رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الحادي عشر11 والثاني عشر12 بقلم رشا روميه

رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الحادي عشر11والثاني عشر12 بقلم رشا روميه
الفصل الحادي عشر 
«أنا القاضي والمذنب»

فاترة قاحلة كصحراء خاوية، تلك الحياة التي نعتاد عيشها، بلا أمل بلا روح بلا شغف،  ليس لها قيمة إلا حينما نجد ما يستحق المحاربة لأجله، هذا الإكتشاف الذي ربما يأتي متأخرًا ويجعلنا نخشى أن نقدم عليه، إحساس متأخر وبصيرة خاطئة، لكن أتدري لو كان بإستطاعتي أن أستبدل كل من حولي بك لفعلت، لكني إن فعلت سأقاضي نفسي أولًا فربما أنت الصحيح لكن الوقت خطأ.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

هل لين القلب إبتلاء؟ هل نلام كوننا نبلاء؟! إجبارنا قسرًا عما يفيد مصالحكم ببعض الطرق الملتوية لتشعرونا بالذنب وعلينا التكفير عنه أمر مؤلم للغاية، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا، فرفع يدك للضرب تؤلم به النية أكثر من الفعل.
رشا روميه 

بإندهاش تام لتلك الفكرة المخادعة التي ألقتها "نسرين" على مسامعه، أخذ "نور" يحرك رأسه رافضًا تمامًا أن يكون طرف بهذه الخديعة، فكيف سيُنَصِّب نفسه قاضيًا وينفذ حُكمًا، وبذات الوقت سيكون مذنبًا مخادعًا وكاذب أيضًا، صفات طالما كرهها وإبتعد عنها، هتف "نور" بضيق:
- أكيد لأ طبعًا، أنا إستحاله أعمل كده، لا أخلاقي ولا طريقتي تخليني أخدع بنت مهما كان السبب عشان أوصل لغرض، وإنتِ عارفه كويس يا "نسرين" إني مبعرفش أكذب.

بإصرار تام فهي لن تتراجع الآن وعليها إقناعه بأي صورة:
- أيوه، بس برضه عارفه إن إنت قد إيه بتكره الظلم، وتقف مع الحق، وده اللي خلاني أطلب منك الطلب ده عشان تساعدني أرجع حقي وحق إخواتي، مش برضه إنت اللي بتنصف المظلوم وتقف في وش الباطل؟!!
بقلم رشا روميه 
إن كانت فهمته بهذا الشكل فلم لم تتفق وتنسجم علاقتهما معًا؟!!، لم هذا التنافر إن كانت بحوار واحد إسترعت إنتباهه وإستطاعت إقناعه، لكن الأمر ليس فهم للطباع فقط، فهناك جانب آخر يُدعى التقبل، أن يستوطن أحدهم قلب الآخر فيمكنه بهذا الوقت يتغاضى عن إختلافه ويعشق تفاصيله المختلفة، وهي لم تطئ بقدمها شاطئ قلبه ولم يزر طيفه فؤادها، فكلاهما أغراب.

ورغم قدرتها على إيجاد الثغرات بداخل نفسه لتحثه على الموافقة، إلا أنه مازال مترددًا:
- لا يا "نسرين"، الموضوع مش سهل كده، أنا مقدرش.

لتعود لورقتها الرابحة التي إستطاعت توثيقه بها -العاطفة- بقدرة تمثيلية تراجيدية تمامًا إستطردت "نسرين" ببكاء:
- أرجوك يا "نور"، متفتكرش إني حكون كده مبسوطه، ولا إني محاولتش بطرق كتير إن أنا أوصل لحقنا ده من غير كل ده، لكن هم صعبوها عليا أوي، مش لازم بنت عمي تصعب عليك، دي واحده أكلت حقي وظلمتني، وبعدين إنت المفروض تقف جنبي وتساعدني، أرجوك يا "نور" أنا معنديش حل تاني، ولا حد يساعدني غيرك.

زفر "نور" بتردد فما عادت المفاهيم كما يظن ليجيبها بهدوء وتخبط:
- طيب سيبيني أفكر.

- مفيش داعي للتفكير، بالله عليك يا "نور" وافق وحيبقى ده دين لك في رقبتي طول العمر.

تلك الحيرة التي وقع بها عليه أولًا التفكير بها مليًا قبل قبول الأمر أو رفضه:
- إديني وقت الأول أفكر كويس من غير ضغط وأبقى أرد عليكِ.

تلك الحيرة التي رأتها بعينيه جعلتها تهدأ فلا داعي للتعجل حتى لا تفسد الأمر، لكنها إصطنعت التأثر والضيق من رفضه:
- ماشي يا "نور"، براحتك، ياريت بكره تكلمني وتقولي يا أه يا لأ.

أنهى حديثه معها بإيمائة خفيفة ليسدل الستار على هذا الحوار المُنهك الطويل ليقوم بإيصالها للمنزل ويعود نحو بيته ومازالت أفكاره متخبطة لطلب "نسرين" الغير متوقع.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

يقال لا تَقبَل حياة ليس بها حياة، لكنهم لم يدركوا أننا أُجبرنا عليها، قيدت أجسادنا للبقاء، لكن إن عملوا بفحوى القلوب لأدركوا أننا نود الإنشقاق للتحرر، نود أن تكون لحياتنا معنى، لكن لا باليد حيلة، وسنظل نتمسك بهذا الأمل لنعبر بحر الهموم بقارب الصبر.
رشا روميه 

حين عادت "ليلى" لبيتها محملة بإحساس زاد حمولها -خيبة الأمل- كانت قد علقت آمالها على الوصول لخيط ولو رفيع بطريق إيجاد عمها، لكنها عادت لنقطة البداية مرة أخرى.

دلفت لداخل الشقة التي زادها سكونها كآبة، لتتحرك بآلية معتادة تجهز بعض الطعام وتصلي وترها قبل أن تخلد للنوم، لا جديد ولا محفز، فقط روتين معتاد وعليها قضائه.
بقلم رشا روميه 
جلست فوق فراشها تتأمل حياتها الباهتة بثقل نفس، لكن ما عليها سوى الرضا.

سحبت غطائها لتنال بعض الراحة فعليها غدًا بدء يوم عمل جديد والإطمئنان على حالة والدها، على أمل أنه عندما يحل المساء تعود للحي لسؤال إبن هذا الكهل عن عمها لعله يعلم عنوانه وتقضي دين والدها.

❈-❈-❈ــ

لن يعطي وعدًا لا يقدر عليه، فمن يتمعن أولًا ويبطئ في إعطاء الوعد يكون أكثر مصداقية في الحفاظ عليها، وحتى إن إضطر لقطع الوعد فعليه إخلاص النية، فقد تحميه صدق النوايا.

بيت نور بركات...
وصل "نور" للبيت بعد أن قام بإيصال "نسرين" لبيتها، شرود ذهنه متذكرًا حديثها جعله مترردًا بقبول طلبها أو رفضه.

أيهما أصوب، أن يتركها دون مساعدة لكي لا يقع بخطيئة كاذبة، أم يقف بصفها ويحاول بالدهاء إعادة الحق لأصحابه؟ هل سيخالف مبادئة التي لا يحيد عنها ويخدع ويكذب؟! أم يتمسك بالرفض والبقاء كما هو حتى لا يقع بالخطيئة!!

كلها أمور محيرة سببت له الإرتباك والشرود أيضًا، فمنذ أن جلس بشرفته وهو صامت تمامًا متفكرًا بوجه مقتضب.

لم يمر ذلك بسلام على والدته "ألفت" التي دنت منه تتسائل باهتمام:
- مالك يا "نور"؟ من ساعة ما جيت من المستشفى وإنت قاعد لوحدك وشكلك مهموم، إيه مضايقك وشاغلك الدرجه دي؟

نظر "نور" لوالدته لبعض الوقت كمن يبحث عن الدليل بطريقه بملامحها المطمئنة لنفسه، بينما كانت إجابته مبهمة تمامًا:
- متشغليش نفسك يا روح القلب، ده موضوع كده شاغلني.

جلست "ألفت" تشارك ولدها المهموم جلسته فربما تلملم شتات أفكاره وتنير دربه المتخبط:
- مشغلش بالي إزاي بس، هو أنا ليا غيرك، وبعدين إنت شكلك متضايق خالص، طيب ما تقولي إيه الحكايه مش يمكن أساعدك.

تنهد "نور" بضيق فهو بالفعل يحتاج لمرشد يعيد السكينة والعقلانية لأفكاره، ليجيبها:
- فيه موضوع شاغلني أوي، المفروض آخد فيه قرار، ومش عارف الصح فين.

- حاجه في الشغل؟

تردد للحظة هل يخبرها بالأمر أم لا، لكنه حسم الأمر على الفور فهو لن يكذب أو يراوغ:
- لأ، "نسرين".

ضيقت "ألفت" حاجبيها بعدم فهم:
- مالها "نسرين"، إنتوا إتخانقتوا تاني؟! 

حرك رأسه بالنفي موضحًا:
- لا لا خالص، إنتِ تعرفي يا ماما إن "نسرين" لها عم؟! وكمان طلع واخد ميراثهم كله من جدها، أنا إتفاجئت بكده النهارده، بس مش دي المشكله، المشكله إن "نسرين" عايزاني أساعدها إني أرجع لهم الفلوس دي.

قوست "ألفت" شفتيها بإستغراب من طلب "نسرين":
- إزاي يعني، وهو إنت محامي مثلًا، قصدي هو إنت تقدر ترجعها؟

وصل "نور" لسبب حيرته وتخبط أفكاره، ليجيبها بصراحة لكن دون إيضاح كامل لما طلبته منه:
- خدعه يا ماما، عايزاني أعمل خدعه عشان أرجع لها حقهم.

ننشئ أولادنا على معتقداتنا وأخلاقنا، حتى عاداتنا وكلماتنا دون أن ندري، فكما كان "نور" لا يهمه إلا الحق والصدق، كانت والدته مثالًا لذلك، فهي لم تتواني للحظة من تصديق "نسرين" وأنها تطالب بحقها المنهوب، وعليهم نصرة هذا الحق، لتجيب "ألفت" دون تفكير:
- والله يا إبني لو هو مش راضي يرجع حق ربنا بما يرضي الله، وإن حقهم ميرجعش غير بالخدعه دي،  وإنت تقدر تعملها من غير ما تأذي حد، ساعدها يا إبني دول برضه يتامى، وإنت نيتك سليمه وعايز ترجع لهم حقهم إللي ضاع.

تريث "نور" قبل أن يردد كلمات والدته كمن يعيدها بعقله أولًا ليتمعن بأن هذا هو الصواب:
- بالضبط يا ماما، برجع حق اليتامى دول من إللي أكل نصيبهم وسايبهم تعبانين كده، أنا مش عايز أأذي حد.

- عمومًا يا إبني شوف الصح فين وإعمله، وربنا يقدرك على فعل الخير.

حديث كان له أثر كبير بترتيب أفكاره وإتخاذ القرار الصائب، فمع وضوح تلك الرؤية أمام عينيه عقد العزم لمساعدة "نسرين" لإستعادة حقهم المنهوب.

سحب هاتفه ليدون رسالة لـ"نسرين" يخبرها بها بموافقته على مساعدتها:
-[ تمام يا "نسرين"، أنا موافق].

كان رد "نسرين" سريع للغاية كما لو كانت تحمل الهاتف بين بيديها تنتظر رسالته:
-[ بجد، كنت متأكده إنك حتوافق يا "نور"، خلاص بكره نتقابل وأجيب لك كل المعلومات عن بنت عمي، بس تحاول تقرب منها من غير ما تعرف إنك خطيبي أبدًا].

أغلق هاتفه محدثًا نفسه بأن ما سيُقدم عليه هو التصرف الصحيح الذي سيعيد الحق لهم:
- ( أنا برجع حقها وحق أخواتها من عمها وبنته الضلاليه دول، أنا مش كذاب ولا مخادع، أنا ماليش مصلحه ولا غرض من ده،  يعني "نسرين" أكيد محتاجه حد يساعدها، وحيكون مين غيري أنا، هي تعرف حد غيري، كمان أنا لازم أساعدها ترجع حقها، طالما معرفتش تاخده بالرضا، يبقى تاخده بالحيله).

كلمات أراح بها ضميره بضرورة ما سيفعله دون أن يكون مذنبًا بحق إبنة عنها المجهولة تلك.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

أخشى الإنسحاب، بل أنا مثال للجُبن والمذلة، نعم أرفض ما لا يشبهني، أتقبل ما لا يناسبني، أنا والخوف صُحبة لا تفترق، أنا من أعض أصابعي ندمًا ثم أستكمل ذات الطريق.
رشا روميه 

ليس بعيدًا عن قلب تلك المدينة العامر، وبهذا الحي الفقير، فما أسوء الفقر ومن يعانيه.
بتلك الغرفة الضيقة القاتمة للنفس، تلك التي يتشارك بها عدة أخوة لكثرة عددهم دون الإهتمام لهم، أحكمت تدثرها بغطائها تخفي وجهها وجسدها بالكامل، كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال فهما متشابهتان كلتاهما لا يقدرا على المواجهة مثال للخزي والجُبن.

