
أمنية دخلت بخطوات بطيئة، قلبها بيدق بسرعة كأن كل نبضة بتسألها: هتسمعي إيه النهارده؟
وقفت لحظة تبص لنور، وبعدين سحبت الكرسي وقعدت قدامها. فضلت ساكتة شوية… كأنها بتجمع شجاعتها.
وأخيرًا بعد دقائق قالت بصوت هادي لكنه مليان وجع:
— أنا مش جاية أعمل مشاكل ولا أتخانق… أنا جاية أعرف الحقيقة… مش أكتر.
نور بصتلها طويل… في عيونها حزن قديم، حزن واضح إنه عاش سنين.
أخدت نفس عميق وقالت بهدوء:
— الحقيقة ساعات بتوجع يا أمنية… بس يمكن الوجع ده أهون من الكدب.
سكتت لحظة… وكأنها بتفتح صندوق ذكريات عمره سنين.
— حسام… ماكانش مجرد حد في حياتي.
كان كل حاجة… كان الحلم اللي كنت بصحى وأنام عليه.
كنا بنقعد بالساعات نتكلم، نضحك… نحلم ببيت كبير، وباب لونه أبيض، وبلكونة فيها زرع… هو كان بيقول دايمًا إن البيت اللي هيجمعنا لازم يبقى فيه شباك كبير عشان يشوفني كل يوم وأنا واقفة قدامه.
ابتسمت نور ابتسامة حزينة.
— كان بيقولي: "أنا لما شوفتك حسيت إن الدنيا أخيرًا بقت ليا معنى."
وأنا… صدقته. صدقته بكل قلبي.
أمنية حست بقلبها بيتقبض… كل كلمة بتدخل جواها زي السكينة.
كملت نور وصوتها بدأ يهتز:
— كنا بنمشي في الشارع وأنا ماسكة إيده… وكان دايمًا يقوللي:
"أنا مستحيل أسيبك… حتى لو الدنيا كلها وقفت بينا."
نزلت دمعة من عينها.
— كان بيغير عليا… يزعل لو حد بصلي… وكان يقولي إن أنا أجمل حاجة حصلت في حياته.
نور بصت لأمنية وقالت بصوت مخنوق:
— كنت فاكرة إن الحب ده عمره ما هيخلص…
كنت فاكرة إن اللي بينا أقوى من أي حاجة.
سكتت لحظة… وبعدين كملت بألم واضح:
— بس فجأة… اختفى.
من غير تفسير… من غير حتى كلمة توديع.
مسحت دموعها.
— فضلت شهور مستنياه… كل يوم أقول يمكن يرجع، يمكن يشرح، يمكن يقول إن في سبب.
لكن الحقيقة الوحيدة اللي وصلتلي… إنه سابني.
بصت لأمنية بعيون مليانة وجع:
— أنا ماكنتش أعرف إن في حد تاني في حياته…
ماكنتش أعرف إن القصة اللي كنت فاكرة إنها حياتي كلها… كانت بالنسبة له صفحة واتقفلت.
سكت المكان… وكأن الهواء نفسه تقيل.
نور مسحت دموعها، لكن صوتها كان لسه بيرتعش وهي بتكمل كلامها:
— بعد 3 سنين فراق… حبه كان لسه في قلبي.
عمري ما نسيته… مهما حاولت.
بصت لأمنية وقالت بحزن:
— اتقابلنا بالصدفة في الكافيه اللي بشتغل فيه…
أول ما شافني وقف قدامي كأنه شاف حد رجعله من الماضي. فضل يعتذر ويقول إنه غلط لما بعد… وإنه عمره ما بطل يحبني.
سكتت لحظة وكأنها بتسترجع المشهد.
— طلب رقمي… وأنا ما رفضتش.
ما كنتش أعرف إن في حد في حياته… ما كنتش أعرف إن في زوجة مستنياه في البيت.
أمنية حست قلبها بيتقبض… لكن فضلت ساكتة.
نور كملت:
— رجعنا نتكلم تاني… كل يوم.
كان بيحكيلي عن شغله… عن الإنجازات اللي عملها… عن قد إيه نفسه يبدأ حياة جديدة.
ابتسمت ابتسامة موجوعة:
— كنا بنخرج… ونضحك… وكأن السنين اللي فاتت ما حصلتش.
وأنا… صدقته تاني.
نزلت دمعة من عينها.
— وفي يوم… يوم الحادث ده… رن عليا.
قاللي إنه عايزني أشوف الشقة اللي هنعيش فيها.
صوتها بدأ يضعف.
— قاللي: "دي شقتنا يا نور… المكان اللي هنبدأ فيه حياتنا."
غمضت عينيها لحظة.
