانا وانتَ نبعد عنها.
أجاب في صرامة:
_انتَ تحكم على نفسك مش عليا، وبعدين ده احنا خلاص حددنا ميعاد كتب الكتاب.
جحظت عيناه متفاجئًا، وصدحت بعدها نبرته الغاضبة:
_اخلص وقول هي فين؟ قول اسم المستشفى وانا هروح اخدها من هناك على بيتها.
_هي في غيبوبة اصلاً ولسه مفاقتش.
هتف بها "معاذ" وأكمل ساخرًا:
_هتروح تاخدها بردو في حالتها دي؟
هز رأسه في جنون يصرخ في "شاهين":
_غيبوبة! انتَ عملت فيها إيه؟ مش هتبطل الاجرام اللي فيك ده، فاكر نفسك في غابة وبتاخد حقك بأيدك..لو حد ضايقك بس بتأذيه، رد هي فين... وانا هفضل جنبها لحد ما تفوق ومش عاوز المحك قريب منها.
ضحك ضحكة مستهزأه وهو يقول:
_ثقتك عجباني، بس مين بقى هينفذ الهبل ده؟ دي خطيبتي وهتبقى مراتي، يعني محدش هيكون جنبها غيري، وطرقنا بقى عشان مش وقتك.
_هتنفذ يا شاهين وإلا...
رفع "شاهين" سبابته يقول:
_ايوه، والا... وإلا ايه بقى؟
سأل الأخيرة في استخفاف واضح، فنظر له "مازن" بصمت لثواني قبل أن يحرر مسدسه الميري من حزامه وهو يوجهه له صارخًا فيه:
_وإلا هخلص عليك..
تحفز الجميع، ورفع الحرس أسلحتهم، ليشير لهم "شاهين" أن ينزلوها ففعلوا مرغمين، لكنهم ظلوا يتابعون متيقظين لأي حركة غادرة، واخرج "شاهين" سلاحه من وراء ظهره، فقط يريه ل "مازن" دون أن يرفعه وقال:
_مانا كمان اعرف اخلص عليك واسهل منك حتى...
وصمت لثواني، غامت عيناه بسحابة حزينة، ونظرة معاتبة تلوح في أفق بياض عينيهِ، وتحكم في نبرته وهو يقول:
_بترفع السلاح في وش اخوك!
شوف انا توقعت منك حاجات كتير لدرجة إني ما بقتش بتفاجئ باللي بتعمله بس مش هنكر إنك المرادي قدرت تفاجئني، يعني ما شاء الله كل مره بيطلع عندك حاجات جديده اوس* من اللي قبلها.
لم يهتز له جفن ولم تتخاذل يده المثبتة للسلاح في وجه الآخر، بل وأجاب بكل تبجح:
_ وهفاجئك اكتر لما افضي خزنته في دماغك ويا ريت ما تبقاش غبي وما تتوقعهاش مني.
وفي نفس اللحظه كان أحد حراس" شاهين" يسحب سلاحه المخفي خلف ظهره في اتجاه مازن الذي يعطيه جانبه، يسحبه مقررًا أن يضغط على زناده فورًا; لحمايه رب عمله، وبالفعل ما هي إلا ثانية واحدة وكانت رصاصة تنطلق مخترقه الفراغ، وصداها يتردد في اذان كل الواقفين وقد عرفت تجاهها الصحيح... فسكنت الجسد مدرجه الدماء....
صرخة قوية صدرت من "نورهان" التي خرجت للتو من باب الفيلا، مع صرخة أخرى خافتة خرجت من الحارس الذي أصابت الرصاصة ذراعه فألقى سلاحه أرضًا وامسك ذراعه بالآخر بوجع بعد أن اسنده زميله، وقال "شاهين" ببرود بعدما انزل سلاحه:
_خده عالجه... وحسابنا بعدين.
شعر بجسد "نورهان" يضم ذراعه بقوة خائفة، فأحاط جسدها بذراعه فورًا مرددًا:
_متخافيش يا حبيبتي مفيش حاجه.
والجميع وكأن على رؤوسهم الطير...
خاصًة "مازن" الذي لم يفهم تصرف "شاهين" أو يفهمه لكنه لا يريد الاعتراف، فحين رفع "شاهين" سلاحه ظن أنه سيضربه، وأن الطلقة موجهه له، ومن صدمته لم يتحرك ولم يتصرف، حتى فوجئ أنها ليست له، بل لحارس الآخر الذي أراد إنقاذ سيده فتلقى رصاصة بدلاً من ثناء!
_ليه؟
رددها ببهوت وكأنه غير واعي لقولها، ولكنها وصلت جيدًا لشاهين الذي أجاب بمرواغة:
_يوم ما احب اخلص منك هعملها بنفسي...
_كفاية...
صرخت بها "نورهان" وهي تخرج من حضن أخيها، وأكملت بانهيار حقيقي ودموع لا تتوقف:
_كفاية بقى.. انتوا إيه؟؟؟ ليه بتعملوا كده، انتَ مكنتش هتقتله...
قالتها موجهها حديثها لمازن وأكملت:
_كان تهديد أهبل لكن مكنتش هتعملها، وانتَ
ضربت الحارس عشان خوفت عليه مش عشان عاوز تقتله انتَ...كفاية بقى، كفاية تعاندوا، كفاية تبقوا زي الديابه في بعض وكل واحد بيتفنن يظهر كرهه وحقده للتاني ازاي...والله لو ما وقفتوا اللي بتعملوه ده لهسيبكوا انتوا الاتنين واغور في أي داهية بعيد عنكوا.. انا اعصابي مبقتش متحملة..
ولم يعلما أن تهديدها ليس مجرد تهديد في وقت غضب وأنها سترحل بالفعل!
وفي المستشفى....
فتحت عيناها ببطء، وهي تسمع أصوات متداخلة حولها لكنها لا تميزها، وبعد وقت استطاعت ان تفهم جملة قالها الطبيب:
_انتِ كويسة؟ أنسة فيروز؟
فسقطت دمعه من عينها اليمنى، وبداخلها تردد..
لقد نجوت..
مازلت على قيد الحياة..
لم يأخذني الموت على غفلة..
عدت للدنيا مرة أخرى... وطالما عدت لن اقع في أخطائي ثانيًة...
يكفي كذب،
يكفي خداع،
يكفي تلاعب،
يكفي بُعد عن والدتي...
ففي طرفة عين كدت لا أراها مرة أخرى..