سقطت تلك الدمعة تلي مثيلاتها التي حفرت مجراها كسيل فوق وجنتيها بدموع نادمة خاسرة، دفعتها "سارة" بظهر كفها المرتعش.
بقلم رشا روميه 

موجات من الذكريات التي لم ولن تنسى، فليست كل الذكريات لحظات سعيدة يتمنى المرء إستعادتها، بل هناك ما تدعو الله لنسيانها ومحوها تمامًا من العقل والقلب.

تذكرت "سارة سليم" لقائها بـ"منصور"، هذا الشاب الذي إرتدى عباءة المحبة والحنان، فارس حلق بها فوق جناحي الخيال، أخرجها من حياتها التعيسة المهملة لواقعه الحالم الذي تتمناه كل فتاة.

أيام قليلة وكانت قد تعلقت به فله سحر خاص وكلمات تُذهب العقول، ساعات طويلة تمضيها معه تشعر بها بأنها أنثى استثنائية، هناك من يحبها ويتمنى قُربها.

كانا كعصفورين متحابين، وثقت به ثقة عمياء، يؤمر يطاع فقد إمتلك قلبها وعقلها، ووعدها بأنه سيتقدم لخطبتها فور إنتهائها من دراستها وهو أيضًا، فقد أوهمها أنه طالب بجامعة أخرى.

حياة وردية تمنتها بقربه، شاب غني ووسيم، يحبها ويتمنى الزواج منها، أي أحلام ستحلم بها بعد أن تحققت كل أحلامها بلقائه.

حتى جاء هذا اليوم، يوم وقفت بقمة هرم الثقة، أي طلب سيطلبه منها بالتأكيد لن تشكك به مطلقًا، قصة ساذجة قصها عليها حين طلب منها مقابلة أخته الكبرى التي أخبرها عنها من قبل، أسرها بكلماته عن محبتها لها وغرضه للقائه بها قبل زيارتهم بشكل رسمي لخطبتها.

رفضت "سارة" بالبداية لكنها وافقت بعد ذلك لتثبت له أنها تثق به، أخطاء ساذجة تقع بها الفتيات دومًا بذات الإسلوب دون التعلم من أخطاء الغير.

فبإرادتها الكاملة وسعادة لا توصف حين إلتقت بأخته بالفعل بتلك الشقة الممتلئة بالألوان الممزوجة بين النبيذي والذهبي، سيدة بعدها الرابع ذات ترحاب شديد، رؤيتها بتلك الشقة أعطتها بعض الإرتياح فهو لم يكذب عليها ويستحق تلك الثقة التي وضعتها به.
بقلم رشا روميه 
دقائق فارقة بين حياة وأخرى، بين ثقة وإنعدامها، بين سعادة وإنكسار، بين شرف وعار لحق بها.

رشفات من مشروب لاذع الطعم جعلها تشعر بدوار شديد، أصوات متداخلة بأذنيها دون وعي لما يقال، خدر بأعصابها لتراهم وتسمعهم وتستسلم لهم كالدمية تمامًا، تنفذ ما يطلبونه دون إعتراض أو تذمر كما لو كانت واعية وهي غير ذلك، لم تقوى على الرفض أو حتى النفور، بل ظهر عليها النشوة والتقبل.

كالشاه سيقت لإحدى الغرف، تصاحبهم مسلوبة الإرادة والروح، لحظات وقد تركتها السيدة برفقة "منصور" بالغرفة بمفردهم، إقترب منها دون أدنى مقاومة منها ليسلبها شرفها بإستسلام تام له كما لو كانت ترضى بذلك.

بعد ساعات من وعيها المزيف عادت لوعيها الكامل، عادت لذنبها وخطأها لتحمل وزره، هي المذنبة والقاضي على نفسها، هي من ألقت نفسها بجحور الثعابين وتمنت ألا تلدغها.

صراخ وبكاء ونحيب دون جدوى، فلو كان الماضي يعود بدموعنا لذرفنا ملئ أطنان، رد فعل معتاد فلم يصغي إليها أحد، كما لو كان الكون كله تخلى عنها مع هذا الوحش الإنتهازي، كذب وخدع وإعتداء ليصل لغايته منها، هو من كانت تظنه العوض والسند، أصبح هلاكها ومعذبها.

نعم كانت فقيرة لكنها لم تكن عديمة الشرف، فقد كان هو ما يغنيها و يعزها، محبتها لها كانت لوثوقها به وبنيته الصادقة للزواج منها.

عقاب من الله لإستهتارها بنفسها وما أوصاها به والديها بأن تحافظ على نفسها ومن تصاحبه، ألا تعطي ثقتها لمن لا يستحق حتى لا يطمع بها ذوي القلوب الميتة الذين لا يخشون الله.

توصية دائمة بأن تبتعد عن الزملاء وأنه ليس هناك ما يسمى بصداقة بين شاب وفتاة، لكنها كانت ترى ذلك تزمتًا وسيطرة مبالغة فيها، ليتها أدركت مدى خوفهم عليها وحرصهم على سلامتها من شرور الدنيا.

مسحت "سارة" دموعها المتلاحقة من تلك الذكرى التي غيرت حياتها بالكامل، يوم غير معالم كل الأيام، تذكرت كيف إستجدت "منصور" للزواج منها بعد فعلته لكنه كان يرفض ذلك تمامًا.
بقلم رشا روميه 
ليت خسارتها توقفت على ضياعها بذلك اليوم، بل ما علمت به بعد ذلك، لقد أوقعها "منصور" بهاوية أكبر وأعمق مما فعله معها، لقد كان يسجل كل ما حدث بكاميرا مخفية ليستخدم هذا الفيديو كتهديد لها إن تفوهت بكلمة.

ولم يقتصر تهديده لها على إرغامها على الصمت فقط، بل بدأ يكتسب من خوفها وتنازلها الكثير من المال من خلف هذا الفيديو الذى تخشى أن يُظهر فضيحتها للعلن.

خوفها من الفضيحة جعلها تنفذ كل ما يطلبه منها هو وشريكه "رضا"، ظلت تتردد على شقتهم برضاها وبدون مخدر، تجلب لهم المال، أو تستسلم لرغباتهم وإستغلالها لكسبه إن لم تستطع جلب لهم ما يريدون، ساعدتهم بأعمالهم وتورطت بوجودها بشكل مغثي للنفس، لقد أصبحت سيئة، بل أسوء مما تتخيل.

إشمئزاز وتقزز من نفسها وأفعالها، ليتها ترتاح من هذا الوباء الذي أصابها، ليتها تستطيع التخلص من كل شئ حتى لو كان هذا التطهر بحرق روحها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

كغيري أشتهي الفرحة، لكن حزين النفس تؤلمة المسرة، تلك السعادة المسروقة التي أطوى عليها روحي لهي لحظات أغتنمها بهدوء، لقد حملت أيامي عتاب أبكم لمستمع أصم.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي(شقة أنور وزهرة).
خطت بعض الخطوات لتجلس بهدوء فوق الأريكة لتشاهد إحدى حلقات هذا المسلسل الطريف، لحظة هدوء وسكينة وإختلاء بالنفس بدون ضغط أو خوفها المعتاد فمازال الوقت مبكرًا على عودة "أنور".

هل بلحظات الوحدة راحة؟ دون تعامل مع البشر، سيئون كانوا أم لا، لكنها لم تسعد بصحبة أحد، ورغم تقبلها لعائلة زوجها وإحساسها بالحنان المفتقد إلا أنها تخشى تلك المشاعر، فمن إعتاد القلق خشي لحظات الهدوء.

رغم ذلك كانت "زهرة" تشعر بالراحة بهذا الوقت وهي تستمتع بالمشاهدة بنفس هادئة، تلك السكينة التي تزلزلت وهي تستمع لصوت صفق الباب معلنًا وصول "أنور".

إنتفضت من جلستها ترحب بعودته وقد تحول هذا الصفاء الذي كانت تُمني به نفسها لعواصف مُرجفة، إستقامت قائلة بنبرة مضطربة:
- "أنور"!! حمد الله على السلامه، جيت بدري يعني؟!

إمتعض وجه "أنور" وهو يشير بذراعه المهتز نحو الخارج قائلًا بسخط:
- ما هو الزفت دة غاوي يعكنن عليا ويقل مزاجي، بس ملحوقه، والله لأتصرف (ثم أكمل بغضب صارخًا) هو أنا عيل صغير حيمنع عنه المصروف!!!

مدت "زهرة" رقبتها للأمام قليلًا بعدم فهم:
- قصدك مين؟

كز "أنور" بقوة فوق أسنانه وهو يصكها بغيظ مشيرًا مرة أخرى نحو الخارج:
- حيكون مين يعني غير إللي عامل لى فيها الحكم في البيت ده، "محمود" طبعًا.

أدركت "زهرة" مقصد "أنور" أخيرًا، فقد علمت بأن أخيه "محمود" لن يعطيه المال بعد الآن، فهو يخشى أن يتمادى "أنور" بتعاطيه لهذا المخدر، ويرى بأنه ربما تكون تلك طريقة لإجباره عن التراجع، فلا مال لديه لشراء تلك السموم.

حاولت "زهرة" تلطيف الأمر، فبالتأكيد ما فعله "محمود" هو الصواب:
- أخوك وخايف عليك، مش عايزك تشتري إللي إنت بتتعاطاه ده.

إحتدت نظرات "أنور" تجاهها ليردف بإنفعال:
- نعم يا أختي!!! لأ بقى، هو إنتِ كمان حتقفي في صفهم، لااااااااا، إنتِ مراتي أنا وتمشي بمزاجي أنا، فاهمه!!

- والله أنا خايفه عليك وعلى صحتك بجد.

بضحكة قصيرة عقب "أنور" ساخرًا منها:
- لا، متشوفيش وحش.

بقلم رشا روميه 
دارت عيناه لوهلة فقد واتته فكرة لم ينتبه لها من قبل، كيف غابت عن ذهنه، فكرة سوف تيسر له توفير المال لشراء الكمية التي يحتاجها من المخدرات، لمعت عيناه ببريق عجيب وهو يسألها:
- دهبك فين؟

- دهبي!! ليه؟؟

زجها "أنور" بأطراف أصابعه بإستنكار:
- هو إيه إللي ليه؟ غوري هاتي الدهب أحسن لك، أنا بقولك أهو، إدخلي هاتي الدهب أحسن أخلي ليلتك سودا.

لم تكن تفكر بهذا المعدن النفيس، ولا يهمها وجوده من عدمه فهم من أهدوه إليها من الأساس، لكنها خشيت أن يبدأ "أنور" بإضاعة كل ما يمتلكون خطوة بخطوة، رفضت "زهرة" أن تساعده بشراء تلك السموم وإفساد ما يحاول أخيه إصلاحه:
- حرام يا "أنور" تضيع كل حاجه كده على الهباب ده!!

يبدو أنها لا تتعلم الدرس بسهولة وها هي تقف بمواجهته مرة أخرى، أمسك "أنور" شعرها بعنف ليرج جسدها بين قبضته وهو يقبض خصلات شعرها الأسود حتى كاد يمزقه:
- حتروحي تجيبي الدهب، ولا تشوفي أنا ممكن أعمل فيكِ إيه؟!

تأوهت "زهرة" بألم وهي تحاول أن تبعد كفه عن شعرها، لكن ذلك كان صعب للغاية:
- اه، اه، طيب يا "أنور"، طيب.

لن تقدر على تحمل كل تلك القسوة، لن تستطيع أن تكمل حرب منعِه بمفردها، إنها أضعف من أن تكون ندًا له، أومأت برأسها بإنصياع خشية من أن يؤذيها مرة أخرى، حركة مستسلمة جعلته يطلق سراح شعرها من بين قبضته القاسية.

تحركت نحو غرفة النوم لتأتي بمصاغها تنفيذًا لطلبه، تخيلت أنها يمكنها أن تؤثر به مع مرور الأيام، لكن يبدو أن الواقع مختلف عن ذلك تمامًا.

حملت تلك القطع الذهبية لتعود لزوجها وقد تملكها أحاسيس مختلفة، لقد أصبحت تخشى وجوده، ترتعب من صوته، تختنق من كونها قريبة منه، تقدمت نحوه بحزن وهي تمد يدها لتعطيه مصاغها قائلة بتوسل كمحاولة أخيرة منها لإنقاذه من نفسه:
- بلاش يا "أنور"، بلاش تتصرف فيه على الحاجات إللي أنت بتاخدها دي، أخوك معاه حق.

تلك المخلوقة الرقيقة الحنونة لم تؤثر به مطلقًا، لم تهز شعرة من كيانه، بل على النقيض تمامًا، كان يراها ما هي إلا فرض عقاب من والديه، تلك الفكرة المتشبثة بعقله (بيعلموني الأدب)، مجرد فكرة جعلته يمقتها من قبل معاشرتها وإدراك صفاء قلبها، كرهها قبل أن يفتح قلبه لها لعله يشعر بأن هناك من يهتم لأمره دون قسوة.

مشاعره نحوها دومًا مستفزة، حديثها يثير إنفعاله وغضبه، كلماتها تشعل ثورته دون السيطرة على نفسه.

