رواية حتي يجمعنا القدر الفصل التاسع9والعاشر10 بقلم رشا روميه
مقارنة مُحرمة »
لسنا متساوين فكلنا إختلاف، كالبحار تمامًا فهذا عذبٌ فُرات وهذا مِلح أُجاج، ليس كل جميل الشكل جميل المَعشر، ولا كل حلاوة البدايات هي ذاتها النهايات، ليس كل ما يَصدِق بوجودك هو نفسه بغيابك، لا يخدعُك ما يُظهِر وتغفل عن باطنِه، لكن إحذر من أن تسقط بهاوية المُقارنة، تلك التي تفتح أبواب من الجحيم لا تنتهي، حاذر من أن تُسقِط دفاعاتك بمقارنات محرمة وقت ضعفك، حُزنك وإن كان يملأك فلتتذكر أن الإنسان مأجور على حزن قلبه وأصبر على البلاء.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
يشفق المرء على نفسه حين يدرك أن تعاسته قد أتت من سوء إختياره، وأن حزنه إكتسبه وهو يبحث عن السعادة، كونك كنت حقيقيًا بكل شئ حتى مشاعرك هو سبب لذلك الأذى الذي يلحق بك، لا تبدل ذهبك الخالص بذرات التراب لتتجنب الأذى، واجه صارع إبحث عمن يستحق نقائك وإقتنص من الحياة أجملها.
رشا روميه
السويس (بيت فرح الصعيدي)...
عيون ثابتة وتجهم واضح لتلك الشاردة بأفكارها بينما كانت والدتها تتابع إحدى حلقات مسلسلها المفضل، إلتفت "مديحة" نحو "فرح" التي تبدلت بين يوم وليلة لتصبح صامتة مستكينة باهتة لا تضج بالحيوية كما كانت، تنهدت "مديحة" برفق لتحاول إخراج "فرح" من شرودها:
- عارفه، أنا طول عمري بحب المسلسل ده، لو إتعاد كل يوم حتفرج عليه.
إنتبهت "فرح" لأمها دون إدراك عما تتحدث:
- هاه، كنتِ بتقولي حاجه يا ماما؟
تفوهها بكلمة (ماما) وليس (ديحه) كما تحب أكد لـ "مديحة" بأن "فرح" مازالت تتخبط بطريق حزنها على هذا الأناني الذي لا يستحق دقيقة واحدة تحزن بها على خروجه من حياتها:
- لأ يا "فرح" لأ، إنتِ لسه شاغله دماغك بالواد ده!! فوقي ومتعيشيش بالحزن، الحزن بيقتل كل طموح جواكِ، ويا ريته يستاهل الحزن ده، بكره تشوفي ربنا حيعوضك إزاي.
حتى قدرتها على التغاضي وإصطناع اللا مبالاة رحلت وتركتها، سقط قناع التقبل وتجلى وجه الحقيقة، لم تقدر "فرح" على إكمال هذا الحديث بعتابها طيلة الوقت:
- بالله عليكِ يا ماما قفلي على الحكايه دي، أنا عمري ما حفكر تاني في الموضوع ده خلاص.
بقلم رشا روميه
تجهم وجه "مديحة" وهي تلتف بحدة وحنان بمزيج لا يكمن إلا بقلب أم تخشى على مصلحة إبنتها:
- ليه بقـــــى!! هو كان آخر واحد في الدنيا؟!
- بالله عليكِ يا ماما، أنا.....
قطعت حديثها حينما دق هاتفها لتجيبه بإمتعاض:
- ألو، أيوه يا "ريهام".
صوت متلعثم بصورة واضحة أجابها بتردد:
- اا، "فرح".. إنتِ كويسة؟
قوست "فرح" شفتيها للأسفل لتجيبها بتعجب:
- كويسه، خير مالك، عماله تتهتهي ليه؟
حاولت "ريهام" أن تنتقي أفضل الكلمات لتخبرها بالأمر لتجيبها بتردد:
- بصي، هو أنا مكنتش عايزه أقولك، بس اااا..!!
- "ريهام"، قولي وخلصيني.
قالتها "فرح" بنفاذ صبر، بينما ألقت صديقتها تلك الكارثة بوجهها دون إنتظار:
- أصل، "هاني" خطب.
تلك النبرة القوية التي كانت تمتعض بها منذ قليل تلاشت تمامًا، لتنعدم الكلمات بحلقها، أبت الحروف أن تنفلت من بين شفتيها لتجاهد نفسها بعد لحظات قائلة بنبرة منخفضة يملؤها الصدمة:
- خطب!!!!! خطب مين؟!
- بنت صاحب أبوه، ده اللي سمعته، قرايه فاتحتهم كانت النهاردة.
مالت "فرح" شفتيها ساخرة مما تستمع إليه:
- على طول كدة، ده ماخدش وقت!!!
لملمت "ريهام" شفتيها بضيق فلم تكن تريد أن تكون هي من تزيد جرحها:
- سامحيني يا "فرح"، بس أنا قولت أقولك أنا أحسن ما تعرفي من حد تاني.
إنتهت قدرتها على التجاوب لتنهي "فرح" المكالمة ببعض الحدة:
- شكرًا يا "ريهام"، سلام.
نظرت "مديحة" نحو "فرح" بإهتمام في إنتظار أن تخبرها فحوى المكالمة:
مديحه:مين اللي خطب؟!!
تهدلت ملامح "فرح" لتجيبها بكلمة واحدة مقتضبة:
- "هانى".
صاحت "مديحة" تهتف بغضب:
- الواطي، بقى ده حد يزعل عليه، ده عمره ما كان بيحبك، اللي بيحب حد ما يبعهوش بالساهل كدة.
بالكاد حاولت "فرح" التماسك لبضع دقائق تتظاهر بأن هذا الخبر لا يؤثر بها، لكنها بالنهاية لم تقدر على ذلك لتنفلت قدرتها بإنهيار، صوت مهتز ورجفة صدعت بقلبها، تساقطت دموعها الحارة فوق وجنتيها الصغيرتين وهي تخرج كلماتها المهشمة بتلاحق:
- أنا مش عارفه هو عمل معايا كده ليه؟! أنا عمرى ما زعلته، إستحملت عجرفته وعصبيته، إستحملت إنه يبص لي من فوق وكأنه بيمّن عليّا، إستحملت طريقته وكلامه اللي يوجع، وقولت هو أكيد بيحبني وده كفايه.
ضمت "مديحة" كفي إبنتها بمحبة، فهذا ليس وقت عتاب أو لوم، لن تظهر صحة ظنونها به، فقد تظن "فرح" أنها تتشمت بها وليست تؤازرها:
- لا يا بنتي، إنتِ فهمتي غلط، اللي يحب حد ميتعاملش معاه من فوق، دة بيبقى يتمنى له الرضا يرضى، بيبقى شايله على دماغه، مبيشوفش حد في الدنيا أحسن منه، عارفه، أنا مبسوطه.
بقلم رشا روميه
نظرت "فرح" نحو والدتها تستنكر هذا الإحساس وسط أوجاعها:
- مبسوطه!!!
- أيوه مبسوطه، عارفه ليه؟! لأن واحد زي ده ميستاهلش قلبك الطيب، وكويس إنه ظهر على حقيقته دلوقتِ.
كيف تتحول المحبة من النقيض للنقيض، هو من كانت تتمنى ألا يغيب عنها، أن يجمعهما القدر ببيت صغير يملؤه التفاهم والتناغم، أن تستيقظ على وجوده وصوته، هو الذي تكره الآن سماع إسمه أو أي شئ يخصه، كما لو أن محبته نزعت بالكامل من قلبها، لتردف بغضب مكتوم:
- أنا بكرهه، مش عايزه أسمع إسمه ولا أعرف عنه حاجه تاني أبدًا.
ليست كل الضربات عقاب، بل هناك صفعات تفيقنا من غفلتنا، وها هي تتلقى صفعة جديدة تنبهها عن ورطة كانت ستنغمس بها، لكنها ستتعافى وتقوى، لتقابلها والدتها بصوت العقل والحكمة:
- يبقى تفوقي بقى لنفسك وتسيبك من المناحه اللي إنتِ عملاها دي، لو كان يستاهل كنا قولنا معلش، لكن إوعي تبكي على الناس البياعه.
بإيمائة إيجاب أخذت "فرح" تحرك رأسها:
- عندك حق، عندك حق.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي..
بعض الديون لا يمكن سدادها، خاصة تلك التي تتطلب الغفران، تمامًا كالخطأ الطبي فلا ترد لك عافيتك المهدورة كلمة إعتذار، فأحمل حمولك ولا داعي لتركها فوق أكتاف الآخرين فقد لا يقوى سواك على حمل أوزارك.
رشا روميه
سحبت "ليلى" ساقيها بآلية أثناء مغادرتها للمستشفى متذكرة حديث والدها وما أخبرها به، وهذا الحمل الثقيل الذي أُلقي على كاهلها وعليها دفع دين لم تدان به، لكن يتوجب عليها السداد.
دون وعي كامل وصلت "ليلى" للبيت وهي شاردة الذهن تفكر كيف ستعيد الحقوق لأصحابها، فتحت باب الشقة لتغلقه من خلفها وهي تتجه مباشرة نحو غرفة والدها.
بقلم رشا روميه
ظنت لوهلة أنه ربما يكون والدها لم يخبرها بكل الحقيقة وقد بالغ بأمر سطوه على مال أخيه، لحظات بين التردد بالتصديق وبين ما سمعته بأذنيها، حتى إتجهت نحو خزانة الملابس الخاصة بـ"عزت"، ثم أخرجت مفتاح من جيب كنزتها قد أعطاه إليها والدها متذكرة كلماته بالمستشفى:
"خدي المفتاح ده وإفتحي بيه الدولاب، حتلاقي علبه خشب كبيرة عليها قفل، إفتحيها بالمفتاح الصغير وإنتِ حتعرفي كل حاجه."
مدت أصابعها المرتعشة بتردد كما لو أن شيئًا مفزعًا سيخرج من داخلها، فتحت الخزانة ببطء ثم الصندوق الخشبي، لتجد بداخله مُغلف كبير، سحبته برفق قبل أن تجلس بطرف الفراش وهي لا تثني مقلتيها عنه.
فتحت المُغلف بعد مرور بعض الوقت الذي تتأمله به، لتجد صورة تجمع والدها وعمها بصغرهما، كم كانا يشبهان بعضهما البعض كثيرًا.
بقلم رشا روميه
لم تكن مجرد تذكارات وصور عائلية بل كان المغلف ممتلئ بأوراق مختلفة، بعضهم لكشف حساب تفصيلي لأحد البنوك يثبت وجود مبلغ كبير من المال، أخذت تتفحص كشف بعد الآخر لتجدهم جميعًا بنفس القيمة لم ينقصهم قرش واحد، لتتيقن أن والدها بالفعل لم يخص نفسه وهي معه بأي من تلك النقود، تمامًا كما أخبرها.
وضعت الورق عند يدها لتُحدث نفسها باندهاش:
- الفلوس زي ما هي، زي ما بابا قالي بالضبط، مأخدش منها حاجه، بس على الأقل دي حاجه مريحه شويه.