— ومن كتر حبي فيه… صدقته.
اديته الأمان… وروحت.
سكتت… وكأن الكلام بقى تقيل عليها.
— وهناك… حصل اللي حصل.
وكل ده كان غصب عني.
شهقت وهي بتحاول تمسك نفسها.
— أنا وأختي سكتنا…
لكن دموعي ما سكتتش.
كانت بتتكلم والدموع بتنزل:
— الشهر اللي فات ده… عشته بموت كل يوم ألف مرة.
كنت كل ليلة أسأل نفسي: ليه عمل فيا كده؟
رفعت إيدها على بطنها بخفة وقالت بصوت مكسور:
— ومع ذلك… ما اتكلمتش.
بس دلوقتي… ما ينفعش أسكت.
بصت لأمنية بعينين مليانين ألم:
— عشان في روح جوايا…
مش ذنبه إنه ييجي الدنيا ويتعاقب على حاجة ما عملهاش.
قبل ما تكمل…
قطعتها أمنية فجأة بصوت جامد:
— أنا لحد دلوقتي مش مصدقة موضوع الحمل ده.
عشان أصدق كل اللي بتقولي… تيجي معايا نعمل تحليل.
بصتلها بثبات وأضافت:
— ولو انتي فعلًا حامل… أنا مش همنع حسام يتجوزك.
قالت كلامها ببرود… ومسكت شنطتها وقامت.
كانت لسه هتخرج…
لكن رحمة وقفت قدامها بسرعة.
— أختي لو طلعت حامل… التحاليل هتأكد ده.
بس موضوع الجواز ده… هيبقى في شروط مننا.
أمنية بصتلها ببرود قاسي وقالت:
— انتوا اللي محتاجين الستر… مش إحنا.
رحمة ابتسمت ابتسامة خفيفة لكنها مليانة تحدي.
— عندك حق يا هانم…
بس انتوا برضه محتاجين حاجة أكبر من الستر.
سكتت لحظة وبعدين قالت ببطء:
— الخلفة.
وعينيها ثبتت في عيون أمنية وهي تكمل:
— مش حضرتك برضه… ما بتخلفيش؟
الكلمة وقعت على قلب أمنية كأنها سكين.
وشها احمر من الغضب… وعينيها لمعت بالدموع.
لكن ما ردتش.
لفت بسرعة… ومشيت ناحية الباب.
فتحته وخرجت من غير كلمة.
---
ركبت العربية… وأول ما قفلت الباب عليها…
انهارت.
دموعها نزلت بقوة وهي بتفتكر كل كلمة قالتها نور.
"كان بيحبني…"
"دي الشقة اللي هنعيش فيها…"
"في روح جوايا…"
حطت إيديها على وشها وهي بتبكي بقهر.
— ليه يا حسام… ليه؟
في اللحظة دي… موبايلها رن.
اسم حسام ظهر على الشاشة.
حست إن نفسها مخنوقة… ومش عايزة ترد.
لكن التليفون فضل يرن… مرة… واتنين… وتلاتة.
وأخيرًا مسكته وفتحت الخط.
قالت بصوت متعب:
— إيه يا حسام؟
صوت حسام جه بزعيق واضح:
— انتي فين؟ وإزاي تخرجي من غير إذني؟
أمنية مسحت دموعها بسرعة وقالت ببرود:
— في مشوار.
— مشوار إيه اللي تروحيه من بدري كده؟
سكتت لحظة وقالت:
— أنا…
قاطعها بعصبية:
— اخلصي وتعالي.
ولما تيجي… نبقى نتحاسب.
كانت لسه هترد…
لكن الخط اتقفل.
قفل في وشها.
أمنية فضلت باصة للموبايل ثواني…
وحست إن قلبها بيوجعها أكتر.
في البيت…
كانت آيات قاعدة على الكنبة، بينما فرح بتحاول تلبسها الفستان.
آيات قالت بطفولة وهي بتبص لنفسها في المراية:
— خلاص كده يا ماما؟
فرح ابتسمت وهي بتعدل الفستان:
— أيوه يا حبيبتي… بقيتي زي القمر.
آيات ضحكت وقالت بحماس:
— ايات …
خلي بابا يشوفني بقى!
وفجأة…
باب الغرفه اتفتح.
دخل سيف، وأول ما شافته آيات جريت عليه بسرعة.
— بابا!
ارتمت في حضنه بكل قوتها، وسيف حضنها جامد كأنه بيهرب من كل التعب اللي جواه. فضل ثواني ماسكها، وبعدين بعد عنها وهو بيبتسم لها بحنان.
— روحي يا حبيبتي العبي تحت شوية… عايز أتكلم مع ماما في موضوع.