حتى تلك النبرة الناصحة المتوسلة جعلته يحتد غاضبًا ليصرخ بها:
- مالكيش دعوة بيا ولا بإللي بعمله، فاهمه ولا لأ، آخر مرة أسمع صوتك ولا تكلميني في الموضوع ده، فاهمه!!

أنهى جملته بصفعة قوية ترددت صداها برأس "زهرة" وأذنيها جعلتها تترنح إلى الخلف حتى سقطت على الأرض مما أصابها بالدوار.

تركها "أنور" مسرعًا ليغادر المنزل فقد فاز بما كان يريد الحصول عليه، مدت "زهرة" كفها تتلمس وجنتها الملتهبة من ألم صفعته وهى تنظر نحو الفراغ الذى تركه "أنور" خلفه بحزن وإنكسار وإهانة.

سقطت دمعة حارة على وجنتها المتوهجة لتشعر بسريانها بطريق محفوظ لمثيلاتها من قبلها، أغمضت عينيها بألم كما لو كانت تحدث نفسها بكلمة واحدة (إستحملي).

كلمة أضاعت عمر وروح وحياة بتقبل ما لا يمكن تقبله مقابل أن تستكمل الحياة عند البعض.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

تمر الليلة وسط نفوس تتصارع بأفكارها، تتخذ طرق مرسومة بحياتهم ليتجهوا جميعًا نحو خطوات جديدة، خطوات نحو القدر.

في اليوم التالي..
أنا لا أتجزأ، لا أعرف كيف تكون منتصف الأشياء، أحضر بكل كياني، أغضب بكل روحي، أسامح من كل قلبي، وعندما أغيب، أغيب إلى الأبد.
رشا روميه 

السويس (بيت فرح الصعيدي)..
خلقت كفتاة مقبلة على الحياة، مبتهجة متفائلة تعشق الإنسيابية وتكره التعقيد، لكن ما حدث بالآونة الأخيرة جعلتها تراجع حساباتها، تستنكر ما كانت عليه من تفاؤل، فالحياة أقسى مما كانت تتخيل.

كل من وثقت بهم خذلوها، حتى والدتها وشقيقة روحها أصبحت شخص لا تعرفه، لقد أذنبت وقامت هي بمقام القاضي.

مع حلول الصباح وإستيقاظ كل منهما إستعدادًا لسفرهم اليوم للقاهرة بتلك الرحلة المصيرية المتأخرة عن موعدها، وقفت "فرح" و"مديحة" لبعض الدقائق وقد حملت أعين كلًا منهما كلمات كثيرة وعتاب أكبر.

إقتربت "مديحة" من إبنتها وهي تمد كفها بقصاصة من الورق قائلة بنبرة يملؤها الحرج:
- خدي يا "فرح".

تطلعت "فرح" بالورقة دون أن تمسكها متسائلة بإقتضاب:
- إيه دي؟!

- دى ورقه فيها الإسم و العنوان بالضبط، جبته من واحده معرفه إمبارح لأنه مش في بيته.

أومأت "فرح" بخفة وهي تلتقط الورقة لتضعها بحقيبتها دون تعقيب، تحركت بعد ذلك نحو الخارج لتلحقها "مديحة" أيضًا، فقد حان موعد إستقلال الحافلة المتجهة نحو القاهرة.

تأهب صامت وتخوف داخلي مما سيحدث اليوم وما قد يسببه لهن من مشكلات، أمر طرأ عليهما ليقلب كل الموازين، لكن عليهم تحمل كل العواقب.
بقلم رشا روميه 

صعدتا الحافلة وقد إلتزمت كل منهما الصمت، فلا تقوى أي منهما على النظر للأخرى أو الحديث معها، فجرح الروح اليوم أعمق مما قد تتخيلاه بالفعل.

❈-❈-❈ــ

كلنا نستحق السعادة مهما كانت ذنوبنا، حتى وإن واجهك اليأس، قاوم نفسك المهترئة وإستعذ بالله، لا تيأس ولا تقنط فإن رحمته وسعت كل شئ، وإن ظننت أن غفرانه مستحيلًا، فإن الله يحقق المستحيلات بطرق أكثر إستحاله، فسبحان ربي العظيم.
رشا روميه 

مستشفى الهلال المركزي...
بوقت مبكر من الصباح إتجهت "ليلى" لغرفة والدها أولًا قبل بدء عملها، خاصة بعد أن أخبرتها رفيقتها "سوزان" بأن تقرير الطبيب الأخير ليس مطمئنًا بالمرة، فحالته تزداد سوءًا يوم بعد يوم.

وقفت قبال غرفة "عزت" تستجمع إبتسامة باهتة أبت أن تتخذ موضعها فوق شفتيها، فما علمت به للتو أحزنها للغاية، لكن عليها ألا تظهر ذلك لوالدها حتى لا تزيد ألمه حزن.

وجه أصفر متلون وعيون مماثلة وإعياء واضح، هكذا تمدد "عزت" فوق فراشه بصمت وملامح تعيسة، فكل إمرئ يشعر بما هو مقدم عليه، وهو يشعر بدنو أجله، لكن ما يزيد تعاسته هو ندمه على ظلمه المعلق بالدنيا.

تظاهرت بأنها لا ترى يأسه الذي أحكم قبضته حول قلبه لتسأله بمحبة:
- صباح الخير يا بابا، ليه زعلان كده؟

تنهد "عزت" بضيق:
- إنتِ جيتي يا "ليلى"، أبدًا، أنا حاسس إني حموت خلاص، وخايف من عذاب ربنا، نفسي أخلص من الحِمل إللي في رقبتي، قوليلي، عملتي إيه، وصلتي لحاجه؟

حركت "ليلى" رأسها بالنفي قبل أن تجيبه بنبرة محبطة:
- لسه يا بابا.

أسدل السواد يأسه على قلبه المختنق ليرى أن لا ملاذ الآن، لن يستطيع الوصول لأخيه، لن يعيد الحق لأصحابه، سيعذب بذنبه ولن يغفر له، لحظة أظلمت عيناه عن رحمة الله ورفقه بعباده، علت شهقاته الباكية فالذنب كبير والعقاب أشد، تأوهات كما لو كان يستغيث من الغرق دون جدوى.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لله ألطاف خفيه تسير وتسخر، تحاوط وتضمد، كرسائل يرسلها الله لك بوقت تحكم به الحلقات، حين تظن أن لا فرج يأتي ولا أمل يلوح، كن عونًا للمحتاج، سكينة للبائس، أملًا للبائس، لا تدع يومك يمر دون أن تؤجر عليه.
رشا روميه 

بتلك اللحظة التي كانت آمال "عزت" تنهار وتهوى لعمق أسود، لا ينجو منه الكثير، أن يفقد الأمل ويتملكه اليأس، ساق له القدر هذا الخلوق الراقي.

قبل بداية المناوبة وبدء العمل وصل "سامح" للمستشفى متجهًا لغرفة مكتبه بموعد منضبط وإلتزام تام، فلديه إرتباط بالمستشفى الأهلية بعد الظهر.

أثناء مروره بالممر الذي يسبق غرفة مكتبه لفت إنتباهه سماع نحيب رجل، أمر موجع للنفس، فقهر الرجال يستعاذ منه، وقف "سامح" لوهلة أمام باب الغرفة المفتوح ليطرق الباب دون تردد، هو دومًا ما يبحث عمن يحتاج للمساعدة ولا يتأخر عنه مطلقًا.

دلف "سامح" لداخل الغرفة وهو يبتسم بلطافة، تلك الإبتسامة التي تميزه دائمًا، كان الأمر بديهيًا أن هذا هو "عزت" والد "ليلى"، إقترب من فراش "عزت" بتركيز شديد على هذا المتعب ليلقي عليه التحية أولًا:
- السلام عليكم، إزيك يا عم "عزت"؟

رفعت "ليلى" بصرها بهذا الخلوق لترد تحيته بطريقة مجاملة ودودة:
- وعليكم السلام، إتفضل يا دكتور "سامح"، (ثم نظرت نحو والدها تعرفه به) ده دكتور "سامح" يا بابا، أشطر دكتور عيون في المستشفى.

بأنفاس متهدجة نظر "عزت" نحو "سامح" لكن غصته لم تنمحي ليسارع "سامح" بالحديث:
- مالك يا عم "عزت"، دة كلام برضه، ينفع كل الزعل ده، مالك متشائم كده!!

نحى "عزت" عينيه بيأس فلم يعد له أمل بالحياة:
- خلاص، حموت.

مال "سامح" برأسه قليلًا ليجيبه ببشاشة وتفاؤل، فذوي القلوب النقية يحيطون من حولهم بهالة من الطاقة الإيجابية التي تريح القلوب، ثم أخذ يلومه بلطف شديد:
- يعني ربنا بيقولك أنا بحبك، وبحطك في إختبار صغير أوي قد كده، ويحب يشوفك مؤمن بيه وبقضائه، وإنك تقرب منه وتطلب منه يخفف عنك ويريح قلبك بدعاء، تقوم إنت تيأس من رحمته كده، يعني ربنا بيقولك رحمتي وسعت كل شئ، وإنت بتفقد الأمل من أول خبطه، فين يقيننا بإن كل إبتلاء بينزل معاه رحمه، إيه يا عم "عزت"، ده إنت راجل قوي، وعارف إن لكل أجل كتاب، وبرضه ربنا خلق الطب والدوا.
بقلم رشا روميه 

كلمات مسهبة مريحة للقلب جعلت "عزت" يتراجع عن يأسه ويستغفر الله عن أفكاره المحبطة، لكنه مازال متخوف من أمر أخيه والميراث، تفهمت "ليلى" قلقه لتردف بوعد:
- متخافش يا بابا، أنا مش حسكت ولازم حعمل كل إللي إنت طلبته مني.

رفع "عزت" رأسه يؤكد ذلك عليها بإهتمام:
- بجد يا "ليلى"، حتقدري؟

شعر "سامح" بأنه متطفل فهو لا يفهم عما يتحدثون، وربما ما يقولونه لأمر خاص بينهما، لكنه أراد أن يجعل "عزت" يتقبل أمر مرضه برضا ويسر:
- هو أنا مش فاهم حاجه و مبحبش أتدخل، بس طالما الأنسه "ليلى" قالتلك كدة يبقى هي أكيد قد كلامها.

- أنا عارف أن الموضوع صعب عليها، خايف متقدرش.

أنهى "عزت" كلماته وهو ينظر نحو إبنته، شعر "سامح" بالحرج ليستأذن منهم فلا داعي لوجوده حتى يستطيعا التحدث بأريحية:
- طيب أستأذن أنا واضح أن الموضوع سر، أسيبكم تتكلموا براحتكم، أنا كنت داخل بس أطمن عليك يا راجل يا طيب.

أراد "عزت" لو يعترف للعالم أجمع، وليس لهذا الخلوق فقط، لهذا تشبث بوجوده:
- ولا سر ولا حاجه، أنا حقولك يا إبني، يمكن تعرف تساعدنا بأى فكره.

- خير يا عمي، شكلك متضايق أوي من الموضوع ده.

- أنا ححكي لك الحكايه من أولها.

أخذ "عزت" يقص ويسرد ما حدث بالتفصيل لـ"سامح"، قالها بصدق دون إخفاء أية تفاصيل كما لو كان يتخلص من ذنبه، فهو المذنب والقاضي بنفس الوقت، وقد حكم على نفسه وإبنته بالحرمان.

كان "سامح" يصغي بإهتمام شديد لما حدث، وما قامت به "ليلى" بالأمس من بحث عن عمها، وفشلها في التوصل لطرف الخيط.

بعد أن إنتهى "عزت" من حديثه عقب "سامح":
- مع إن التصرف ده متأخر أوي، إلا انها أحسن حاجه فكرت فيها، بس للأسف معنديش أي فكره تساعدك يا آنسه "ليلى" إنك توصلي لعمك غير إللي إنتِ عملتيه.

"ليلى" وهي تنظر نحو والدها:
ليلى: هو حمل كبير وإتحط على كتفي، لكن إن شاء الله ربنا يقدرني وأقدر أعمله.

يالها من دنيا ودروس مجانية تلقى تحت أرجلنا، فقط علينا التعلم منها، غادر "سامح" ومن بعده "ليلى" لبدء عملهم فيما عاد "عزت" ليستلقي بوهن وهو يدعو ويتضرع لله لعله يتقرب ويعفو عنه من كل آلامه وذنوبه.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

فرق شاسع بين الغباء والتغابي، أعلم جيدًا كل الأجوبة، لكن المعرفة تؤلم بقدر فهمها، نعم وددت أن أقطع الصفحة لكن لا أحد يدري أن ما بقي بالكتاب أسوء من مجرد صفحة، أدرك تمام الإدراك أنني بالمكان الخاطئ لكنني أتغابي، ليس غباءً بل مخافة من العودة لنقطة الصفر.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي(شقة أنور وزهرة)..
بهذا الوقت المبكر وبإدراك تام أنها مهما فعلت لن يستيقظ "أنور" الذي أتى متأخرًا ليلقي بجسده فوق الأريكة لا يشعر بنفسه ولا بالمكان الذي يتواجد به.