أفرغت بقية محتوى المُغلف لتبحث عن خيط واحد يدلها على عمها وعنوانه لإعادة الأمانة لأصحابها وتخلص والدها من الذنب، لم تجد سوى قصاصة ورق دون عليها عنوان عمها القديم لتهمس بحيِرة:
- معنديش حل إلا إني أروح العنوان القديم وأدور على عمي "عادل"، يمكن وقتها ألاقي طرف خيط من هنا أو من هنا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
إن كنت في حياة أخرى وكان بإمكاني الإختيار، لاخترت أن أكون زهرة نادرة كلما نظرت إلي المحبطون لتفائلوا، لكنني مازالت أحيا بهذه الحياة، كُتب علي بها الصبر، لكني تمنيت أن تختبر الحياة صبري بشئ آخر إلا قلبي.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي (شقة أنور وزهرة)....
منذ أن عادت "زهرة" من المستشفى وهي تُمنى نفسها بقوة بحلمها الصغير، حلم سيعوضها بأمل جديد بالحياة من خلال طفل صغير، نعم حل المساء وما بقي للصباح إلا ساعات يمكنها بها الصبر لمعرفة نتيجة هذا التحليل.
بنظرة غريبة لهيئتها بالمرآة تعلقت عينيها ببطنها وهي تشدد من جلبابها محدثة نفسها:
- يا رب، كلها كام ساعه وأروح لـ "ليلى" المستشفى وأعرف إن كنت حامل ولا لأ، يا رب، يا رب، لو ليا نصيب فرحني بيه يا رب.
إنتبهت بفزع لصوت إغلاق الباب الذي صفق بقوة للتو، عادت ببصرها تجاه المرآة تناظر وجهها الذي بُهت تمامًا وسحبت منه الدماء، لحظة شعرت بقلبها هوى بمعدتها بقوة وإختناق تشبث بعنقها.
بقلم رشا روميه
رغم عنها همست بفزع:
- هو "أنور" رجع بدري؟!!! رجع بدري ليه؟ ده عمره ما عملها، ربنا يستر.
تركت جلبابها الذي كانت تشده حول بطنها لتنفض يديها كما لو أنها كانت تفعل جرم ما، نظرت بأعين متسعه تجاه باب الغرفة قبل أن تحرك ساقيها نحو الخارج لتقابل زوجها الذي عاد للمنزل.
تقدمت نحو "أنور" الشارد وهو مازال يقف قبالة الباب، إبتلعت ريقها الجاف بتخوف وهي تجبر نفسها على الإبتسام تحاول الترحيب بقدومه:
- حمد الله على السلامه.
لو كانت لنظراته صوت لكان أشبه بزمجرة ذئب غاضب، فقبل أن تنطق شفتيه شعرت "زهرة" بأن غضبه يتوهج تجاهها، لحظة من الترقب دبت القلب بقلبها، فيما زجرها "أنور" قائلًا بإشمئزاز منها:
- عايزه إيه؟
رفعت كتفيها قليلًا ثم أهدلتهما لتجيبه بهدوء مرتبك:
- أبدًا، بقولك بس، حمد الله على السلامه.
تقدم خطوة مهتزة ثم توقف يطالعها بنفس النظرة، بينما ظهر غضبه بكلماته الحادة:
- إنتِ فاكره إيه؟ حتعلميني الأدب مثلًا..!!
بقلم رشا روميه
حركت "زهرة" رأسها بدون فهم، فكلماته يبدو أنه يقصد بها أمر ما، لكنها لا تدرك ما يعنيه، تخوفت من أن تكون قد أغضبته بفعل دون أن تدركه، أو ربما هو لا يميز الأمور وسيصب غضبه عليها كما حدث من قبل.
حاولت التحلي بالهدوء حتى لا تستثير إنفعاله لتتسائل برفق:
- يعني إيه؟ مش فاهمه، هو حصل حاجه؟
مال "أنور" برقبته نحوها قليلًا قبل أن يهتف بها بحدة:
- إنت حتستعبطي عليا..؟!!!!
أحست "زهرة" بأن طريقته أَحَد عن المعتاد، وحين صرخ بها إنتفض قلبها بفزع بأنه غير مأمون الغضب، وسيؤذيها بالتأكيد، إحساس جعل نبرة صوتها تهتز بإرتجاف وهي تجيبه بثبات فقير كاد أن يتلاشى:
- والله أنا مش فاهمه حاجه بجد.
وما خشيته أصبح بعداد الحقيقة، حين تقدم نحوها بخطوات مترنحة وعيون تضئ بلهيب غاضب، حدة وإنفعال لا يمكن تحديد قوتهم وتحكمه بهم حين صارخ به بصوت هادر قوي:
- وأنا بقى إللي حيفهمك، مش أنا اللي يتلوي دراعه، فاهمه يا بلوه.
رجعت "زهرة" خطوة للخلف قائلة بتخوف:
- الله يسامحك، الله يسامحك.
كز "أنور" على أسنانه لتنفلت منه قدرته على ضبط النفس كافة وقد عميت عيناه ليهتف بصراخ:
- والله لأعلمك الأدب.
ركض تجاه المطبخ بتخبط هائج ليعود حاملًا قطعة حديدية غريبة يسرع بها تجاه "زهرة" رافعًا ذراعه للأعلى إستعدادًا لضربها بها.
حتى تلك اللحظة كانت "زهرة" تحاول أن تكون هادئة لا تحفز غضبه بأي صورة، لكنها حين وقعت عيناها على تلك القطعة الحديدية الغليظة أيقنت أنه بالتأكيد سيقتلها، ولن تستسلم، ستحارب لأجل نفسها وحياتها، لكن سلاحها الوحيد بتلك اللحظة هي الصراخ تستنجد بأهل هذا البيت.
أعلت من صوتها بأقصى قدرة تستطيعها:
- اااه، إبعد عني، أنا عملت لك إيه؟ إلحقونـــــــــي.
رفع حاجبه بقوة وهو يعقص أنفه بذات الزمجرة الشرسة أثناء هجومه عليها يضربها بالقطعة الحديدة ذات الصوت المخيف التي تلوح بالهواء قبل أن تسقط عليها قائلًا:
- ما أنا كنت عايش ملك، حتيجى تقرفيني إنتِ في عيشتي ليــــــه..!!!
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
سكون وهدوء وتلقائية، تلك هي أجواء هذا البيت المعتادة، لكنها اليوم تبدلت تمامًا، هرج وتخبط وتوجس ملأ أعين تلك السيدة التي أخذت تلتف حول نفسها بغرفة المعيشة وهي ترفع عينيها للأعلى تحبس أنفاسها بتخوف.
بقلم رشا روميه
بخطوات ثقيلة لكنها متعجلة شارك "زاهر" زوجته غرفة المعيشة وهو يسألها بتعجب:
- إيه الصوت ده يا "فردوس"؟! مين إللي بيصوَّت كدة؟
تطلعت نحوه "فردوس" بوجه تعيس منكسر تضرب فمها بأطراف أصابعها بفزع:
- يا لهوي يا "أبو محمود"، "أنور" باين عليه إتجنن خلاص، مش عارفه بيعمل إيه في "زهرة"!!!!
هنا أدرك "زاهر" أن ما قد سمعه من صراخ هو قد أتى من شقة ولده الأصغر "أنور"، هذا الأرعن الذي لا يعي لتصرفاته، إقتضب وجه "زاهر" يسأل زوجته بإستفسار:
- هو إيه اللي حصل؟ هو "أنور" رجع؟
أومأت "فردوس" بأعين تتوسل لمساعدة تلك المسكينة وإنقاذها من أيدي ولدها الغاشمة، إمتلئت مقلتيها بدموع نادمة قائلة:
- أيوه رِجع، بالله عليك إلحق البت أحسن يموتها في إيده، أنا اللي غلطانه، أنا اللي غلطانه.
بقلة صبر هتف بها زوجها لتوضح له ما حدث بعجالة:
- إخلَصِي يا "فردوس" وقولي حصل إيه؟
- عَدىَ عليا وهو راجع، قولت له أنه لازم يلم نفسه ويفوق شويه، مراته كانت تعبانه وراحت تعمل تحليل حَمل، ومش معقول يجيب عيل يبقى أبوه بالشكل ده، إتعصب وراح طالع يفش غِله في البت الغلبانه.
ما كان يريد معرفته قد إتضح له ليسرع تجاه باب الشقة قائلًا بتحسر على حال ولده:
- طيب طيب، أنا طالع له، الله يهديك يا "أنور"، ليه بس كدة يا ابني!!!
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
سلام يتلاشي من داخل النفوس، ربما ذنوب أو كفارتها لا أحد يدري، لكن حينما يتفتقر المرء إلى السلام، ينشر الفوضي في حياة الآخرين، فحتى الصمت على البلاء له حد فلا تطغى بكراهيتك وأنت تأمن العواقب، فلكل حليم ثورة.
رشا روميه
شقة محمود مكاوي...
لم تكن ساعات الليل قد أسدلت أغوارها بعد، فالجميع مازال متيقظ، تلك الصرخات التي قطعت سلام هذا البيت لم تنبه "زاهر" و"فردوس" فحسب، بل إنتفض إثرها "محمود" و"جميلة" أيضًا.
وقف "محمود" بإستغراب لصوت الإستغاثة الأنثوي:
- إيه الصويت ده، جاي منين؟
بملامح جادة أطرقت "جميلة" أذنيها قليلًا قبل أن تجيبه:
- دي باينها "زهرة".
بقلم رشا روميه
لن ينتظر "محمود" توضيح أكثر من ذلك، فيبدو أن هناك ما يستدعي تَدَخُله لإنقاذ طالبة العون، أسرع راكضًا الدرج فما يفرق بين شقته وشقته أخيه سوي طابق واحد، صعوده بهذه السرعة أيقنه أنه بالفعل صوت "زهرة" يظهر بوضوح.
لم يكن صوت "زهرة" فقط بل كان هناك أصوات صراع وصراخ مستمرة داخل شقة "أنور"، أخذ "محمود" يطرق الباب بقوة مناديًا أخيه لعله ينبهه لسوء أفعاله:
- إفتح الباب يا "أنور"، ميصحش كده، لو مفتحتش الباب أنا حكسره!!!
لم يكن مجرد تهديد فـ"محمود" سيفعلها إن لم يسمح له أخيه بذلك، إنتظار للحظات كان أشبه بساعات وهو يستمع لصراخ تلك الضعيفة بالداخل، وطلبها للإستغاثة تهتز لها جدران البيت بأكمله، بجسارة وقوة لم يعد يتحمل الصبر لأكثر من ذلك فقد طالب أخيه السماح له بالدخول لكن لا حياة لمن تنادي.
إتخذ "محمود" وضعية جانبية لكسر الباب بكتفه ليتراجع لخطوة للوراء قبل أن يقدم بكل قوة يمتلكها لتحطيم هذا العازل بينه وبينهم، مُجبر على ذلك فأخيه غير واعٍ بتصرفاته.
قوة إندفاعه للداخل جعلته يتقدم بضع خطوات قبل أن يجول بعينيه بحثًا عن أخيه لإيقافه، لم يمهله كثيرًا حين وقعت عيناه عليه بالفعل.