آيات هزت راسها بطاعة:
— حاضر يا بابي.
وجريت ناحية الباب ونزلت.
أول ما اختفى صوت خطواتها… مسك سيف دراع فرح بقوة.
— إنتي بتلمي هدومك… رايحة فين؟
فرح حاولت تسحب إيدها بهدوء.
— رايحة شقتي يا سيف.
قطب حواجبه باستغراب:
— وده ليه؟
أخدت نفس عميق وقالت بصوت هادي لكنه مليان خوف:
— عشان خلاص… ماليش مكان في البيت.
سيف هيتجوز… وأنا معرفش البنت اللي جاية دي هتتعامل معايا إزاي… ومع بنتي.
كان لسه هيتكلم…
لكنها قاطعته بسرعة:
— أرجوك يا سيف… أنا هروح أقعد في بيتي.
ولما نكتب كتب الكتاب… أبقى أرجع أعيش هنا.
عينيها لمعت بالدموع وهي تكمل:
— أنا مش عايزة أعمل مشاكل مع حد.
سيف فضل باصص لها لحظة… واضح إن كلامها وجعه.
وببطء… هز راسه بالموافقة.
فرح بلعت ريقها بصعوبة… وعدت الدقائق ببطء قبل ما تدخل أوضتها.
في نفس الوقت…
كانت أمنية دخلت غرفتها.
لكنها اتفاجئت إن حسام واقف قدام المرايه… بيجهز هدومه بعصبية.
أول ما شافها… بص لها بضيق واضح.
— من إمتى بتخرجي من غير إذني؟
أمنية ضحكت ضحكة صغيرة… لكن مليانة سخرية.
— عادي.
كنت مخنوقة… فحبيت أفك عن نفسي.
وقفت قدامه وقالت ببرود جارح:
— فروحت بيت حبيبتك الأولى… أسمع كلام يبسطني ويفرحني.
حسام بص لها بصدمة:
— إنتي بتستهبلي يا أمنية ولا بتتكلمي بجد؟
رفعت حاجبها وقالت بهدوء:
— وده في استهبال يا باشا؟
ثواني مرت… وهو باصص في ملامحها يحاول يفهم.
لكن فجأة… مسك الجاكت بتاعه بعصبية.
ولف وخرج من الأوضة من غير ما ينطق حرف.
---
عدت ساعة…
وبعدها التانية.
وأمنية كانت مرمية على السرير… نامت من كتر العياط.
أما فرح… فكانت رجعت شقتها.
الليل كان هادي… والبيت كله ساكت.
كانت قاعدة لوحدها في الأوضة، غرقانة في أفكارها.
فجأة…
سمعت خبط على الباب.
رفعت راسها باستغراب.
— مين اللي يخبط في الوقت ده؟
افتكرت بسرعة:
— أكيد سيف جابلي شنط اللبس.
قامت وراحت تفتح الباب.
لكن أول ما فتحته…
اتجمدت مكانها.
قدامها كان واقف يحيى.
شهقت بخفوت… وبلعت ريقها بصعوبة.
— يحيى…؟
يحيى بص لها بوجع واضح.
— أيوه أنا.
حاولت أوصلك كذا مرة… بس إنتي عاملة لي حظر من كل المواقع.
فرح قالت بسرعة وهي مرتبكة:
— عشان خلاص… أنا واحدة مخطوبة.
وفرحي على سيف.
حاولت تثبت صوتها وهي تكمل:
— لازم أصون سيف.
يحيى قرب خطوة… وعينيه مليانة ألم.
— وأنا؟
أنا حبيبك يا فرح.
صوته اتكسر وهو يقول:
— إنتي ما حبيتيش سيف.
سكتت لحظة… وبعدين قالت الحقيقة بصوت ضعيف:
— أيوه… ما حبيتوش.
دمعة نزلت من عينها وهي تكمل:
— بس هو حضن بنتي…
ومقدرش أخسر بنتي.
وفجأة…
سمعوا صوت الأسانسير بيقف قدام الدور.
وش فرح شحب فجأة.
همست بسرعة:
— يا نهار أبيض…
من غير تفكير… مسكت إيد يحيى وسحبته لجوا الشقة بسرعة.
وقفلت الباب.
كان لسه هيتكلم…
لكن فجأة…
جرس الباب رن.
قلبها وقع في رجليها.
راحت ناحية الباب وهي بتترعش.
— مين…؟
جالها صوت سيف من برا:
— أنا سيف… افتحي يا فرح.
جسمها كله اتجمد.
وبصت وراها…
ليحيى اللي واقف في نص الصالة.
وعيونهم اتقابلت…
وفي اللحظة دي…
الجرس رن تاني بعصبية.