تطلعت به "زهرة" لبعض الوقت بتحسر لتلملم عينيها وتعود لغرفتها لتصلي الضحى، وقت قليل لكنه يبث السكينة بقلبها ويكسبها طاقة على المضي قدمًا، بالفعل ما تعيشه ليس أفضل ما يكون، لكن بداخلها أمل بأن الله قادر على تبديل حالها من حال لحال دون جهد منها، على الأقل لن تعود لحياتها السابقة مع "سمية" وأبيها.

بدلت ملابسها لتقف أمام المرآة تعدل من هندامها، لتتمعن بوجهها الذي لم ترى ما به منذ الأمس، مدت أطراف أصابعها تتلمس أثر صفعة "أنور" القوية لها، فقد تركت آثارها بقلبها قبل وجنتها.

سحبت حجابها لتلفه بطريقة مختلفة لتتركه يتهدل فوق وجنتيها بعشوائية حتى لا ينتبه أحد لآثار أصابع "أنور" التي تركت بصمتها بوجهها، هي لا تريد الشكوى أو إفتعال المشاكل الآن.

بعد أن إطمئنت أن معظم وجهها مختفي بوشاحها ولن تلتفت إليها الأنظار، خرجت من الغرفة تمر بـ"أنور" الغائب تمامًا عن الدنيا وما فيها، تنهدت برفق قبل أن تغادر الشقة متجهة لشقة والدا زوجها لبداية يوم جديد.

❈-❈-❈ــ

شقة زاهر مكاوي..
تجهزت "جميلة" بشكل تام وإستعدت بإرتداء ملابسها بتلك الساعة المبكرة من الصباح، مرت "جميلة" بـ"فردوس" بعجالة:
- مرات عمي، بقولك إيه، أنا ححضر الفطار أوام عشان ألحق أروح المخزن وأشوف العمال حيعملوا إيه.

أوسعت "فردوس" عينيها بإندهاش من تلك المتعجلة:
- على طول كده؟!

رفعت "جميلة" من هامتها بخيلاء:
- طبعًا، عشان أعمل كل إللي في دماغي والصنايعيه ميضحكوش عليا.

لوت "فردوس" فمها بإمتعاض من تلك العنيدة يابسة الفكر:
- طيب كنتِ قولي لـ"محمود" ولا لأبوه إنتِ عايزه تعملي إيه وهو يعملهولك!!

كما لو كان الأمر مجرد تحدي وإثبات قوة، برفض قاطع لوحت "جميلة" بيديها وهي تجيبها:
-لا لا لأ، أنا عايز أعمل البيوتي سنتر ده على مزاجي، وحتشوفوا كلكوا إن أنا دماغي توزن بلد.

مطت "فردوس" شفتيها بضيق ثم تساءلت:
- على راحتك، حتاخدي البنات معاكِ؟

هتفت "جميلة" على الفور تتملص من تلك المسؤولية التي من المفترض أنها أهم ما بالحياة:
- أكيد لأ طبعًا، حعمل بيهم ايه هناك!!، خليهم معاكوا هنا.

حتى وإن لم تتملص من مسؤوليتها لكانت "فردوس" رفضت ذلك تخوفًا على الصغيرتين من سوء تصرف والدتهم، لتردف براحة:
- أحسن برضه، كنت حقولك كده، بلاش تبهدليهم معاكِ.

لم تكترث "جميلة" لإمتعاض "فردوس" ولن يهمها أن تغضب أو تسبب الضيق لأحدهم، فيكفيها أنها تشعر بالحماس والإبتهاج لتنفيذ ما تسعى إليه.

- طيب يا مرات عمي، أروح أنا أخلص الفطار عشان ألحق أنزل.

إتجهت "جميلة" نحو المطبخ في حين أن إلتفت "فردوس" تجاه هذا الصامت المتجاهل تمامًا لهذا الحديث الدائر حوله دون أي إهتمام يطالع شاشة هاتفه وقد رُسمت بسمة متهكمة جانبية على ثغرة دون التعقيب بكلمة.

كزت "فردوس" على أسنانها بغيظ من أفعال "جميلة":
- "محمود"، إنت حتسيبها كده، دي مش عارفه حاجه، حتتبهدل؟!

سحب "محمود" زفيرًا قويًا وهو يعيد جذعه للخلف بأريحية وربما بشماتة ليرفع ذراعه ويضعه خلف رأسه بسخرية من "جميلة":
- مش هي عارفه كده ومصممه!! خلاص يا ماما، سيبيها تجرب، ولما تفشل نبقى نشوف.

حاولت "فردوس" تنبيه "محمود" عن طبع "جميلة" الذي لن يتغير:
- "جميلة" شكايه، وحتزهقك، أعملها إنت إللي هي عايزاه وخلاص، حتوجع دماغك.

أهدل ذراعه وإعتدل بجلسته متحدثًا بجدية تحمل ضيق وتحمل بالكاد يخفيهم بداخله:
- ولو قعدتها حتفضل تزن وتشتكي برضه، "جميلة" عنديه ودماغها مش مريحاها ولا مريحانا، خليها تجرب يا ماما، وهي لوحدها بكره حتيجي تقول حقي برقبتي.

تنهدت "فردوس" بضيق من هذا الثنائي الغير متفاهم:
- زي ما إنت شايف، إنتوا أحرار مع بعض.

ما بين هذا الضيق والإنفعال المكتوم الذي يسبب التشوش والغيظ، قطع صوت ناعم بهدوئه الإنسيابي ليبث الصفاء والراحة بلحظة واحدة، أقبلت "زهرة" تلقي تحية الصباح أثناء ولوجها:
- صباح الخير.

صوت كنغمة ناي شجية تنير بالروح ما كان مظلمًا، إلتفاتة مفاجئة لقدومها جعلت روحه تسحب من جسده لتتسارع النبضات تشعره بأنه مازال حي، لحظة واحدة لم ينتبه لنفسه ليسارع بإغماض عينيه بقوة منكسًا رأسه يغض بصره فيجب أن يصارع نفسه حتى لا يقع بالذنب، لكن قلبه الخائن تمرد على إتزان عقله.

أجبر "محمود" عينيه المغمضتين على بقائهما كذلك يوضع إصبعيه السبابة والإبهام فوق جفتيه حتى لا تخونه عيناه أيضًا وتتمرد وتلحق بقلبه المذنب.

رد فعل غريب أثار إنتباه "فردوس" حين حضرت "زهرة"، لكنها رحبت بـ"زهرة" بحفاوة زائدة لتصرف الإنتباه عن رد فعل "محمود" الغريب:
- صباح الخير يا "زهرة"، تعالي حبيبتي أقعدي جنبي تعالي.

خشيت "زهرة" أن تلاحظ "فردوس" أثر صفعة "أنور" لتعتذر على الفور:
- معلش يا ماما "فردوس"، حدخل بس أساعد "جميلة" بلاش تعمل كل حاجه لوحدها.

- ماشي يا بنتي، ربنا يرضى عليكِ.

لم يستغرق الأمر سوى دقائق وكان الجميع يلتف حول المنضدة لتناول الطعام، صمت تام حاط بهم، فكل منهم تجول برأسه العديد من الأفكار دون التفوه بها.

أسرعت "جميلة" بمضغ لقمة سريعة لتنهض بعجالة ومازال الجميع يتناول الطعام، سحبت حقيبتها وهي تستعد للمغادرة فهي أن تتوانى عن إثبات لقب الأفضل منهم جميعًا:
- أنا نازله بقى عاوزين حاجه؟

قضب "محمود" جبهته بإستغراب من تعجلها:
- إستني حوصلك في سكتي وأنا نازل.

تحركت "جميلة" للأمام دون إنتظار وهي تجيبه بالرفض:
- لأ لأ، متتعبش نفسك، أنا حاخد تاكسي عشان متأخرش على العمال.

هتف بها "محمود" بحدة:
- فيه إيه يا "جميلة"، هي الدنيا طارت؟!!

لوت فمها بإستياء من تحكمه بها لتجيبه بحدتها المستفزة لأعصابه:
- يا سيدي أنا مش عايزه أعطلك، وإنت كمان لسه حتستنى عمي يجهز، ملكش دعوه بيا بقى يلا سلام.

لم تعطهم "جميلهغ" وقتًا للمجادلة أو التفكير وأسرعت بالتحرك بخطواتها السريعة لتغادر المنزل وسط إندهاش الجميع من تصرفاتها الغير مسؤولة.

دارت "فردوس" بأعين الجميع الحانقة قبل أن تعقب كمحاولة منها لتلطيف الأجواء:
- حماس البدايات بقى.

همس "محمود" بضيق:
- حماس اه، ربنا يستر.

نهض "زاهر" بصمت بعد مغادرة "جميلة" لينظر تجاه "محمود" قائلًا:
- أنا رايح أغير هدومي عقبال ما تخلص أكلك.

أومأ "محمود" برفق ليكمل تناول طعامه دون أن يرفع رأسه مطلقًا محاولًا شغل نفسه قدر المستطاع.

وقفت "زهرة" لتحمل الأطباق الفارغة، لكن حجابها تهدل فوق عينيها فطريقته الغير محكمة تلك غير مستقرة تمامًا فوق رأسها، تركت الأطباق عن يدها لتجذب الحجاب حول وجهها بحركة لا شعورية فقد تناست تمامًا أنها تخفي أثر الصفعة الظاهرة على وجهها، وقبل أن تمد يدها نحو الأطباق لحملها مرة أخرى، نظرت "فردوس" بفزع نحو وجه "زهرة" الذي تظهر عليه علامات الضرب خاصة ظهور الأصابع على وجنتها المتورمة.

أمر بديهي لا يحتاج لذكاء لإدراك أن "أنور" قد ضرب "زهرة" مرة أخرى، ضربت "فردوس" صدرها بصدمة وهي تشاهق صارخة:
- يالهوي، هو ضربك تاني؟! 

صدمة والدته وكلماتها جعلته يرفع وجهه محدقًا بوجه "زهرة" المتورم إثر صفعة أخيه الأرعن، نهض "محمود" فجأة متناسيًا حرصه أن يبقى متجنبًا لها ليتمعن بقوة بوجنتها التي لا تكذب، فآثار أصابعه واضحة بشكل موجع للقلب، مزيج من الشفقة والغضب والتخوف والغيظ تملكه، كور قبضته ضاربًا بها كفه الآخر ليقلل من حدة غضبه الذي إجتاحه الآن.

بصدر ناهج وملامح غاضبه سألها "محمود" مباشرة:
- عملك إيه؟؟!

تحركت عينا "زهرة" بإرتباك، فما حدث لم تكن تريده بالمرة، حاولت التهرب من اسألتهم وهي تؤنب نفسها على عدم تركيزها بهذه الحركة اللا شعورية، أعاد "محمود" سؤاله بتلهف يكتم غيظه بقوة:
- قوليلي عملك إيه؟!

تبعثرت حروفها لتجيبه بتلعثم:
- ااااا، مفيش، يا جماعه متكبروش الموضوع، بسيطه يعني.

أسرعت بحمل الأطباق لتدلف بخطوات متسارعة نحو المطبخ وقد تعالت أنفاسها المضطربة بقوة.

أشار "محمود" بإنفعال نحو الفراغ:
- شايفه يا ماما، شايفه عمايله!! مش عامل حساب لحد، مش أنا قولت له لو عملها حاجه أنا إللي حتصدر له، وبرضه مسمعش كلام بابا ليه، لحد إمتى حيفضل كده.

تقوست شفتي "فردوس" بحزن عميق فما عادت تستطيع تحمل أفعال "أنور" التي لا حصر لها:
- إحنا غُلبنا من أخوك ده، مبقتش عارفه نعمل معاه ايه والله!!!

لوح بكلتا ذراعيه تجاه المطبخ حيث ذهبت "زهرة" بإستنكار شديد:
- وإحنا حنسيبه بقى لما يموتها!!! ده خلاص مش عامل حساب لحد، ولا مكبر حد!!

ضربت "فردوس" شفتيها بأصابعها عدة مرات متتالية وهي تخفض من نبرة صوتها تحاول حث "محمود" أن يهدئ من نفسه أيضًا:
- إهدى بس لأبوك يسمعك جوه، بس تروحوا المحل وأنا لما ينزل حتكلم معاه، إهدى يا "محمود" أبوس إيدك بلاش مشاكل.

حرك "محمود" رأسه نافيًا بقوة وهو يتحرك تجاه باب الشقة بإنفعال:
- لأ، لأ،مش حستنى جنابه لما ييجى، أنا حطلع له دلوقتِ وأأدبه على إللي عمله ده.

تشبث "فردوس" بذراع ولدها بقوة، لعلها تمنعه عن التصرف بتهور مع أخيه، فهي لا تدرك العواقب خاصة و"محمود' بهذا الإنفعال:
- خلاص يا "محمود"، مش وقته، أهدى كده أمال.

صك"محمود" أسنانه بغيظ:
محمود: حطلع له يعني حطلع له، ده لو قدامي دلوقتِ كنت فرمته.

بدموعها المتأثرة وترجيها له بألا يفعل:
- اهدى يا إبني ده مهما كان أخوك الصغير وكفايه إنك مبقتش تديله فلوس.