إتسعت عيناه بتشدق وذهول مما رآه أمامه من مشهد يحبس الأنفاس وتهرب له الدماء من العروق، فقد كان "أنور" يمسك بعمود حديدي بكلتا قبضتيه يلوح به بقوة يمينًا ويسارًا كلاعب كرة تنس دون الحذر بأي شكل من الأشكال يريد الوصول لـ"زهرة" لضربها بها، بينما كانت تلك المسكينة تركض هنا وهناك تراوغه بأقصى ما يمكنها من حركة وإنتباه حتى لا يصيبها ببطشه.
كادت أن تعلن إستسلامها وإرهاقها أمام هذا الثور الهائج أمامها، فـ قوتها لا تسمح لها بهذه الحركات المُجهِدة كمحاولة للهرب منه، حتى أن عينيها أخذت تجفل بقوة وهي تسحب أنفاسها بصوت متحشرج واضح، بتلك اللحظة وجدت "محمود" يسحبها بسرعة من مرفقها يدفعها خلف ظهره يحميها من أخيه الذي تصدي له مدافعًا عن "زهرة".
أمسك "محمود" يد "أنور" بقوة قبل أن ينهال بقطعة الحديد فوقهم صارخًا به:
- بس يا "أنور"، إوعى تمد إيدك عليها، فوق لنفسك، فـــــــــوق.
بلسان ثقيل ومخارج حروف غير واضحة أخذ "أنور" ينهر "محمود" لتدخلهم بحياته وإرادته:
- فوق، فوق، فوق!!!!! كفاية بقى، سيبوني في حالي.
قالها "أنور" وهو يدفع بأخيه من صدره يزجه نحو الخلف، إحتدت نظرات "محمود" له قائلًا بتحذير:
- "أنـــــور"!!!! إنت إتجننت ولا إيه؟
بقلم رشا روميه
إرتجفت "زهرة" من خلف ظهر "محمود" لتشاهق بالبكاء، تتوسل إليه ألا يتركها فهي لم تفعل له شيئًا يستحق غضبه:
- بالله عليك حوشه عني، أنا والله ما عملت له حاجه.
عقد "محمود" جبهته بقوة ليحذر "أنور" للمرة الثانية من التمادي بأفعاله:
- والله يا "أنور" لو مديت إيدك عليها تاني، لأنا اللي حتصدر لك، فاهم؟
دفع "أنور" بأنفه بإحتقار لتلك المختبئة خلف ظهر أخيه تظن أنه سيعصمها منه ثم هتف بإستنكار:
- تقف قصادي عشان واحده زي دي؟!
لم يتقبل "محمود" تلك الطريقة الوضيعة التي يعامل بها "أنور" زوجته، ليمتد كفه القوي يضغط بأصابعه بزند "أنور" حتى شعر الأخير بأن أصابعه قد غُرست بداخل زنده ليتأوه بألم، فيما كز "محمود" على أسنانه بحدة:
- مالها دي!!! مش عجباك؟! دي أحسن منك مليون مره.
أخذ "أنور" يكور ملامحه الغاضبة باحثًا عن كلمات تعبر عن غضبه من تصدي "محمود" له، ليهتف به بحنق:
- إشبع بيها يا أخويا، والله لا سايب لكم البيت.
بتلك اللحظة علىَ صوت آخر، صوت يهابهُ الجميع رغم حِلمه وطيبته، إلا أنه وقت الشدة يتحلى بالقوة لردع من يميل عن الإستقامة والحق، هو من يملك زمام تلك العائلة وإن حاول حل أزماتها برفق ولين من قبل، صرخ "زاهر" بولده المنفلت غاضبًا:
- "أنــــــــــــــــور"!!!!!
إنتفض "أنور" بتخوف من غضب والده، فقد شعر للتو بعظيم فِعله، هذا الشعور المثيل بكونه طفل يقف بحضرة والده ليعاقبه على أخطائه، إضطرب "أنور" لوهلة وهو ينكس رأسه ينظر للأرض في إرتباك واضح، شعور لم يتحمله كثيرًا ليتهرب بعدها متجهًا نحو غرفته بخطوات راكضة موصدًا الباب من خلفه ظنًا من عقله المحدود أنه أصبح داخل ملاذه الآمن، فهو لن ينتظر توبيخ ولوم من أبيه.
بقلم رشا روميه
تلك الفوضي التي زعزعت نفوسهم جعلت الجميع يصمت للحظات بعد إبتعاد "أنور"، بينما حاول "محمود" أن يُهدئ من غضبه بزفير قوي قبل أن يلتف تجاه "زهرة" المختبئة خلف ظهره يرتعد جسدها بهلع خشية من أخيه، لملم شفتيه محدثًا إياها بنبرته الرخيمة الهادئة:
- إهدي يا "زهرة"، خلاص حصل خير.
كم يشعر هذا الكهل بالخزي والحنق من تصرفات ولده الراعنة، تقدم "زاهر" بحرج شديد تجاه تلك المرتجفة خوفًا قائلًا بنبرة يملؤها الندم:
- حقك علينا يا بنتي، و اللي إنتِ عايزاه حنعملهولك والله، لو عايزه تروحي لأهلك إحنا محقوقين لك..و..
أيعتذر منها؟! هل يشعر بهذا الخزي والضيق لأجلها؟! إنه لشعور لم تعتاده من قبل، حنان لم تغترف منه وإهتمام لم تراه بوالدها الحقيقي، لهذا إنتفضت "زهرة" مقاطعة "زاهر"، فما رأته بهذا البيت من إحتواء ومحبة لم تراه بسنوات حياتها من قبل، هتفت "زهرة" مقاطعة إياه برفض مطلق:
- لا يا بابا"زاهر"، إنتوا أهلي، وأنا عمري ما أسيبكم أبدًا، وإن كان على "أنور"، أنا عندي إستعداد أستحمله العمر كله عشانكم.
تغاضت عن سلامتها وتحملها لهذا المدمن لأجل بضع لحظات من المحبة الخالصة بقلوب هؤلاء، عائلة جديدة تشتريها مقابل أب وزوجته لا يريدونها ولا يهتمون لها، لم تشعر بينهم بمحبة كما شعرت بها بقلوب "زاهر" و"فردوس"، فربما تفوهت بصدق بكلماتها البسيطة التي تقصدها تمامًا وتنبع من أعماق قلبها بالفعل.
هي رأتها مجرد كلمات بسيطة لتزيل هذا الحرج والندم من هذا الرجل الحنون الذي لا يستحق هذا الشعور، لكنها لم تدرك أن تلك الكلمات إقتحمت عدة أبواب بلحظة واحدة.
فحين رفع "زاهر" بصره تجاه "زهرة" شعر بأنهم قد أحسنوا إختيار بنت الأصول، فتاة تنضم كإبنة لهم وليست غريبة تطئ بقدمها داخل بيتهم، تحمُّلها لما حدث اليوم من تهور لتصرفات "أنور" الخارجة عن السيطرة، وإختيارها للبقاء دون إبلاغ أهلها بما حدث لهو جميل عُلق برقابهم تجاهها، فصنيعها هذا عظيم الشأن، فما فعله "أنور" لأمر مشين مخزي إن علم به الناس.
رد فعل مقبول ومفهوم من "زاهر" بالتأكيد، لكن هناك رد فعل آخر لم يكن بالحسبان، رد فعل مختلف أثرى مقارنة بداخل هذا المندهش أمامهم.
للحظة إهتزت كل المفاهيم بداخل "محمود" حينما رأى صبر وتحمُّل "زهرة"، تعجب بغرابة لتقبلها وجودها معهم بعد ما فعله "أنور"، إندهش كيف وضعت "أنور" المدمن المسئ لها بكل شئ بهذه المكانة التي لا يستحقها وأقرت بالصبر معه طوال عمرها، نظر نحوها بتمعن وكأنه يراها لأول مرة، إنقشعت تمامًا الضبابية عن إدراكه ليرى كم هي طيبة القلب رقيقة المعشر، لها حُسن ونعومة وأعين حزينة منكسرة، إنها مختلفة.
رغمًا عنه ودون إدراك منه وجد نفسه يقارن لا إراديًا بين "زهرة" و"جميلة"، وبغير مجهود يذكر ودون إطالة للوقت فازت "زهرة" بهذه المقارنة، مقارنة جعلته يهتز برجفة رافضًا ذلك تمامًا، إنها مقارنة مُحرمة.
زاغت عيناه قليلًا ليجبر نفسه على الهروب بلا تباطئ، أسرع "محمود" مغادرًا شقة "أنور" بخطوات متعجلة ليتقابل مع "جميلة" ووالدته اللاتي قد أتين للتو.
وقفت "جميلة" بهدوء مستفز تسأله ببرود:
- هو إيه اللي حصل؟
طريقتها اللا مبالية الباردة جعلته يستمر بمقارنته التي يرفضها، سؤالها جعله يجيبها بإضطراب:
- محصلش حاجه، عدت على خير، إنزلي إنتِ يا ماما متتعبيش نفسك، كفايه وجع رجليكي.
بنظرات مشفقة قلقة من "فردوس" لداخل الشقة أولًا أجابته بضيق:
- مش لما أطمن على "زهرة" الأول.
تعلقت نظرات "محمود" المندهشة بوالدته التي لم تفكر لوهلة بأن تطمئن على "أنور"، فقد كان كل تفكيرها الشاغل الإطمئنان على "زهرة" فقط.
كانت لنظراته حديث عميق لم يُفهم مطلقًا، لكن كان رد "جميلة" المستنكر مباغت لكلاهما:
- "زهرة"!!! مش تشوفي إبنك الأول يا مرات عمي، وبعد كده تبقي تطمني على الغريبه؟!
ترددت عينا "محمود" بين والدته وزوجته بشغف لمعرفة إجابة سؤال "جميلة" كما لو أنه متحفز بشكل غير عادي لسماع إجابتها حين قالت:
- إبني وعارفه عمايله، وهي خلاص مش غريبه، دي زي بنتي، وزيها زيك، ولا عايزاني أعتبرك إنتِ كمان غريبه ؟!
إستنكار ينبع من لين قلب ومحبة نطقت بهم "فردوس" لكن ما لاقته من "جميلة" كان أمر آخر، فقد عقدت ملامحها بقوة وهي تهتف بنبرة يملؤها الغضب والإنفعال:
- يعنى أنا اللي بقالي سنين معاكم، وأصلًا عمي"زاهر" يبقي عمي أخو أبويا لزم، وجايه بتساويني بإللي بقالها هنا شهرين؟!!
نهرها"محمود" بحدة لحديثها المنفعل على والدته دون داعي:
- "جميلة"، لمي نفسك ووطي صوتك.
قضمت "جميلة" شفتيها بتوتر وهي تهز جسدها بغضب مكتوم فقد تلجمت تمامًا عن الحديث.
تحمل ضعيف وأعصاب منلفتة جعلت "فردوس" تشعر بالضيق من هذا الحديث لتهتف بولدها بنفاذ صبر":
- خد مراتك و انزل يا "محمود"، أنا مش حمل وجع القلب ده.
إنصاع لها "محمود" على الفور لكن "جميلة" لم تنتظره بل هبطت للدور السابق دون أن تتفوه بكلمة، فهي غاضبة من مقارنتها بتلك الفتاة، فهي أرقى وأقرب وتستحق معاملة مختلفة كما ترى.