يكفى تخوف ودلال فاسد، يكفي رعونة وإخفاء لأفعاله، يجب أن يعاقب على مساوئه حتى لا يتمادى بأفعاله المشينة واحدة بعد الأخرى، برفض تام لما تريده والدته أكمل "محمود":
- وحق الغلبانه دى يضيع كده، وكل يوم والتاني يأذيها وإحنا ساكتين!!!  ولا نسيبها لحد ما يموتها، لا، والله ما أنا سايبه.

أبعد "محمود" يد والداته عن ذراعه متجهًا بسرعة نحو الدرج ليصعد للأعلى تجاه شقة "أنور"، ووالدته من خلفه تطالبه بالعودة فما سيحدث الآن سيؤذي أحد أولادها أو ربما كلاهما:
- يا "محمود"، إستنى يا "محمود"، بلاش كده، يا "محمـــــــــــــــــود"!!!!!
الفصل الثاني عشر 
ليت قلبي لا يدق»

كل الأحلام مؤجلة تقف بصف الإنتظار، إلا تلك الفرصة التي تمنحها لنا الحياة، فرصة لا تكرر مرتين، ربما إغتنامها هي آخر سبيل للسعادة، لكن النجاة تأتي من أن تفوتنا، فليس كل متاح مستحب، أيقنت أن قلبي الساكن له دقات متأخرة، شعرت بك بروحي فلغة الأرواح لا تخطئ، دقات ممنوعة وإحساس مرفوض، ليت الفرصة لا تأتي، ليت قلبي لا يدق.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لم يخلق الله شيئًا بشعًا، البشعون هم صنائع أنفسهم، هؤلاء من يجب التصدي لهم، فأكبر خطيئة بحق أنفسنا هي أن نظل نخلق الأعذار لهؤلاء البشعين.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي..
كل ما تملك من الدنيا هو تلك العائلة، هؤلاء الذين تحيطهم برعايتها وحنانها، كيف ستتصور أن يؤذي أحدهم الآخر، كيف ستتقبل أن يكون عقاب الأخ بيد أخيه.

وقفت "فردوس" تهتف بهذا الثائر تستجديه أن يعود، ألا يتهور بغضبه غير المعتاد ويؤذي نفسه أو "أنور"، أو ربما هذا الغير واعي يؤذي "محمود" بأي صورة:
- يا "محمود"، بلاش يا "محمـــــــــود" بالله عليك.

لكن "محمود" عقد العزم وأصم أذناه عن الإستماع، سيُقوِّمه، سيُعاقبه، سيتصدى له فيكفي لين مع هذا البشع.

إستدارت "فردوس" لداخل الشقة تهتف بمن تستطيع اللحاق بـ"محمود" فهي حركتها بطيئة للغاية ولا يمكنها الركض على الدرج كما يفعل هذا المنفعل:
- "زهرة"، إلحقيني يا "زهرة".

هتافها المتكرر ونبرتها المتخوفة جعلت "زهرة" تسرع تجاهها بقلق:
- خير يا ماما!! حصل إيه؟

أشارت نحو باب الشقة المفتوح بإرتجاف مذعور:
- إلحقي "محمود" طالع لـ"أنور" وهو متعصب، إلحقيه أوام وخليه يرجع أحسن حيشبطوا في بعض تاني، حيعملوا حاجه في بعض، أه يا غلبي ياني.

وضعت "زهرة" يدها برفق فوق زندها قائلة بتعجب:
- حاضر، حاضر، متخافيش.

ركضت "زهرة" بخفة لتلحق بـ"محمود" قبل أن يتواجه مع "أنور"، فيجب عليها منعه عن ذلك فهي السبب ولن تسامح نفسها إن طاله أذى بسببها.

كانت خطوات "محمود" بالتأكيد أسرع، لكنها كانت تركض بكل قوتها للحاق به، أخذت تهتف به ليتوقف فهي لم تتمكن من إدراكه بعد:
- "محمود"، "محمود"، إستنى بالله عليك، أصبر بس عايزه أتكلم معاك، يا "محمـــــود".

كل حرف نطقت به من إسمه كان يدق بقلبه بقوة، كاد يجزم أنه يستمع لدقات قلبه مع حروف إسمه التي تنطقها من بين شفتيها، إضطرب تنفسه بقوة، وعلت ضربات قلبه حتى كادت تمزق صدره، توقف بموضعه يبتلع ريقه بصعوبه قبل أن يستدير نحوها.

توقفه هذا كان فرصة جيدة لتلحق به وهي تتنفس بصعوبة إثر ركضها لدرجات السُلم، وقفت قباله وهي تضع كفها فوق صدرها الناهج تلتمس بعض الراحة، فقد علت أنفاسها بقوة.

تطلع "محمود" نحو وجهها المتورم بألم، شعور بالغضب من أخيه وما إقترفته يداه، جعله يتحدث دون قيد أو إدراك لما يتفوه به:
- مش حسيبه على إللي بيعمله معاكِ، أبدًا، واحد غيره، واحد غيره، كان حطك جوه عنيه وقفل عليكِ.

إنفلتت منه دون وعي لكن "زهرة" لم تنتبه لسبب إنفعاله لتزيد الأمر بترجيها له بأن يتراجع:
- بالله عليك، كفايه مشاكل بسببي، بالله عليك بلاش تخسروا بعض.

هل هي مخلوق كباقي البشر؟ أم أنها زهرة برية رقيقة لا تنتمي لهذا العالم القاسي، كيف تنبت بتلك النعومة وسط الصخور؟! 
بقلم رشا روميه 
أطبق "محمود" أسنانه يصكها بقوة من شدة غيظه من أخيه المعتوه متعجبًا كيف له من القوة لضرب هذا الملاك النقي، كيف فعلها؟!، أردف بحنق شديد يكتم غيظه وغضبه من أخيه:
- مينفعش أسيبه بعد اللي عمله فيكِ ده، مينفعش!!

قُضي الأمر وسيحدث ما لا يمكن عقباه، سيتضارب الأخوان ومن السبب؟! هي ستكون، من عاشت عمرها تتخبى خلف الجدران، من لا تعرف كلمة لا، من تحملت الشقاء والأسى لأجل غيرها، ستكون اليوم هي السبب بفرقة الأخوين وتضاربهما.

سُحبت الدماء من جسدها وتثلجت أطرافها بتخوف، يجب أن تمنع ذلك بكل ما أوتيت من قوة، لن تدعه يفعل ذلك، لكن قواها قد خارت وهي ترتعد من داخلها، لا تدري مم تخاف لكنها خائفة بل مرتعبة.

إرتعش صوتها الدافئ بتوسل وقد فاضت عيونها بدموع تمزق أنياط القلوب:
- بالله عليك، عشان خاطري، بلاش، لو حصل حاجه بينكم بسببي، أنا حسيب البيت ده كله، ده مهما كان أخوك.

زاغت عينا "محمود" لوهلة قبل أن تبهت ملامحه بدهشة مرددًا كلماتها التي يرفضها تمامًا:
- تسيبى البيت!!! ليه؟!! لأ، لأ طبعًا ده بيتك، مينفعش تسيبي البيت، مينفعش.

أكملت توسلها لعله يتراجع:
- ما هو أنا مينفعش أفضل هنا وأنا السبب كل يوم انكم تمسكوا في بعض كده، انتوا مهما كان اخوات وأنا إللي غريبه، ولو عليا أنا،مش مهم.

صمت "محمود" لوهلة قبل أن تهدأ حدة حديثه بشكل مفاجئ، بل أصبحت نبرته أشبه للتوسل تلك المرة:
- لا يمكن تمشي من هنا، أبـــــدا، فاهمه، إوعي، إوعي أسمعك تقولي تمشي دي تاني،(ثم هبط للأسفل يوضح لها تراجعه)، مش حطلع له ولا حكلمه خلاص، بس إوعي تسيبي البيت.

تيبست بموضعها وهي تناظره بإندهاش، هل يتوسلها للبقاء؟! هل يتراجع من أجلها كما هب من أجلها؟! 

إحساس مضطرب جعلها تهتز من داخلها، رجفة غريبة حين لاحظت بعض اللين والحنو بعينيه، دقات قلبها المتسارعة زادتها فزعًا وإرتباكًا، هل ما شعرت به صحيح أم إنه محض تخيل بحت، تفسير غير منطقي بحياتها الجافة جعلها تشعر بمثل هذا الشعور بالتأكيد، لابد أنه كذلك.

نكست عينيها نحو الأرض وهي تشعر بضربات قلبها تزداد قوة، لقد أصبحت قاب قوسين من أن تسقط أرضًا، إنها أضعف من أن تتحمل كل ذلك.

تراجعت خطوات بصمت تام ثم إستدارت لتهبط درجات السلم بخطوات سريعة، ذهن مشتت وأعين زائغة، وقلب منفعل.

جلست بهدوء بشقة والدا زوجها تريد بتلك اللحظة أن تغيب تمامًا عن الأنظار، إضطراب وصل لحلقها ليمنعها من إبتلاع ريقها ومازال جسدها باردًا للغاية.

إنها لا تريد ذلك، لا تريد أن ترى تلك النظرات الحانية، لا تريد أن يدق قلبها، لقد تمنت كثيرًا أن تلتقي بهذا الحنان والإهتمام، حلمت بمن يشتري خاطرها ولو للحظة منذ صغرها، لكن الآن لا تريدها، لا تريد تلك النظرات خاصة، لا تريد هذا الإحساس الذي شعرت به، نعم إنتظرته كثيرًا، لكن ليس الآن، وليس من هذا الشخص، كل ذلك خاطئ، وهي لن تنساق في الخطيئة.

أسرع "محمود" بالمغادرة ليذهب لمتجر العلافة وسيبقى هناك حتى الليل، فلن يقدر على العودة ويتلاقى مع أي منهم، لكن وإن إستطاع الهرب منهم فهل سيتمكن من الهرب من نفسه؟!
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لست كباقي البشر، فأنت تسكن القلب وتستوطنه، الجرح منك يؤلم أضعاف، والكلمة منك تسكن الفؤاد، من قال أن طعم الشهد لا يتغير، فحتى العسل يكون طعمه مُرًا حينما يكون الفم مجروحًا.
رشا روميه 

طريق السويس...
إنطلقت الحافلة بطريقها، البعض يغفو والبعض يستمتع بالطريق، ومنهم من ينتظر بهدوء أن يمر الوقت، كل يهيم بدنياه غير عابئ بالآخرين.

بعد فترة طويلة من الصمت تخللها بعض النظرات الجانبية من "مديحة" تحاول إقتناص وقت مناسب لتتحدث مع "فرح".

كل إلتفاته نحو إبنتها كانت مؤلمة للغاية، كم أصبحت قاسية صامتة، صمتها يقتلع روحها وقلبها من بين أضلعها، كل حياتها هي تلك الشابة، منذ أن ولدت وهي كل حياتها بكل تفاصيلها، فاليوم مجرد صمتها عقاب شديد بقلب تلك الأم التي لم تتعلق كما تعلقت بإبنتها.

وبرغم هذا الصمت والضيق كانت "فرح" قد لاحظت حركة والدتها القلقة ومحاولتها للتطلع بملامحها بين الحين والآخر، أدركت على الفور أنها تبحث عن وقت مناسب لتتحدث معها، ومن قال أنها لا تريد، ألا تفهم والدتها أن هذا الصمت العقابي لأمر قاسي على نفسها وقلبها أيضًا، تتمنى من داخلها أن تلتف نحوها وترتمي بداخل أحضانها التي إشتاقت لها منذ الأمس، روحها التي علقت كغصة بحلقها منذ أن قررت مخاصمتها.

ليس عناد لكنها لا يمكنها تمرير ما فعلته بالماضي بتلك السهولة، إن لم تكن قد غضبت منها ما كانتا اليوم بطريقهم لإعادة الحق، لكن قلبها الصغير لا يتحمل مثل هذا الخصام، إنها شقيقة روحها وصديقتها وكل عائلتها.

لم تجد "مديحة" بُد من إختراق حصن "فرح" الصامت، لتردف بتأثر:
- إنتِ حتفضلي ساكته كده كتير؟!

يكفي يا قلبي الصغير، فلم أعد أتحمل البُعد، يكفي صوتها الحنون ليلملم أشلائي المبعثرة، أجابتها "فرح" بقلب منقبض:
- مش عارفه أقول إيه، حاسه إني مخضوضه أوي!!

إنه ذات الإحساس الذي يعتريها، لتهتف بها "مديحة" بتوجس:
- وأنا كمان، طيب ما تيجي نرجع؟

حتى وإن شعرت بالإختناق والضيق من تلك الرحلة فهي لن تتراجع، لقد بدأت مشوارها ولن تتنحى عن القيام بما يتوجب عليها، رددت "فرح" بحزم:
- لا يا ماما، إحنا أخدنا الخطوه دي خلاص، ومينفعش نرجع فيها، لازم نسافر ونكمل.

تلك الأريحية التي حلت بقلبها لمجرد حديث إبنتها معها وتقلص الخصام بينهما جعل "مديحة" تخرج مشاعرها بدون تفكير:
- بس أنا خايفه أوي يا "فرح".

تملك "فرح" بعض الشعور بالراحة لعودة الحديث بينهما، فكم هو قاسي هذا الخصام، إستطردت حديثها مع والدتها تنهرها عن التراجع فتلك الخطوة هي أصح ما يمكنهما فعله:
- مهما كان، لازم تخلصي ضميرك من الذنب ده، ساعتها بس حترتاحي.

بتقبل مجبر أومأت "مديحة" رأسها فيكفيها حتى الآن تجاوب إبنتها معها وتقليل حدة هذا الخصام، لكنها مازالت تشعر بالضيق من هذه الرحلة، تنهدت "مديحة" قائلة:
- الأمر لله، توكلنا على الله.

لم يمر الكثير من الوقت حتى بدأت الحافلة التي يستقلونها تهتز بعدم إتزان، خاصة مع علو صوت صرير غريب يحتك بالطريق مما جعل السائق يوقف الحافلة تمامًا.

إستدار سائق الحافلة للركاب القلقين قائلًا:
- معلش يا جماعه، العَجَل فيه مشكله حنقف بس هنا شويه عشان نظبط العَجَل بتاع الأتوبيس قبل ما نكمل السفر.

همهمات علت أصواتها بين الركاب بتملل، أخذ السائق يطلب منهم الترجل لحين إصلاح إطارات الحافلة أولًا، ليضطر الركاب جميعًا من الترجل منها وقد إمتعضت ملامحهم بضيق شديد.

أخرج السائق الإطار الاحتياطي لكنه لم يكن أفضل حالًا من سابقه ليضطر آسفًا بتوضيح الأمر لهم قبل إستكمال هذا التصليح الإضطراري:
- لا مؤاخذه يا جماعه، العجلة الإستبن كمان نايمه، ومش حينفع أركبها وهي كده، أنا حروح أدور على حد يصلح لي العجله وأرجع، وإن شاء الله ألاقي ورشه قريبه.

علت همهمات متضايقة مرة أخرى بين ممتعض ومنفعل، لكن الجميع بالنهاية رضخوا للإنتظار، فماذا سيسعهم فعله وسط هذا الطريق الخاوي، فليس هناك وسيلة أخرى يستقلونها سوى هذه الحافلة.
بقلم رشا روميه 
جلس البعض بشكل متفرق بينما أخذ البقية ينظرون تجاه الطريق من كلا الجانبين بضيق فربما يجدون وسيلة أخرى بخلاف إنتظار عودة السائق.

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي...
صباح كان أو مساء، فتلك المساحة لا تعرف راحة، كل دقيقة محسوبة وكل مريض له إهتمامه الخاص، وما بين الأروقة والمرضى تقع تلك الغرفة، غرفة تلتمس بها تلك الفتيات بعض الراحة لمواصلة العمل.

طعام متأخر تجتمع به "ليلى" مع "نهى"، تلك التى تنسى كيف يكون الإهتمام بالنفس، تفكيرها المنشغل بالجميع سواها غالبًا ما يُنسيها تلك الوجبة الصباحية لتناولها دائمًا بوقت متأخر.
بقلم رشا روميه 

كان الصمت يعم بينهما حين أمالت "ليلى" برأسها متسائلة:
- كلمتي "مروة"؟ أنا مش عارفه أوصل لها خالص.

وضعت "نهى" تلك اللقمة تلوكها بفمها وهي تجيبها بإنشغال بالطعام:
- مردتش برضه، بس أنا بيتهيألي إنها تعبانه شويه، سمعت إنها قدمت على أجازه أسبوع.

بتلك الأحوال التي يعيشونها فإن العطلات أمر لا يزور مخيلتهن، لا تمتلكن تلك الرفاهية للتضحية بيوم عمل يمكنها كسب المال به، دوامة متوالية عليهن السير بها، نادرًا ما تخرج إحداهن منها.

أثار أمر العطلة إندهاش "ليلى" لتتسع حدقتيها بإستغراب:
- أجازه!!!! و أسبوع بحاله؟!! غريبه أوي، دي شكلها عيانه أوي، "مروة" لا يمكن تاخد أجازه بالسهوله دي.

تفكرت قليلًا قبل أن تردف:
- عارفه يا "نهى"، أنا لو لقيت وقت حبقى أروح أزورها، مينفعش منسألش كده، خصوصًا إنها مش بترد على التليفون خالص.

نفضت "نهى" يديها تنهى طعامها وهي تعقب على حديث "ليلى":
- طيب لو جيتي تروحي، أبقى أروح معاكِ.

- خلاص ماشي، نظبط وقت كده، ونروح نطمن عليها بسرعه كده قريب.

❈-❈-❈ــ

كل النواقص مرفوضة إلا نقص القدرة على التزييف، ذلك النقص الذي يولد به البعض لكنه يزيدهم رقي وأصالة، فعليك أن تحافظ على تلك النقطة البيضاء وسط كل ذلك السواد دون أن يلوث به، لا يغرنك قدرتك على تغيير تلك القتامة، فالفحم حتى وإن غسلته سيظل أسود اللون.
رشا روميه 

نور بركات..
بذهن مشتت مازال عقله يعيد حديثه مع "نسرين" بالأمس، أفكاره المثالية بنصر الحق وإنقشاع السواد عن القلوب إلتفت بداخل رأسه بفكرة أخرى لا يستطيع محوها من داخل نفسه، إحساس بأن ما سيقوم به ما هو إلا أمر خاطئ، ذنب سيجذبه للظلام دون أن يدري.

أخذ يحدث نفسه بأعين زائغة وهو ينتظر بغرفته بالمستشفى:
- مش عارف ليه عندي إحساس غريب إني بعمل ذنب، مش حاسس إني مرتاح للي حعمله ده، زي ما يكون فيه حاجه غلط، بس أرجع وأقول ده عمل إنساني أرجع بيه حق الغلابه اليتامى دول، صح كده، مش لازم أتوتر وكل حاجه حتبقى تمام.

تلك الحيرة التي جعلته متوترًا للغاية، يتردد بإتخاذ خطوة بهذا الإتجاه، ففكرة تجعله يتخوف، وفكرة أخرى تدفعه للتقدم، ووسط حيرة أفكاره وجد باب غرفته بالمستشفى يُطرق بخفة ليسمح للقادم بالدخول: 
- إتفضل.

تفاجئ "نور" بـ"نسرين" تطل بقامتها الطويلة من خلف الباب، أمر غير معتاد، حتى تلك الإبتسامة غير معتادة، نظرت له قائلة بلطافة:
- صباح الخير يا "نور"، معلش إن أنا جيت لك المستشفى.

- لا عادي، معنديش حالات كتير النهارده.

تخوفت "نسرين" من أن يكون "نور" قد تراجع عن مساعدتها لتبدأ حديثها بالتأكيد عليه أنه مازال سيساعدها وسينفذ ما طلبته منه بالأمس، هدأت نبرة صوتها القلقة حين سألته أولًا:
- "نور"، إحنا على إتفاقنا صح؟

أومأ "نور" ببطء بحركة إيجابية أعطت "نسرين" قوة لتستكمل بالإيضاح:
- تمام أوي، أنا جبت لك كل المعلومات إللي عرفتها عن عمي وبنته.

إنتبه لها "نور" بفضول، فيبدو أن الأمر بدأ يتخذ شكلًا جديًا ولا مجال للتراجع، لينصت لها باهتمام:
- كويس، إيه هي المعلومات دي بقى؟

لم تستطع "نسرين" إخفاء حماسها لتستطرد بنبرتها المتعجلة:
- شوف، هي إسمها، "ليلى عزت"، شغاله ممرضه في مستشفى الهلال، أكيد عارفه، وعرفت كمان إن عمي مريض في المستشفى دي، و محجوز هناك بقاله أسبوع تقريبًا.

يا لتلك الصدفة التي ربما ستساعده في مسعاه، بمجرد سماعه إسم المستشفى التي تعمل بها لوهلة ترائى له أن الأمر ربما يكون أيسر مما تخيل، هتف بها "نور" يتفاجئ:
- مستشفى الهلال، بجد!! طيب هو عمك عنده إيه بالضبط؟!!

أجابته "نسرين" على الفور:
- كان عامل حادثه ولما كشفوا عليه لقوه عنده فيروس سي.

تحولت مفاجئته لصدمة من نوع آخر، صدمة لا يدري ألهذا الحد تخدمه الصدفة أم أن للقدر كلمة أخرى، فحتى مرض عمها هو من صميم عمله وتخصصه، بل يزيد على الأمر أن دراساته التي تلت الجامعة من الدراسات العليا التي كان بدأ بها هي هذا المرض خصيصًا، إتسعت عينا "نور" بدهشة مستكملًا:
- ده إيه الحظ ده، يعنى مريض بنفس المرض إللي بحضر فيه رسالتي بتاعة الماجيستير!!! صدفه عجيبه أوي!! لا حول ولا قوة إلا بالله.

قالها بتأثر وقلب نقي، فهو بالنهاية رجل مريض، ولن يتشمت بكونه كذلك، لكن "نسرين" لم تتقبل ذلك، بل هتفت به بحنق من رد فعله الغريب:
- إنت زعلان عليه؟! متنساش انه هو اللي أكل حقي أنا وأخواتي اليتامى.

إنه طيب القلب وليس مغفل أو ينساق خلف طلبها بدون أن يحكم عقله وقلبه، ليس لأنها ظُلمت بأمر ما يكون معها كل الحق في تلك القسوة والتشمت:
- أيوه يا "نسرين" أكل حقكم، بس مهما كان مفيش شماته في المرض.

لوت فمها بضجر وهي تدور بعينيها للأعلى بإستخفاف من مثالية "نور" التي لا تناسب هذا الزمن، لتعقب بإستياء:
- بقولك ايه، مش وقت مثاليتك الله يخليك، ها، ناوي على إيه؟

- خلاص سيبينى أفكر في طريقه.

إستقامت "نسرين" لتتهيئ للمغادرة فيما قالت:
- طيب أنا حمشي دلوقتِ ومستنياك تبقى تكلمني وتقولي عملت إيه، سلام.

أنهت عبارتها لتغادر على الفور فقد أنجزت مهمتها بإعطاء "نور" كافة المعلومات التي يحتاجها لبدء خطتهما، ليتفكر "نور" بمكان واحد وشخص واحد سوف يساعده بهذا الأمر، ليس سوى صديقه الخجول "سامح" فهو يعمل بهذه المستشفى.
بقلم رشا روميه 
لم يتردد بالإتصال به، ليس لسؤاله بل لغرض آخر تمامًا، فعليه البدء بالتحرك بشكل طبيعي ليكون قريبًا من تلك المدعوة "ليلى" بدون أي إثارة للريبة، رفع هاتفه مُحدثًا "سامح" الذي أجاب دون تأخر:
- حبيبي، إزيك يا غالي.

قلوب متشابهة بصفاء غير عادي أمر لا يتكرر كثيرًا، فقد يظن البعض أن النقاء إندثر تمامًا لكنهم لم يدركوا أن السواد طغى حتى كادت العيون لا تميز وجود النفوس القويمة وسط هذا السواد الأعظم.

أجابه "سامح" بمحبة:
- "نور"!! إنت فين يا جدع؟ من آخر مره على القهوه مسمعتش عنك حاجه.

- على حطة إيدك أهو، شغل والله، وإنت فينك؟

أعاد "سامح" جذعه بأريحية لظهر المقعد فقد كان مرهق بالفعل بتلك اللحظة:
- الإنتداب ما بين هنا والمستشفى الأهليه تاعبني والله ومش لاقي وقت خالص.

- كان الله في عونك والله، ده الواحد مستشفى واحده ومش قادر عليها.

- الحمد لله بقى، طمني عنك أخبارك إيه؟

تشتت عينا "نور" القاتمة قليلًا فتلك آخر فرصة قبل التراجع، لكنه حسم أمره فعليه ألا يتردد بعد الآن فهو يسعى للخير وليس العكس، أجابه بعد وهلة ليطلب منه ما أراده من هذا الإتصال:
- الصراحه، كنت عايز آجي عندكم المستشفى، عايز أخلص البحث بتاعي عن فيروس سي، وإنت عارف إني محتاج أتابع حالات التخصص بنفسي وهنا صعب أوي.

تفكر "سامح" قليلًا لكنه بالنهاية لن يتكاسل عن مساعدة صديقه:
- الصراحه مش عارف حينفع ولا لأ، بس حسأل لك دكتور "عبد الغفار" مدير المستشفى لو ينفع، لأن فعلًا فى حالات ظهرت عندنا هنا فيروس سي.

- حبيبى يا "سموح"، طيب حسيب الموضوع ده بقى عليك تمام.

- أكيد طبعًا، النهارده حكلم دكتور "عبد الغفار" وأبقى أرد عليك.

خطوة لن يتراجع بها ولتبدأ خطته لإستعادة حق "نسرين" وأخويها من عمها الطامع:
- في إنتظارك يا "سامح".