وجدها"محمود" فرصة جيدة ليبتعد عن هذا الإرتباك الذي حل به بصمت كما إعتاد، فهو قادر على إخفاء كل تلك الصراعات بداخل نفسه.
دلفت "فردوس" لتطمئن على "زهرة" وتحتوي خوفها مما حدث، لتصر "فردوس" على مبيت "زهرة" هذه الليلة بشقتهم بالدور الأول حتى تستطيع الراحة بقلب مطمئن، طلب لم ترفضه "زهرة" بل كانت تتمنى ذلك حقًا، لتنصاع لطلب أم زوجها وترافقهم للمبيت بغرفة "أنور" القديمة، ويهدأ الجميع بعد ليلة عاصفة.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
طرق مشتتة وحيوات مختلفة، بعضنا يتقابل وبعضنا يسعى كل بطريقه، تمر الساعات بالكاد على أحدهم، بينما يستمتع آخر براحة وسكينة، البعض يعيش صراعات، وآخرون ينتبهون فجأة بأن الوقت قد مر.
تلك هي الحياة، فيها من يعيش برخاء وفيها من يسعى بمشقة، والجميع تحت رحمة الله يعيش، فربما تظن أن لا أحد سواك يقاسي، فلا يخدعك ما تراه بحياة الآخرون فهناك جوانب خفية لا ترى بوضوح للجميع.
رشا روميه
المستشفى الأهلية..
إنه أول يوم عمل لهذا الطبيب الماهر بهذه المستشفى إلى جانب عمله بمستشفى الهلال المركزي، بنشاط معتاد إتجه "سامح" نحو المستشفى الأهلية لبدء عمل جديد هناك.
إستقبله مدير المستشفى بحفاوة شديدة، فهو يستحق ذلك لما يُعرف عنه من سُمعة طيبة وتميز بمجال طب العيون.
بإبتسامة عملية قابل مدير المستشفى "سامح" بترحاب:
- إحنا سعداء جدًا يا دكتور "سامح" بوجودك معانا في المستشفى، وأتمنى إن إنت كمان تكون سعيد بده.
- الشرف ليا طبعًا يا دكتور.
رغم أن عمله بكلا المستشفيتين سيكون أمرًا مرهقًا للغاية، لكنه أحب إنتدابه هنا بالتأكيد ليساعد قدر كبير من المرضى الذين يحتاجون مساعدته، أشار مدير المستشفى تجاه ممر طويل قائلًا:
- إتفضل معايا عشان تشوف قسم العيون وعيادتك هنا.
- أيوه أكيد طبعًا.
قام "سامح" بمرافقة مدير المستشفى بجولة تفقدية بالمستشفى لحين وصوله إلى مكتبه بعيادة طب العيون ليبدأ عمله كأول يوم مميز له هنا.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بين حماس لبدأ العمل وبين محاولة من الإنغماس به بدون تركيز، كانت تلك المقارنة بين الطبيبين، فـ"سامح" كان يملؤه التفاؤل والحماس، بينما كان "نور" يتهرب من هذا اللقاء الحتمي بنهاية اليوم مع "نسرين" كما إتفق معها.
مجرد تفكيره بهذا اللقاء كان يسبب له الضيق ليبحث عما يشغله بشكل يطغى على أفكاره حتى يخرج من تلك الحالة الغريبة التي أصابته منذ الصباح.
يتمنى من داخله أن تتباطئ الساعات فيتأخر اللقاء.
❈-❈-❈ــ
حماس وضيق وأيضًا ضبط نفس، كل تلك المشاعر المختلفة بذات الساعة، لكن لكل منهم طريق ووسيلة مختلفة لإشغال يومه وحياته عن التفكير، فحتى "فرح" أسرعت بتلك الساعات الصباحية بالذهاب لجامعة السويس لتقديم طلب لدراسة تكميلية حتى إيجاد عمل مناسب، فاليوم ستبدأ أولى خطواتها في الإرتقاء بنفسها بما يجعلها صعبة المنال.
بعد تقديم أوراقها خرجت بزهو من باب الجامعة تبث بنفسها روح متحمسة لتتناسى أمر هذا الحقير:
- ويبقى يوريني مين أحسن مني، أوعدك يا أنا إني مش حتنازل تاني وأكون ضعيفة قصاد أي وهم إسمه حب، لازم يكون ليا شخصيتي المستقلة، لازم أكون قوية، أنا مش محتاجة راجل في حياتي، أنا لوحدي كفاية لنفسي، وأكيد ماما.
بعض الأزمات تأتي من الصدمات، وتجاوزها أمر مرهق للنفس وليس بالسهولة التي تلقينها بها الصدمة، من قال ألا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، فمن الأساس لم يكن مقدر لها النحر.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ينجو الإنسان عندما يتحلى بالود والرأفة، بالرحمة والعطف والحنان، باللطف والرفق، ينجو الإنسان عندما يكون إنسان.
بيت عائلة مكاوي...
تجمع الجميع بهذا الصباح يتجاذبون الحديث الخافت حتى لا يوقظون تلك النائمة بعد ثورة "أنور" عليها بالأمس، فلولا رفقها ومحبتها للجميع ما كان إنتفض لها كل أصحاب البيت ليقفوا بصفها ويحمونها من بطش ولدهم.
وقفت "جميلة" بالمطبخ تجهز طعام الإفطار، بينما أردف"زاهر" بحنق من تصرفات "أنور" الغير مسؤولة:
- أنا تعبت من الواد ده!!! مش عارف هو طالع لمين كدة!! دة أكيد عقاب من ربنا.
طلت "فردوس" برأسها تجاه غرفة "أنور" المغلقة لتعود مرة أخرى تشاركهم الحديث قائلة بنبرتها المنخفضة وصوتها ذو البحة الحنونة:
- والله ما صعبان عليا غير البت الغلبانه اللي إتاخدت معاه في الرجلين دي.
حرك "زاهر" رأسه بخزي فهي لا تستحق هذا الوضع مطلقًا:
- بنت أصيله بجد يا أم "محمود"، ده أنا مكنتش أتخيل اللي عملته، وكنت فاكرها حتفضح الدنيا باللي حصل.
- عندك حق، ربنا يهديك يا "أنور" يا إبني.
بقلم رشا روميه
إلتزم "محمود" الصمت التام وهو يستمع لحديثهم، حتى نظراته كان يخص بها إبنته الجالسة فوق ساقيه، لكن عبارة والدته الأخيرة جعلته يناظرها بإنتباه مفاجئ وقد إتسعت عيناه بصدمة حين قالت:
- أنا مش عارفه حيبقى أب ازاي ده؟!
بينما عقب زوجها بتأكيد لذلك:
- عندك حق، ده إنسان عديم المسؤوليه.
ماذا حدث له ليضطرب لهذا الخبر!! وقع تلك الكلمات جعلته يشعر بغصة وغضب بذات الوقت، أمر جعله يتسائل ببطء وتوجس:
- هي ااا، "زهرة" حامل؟؟
أخفضت "فردوس" من صوتها حتى لا تنتبه "زهرة" إذا إستيقظت:
- لا لا، إحنا شاكين بس، هي راحت إمبارح تعمل التحليل ونتيجته النهارده.
أومأ رأسه بتشتت عدة مرات، شعور قاسي على قلبه حين يضطرب لمثل هذا الخبر، أليس من المفترض أن يسعد لأخيه؟!
إحساس بالإختناق لا يدري مبرره بعد، قطعه وصول "جميلة" بصوتها القوي:
- أنا حضرت الفطار أهو، تعالوا عشان تأكلوا.
نهض الجميع من جلستهم بينما قالت "فردوس":
- ما تصحي "زهرة" يا "جميلة" تفطر معانا ينوبك فيها ثواب، دي مأكلتش من إمبارح.
ضربت "جميلة" كفًا بكف وهي تهتف بإستنكار شديد ونبرة حادة عالية:
- أنا مش عارفه والله أنتوا المفروض تهتموا بمين أولى، بـ"أنور" إبنكم، ولا بـ"زهرة"؟!
دفعت "فردوس" الهواء من شفتيها بإستياء:
- وبعدين معاكِ يا "جميلة" بقى.
لوت "جميلة" شفتيها بقوة قائلة:
- خلاص، خلاص، رايحه أصحيها أهو.
بقلم رشا روميه
قبل أن تتحرك "جميلة"، سُمع صوت باب الغرفة الموصود يفتح وتخرج منه تلك الرقيقة بوجهها البشوش ووجهها المشرق تلقي تحية الصباح:
- صباح الخير.
كنغمة موسيقية مبهجة رسمت الإبتسامة فوق ثغورهم جميعًا، وهمهمة مرددة التحية إليها.
لحظة تدارك بها "محمود" نفسه وهو يسلط مقلتيه تجاهها وقد إنفرجت شفتاه بتلك الإبتسامة، كما لو أن لصوتها ووجودها سحر قلب كيانه منذ الأمس، أسقط وجهه نحو الأسفل يهرب من نفسه التي إنزلقت بهاوية خاطئة كأنه إفتعل جرم لا يغتفر.
كل الإبتسامات لها معنى إلا تلك الإبتسامة المزيفة التي إحتلت شفتي "جميلة" وهي تدعو "زهرة" بكل ود لمشاركتهم:
- كويس أوي إنك صحيتِ ... تعالي إفطري بقى، يلا حماتك بتحبك.
إعتذرت منها "زهرة" بلطف، فإنتظارها المتلهف لمعرفة نتيجة التحليل لم يمهلها الإنتظار، لتجيب بهدوء:
- معلش يا "جميلة" مش حقدر أنا، بألف هنا ليكوا، أنا حطلع أغير هدومي وأروح المستشفى زى ما قلتلك يا ماما "فردوس".
أجابتها "فردوس" بتمني:
- بإذن الله ترجعي مجبورة يا بنتي.
دعاء سقط بأذني "محمود" كما لو كان كارثة ستقع به، إنتفض على الفور يقف في عجالة:
- أنا نسيت إني لازم أقابل صاحب شركة التوريد النهارده، معلش أعذروني لازم أنزل على طول.
دفعت "جميلة" بحاجبيها للأعلى بتعجب:
- طيب إفطر الأول!!!
- لا معلش، حأكل أي حاجه في الوكاله عشان متأخرش، سلام.
للمرة الثانية يتركهم هاربًا، يهرب من أفكاره الغريبة التي بدأت تسيطر على رأسه، يهرب من إحساس لا يمكن أن يتمادى به زار قلبه بغتة، لكن ذلك غير مقبول له مطلقًا، ليحدث نفسه بلوم شديد:
- ( هو فيه إيه؟!! مينفعش كده، إمسك نفسك أُمال يا "محمود"، دي مرات أخوك بلاش كده)
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
مستشفى الهلال المركزي...
فتحت حقيبتها لتتأكد لمرة أخيرة بأن الأوراق بحوزتها، دفعت "ليلى" الهواء من فمها دفعة واحدة فيكفيها حمل فوق آخر، وها هي حمولها تزداد بدين والدها.