❈-❈-❈ــ

وإن كان الحزن ضيفًا ثقيلًا على القلب فلا تتوقع رحيله إن كنت تُحسن ضيافته، توقف عن زراعة الأزهار بحدائق لن يقوم غيرك بسقيها، عليك تخطي تلك المرحلة لكن تعامل كناجٍ وليس كضحية.
رشا روميه 

طريق القاهرة..
بعد إنتظار طال وقته حتى توسطت الشمس السماء وتخطي وقت العصر المرهق، بدأ الركاب يتمللون من الإنتظار بوسط هذا المكان المقفر والشمس الحارة فقد تأخر السائق كثيرًا أثناء تصليحه لإطار الحافلة.

رفعت "فرح" ورقة كرتونية كبيرة قد وجدتها لتحجب بها الشمس عنها وعن والدتها التي جلست أرضًا من تعبها.

زفرت "فرح" بضيق:
- لأ بقى، كده كتير اوي، أنا مش قادره أستنى أكتر من كده.

تطلعت "مديحة" بالطريق قبل أن تجيب إبنتها:
- نعمل إيه طيب؟! ما إنتِ شايفه، إحنا في طريق وسط الصحراء حنروح فين دلوقتِ؟!

تنهدت "فرح" بضيق فلابد أن تجد حلًا:
- أي حاجه، تعالي نشاور لأي عربيه جايه نركب فيها، أنا صدعت من كتر الشمس.

ظهر الإضطراب على وجه "مديحه" التي كانت تدعو من كل قلبها أن يتأخر هذا اللقاء، فمن داخلها كانت تشعر بالراحة بهذا التأخر، أجابت إبنتها ببعض المماطلة:
- أنا ما أظنش حيتأخر أكتر من كده.

مالت "فرح" برأسها للأمام تناظر والدتها بأعينها الشقية تخبرها بأنها تفهمها جيدًا وهي تعقب بذكاء:
- ماما!! بلاش كده، يلا بينا ناخذ شنطنا ونحاول نركب أي حاجه بدال الوقفه على السكه كده.

إضطرت "مديحة" لمرافقة إبنتها مرغمة، حملت "فرح" الحقيبة لتقف إلى جانب الطريق فربما تأتي سيارة عابرة يستطيعا إستقلالها عوضًا عن إنتظار تصليح إطار الحافلة.

ربما حالفهما الحظ، أو أنه القدر الذي يسير بخطاه دون تدخل من البشر، فنحن مسيرون بطريق رسمه الله لنا دون حياد، أقبلت تجاههما سيارة حمراء ذات لون زاهي، تباطئت سرعة السيارة ليظهر سائقها أمامهما.

شاب لطيف حسن المظهر يبدو عليه رخاء العيش، يرتدي قميص أسود ونظارة شمسية سوداء، مال الشاب تجاه المقعد المجاور له لينظر من النافذة الجانبية مُحدثًا "مديحة" و "فرح":
- إنتوا رايحين فين؟

أجابته "مديحة" بطبعها الإجتماعي الودود للغاية:
- نازلين مصر.

دعاهم الشاب لمرافقته بالطريق بترحيب شديد:
- حلو أوي، تعالوا معايا أنا كمان نازل مصر، إتفضلوا إتفضلوا.

همست "فرح" بأذن والدتها قبل ركوب السيارة وقبول دعوة هذا الشاب:
- شوفتي بقى شكلها متسهله أهو.

- أه أه، ربنا يسهل.
قالتها "مديحة" وهي تشعر بالتخوف لإستكمال رحلتهم، لكنها رغم ذلك ركبت السيارة مع هذا الشاب، جلست "مديحة" بالمقعد الأمامي إلى جوار الشاب، بينما جلست "فرح" بالمقعد الخلفي، تمامًا خلف والدتها.

تَغلب على "مديحة" طبعها الإجتماعي الذي إعتادت عليه لتبدأ بتمضيه الوقت بالحديث إلى هذا الشاب والتعرف عليه، فمن باب الذوق أن تتحدث معه فلا داعي لهذا الصمت.

بينما بدأت "مديحة" حديثها مع الشاب، إلتزمت "فرح" الصمت تفكر فيما سوف تفعله هى وأمها وأن ما سيفعلانه هو الصواب، لكن الصمت يدفعنا لفكر أكبر ليس كل ما يتوارد به من إختلاقنا، فبعض الأفكار تسيطر على أنفسنا ورؤوسنا رغمًا عنا.

هذا الطريق الطويل وصمتها التام جعل ذكرى "هاني" تحتل رأسها، خاصة تلك الليلة التي خذلها ولم يأتي، ليلة توجت بكسر القلوب، تعلقت أمانيها بأن تلك الليلة كانت ستكلل حبها برباط رسمي بينها وبينه، حلم حلمت به لفترة طويلة لكنها إنتهت بخيبة أمل وجرح كبير.

تهدلت ملامحها بتعاسة وهي تقوس شفتيها بحزن، حتى عيونها الشقية اللامعة إنطفأت بهما بريق السعادة التي كان يميزها، ليتها تستطيع النسيان، لكن حزنها ضيف ثقيل على قلبها لا يبرح مكانه مطلقًا، فقد إستقر بداخل نفسها ولن يخرج أبدًا.

تخاذل لا تريد تكراره مهما كلفها الأمر، لتحدث نفسها بأن أمر إرتباطها وزواجها هو أمر مرفوض تمامًا:
- ( لا يمكن أبدًا أبدًا أفكر في موضوع الجواز ده، إذا كان إللي حبيته وحبني عمل فيا كده!! أمال الغريب حيعمل فيا إيه).

سارت السيارة بسرعتها على الطريق السريع وأصبح المميز فى هذا الطريق الجبلى تارة والرملى تارة أخرى هو اللافتات الزرقاء معلنة تحديد كم تبقى من الطريق للوصول للقاهرة.

فكرة تلو الفكرة وحزن يلي الآخر، كما لو أنها إستسلمت تمامًا لأفكارها الحزينة، لا تريد الخروج منها، حتى أمر والدتها زاد من ضيقها، تذكرت حديثها بالأمس معها وإضطرارهم للسفر اليوم ثم تنهدت بقلب مزدحم بالهموم.

رفعت "فرح" عينيها تطالع الطريق لبعض الوقت ثم نظرت تجاه المرآة الجانبية للسيارة لتقع عينيها على والدتها، إنها كل ما تملك من حطام تلك الدنيا، فحتى وإن أخطأت فإنها لم ولن تقدر على الإبتعاد عنها، إنها جزء من روحها، بل هي روحها كلها.

إبتسمت "فرح" بخفة رغمًا عنها وهي تطالع وجه والدتها الضحوك أثناء حديثها مع هذا الشاب، فكم هي إجتماعية لطيفة حسنة المعشر.

إنغمست "مديحة" بحديثها مع هذا الشاب تتطرق من حديث لآخر ومن طرفة لأخرى دون توقف، أخذت تتجاذب معه أطراف الحديث كما لو كانت تربطه بها معرفة سابقة من قبل، كانت تحدثه بقلب أم، وكان يتجاوب معها بلطافة إبن لطيف جذبه إسلوبها وحديثها الشيق ليمرر الوقت حتى يصلوا لوجهتهم معًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

حل المساء سريعًا وبدأت الشمس بالمغيب ليوم آخر يمر، ورغم هذا الروتين اليومي الذي يمر بالجميع إلا أن البعض يترقب بنهاية ساعات هذا اليوم بأمل جديد وشغف أكبر..

مستشفى الهلال المركزي..
رغم أنه مازال الوقت مبكرًا على نهاية تلك المناوبة، إلا أن "ليلى" قد فضلت الإستئذان مبكرًا لبعض الساعات فربما تلحق بإبن هذا الرجل وتعلم منه أين ذهب عمها.

شغف مصدره ثقل هذا الحمل الذي تريد التخلص منه، لكنها أولًا مرت بغرفة والدها قبل مغادرة المستشفى.

رغم ثبات مؤشراته الحيوية إلا أن حالة والدها ليست على ما يرام، ليست مطمئنة بالمرة، حتى هذا النوم العميق الذي يسبب له التراخي والخمول بدأ يؤثر عليه بشكل كبير، وقفت "ليلى" قبالة والدها المستغرق بنوم مرهق للغاية مكتوفة الأيدي فما بيدها حيلة إلا الإنتظار.

ربما من حسن حظها وحظ والدها أنه يعمل بهذا المصنع الذي يتمتع بتأمين صحي بهذه المستشفى، أمر سيساعدها بأمر تكاليف علاجه وإلا لما كانت ستقدر على بقائه بالمستشفى دون أن يكون لديها المال الكافي لعلاجه، لكنها بذات الوقت لا تقدر على أكثر من ذلك، فحتى ما تملكه من مال لا يمكنها المساس به إلا بعد أن تعطي عنها حقه أولًا ثم تنفق على علاج والدها بما يتبقى لهم.

زفرت بقوة وهي تجفل بعينيها قليلًا قبل مغادرة غرفة والدها متجهة نحو هذا الحي القديم لمقابلة جار عمها المسن فربما تجد ولده وتسأله عنه وتستطيع التوصل إليه.

وصلت "ليلى" لهذا الحي بخطواتها المتعجلة، كما لو أنها تسرع للشعور بالراحة، حتى رؤيتها لهذا الرجل بهذا المكان أكسبها بعض السكينة المؤقتة فما بينها وبين المعرفة إلا خطوات.

أقبلت نحوه ببسمتها الخفيفة في حين تذكرها الرجل على الفور ليدعوها للجلوس:
- تعالي يا بنتي اتفضلي.

بحماس شديد أجابته دون إنتظار:
- شكرًا لحضرتك، أنا بس جيت أسأل حضرتك تاني لو كنت سألت إبنك عن عمي، هو قال لحضرتك حاجه؟

حرك الرجل رأسه ببعض التأثر قائلًا:
- أنا آسف والله يا بنتي.

عبارة واحدة كفيلة بالقضاء على تلك السكينة المزيفة التي كانت تمني بها نفسها، لتردف بخيبة رجاء:
- ميعرفش، صح؟

- لا يا بنتي، أنا سألته، بس للأسف، عمك إتوفى.

أين صاحب الحق المرجو منه المسامحة، كيف سيعفو الآن وقد سبقهم لدار الحق، إنهم ظالمون وزاد ظلمهم موته، كم إدانة وكم مقابلها، الآن علمت لما يعيشون بتلك المتاهة، فما ربك بظلام للعبيد، لقد ظلموا أنفسهم بأخذ ما ليس من حقهم، ليت والدها كان إستفاق من قبل.

هوت "ليلى" جالسة بصدمة فوق المقعد وهي تردد:
- إيه، مـــــــــات!!!

- أنا آسف يا بنتي إن أنا إللي أبلغكم ده، بس لما سألت إبني قالي كده.

ربما بنهاية الطريق شمعة يمكنها أن تقطع هذا الظلام، هناك فرصة وحيدة مازالت تبث الأمل، فرصة تُخلص من ذنب معلق، إنهم أبناء عمها.

تساءلت "ليلى" بإهتمام شديد:
- طيب، هو إبنك يعرف ولاد عمي، أو حتى عنوانهم، ساكنين فين دلوقتِ؟

- لا يا بنتي والله كان عمك بس هو إللي بيتعامل معاه وميعرفش عنوانه خالص، بس حقولك حاجه ااديني رقم تليفونك أو تليفون أبوكِ ولو عرفت أي حاجه حتصل بيكم أبلغكم.

أمل ضعيف لكنه يبقى أمل، أعطت له "ليلى" رقم هاتفها قبل أن تغادر هذا الحي بإحباط شديد وإتجهت نحو بيتهم الكئيب لتنهي هذا اليوم ببقائها مفردها وروتينها اليومي من قضاء صلواتها وتناولها الطعام إلى أن تخلد للنوم، قصة قصيرة متكررة إسمها حياتها.

❈-❈-❈ــ

بداخل كل إنسان جانب سئ لا تعرفه، جانب مظلم يخبئ به لعنات وغضب، كلمات حادة جارحة، لكن هذا الجانب لا يظهر إلا في عتمة إختلاء النفس، فلا يعرف السئ إلا نفسه، وبطريق أو بآخر قد أخبرك بذلك لكنك لم تعي، ففي زلاته وأفعاله ما يُظهر حقيقته فقط إن تمعنت النظر.
رشا روميه 

بيت نسرين الحناوي...
بسمة ماكرة تحمل بين طياتها خبث شيطاني فقد وصلت أخيرًا لما تخطط له، سعادة إحتلت نفسها وخيلاء بفوزها بإقناع "نور" بتنفيذ خطتها للإيقاع بـ"ليلى".

فإن ظن الجميع بأنها قد تبحث عن حقها الضائع إلا أنها حين إختلت بنفسها ظهرت تلك الحقيقة الغائبة، شخصية لا تظهر إلا مع "نسرين" بذاتها، هي الوحيدة التي تدرك ألاعيبها التي تديرها دون أن يعلم أحد.

جلست "نسرين" بغرفتها تعبث بخصلات شعرها وهي تتطلع بنفسها أمام المرآة، إقتربت لتتعمق بملامحها وهي ترى أن لا جمال يفوق جمالها ودلالها، فيكفيها جسدها الممشوق كعارضات الأزياء، وملامحها الأنثوية التي تراها لا مثيل لها.

غرور وإعجاب بالنفس جعلها تتغنج أمام مرآتها فهي لا تقارن بأي كانت، إنها الأجمل على الإطلاق.

رفعت حاجبها الأيمن تحدث نفسها بإنعكاس صورتها، لكن تلك المرة قالتها بغيظ مكتوم:
- أنا لازم أحرمكم من كل حاجه بتحبوها زي ما حرمتيني إنتِ يا ست "ليلى"، إنتِ وأبوكِ طول السنين دي كلها، زي ما أخدتوا فلوسنا وحقنا وصرفتوها كلها لحد ما بقيتم محيلتكمش حاجه، لازم أدوقكم طعم الذل والوجع، لازم آخد حقي، وحقي إني أنتقم منكم، حقي إني أشوفكم وإنتوا بتتوجعوا وتتألموا وتتحطموا قدامي وخسروا كل حاجه، كل حــــــــــــــاجه، ساعتها بس حرتاح.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت نور بركات...
من أماكنه المحببة تلك الشرفة الخاصة بغرفته، هذا المكان الخاص به وحده، ملجأ لأفكاره وإختلاء نفسه عن كل ضجيج العالم الذي يضيق إتساعه عليه ولا يجد به سكينة لنفسه، لكنه يجدها هنا بهذه الشرفة وتلك السماء الصافية والقمر الذي يضيئها.

إرتشف قليلًا من قهوته حين دق هاتفه بإسم "سامح"، على الفور أجاب هذا الخلوق الذي لا يتواني عن المساعدة:
- "سموح"، حبيبي.

- إزيك يا "نور"، إنت فين، عاوز أشوفك؟

سحب "نور" جفونه المرهقة للأعلى محاولًا البقاء منتبهًا ثم أجابه:
- والله يا "سامح" مش قادر أتحرك من مكاني، ده إنت حتى بتكلمني وأنا بشرب قهوة يمكن أصحصح شوية. 

إمتعض "سامح" قليلًا لكنه أجاب بتقبل تام لما يشعر به صديقه، فهو لا يريد إزعاجه أو إرهاقه:
- يا خساره، بس معلش ملحوقه، مره تانيه بقى عشان صعبت عليا، أنا كان عندي ليك خبر حلو وكنت عايز أشوفك وأقولهولك.

أغمض "نور" جفنيه بقوة وهو يحرك رأسه محاولًا البقاء متيقظًا للتركيز بحديث "سامح":
- خير، فرحني؟

- أنا كلمت لك دكتور "عبد الغفار" مدير المستشفى وهو موافق إنك تنتدب عندنا لفتره تكون خلصت فيها الرساله بتاعتك، وبرضه تساعد في علاج الحالات إللي عندنا، ما أنا قولت له إنك أشطر دكتور باطنه أنا أعرفه.

إبتهج "نور" لتحقيق مسعاه الذي يظن أن هذا هو الطريق الصواب الذي عليه إكماله حتى النهايه:
- يا أخبارك الحلوه، يعني خلاص حنبقى مع بعض في مستشفى واحده.

- والله ما ناقصنا إلا "كريم" بقى ونكمل أيام الجامعه.

تذكر "نور" تجمعهم بدراستهم ليردد بإشتياق لهذا الجمع:
- اه والله.

- طيب، أسيبك أنا بقى ترتاح وإبقى تعالى بكره المستشفى، ومتنساش تجيب أوراقك معاك، سلام.

مع نهاية تلك المكالمة شعر "نور" بأنه قد تقدم خطوة أخرى بطريقه نحو لقاء تلك الفتاة المدعوة "ليلى"، وإعادة ميراث "نسرين" الضائع.

همس "نور" بتتوق لهذا اللقاء:
- معادنا بكره يا "ليلى".

❈-❈-❈ــ

بين الحلم والألم والأمل يقع الإنسان بين القدر والإختيار، لكن المكتوب لا مناص منه فلا تبدل الأقدار إلا بأمر الله، تلك الخفايا التي لا ندركها، فهي تحمل بين طياتها سعادة وألم، وعلينا الرضا بالقضاء والإنصياع للقدر، وما نملك إلا دعاء أن يجعل لنا من أقدارنا أجملها.
رشا روميه 

طريق القاهرة...
على مشارف تلك المدينة وبعد إجتياز طريقها الطويل كادت السيارة التي تحمل ثلاثتهم تقترب من القاهرة، إندمجت "مديحة" بتلك الساعات بحديثها مع هذا الشاب، بينما فضلت "فرح" البقاء متفرجة تلتزم الصمت تسترجع ذكرياتها الحزينة كطوفان يضرب بها وهي في أتم الإستسلام له.

وقد يظن المرء أن ما يمر به هو إحكام لكل الحلقات دون أن يدري أن القدر يخبئ له الأعظم ويختار الله لنا أيسرها.

بدأ الظلام يحيط بالأجواء بعد مغيب الشمس، هذا الوقت الذي يظنه البعض نهاية يوم شاق وبداية راحة.

تطلعت "فرح" مرة أخرى تجاه والدتها التي تُحدث الشاب عن أسرته التي يسافر إليها وسط إهتمام الشاب الشديد بحديثها الشيق، جالت بنظرها بين كلاهما، مجرد مشاهدة دون مشاركة، لتتسائل بداخل نفسها هل فقدت الشغف على الحياة بكل ما فيها، إنها حتى لا تهتم بما يحدث حولها، كما لو أنها أصبحت تنظر للدنيا من منظور باهت لا حياة فيه.

نكست رأسها تجاه حقيبتها لتفتحها بهدوء، أخذت تقلب بمحتوياتها بفراغ تام حتى وقعت عيناها على تلك الورقة المطوية التي أعطتها لها والدتها هذا الصباح.

نظرت لهذا الإسم وهذا العنوان بتفحص شديد لتعاد أحداث الأمس مرة أخرى بمخيلتها، تذكرت عودتها وندم وبكاء والدتها وما أخبرتها به، كما لو أن كل الذكريات السيئة أتت لمهاجمتها بهذا الوقت، أما آن لتلك المرحلة أن تنتهي حتى تفيق من شرودها المؤلم.

لكن شردوها هذا لم يلبث حتى أفاقت منه بواقع آخر، واقع تهتز لها القلوب بتخوف وفزع، صرخات مدوية جعلتها ترفع رأسها وقد إتسعت عينيها بفزع وهي تفغر فاها من الصدمة، صوت والدتها الصارخ وهي تهتف بقوة ورجفة مهتزة:
- ستــــــــــــرك يـــا رب، ستــــــــــــــرك يـــــا رب.

❈-❈-❈ــ

خلال قيادته للسيارة مُحدثًا "مديحة" بأريحية شديدة لما شعر به تجاهها، فقد تذكر حنينه لأمه التي تركها بالقاهرة وسافر للسويس ليكمل دراسته الجامعية هناك، شعر هذا الشاب بألفة شديدة بينه وبين "مديحة"، كان ينظر تجاهها بين الحين والآخر أثناء قيادته وهو يضحك ويبتسم لها، إلى أن إلتفت نحوها ذات مرة يتجاوب معها بلطافة، أعاد رأسه تجاه الطريق ليفاجئ بظهور شاحنة كبيرة عالية محملة بعبوات كبيرة ممتلئة بزيوت ما تقطع الطريق بصورة عرضية.

تهدج صدر الشاب بقوة وإرتعدت يداه التي تشبثت بالمقود ليحاول إدارة عجلة القيادة ليتفادى الإصطدام بتلك الشاحنة، سحب المقود بكلتا ذراعيه تجاه اليمين لكن سرعة السيارة وحجم تلك الشاحنة التي تغلق الطريق كان لهما كلمة أخرى، فمع كل محاولاته إلا أنه أدرك حقيقة واحدة، أنه لن يتمكن من الإفلات وسيصطدم بها لا محالة، تملكه الذعر وهو ينظر بهلع تجاه الطريق المنزلق أمامه فقد إنفلتت عبوات الزيوت الكبيرة من فوق الشاحنة ليصبح الطريق منزلقًا بشكل مخيف، والتحكم بمكابح السيارة أمر شبه مستحيل الآن.

ضغط الشاب بكل قوته فوق مكابح السيارة لكنها أخذت تدور بقوة دورة كاملة لتصطدم بها بالنهاية وسط صرخاته الفزعة.

❈-❈-❈ــ

إنشغال "فرح" بقراءة الورقة وذكرياتها الحزينة التي ظنت أن لا حزن يفوق حزنها الآن إنمحى تمامًا حين سمعت صرخات والدتها، رفعت رأسها بفزع لترى هذا المشهد المروع أمام أعينها، شاحنة كبيرة تقطع الطريق بينما يحاول الشاب تجاوزها بكل قوة أوتيت له، لكن حجم سيارته لا يقارن بتلك الشاحنة التي وقفت بشكل عرضي تؤكد بأن الإصطدام قائم لا محيص عنه.

تسارعت دقات قلبها خوفًا تلك المرة، فيبدو أن للقلب فزعات أخرى تختلف عن حزنها على حب ضائع، لقد أصبح خوفها لحياتهم التي على المحك، صراع البقاء والهرب من الموت الوشيك، للحظة إتجه بصرها المفزوع تجاه حبيبتها الوحيدة، كل ما لها بالدنيا -والدتها- لا تقوى على تخيل فقدانها بأي شكل من الأشكال، لم تهتم لما سيحدث لها، لكن والدتها لا، لا تستطيع تخيل أن يصيبها سوء، تمتمت بدعوات أن يحفظها الله لها ويطيل عمرها وألا يصيبها مكروه ما.

❈-❈-❈ــ

هل هذا هو العقاب؟ هل تلك هي النهاية؟ لقد إستغفرت وتابت وأنابت عن فعلتها، تقوست جبهة "مديحة" بفزع وتساقطت دموعها لتعلو همهمتها بالإستغفار وطلب السماح من رب العالمين، لقد أيقنت أن تلك هي ساعتها، وتمنت أن يقبض الله روحها على مغفرة منه.

سرعة مخيفة وإنزلاق للسيارة التي لا تتوقف، وها هي الشاحنة تقترب أكثر وأكثر. وأصبح الإصطدام وشيكًا، شعرت "مديحة" بيد إبنتها المرتجفة تتشبث بها خوفًا من فقدانها، كما كانت طفلة تتشبث بأمها حين تفزع في صغرها، ها هي تتشبث بها أيضًا الآن، لكنها لا تخشي على نفسها هذه المرة، إنها تخشى من فقدان والدتها وأن تتركها وحيدة.

كل حياتها كرستها فقط لـ"فرح"، وإن كُتب عليها الموت يجب أن تكون حياتها فداء لها، تلك اللحظة التي لا يهتم إبن آدم إلا بالمحلة بنفسه لم تزورها، بل علق بتفكير "مديحة" أمر وحيد، أن تشبث "فرح" بها سيؤذيها بالتأكيد، يجب أن تفلتها، يجب أن تحررها وتنقذها من هذا الصدام.

بحركة فجائية إستدارت "مديحة" تنظر بعيون إبنتها الهلعة وهي تزيح كفها المتشبث بكتفيها، فتحت بذات الوقت مقبض الباب الذي يجاور "فرح" لتدفعها بكل قوتها نحو الخارج فبقائها بالسيارة سيهلكها معها.

مع إلتفاف السيارة المنزلقة كانت دفعة "فرح" للخارج يسيرة للغاية، عادت "مديحة" بعد دفعها لتعتدل بنقعدها لتجد نفسها بمواجهة وجه إلى وجه مع الشاحنة لتصطدم بها السيارة بقوة مفزعة.

علا صوت المكابح التي كانت تصدر صريرًا قويًا لتحاول التمسك بالطريق لكن بالنهاية حدثت الفاجعة وتلاقت كتلتي المعدن بعضهما ببعض بصوت نُفضت له القلوب دون حساب لتلك الأرواح بداخل كل منهما.

بذات لحظة الإصطدام ومع دفعة "مديحة" لـ"فرح" كمحاولة منها لإنقاذها دون أن تدري أن جسدها كان خفيف للغاية ودوران السيارة جعلها كورقة تتطاير بمهب الريح، سقطت "فرح" بإتجاه الجانب الترابي، ولسوء حظها كان ذلك بداية منحدر جانبي.

تلك القوة جعلتها تتدحرج نحو الأسفل لتصطدم رأسها لمرات عديدة متتالية بالصخور الصغيرة بهذا المنحدر، جسدها الخفيف الوزن لم يمكنها من التمالك والتوازن لتهوى نحو أسفل المنحدر دون مقاومة.

إستقرت "فرح" بعد سقوطها القاسي لتنظر بين الحلم واليقظة وهى ترفع رأسها بإتجاه السيارة محاولة الإطمئنان على والدتها لكنها لم تستطيع أن تحرك ساكنًا، كل القوى تلاشت بشكل تدريجي وهي تشعر بهذا الطعن المعدني بداخل فمها، فيبدو أن تلك هي النهاية الآن، ثقل شديد وألم بالروح، أوجاع كثيرة غير محتملة حتى حل الظلام التام وإستسلام للقدر ونهايته.
تعليقات



<>