أومأت رأسها كما لو كانت تتحدث لنفسها قائلة بداخلها:
-( بس أخلص مناوبتي وأروح العنوان إللي في الورقه وأسأل على عمي)
أغلقت حقيبتها وأعدلت من حجابها قبل أن تغلق الخزانة الخاصة بها، ثم إلتفت نحو غرفة التمريض قبل أن تبدأ يومها، فقد إطمئنت منذ قليل على والدها، والآن وقت العمل.
بطرقات خفيفة إنتبهت "ليلى" لوجود أحدهم لترفع وجهها تجاه من دلف للتو فباب الغرفة مفتوح.
لكنها قبل أن تعقب أسرعت الزائرة بسؤالها عن شرودها:
- صباح الخير يا "ليله"، إللي واخد عقلك؟!!
إنتبهت "ليلى" لصديقتها "زهرة" لترحب بها:
- "زوزو"، حبيبتي، تعالي إدخلي.
أقبلت "زهرة" ببسمة باهتة:
- سرحانه في إيه كده على الصبح؟
أجفلت "ليلى" عينيها قليلًا ثم أجابتها:
- بابا كل يوم يفاجئني بحاجه جديده وحِمل جديد، بس قوليلي الأول، مال وشك زعلان كده ليه؟
وإن أخفت على الجميع تخوفها وفزعها، فلن تخفي على رفيقة روحها، جلست "زهرة" أولًا ثم إستطردت بأريحيتها التي تشمل علاقتهما دون تزييف أو مجاملة، فكلتاهما مرآة للأخرى ومستودع أسرارها:
- إمبارح كان يوم صعب اوي، ده "أنور" كان خلاص حيموتني لولا ربنا ستر، حتى الأمل إللي كنت مستنياه النهارده، خلاص راح!!
اتسعت عيني "ليلى" بقلق متسائلة:
- يا خبر، عمل إيه تاني؟ وأمل إيه إللي بتحكي عليه؟
اجابتها "زهرة" ببعض الحزن:
- حيكون عمل إيه! واحد مش في وعيه دايمًا، بس الحمد لله أهله لحقوني، بجد الناس دي حنينين عليا اوي، بس شوفتي، تحليل الحمل نتيجته طلعت، لسه جايباها قبل ما آجي لك دلوقتِ.
شاركت "ليلى" بكل مشاعرها صديقتها المقربة، شفقة على حياتها مع زوجها وسعادة بأمر الطفل المنتظر، أحاسيس متناقضة لكنها تشاركها بها:
- زعلتيتي يا "زهرة"، خدي بالك من جوزك ده، بقى عنيف ويخوف، إيه بقى لقيتي إيه في التحليل، فرحيني؟
حركت "زهرة" رأسها بالنفي وهي تنكس عينيها بحزن لضياع أملها وحلمها بهذا الطفل، ثم أجابتها ببعض الضيق:
- للأسف، مفيش حمل (ثم أكملت ببعض الإنفعال لضياع هذا الحلم الجميل)، ده أنا عملت كل حاجه يا "ليلى"، مشيت على كل الوصفات عشان يبقى فيه حمل، ده أنا حتى أخدت الدوا طول الشهرين اللي فاتوا دول وبرضه مفيش حمل!!!
إمتعض وجه "ليلى" حين أتت "زهرة" على ذكر الدواء، لتتسائل بإستنكار:
- دوا .. دوا إيه؟! إنتِ بتاخدى دوا؟!!
مالت "زهرة" برأسها للأمام قليلًا بإستغراب من سؤال "ليلى"، فهي ممرضة وبالتأكيد تدرك أهمية هذه الأدوية المحفزة التي تساعد على الحمل:
- دوا، دوا يا "ليلى"، ما إنتِ فاهمه، عادي يعني، عشان أحمل بسرعه وكده، ده إنتِ بالذات المفروض متسأليش السؤال ده!!!
قوست "ليلى" شفتيها بعدم فهم لتعيد سؤالها:
- إسمه إيه طيب الدوا ده؟
أخذت "زهرة" تتذكر فهي ذات ذاكرة سمكية ضعيفة فيما يتعلق بأسماء الأدوية والمصطلحات الصعبة:
- مش عارفه، باين ااا، إستني كدة، يمكن أكون حطيت الشريط فى الشنطه أصله كان قرب يخلص وكنت عايزة أجيب زيه، ده دوا أجنبي مستورد حلو أوي.
بقلم رشا روميه
أخرجت "زهرة" محتويات حقيبتها وهي تلتقط شريط الدواء ملوحة به بوجه "ليلى" بسعادة لإيجادها إياه معها:
- أهو الحمد لله، لقيته.
فغرت "ليلى" فاها بإندهاش لتهتف بصدمة:
- يا خبر!!! إنتِ عارفه ده إيه؟!!
عادت "زهرة" بجذعها للخلف بتوجس مرددة:
- إيه؟
- دى حبوب منع الحمل يا "زهرة"!! مين اللي قالك تاخديها؟!
تهدلت ملامح "زهرة" بصدمة وإحتلت سوداوتيها نظرة غير مصدقة حزينة للغاية وهي تعيد كلمة "ليلى" بصوت خافت:
- منع الحمل!!!!!
مالت "ليلى" برفق وهي تضع كفها على كتف "زهرة" بقلق:
- مين إدهولك ده؟
رفعت "زهرة" عينيها الغير مصدقة تجاه "ليلى" تطالعها بنظرات يملؤها الحيرة وعدم التصديق ليتهدج صدرها بقوة وتعلو صوت أنفاسها، وقد توقفت الكلمات بحلقها بغصة غريبة، فبيديها منعت حلمها من التحقق.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة مكاوي...
بعد أن تركت "ليلى" وتخبطت بخطواتها الهائمة الحزينة لبعض الوقت، عادت "زهرة" لبيتها، لم تكن تحتاج لإيضاح فملامحها الباهتة ونظراتها الحزينة كانت تخبر من يراها دون سؤال.
إستقبال "فردوس" الحاني لها جعلها تدرك أنها وإن لم تحمل بطفل يؤنسها فيكفيها أن وجدت الحنان الذي إفتقدته بوجود أم كـ"فردوس"، تقدمت "زهرة" نحوها ثم جلست إلى جوارها في صمت.
تفحصت "فردوس" وجه "زهرة" المتجهم، ثم سألتها رغم انها تشككت بالجواب قبل أن تنطق به "زهرة":
- ها، طمنيني، إيه الأخبار؟!!
لملمت "زهرة" شفتيها بحزن:
- مفيش حاجه يا ماما، أنا مش حامل.
رغم تمنيها لذلك إلا أنها حاولت ألا تظهر ذلك أمام"زهرة"، لتهتف بتقبل الأمر بلطافة:
- مش مهم، عادي يا بنتي، العمر لسه قدامك، قومي قومي إغسلي وشك وإرتاحي من المشوار، "جميلة" عملت الأكل وخلصت كل حاجه قبل ما تطلع شقتها، مش عايزاكِ تزعلي ده نصيب، وإنتوا لسه في الأول.
دارت "زهرة" بعينيها بحيرة لا تدري هل تخبر "فردوس" بما قالته لها "ليلى" أم تصمت كما إعتادت.
نظرت بوجه تلك المرأة التي تمنت أن تكون أمها بالفعل، أن تشكو إليها حينما تحتاجها، أن تكون هي ملاذها واليد التي ترفق بها وتساعدها.
سحبت شهيقًا طويلًا قبل أن تعتدل بشكل جانبي حتى يصبح جسدها بمقابل "فردوس" مباشرة قائلة:
- فيه حاجه عايزه أقولك عليها يا ماما، بس محدش يعرف بيها أبدًا.
مالت "فردوس" بجذعها للأمام متسائلة:
- سر يعني؟!! قولى يا بنتي، سرك فى بير.
- بعد ما أخدت نتيجه التحليل وقعدت مع صاحبتي، وقولت لها اني كنت باخد دوا عشان الخِلفه وكده، وهي شافته معايا، لقيته اااا...
تشدقت عيني "فردوس" بفضول:
- لقيته إيه؟! إيه الدوا ده؟
أخفضت "زهرة" نبرتها للغاية ثم أجابتها:
-لقته حبوب منع الحمل!!
ضربت "فردوس" صدرها بكفها بقوة غير مصدقة لتهتف بصدمة:
- يالهوي، منع الحمل!!!! وبتاخديه ليه ده؟!!
نكست "زهرة" رأسها ثم أكملت:
- أنا أخدته عشان أحمل بسرعه، وأفرحكم وأجيب لكم الحفيد إللي نفسكم فيه، أنا والله ما أعرف إنه بتاع منع الحمل، اللي إداهوني قالي إنه حيخليني أحمل بسرعه، وأنا معرفش، أخدته.
- مين اللي إداهولك؟!!!
سؤال مباغت من "فردوس" لتجيبها "زهرة" بأعين مشتتة:
الفصل العاشر
جانب خفي»
حينما تدرك أن حديثك لن يغير شئ تلجأ لملاذ وحيد..الصمت، لكن الصمت لا يساعدنا على النسيان، فالنسيان أناني يختار فقط الأشياء التي يحبها، فإن سار بقافلة قَطعَت عليه الذكرى الطريق وجَعلَتك سجين لما تود نسيانه، إبتعدنا وهربنا من كل مواجهة حتى أنفسنا، ظننا أن القدر كفيل بالنسيان، لكنه لم يجبرنا على ذلك، وإن حاولنا إخفاء خطايانا فكيف نخفي جانبنا السيئ عن الله، إنه يعلم الجهر وما يخفى، فلكل منا جانب مظلم خفي يتمنى لو يقدر على نسيانه.
رشا روميه
❈-❈-❈ــ
هل للخيانة لون آخر غير الأسود؟! كقلوب الخائنين ونفوسهم، الخيانة ليست فقط تعامل في الخفاء بين محبين، بل هناك خيانة ثقة، خيانة التظاهر بالمحبة، وخيانة أمانة من صَدَّقك ووثق بك، وأسوأ ما فيها أنها لا تأتي من عدو.
رشا روميه
دارت عينا "فردوس" بذهول وهي تستمع لـ"زهرة" حين أخبرتها بأنها كانت تتناول حبوب لمنع الحمل، سؤالها المؤلم كان لإكتشاف من هذا الذي يخون ثقتهم ويؤذيهم حين سألتها بنبرة مهتزة:
- مين إللي قالِك تاخدي الحبوب دي؟
رفعت "زهرة" وجهها قبل أن تجيب بتلقائية ودون تفكير:
- "جميلة" يا ماما، هي إللي إدتهولي، قالتلي عشان أفرحكم بسرعه وأجيب لكم الحفيد إللي نفسكم فيه.
إتسعت عينا "فردوس" بصدمة لتستكمل إستفسارها:
- "جميلة"!! من إمتى ده، إدتهولك إمتى؟!!
تلعثمت "زهرة" قليلًا وهي تجيبها بتردد:
-يوم الفرح.
ضربت "فردوس" فخذيها بإنفعال وتحسر لما تكتشفه يومًا بعد يوم بزوجة إبنها:
- الله يسامحك يا "جميلة"، بلوى وإتبلى بيها "محمود"، أه والله وأبوه السبب في كده، بس حنقول إيه، القسمه والنصيب (ثم إلتفت نحو "زهرة" تطلب منها أن تسامحها على عدم إنتباهها لأفعال "جميلة" معها)، معلش يا بنتي، أوعدك إنها مش حتبقى في طريقك تاني، وحـ...
ستكون السبب بمشكلة ما، لا، لن تقبل ذلك وليس هذا مقصدها، لن تكون سببًا لأذي يلحق بـ"جميلة" حتى لو كانت تقصد هي إيذائها، هتفت "زهرة" مقاطعة "فردوس":
- لا يا ماما، بالله عليكِ، أنا مقصدش كدة خالص، أنا قولت أفهمك بس، متعمليلهاش حاجه، هي ممكن من خوفها لأنها مش حتقدر تخلف تاني، أنا عذراها.
تعجبت "فردوس" لتغاضي "زهرة" عن أذى "جميلة" لها، لتردف بإستنكار:
- بس يا بنتي؟!!
- ولا بس ولا حاجه، أنا بس قولت أعرفك، ومش عايزاكِ تقولي لها حاجه، ولا تعملي لها حاجه.
بقلم رشا روميه
تمعنت بها "فردوس" لبعض الوقت بدون تقبل لهذا التغاضي والتنازل، لكنها تعلم صفاء قلب "زهرة" جيدًا لتضطر لتقبل ذلك قائلة:
- طيب يا "زهرة"، بس لو حصل أى حاجه بينك وبينها لازم تقوليلي.
-حاضر، أنا طالعه شقتي بقى.
بإيمائة خفيفة أجابتها"فردوس" تبث بداخلها بعض الطمأنينة:
- إطلعي يا بنتي، "أنور" نزل من بدري.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
السويس...
يوم طويل بين تقديم أوراق بالجامعة وبين إستيفاء أخرى حتى إنتهت "فرح" تمامًا من تلك المهمة التي تراها الآن هي هدفها الوحيد، تقابلت مع صديقة طفولتها "ريهام" بعد خروجها من الجامعة.
صديقة محبة كل ما يشغلها هو صديقتها وسعادتها فقط، نوع نادر من البشر محظوظ من يلتقي برفيق صادق، بأعين شقية كصديقتها مطت "ريهام" شفتيها بإصرار:
- ماليش فيه، يلا نتغدا بره أنا وإنتِ زي زمان، بجد وحشني نقعد كتير فرحانين، يلا يا "فرح" بلاش نكد، إنتِ عمرك ما كنتِ نكديه كده، إعتبريها يا ستي حلاوة الدبلومة.
تنهدت "فرح" مرغمة:
- طيب يا "ريهام".
بدعوة "ريهام" لصديقتها لتناول الغذاء معًا تجولتا هنا وهناك أولًا حتى بدأت الشمس بمغيبها، إتجهت كلتاهما لأحد المطاعم لتناول الطعام بعد مرور هذا الوقت الذي زاد من جوعهما.
البقاء بصحبة مُحبة لهي أكثر ما يبهج الروح والقلب، دلفت "فرح" لداخل المطعم وقد رُسمت إبتسامة خفيفة فوق ثغرها من مزاح "ريهام" المستمر لتنسيها حزنها، لكن تلك الإبتسامة سقطت فجأة وهي تطالع أمامها بأعين مندهشة.
بقلم رشا روميه
نظرت "ريهام" بنفس الإتجاه الذي تنظر إليه "فرح" لتجد "هاني" يتناول الطعام برفقة فتاة ما، لم يكن الأمر يحتاج لبديهة قوية، فلابد أن تلك الفتاة هي من قام هذا الوصولي بخطبتها كما أخبرتها "ريهام".
إمتعض وجهها بقوة وهي تستدير مغادرة المطعم حين عقبت "ريهام" بإستهزاء من هذا النذل:
- ولا تزعلي نفسك، ولا يستاهل.
أجابتها "فرح" بحزن ممزوح بإستهزاء وتهكم:
- أزعل على مين؟ على ده؟!!! تعرفي، دول لايقين على بعض أوي، أوي بصراحه.
- سيبك منهم، تعالي نروح أي مطعم تاني.
مجرد رؤيته أضاعت كل الحماس والرغبة بإستكمال يومها برفقة "ريهام" لتحرك رأسها بالنفي:
- لأ، ماليش نفس خلاص، أنا عايزه أروح، كمان رجليا وجعتني من كتر المشي.
- على راحتك.
إتخذت "فرح" طريقها للمنزل مبكرًا عن الموعد الذي إتفقت عليه مع والدتها، لكنها لم تحبذ إستكمال اليوم بعد رؤيتها لـ"هاني" الذي سببت لها رؤيته ضيق وإختناق.
لم تخبر والدتها بأمر عودتها مبكرًا فما الذي سيتغير، هي ستعود للمنزل ووالدتها تنتظرها هناك، لهذا لم تهاتفها كالعادة لتخبرها بذلك.
فتحت باب الشقة بالهدوء الجديد كليًا عليها، حتى أنها أغلقته بذات الهدوء، ضيقت جبهتها بإستغراب حين سمعت صوت غريب أثار إنتباهها.
إستدارت نحو غرفة أمها فذلك الصوت يأتي من تجاهها، صوت شهقات مكتومة ونحيب باكي.
تقدمت "فرح" بوجه مقتضب وقد زاد عليها فضول شديد فما سبب حزن والدتها وبكائها الآن.
فوق سجادة صلاتها جلست "مديحة" تعلو شهقاتها وتذرف دموعها المتلاحقة وهي تتضرع بندم:
- يـــــــــا رب أغفر لي خطيئتي، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه توبة عبد ظالم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورا أنت الغفار يا الله.
خطيئة؟!! أهناك خطايا مخفية عنها؟! أين ومتى كان ذلك؟
تساؤلات عدة دارت برأس "فرح" وهي تقف بباب غرفة "مديحة" بتجهم وتوجس، إنها ليست دموع عابرة، ولا شجون تضرع، إنه إحساس عميق بالذنب، رجفة خوف وخشية من الله وعقابه، تيبست حركة "فرح" وهي تطالع والدتها بأعين مندهشة متسائلة وصمت تام.
أنهت "مديحة" صلاتها وإستدارت لتطوي سجادتها لتفاجئ بوجود "فرح" أمامها تناظرها بتحديق كمن تسألها دون أن تتفوه بكلمة.
إبتلعت "مديحة" ريقها وقد أصابها إرتباك من نظرات "فرح" المحدقة قبل أن تردف بتهرب:
- "فرح" إنتِ جيتِ بدري؟!!!
تقدمت "فرح" نحوها كما لو كانت لا تستمع لحديث والدتها لتلقي على مسامعها السؤال الذي تمنت "مديحة" أن تنشق الأرض وتبتلعها بتلك اللحظة:
- مالك يا ماما؟ فيه إيه؟!!
زاغت عينا "مديحة" بتهرب وهي تلتف لتضع سجادة الصلاة فوق المقعد أثناء إجابتها:
- عادي يا "فرح" مفيش حاجه.
بوقت آخر وأناس أخرى كان يمكن أن تكون تلك الكلمات نهاية هذا الحوار ويمر بسلام دون تعقيب، لكن ليس هذا ما حدث بين "فرح" ووالدتها، إنهما يحفظن بعضهن البعض عن ظهر قلب، إنهما بئرا أسرار كل منهما، فلن تنتظر كلمات لتدرك بأن هناك أمر خاطئ، فبداخلها يقين بأن والدتها تخفي أمر ما، وهناك جانب خفي لا تعلم عنه شيئًا.
إلتفت "فرح" لتقف بمواجهة والدتها قائلة وهي تضع عينيها بعيني "مديحة" دون حياد:
- لأ فيه، أنا حاسه إنك مخبيه عني حاجه، وحاجه كبيره أوي كمان، ومش حسكت إلا لما تقوليلي كل حاجه، ودلوقتِ حالًا.
تهدج صدر "مديحة" بتوتر وهي تحاول الفرار من ملاحقة "فرح" لها، لكن لابد لليل أن ينتهي وينقشع السواد ويظهر النور عن هذا السر الخفي بقلبها فقد كُشف أمرها ولن تستطيع التهرب الآن.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
من يستطيع أن يخبرنا عن أنفسنا ما لا ندركه عنها؟!، من يخبرنا متى إشترينا لنظل طيلة الوقت ندفع الثمن؟!! أو حتى يدلنا إلى متى ستظل قلوبنا تُستنزف وعليها التقبل والكتمان؟!! ترى هل يمكننا إعادة البيعة، أم أن الدنيا تتبع معنا سياسة البضاعة المباعة لا ترد مطلقًا.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي( شقة زاهر)...
مع حلول المساء بعد مغيب الشمس نهض هذا الرجل الوقور بهدوء يترك ذلك المجلس موضحًا:
- أقوم أنا أصلي المغرب عقبال ما "محمود" يوصل.
أومأت "فردوس" بلطف معقبة:
- ماشي يا "أبو محمود"، أهو حتى تكون "جميلة" و"زهرة" حضروا الأكل، أكيد "محمود" على وصول
وقفت "جميلة" تعطي أوامرها بجمود لـ"زهرة" بطريقتها الجافة المعتادة:
- يلا يا "زهرة" سخني الأكل وأنا حجهز السفرة.
حتى وإن كان بداخلها صراع وألم وغضب مكتوم من "جميلة" فهي لن تُظهر ذلك، لملمت "زهرة" وجهها الحزين تنصاع لطلب "جميلة" كمساعدة منها بتجهيز الطعام، لتدلف نحو المطبخ بصمت.
بقلم رشا روميه
هذا كل ما فعلته بعدما أدركت وفهمت تمامًا نية "جميلة" السيئة معها، أن تصمت وتخبئ غضبها بهذا الجانب الخفي من قلبها، عليها فقط منذ الآن فصاعدًا الحذر من "جميلة" دون أن تظهر ذلك.
بعد وقت قليل وصل "محمود" الغائب منذ الصباح بعمله بمتجر العلافة خاصتهم، وبصوت رخيم ألقى السلام على والدته التى بقيت بغرفة المعيشة بمفردها:
- السلام عليكم، إزيك يا ماما؟
أجابته "فردوس" بمحبة:
- وعليكم السلام، الحمد لله يا حبيبي، حمد الله على سلامتك، إبن حلال، يلا إطلع غير هدومك، إحنا بنجهز الأكل أهو.
طالت نظرته تجاه والدته وهو يتردد بنطق الكلمات التي تحشرجت داخل حلقة، وقف للحظات في حيرة ما بين التفوه أو إلتزام الصمت كعادته، لكن عقله الشريد طيلة اليوم دفعه لنطق بعض الكلمات المبعثرة:
- اااا، حاضر، بس اااا، كنت يعني ااا..
شعرت "فردوس" بتخبط ولدها لتتسائل بقلق:
- مالك يا "محمود" فيك إيه؟
بتنفس مضطرب وأعين غير مستقرة جال بها للحظات قبل أن يستجمع أعصابه بسؤال مندفع حتى لا يتردد بسؤاله:
- هي "زهرة" جابت نتيجة التحليل؟
سؤال من المفترض أن تكون إجابته لا تؤثر به خاصة، لكنه شغل تفكيره منذ الصباح، تطلع "محمود" بوالدته بشغف كبير وهي تزم شفتيها بإمتعاض قائلة:
- أيوه جابت النتيجه، يلا، مفيش نصيب.
حاربت تلك الإبتسامة نفسه المضطربة لتتجلى فوق شفتيه العريضتين بسعادة كمن أزيلت الحمول من فوق صدره المثقل، إحساس مباغت بالراحة والإسترخاء أطلق الهواء من رئتيه بعد أن كان يقبضه بصدره من الضيق.
بقلم رشا روميه
أومأ رأسه عدة مرات قبل أن يردف بحماس وغبطة:
- تمام، تمام، طيب أنا طالع أغير هدومي وراجع على طول، مش حتأخر.
- ماشي يا حبيبي مستنيينك.
تركها "محمود" صاعدًا شقته ليبدل ملابسه تاركًا العنان لشعور غريب بالراحة لمعرفته بسلبية الإختبار، أكملت "فردوس" تسبيحها في إنتظار تحضير الطعام وتجمع العائلة بتلك الوجبة.
لكنها لم تنتبه لتلك العيون المترصدة في الخفاء التي كانت تراقب حديثها مع "محمود" بنظراتها الحادة.
دارت عينا "جميلة" الملونة بغيظ مكتوم وهي تلوي شفتيها تقضمهما بقوة محدثة نفسها:
-( هو ماله مهتم أوي كدة ليه بموضوع حمل "زهرة" ده، مش عادته يعني يسأل على حاجه زي دي؟!! لأ وإيه، شكله إنبسط أوي لما طلعت مش حامل، هي إيه الحكاية؟، بس عمومًا مش مهم دلوقتِ، المهم إن إللي في دماغي يحصل).
إنتبهت "جميلة" لصوت "زهرة" من خلفها:
- يا "جميلة"، مش حتاخدي الأطباق دي، إنتِ بقالك وقت كبير سرحانه، الأكل حيبرد.
إلتفت "جميلة" نحوها تحدق بها بريبة حتى كادت نظراتها الحادة تخترق جسد تلك الهادئة، ثم أجابت بآلية:
- اه، حاخدهم.
حملت "جميلة" الأطباق حتى تم تحضير الطعام بالكامل وحضور "محمود" ووالده ليلتف الجميع حول الطاولة لتناول الطعام.
لم تسقط عيون "جميلة" عن زوجها الذي كانت تراقبه كالصقر وهو يرفع بصره من حين لآخر رغمًا عنه تجاه "زهرة" ليعود خافضًا إياها على الفور حتى لا يلاحظ أحد نظراته الخاطفة الخارجة عن إرادته.
هزة خفيفة تملكت من "جميلة" بغيظ وهي تتابع ذلك قائلة بداخلها:
-( هي البت دي حتكوش على كل اللي في البيت ولا إيه؟! دي الواحد لازم يصحصح لها بقى، يعني مش كفاية عمي ومرات عمي، حيبقى "محمود" كمان!!! دي ناويه تاكل عقلهم كلهم، وأطلع أنا من المولد بلا حمص، بس على مين).
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
تأتي الصعاب بقدر تحملك، فلا تظن أن الله يظلم عباده، فلعلك تريد شيئًا والله يريد لك الأجمل، أنت أقوى مما تتخيل فقط لم توضع بالإختبار، فلك قدر من الصبر والجلد لكنك لا تستطع تقدير قوتك.
رشا روميه
مستشفي الهلال المركزي...
بآلية معتادة أنهت "ليلى" مناوبتها لهذا اليوم وحان موعد مغادرتها، لكن هناك جزء يخصها قابع بهذا المكان بعد أن طالب الطبيب المتابع لحالة "عزت" إبقائه بعد إصابته بالفيروس الذي نقل له بالخطأ لمتابعة حالته التي تتخذ منحني متسارع بشكل مقلق.
مرت "ليلى" بغرفة والدها وجلست معه لبعض الوقت، ورغم معاناته وهذا الألم الذي يجتاحه بقوة إلا أنها كانت صابرة، تحفزه على التحمل والرضا، والغريب بالأمر أنه يستجيب.
رضا بقضاء الله لم تكن تظن أن والدها يتمتع به، ومحبة لم تكن تظن أنها تكنها له، بالنهاية سحبت "ليلى" حقيبتها القديمة لتعلقها بكتفها قائلة:
- أنا حسيبك دلوقتِ يا بابا، إدعيلي الآقي أي أمل.
بقلم رشا روميه
ها هو قد بدأ طريق السداد، طريق كاد أن ينساه وحِمل ستحمله "ليلى" فوق أكتافها، ستبدأ رحلة البحث عن أخيه، طأطأ "عزت" رأسه مجيبًا:
- يا ريت يا بنتي، يا ريت تقدري.
بإيمائة خفيفة حركت "ليلى" رأسها وهي تربت برفق فوق كتف والدها:
- نام إنت وإرتاح وأشوفك بكره، وبإذن الله أكون وصلت لأي حاجه.
رفع "عزت" بصره بإبنته القوية يتطلع بها قليلًا قبل أن تعصف به موجة من الإشفاق والقلق، لقد أدرك لأول مرة أنه طالما كان يتركها تتخبط بالدنيا دون أن يكون لها سندًا وعون، بل كان يزيد من حمولها وقسوة الدنيا عليها، لقب لا يستحقه يسمي "أب"، وها هو يضع آثامه فوق كاهلها لتزيحها عنه، لملم "عزت" شفتيه بضيق فيما ردد بصدق:
- خدي بالك من نفسك يا "ليلى"، ومتزعليش مني.
إكتفت "ليلى" ببسمة قلقة حزينة قبل مغادرتها المستشفى، إتجهت مباشرة تجاه هذا العنوان المدون بالورقة، عنوان بيت عمها القديم.
غريبة تتخبط بحيرتها وهي تقف وسط هذا الحي تبحث عن شخص لا تعرفه بمكان لا تعرفه، تمامًا كما لو كانت تبحث عن إبرة في كومة من القش.
ذكية لماحة وهذا ما يساعدها في المُضي قُدمًا، فرغم تخبطها إلا أنها وجدت كهلًا يناهز السبعين من العمر، شخص لابد أنه ولد وترعرع هنا، فربما يعلم من أين تبدأ بحثها.
تقدمت بوجه بشوش تجاه هذا الرجل تلقي عليه التحية أولًا:
- السلام عليكم، حضرتك من هنا صح؟
أجابها العجوز بود رغم عدم معرفته المسبقة بها:
- وعليكم السلام، أيوه أنا من هنا، إنتِ غريبه عن الحِته.
أكملت"ليلى" بعد شعورها بإحساس من المودة والألفة مع هذا الرجل:
- أيوه، أنا كنت عايزه أسأل على واحد كان ساكن في الحِته هنا زمان، وقولت يمكن تعرف هو فين، أو أعرف طريقه منين؟
كطبع لأصحاب المناطق الشعبية وإدراكهم بكل تفاصيل الحي وأهله، رأى هذا الكهل فرصة لتجاذب الحديث بعد أن إضمحل الجمع من حوله.
سألها الكهل بفضول:
- هو قالك فين؟
أخرجت "ليلى" الورقة المطوية من حقيبتها لتقرأ فحواها على مسامع الرجل:
- قالي في عمارة "محروس شهاب".
أشار الكهل لتلك البناية القديمة أمامه موضحًا:
- أيوه أيوه، أهي هي دي عمارة "محروس شهاب"، وبتدوري على مين بقى هناك؟
هي تعلم أن عمها قد ترك هذا البيت لكنها تبحث عن إشارة تتبعها لإيجاده، ويبدو أن هذا الرجل فرصة جيدة لذلك، لتستكمل بإيضاح:
- كنت بدور على واحد إسمه "عادل"، "عادل ذو الفقار الحناوي".
رفع الرجل مقلتيه للسماء متذكرًا بإستمتاع كمن يفتقر لأحدهم ليتجاذب معه الحديث:
- "عادل الحناوي"، "عادل الحناوي"، اه، ده إللي سكن بعده عيلة "عرفان" في الدور التاني، بس "عادل الحناوي" ده عزل من زمن يا بنتي.
- طيب متعرفش مثلًا عزل راح فين؟ أو أوصل له إزاي؟
صمت لوهلة متفكرًا قبل أن يجيبها:
- والله يا بنتي بعد ما ساب الحته شوفته ييجي مرة ولا إتنين، ومش عارف ساكن فين دلوقتِ، بس يمكن "عبد العزيز" إبني يعرف.
أمل جديد لاح في الأفق ليتهلل وجه "ليلى" بسعادة قائلة:
- كويس أوي، هو فين نسأله؟
بأريحية شديدة قد تصل للا مبالاة أجابها الرجل بخلاف ما تشعر به "ليلى" من إضطراب وتلهف لمعرفة مكان عمها:
- هو في شغله دلوقتِ، لما يرجع إن شاء الله حسأله، لو جيتي تاني بكره أكون عرفت لك منه هو فين.
تهدلت ملامحها بإحباط لترضخ لطلب هذا الرجل بالإنتظار، فإن يضيرها إنتظار يوم آخر.
أردفت مجبرة:
- خلاص، بكرة أجيلك إن شاء الله تكون سألته.
ويبقى عليها تقبل الإنتظار في صمت، كما إعتادت ألا تبوح، فلتعتاد الصبر أيضًا، فإن الإنتظار من مهالك النفس.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
ليتنا نستطيع أن نرى ألوانهم بوضوح، فكما نرى الأبيض النقي ونميز الأسود المظلم، وهذا الرمادي الذي يقف بعتبة الجانبين لا ينصر أحدًا ولا يهزم أحد، كل يقف بوضوح، إلا هؤلاء المتلونين الذين لا لون لهم، يجب عليه أن تخشاهم ألف مرة، فلا يمكنك أن تأتمنهم فإنهم مخادعون، تَمعن بأقاويلهم، تَفكر بمطالبهم، لا تنخدع بألوانهم، فلا يمكنك مصافحة من كنت تود صفعه، إمضي بطريق الحق وأفعل ما تراه صحيحًا فسوف تنتقد على كل حال.
رشا روميه
بعد أن حل المساء وإنتهى "نور" من عمله بالمستشفى، عمل تمنى ألا ينتهي، لكن الوقت مر وها قد أتى موعد اللقاء الذي يتهرب منه.
نظر لساعته مرة أخرى وهو يزفر بتملل، فـ"نسرين" تأخرت عن موعدها ككل مرة، أخذ "نور" يُحدث نفسه بحنق شديد:
- تقعد تقولي عايزاك في موضوع مهم وفي الآخر تتأخر عليا برضه، أنا زهقت، لا وإيه، مش عايزاني أروح لهم البيت عشان مامتها وأخواتها مش في البيت، طيب والله لو مجتش كمان عشر دقايق حقوم من هنا، ده إيه الملل ده!!
حتى وإن كان يحاول التملص من هذا اللقاء، إلا أن القدر لم يمهله بالفرار، فبعد دقيقتين فقط أقبلت "نسرين" بقامتها الطويلة تتجه صوبه بشكل جاد ومباشر، سحبت المقعد المقابل له لتتخذه قائلة:
- مساء الخير يا "نور".
طالت نظرته المقتضبة تجاهها لبعض الوقت قبل أن يبدأ حديثه معها:
- مساء الخير، فيه إيه يا "نسرين"، ده إنتِ إللي محدده المعاد، ممكن أفهم بتتأخري عليا أوي كده ليه؟! مش معقول بصراحه!!
جفلت بعينيها بنظرة ساخطة جانبية وهي تردف بتملل:
- بالراحه عليا شويه يا "نور".
بقلم رشا روميه
بعض التغاضي ينبع من كثر المحبة، لكن فاتر الإحساس يشعر بها ثقيلة النفس، تمامًا كما كان "نور"، لم يعد يتحمل طريقتها اللا مبالية وأنانيتها الزائدة، لم يكن لها رصيد من المحبة ليتغاضى عن كل أفعالها التي تسبب ضيقه وحنقه، ليهتف بها بإنفعال:
- لا، مفيش بالراحه، أنا زهقت، يا ريت تقولي إيه الموضوع الضروري اللي إنتِ عايزاني فيه بسرعه عشان تعبان وعايز أروح أرتاح.
توقع عدة ردود أفعال من "نسرين" ما بين تملل وضيق وإنفعال وحِدة، فكلها معتادة بينهم، لكنها فاجئته برد فعل غير متوقع بالمرة، لقد إنفجرت بالبكاء، كـ بركان خامد أُشعلت ثورته بدون سابق إنذار، دموع وشهقات وأصوات مختنقة وإنفعال لا محدود.
هتفت "نسرين" بين شهقاتها العالية وبكائها المفاجئ:
- أنا عارفه إنك شايفني عنيده وعصبيه، لكن أنت محاولتش حتى إنك تقرب مني ولو لمره واحده عشان تعرفني على حقيقتي، دايمًا تتعامل معايا بعصبيه وزعل.
هل رق قلبه لها؟! إنه لأول مرة يتعاطف معها، بل ويعطيها عذرًا لذلك، فهو حاد طوال الوقت، لا يعطيها الفرصة لتقبُلها وتفهم خِصالها، لم يمنحها فرصة للإقتراب والتفهم، إحساس متعاظم باللوم فهي محقة بذلك بالتأكيد ليردف ببعض اللين متخليًا عن حِدته التي كانت تحتله منذ قليل:
- طيب لازمته إيه العياط ده كله دلوقتِ؟
أكملت "نسرين" بذات الإنفعال واللوم المستمر لـ"نور":
- شوفت!! حتى يوم ما آجي وأتكلم معاك وأطلع إللي جوايا مش مستحملني ولو شويه صغيرين بس.
ذكية متمرسة، تدرك كيف تجرح وتضغط على الجرح لتستنزف صاحبه، طريقتها الجديدة جعلته يشعر بالذنب تجاهها، وأنه السبب في إنهيارها النفسي.
كل يتعامل بعين طبعه، ومن طباع "نور" التي لا يمكن تبديلها، أنه صريح وواضح ومستقيم، لا يتخذ الطرق الملتوية ونعومة الثعابين، لا يخفي شيئًا وليس له جانب خفي، لهذا حين شعر بأنه أخطأ بحقها حاول تدارك الأمر، لم يشك بها ولو للحظة، فهو يرى الجميع بنفس صِدقه وإستقامته، لا يحل به الظنون، لا يمتلك خبث النوايا.
بقلم رشا روميه
تهدلت ملامح "نور" بأسف مستكملًا:
- معلش يا "نسرين"، مقصدش والله، كملي كلامك وأنا حسمع كلامك كله أهو.
دارت مقلتيها المتوهجتين بلمحة غريبة لم يلاحظها "نور" بينما أكملت تسكب الملح فوق جرحه، فهي تريده بهذه الحالة من الشعور بالذنب بالتأكيد:
- كمان إنت متعرفنيش كويس، كل إللي تعرفه عني إني بنت صاحب باباك إللي كان قريب منك أوي، خطبتني بس عشان وصية بابا، كل ده عشان تاخد بالك مننا وبس، لكن أنت متعرفش عني أي حاجه!
إضطرب "نور" من صراحتها الغريبة عليه ليحاول إصلاح تلك الفكرة التي أخذتها عنه، فلا داعي أن يكون واضحًا بهذا الشكل ويسبب لها الضيق والحرج:
- قصدك إيه بس بالكلام ده دلوقتِ؟!!
عقدت "نسرين" ذراعيها أمام صدرها، فقد أوشكت على الوصول لمبتغاها:
- إنت تعرف حاجه عني؟ تعرف المشاكل إللي أنا فيها؟!
أنهت عبارتها وهي تشاهق بكل قوتها حتى أنها كانت تصارخ بكلماتها الأخيرة لتزيد من إرتباكه، صوتها العالِ وبكائها الذي لا يَفهم "نور" سببه بعد جعل جميع رواد الكافيتريا يحدقون بهم بفضول وإستنكار لمعرفة ماذا يحدث بينهم.
تلفت "نور" نحو العيون المحدقة حولهم بحرج بالغ قبل أن يحاول تهدئة "نسرين" المنفعلة دون سبب بصوت خفيض محاولًا أن يقلل من انتباه المحيطون بهم:
- اهدي يا "نسرين"، أنا مش شايف سبب للعياط دة كله.
إستمرت "نسرين" ببكائها دون رد، ليضطر "نور" أن يصطحبها لخارج الكافيتريا لإستنشاق بعض الهواء النقي، ويبتعد قليلًا عن هؤلاء المتطفلين حولهم، فربما حين تهدأ يستطع أن يفهم منها سبب تلك الحالة السيئة التي تمر بها.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
إن كان الكل يدعي الطِيبة فأين يعيش السيئون بهذا العالم؟! هؤلاء الذين يفتقدون لشعورهم بالذنب، فيرون أنفسهم لا يخطئون، نفوسهم سيئة، عقولهم سيئة، حتى نواياهم سيئة، مهما حاولت أَسرِهم بصدق كلماتك سيخونونك في صمت.
رشا روميه
بيت عائلة مكاوي(شقة محمود وجميلة)...
كزوجة محبة غيورة كان من المفترض أن تجمح ثورتها ويتعالى غضبها وهي ترى أن "زهرة" قد شغلت تفكير "محمود".
لكن "جميلة" كانت على العكس تمامًا، هادئة صامتة لدرجة البرود، وقفت بغرفة نومها تطالع وجهها المقتضب بالمرآة وهي تفكر بذهن شارد.
أفكار تتخبط هنا وهناك برأسها العريض، إحساسها بأن هناك أمر ما جعل "محمود" يهتم لأمر "زهرة" بالتأكيد، لكنها لن تقدر على مواجهته بذلك، لن تخبره بأنها تظن بأنه قد إنجذب إليها، فمن جانب لن تضحي بما وصلت إليه وما ستصل إليه بالقريب من تلك الثروة التي تخص عائلة مكاوي، فرصتها التي سنحت لها أخيرًا، فبعد أن تيقنت بأنها لن تنجب الوريث لتلك الثروة يجب أن تضع يديها عليها بنفسها.
يبقى فقط الجانب الآخر، "زهرة" - تلك الدخيلة التي يجب أن تحترس منها، فلن تجعل فتاة فقيرة مثلها تهز عرش مملكتها ومكانتها بهذا البيت.
أومأت بخفة حتى أن حركة رأسها لم تُلاحظ أثناء ترتيب أفكارها، فإن واجهت "محمود" الآن فربما يختار زواجه من أخرى سواء "زهرة" أو غيرها لإنجاب الولد، وحينها لن تستطيع ردعه، لهذا عليها إلتزام الصمت وتولي أمر "زهرة" بنفسها.
فهى لن تُهزم أمام تلك المزعجة التي إستطاعت بشهور قليلة أن تميل قلوبهم جميعًا تجاهها وتفوقت هي عليها فيما إستطاعت عمله لسنوات طويلة مضت.
بقلم رشا روميه
أثناء تحديقها بنفسها بالمرآة إنتبهت على صوت "محمود" الذي أخذ يهتف بها:
- إنتِ حتفضلي واقفه كده، أنا عايز أنام.
تداركت "جميلة" نفسها لتلحق بـ"محمود" قبل أن يتجه إلى الفراش تستوقفه:
- إستنى يا "محمود"، أنا عايزه فلوس عشان أبدأ في تجهيز المشروع.
تنهد "محمود" قبل أن يجيبها بتملل:
- شوفي إنتِ عايزه إيه وأنا أخلي العمال يعملوه.
رفعت "جميلة" حاجبها بإستنكار، فهو يقلل من قدراتها ويستخف بها لتكرر بإصرار:
- لأ، متخليش العمال يعملوا حاجه، أنا عايزه أعمل كل حاجه بنفسي واقف على شغلهم كمان، أنا عايزه أعمل البيوتي سنتر ده على مزاجي أنا، مش مزاج أي حد.
أوسع من عينيه بإندهاش، فلماذا تريد إقحام نفسها فيما لا تفهمه، ليوضح لها بحنق:
- وعلى إيه البهدلة دي، ما تخليكِ في البيت يا بنت الحلال وإللي إنتِ عايزاه نعملهولك.
لوت فمها بإمتعاض لتجيبه بإستهزاء من فرض رأيه عليها:
- إنت فاكرني إيه، مبعرفش أتصرف وأفكر زيك، كأنك لوحدك إللي بتفكر في البيت ده، لااا، يبقى إنت متعرفنيش، أنا حثبتلك إني قادرة أتعامل في كل حاجه.
لولا موافقة والده وطلبه منه أن يلبي لها رغباتها الغريبة لما تحمل طريقتها وطلباتها، ليسألها بفراغ صبر:
- يعنى إنتِ عايزه إيه دلوقتِ؟!
هذا هو بيت القصيد، وهدفها من الأساس، إرتسمت بسمة خفيفة لتحقيق مرادها قائلة:
- أفتح لي حساب في البنك، وحط لي فلوس عشان أبتدي شغل التوضيب في المخزن، وحتشوف، أنا إزاي حخلى المخزن دة أكبر بيوتي سنتر في مصر كلها.
ناظرها لوهلة يستخف بها مرددًا كلمتها بإستهزاء:
- في مصر كلها!!! ، اللهم طولك يا روح، خلاص يا "جميلة"، بكره أكلم بابا ونشوف، ممكن أنام بقى!!!
-ماشى، تصبح على خير.
عاد "محمود" تجاه الفراش بينما قالت "جميلة" لنفسها بخيلاء:
- (بكره أثبت لك إنك مش حتلاقي حد في تفكيري ودماغي إللي تتاقل بالدهب، مش زى العِله إللي فوق دي، كل شويه تعيط وتتسهوك، فاكره انها ممكن توصل لحاجه، لكن ده بُعدها أنا قاعده لها ولما نشوف.)
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
السويس (بيت فرح الصعيدي)...
بعض الصدمات يفاجئك بها أصحابها، هؤلاء من كنت تصدق أنك تعرفهم حق المعرفة، إنها ليست خيبة فقط، بل صفعة مدوية من الشخص الوحيد الذي تباهيت به أمام الجميع، كيف سأسامحك وقد ظننتك دون البشر مؤتمن.
رشا روميه
تبدلت الأدوار فما عاد الكبير كبير، ولا الصغير صغير، فقد شاب من في المهد مبكرًا، ولحق الخزي بالكبار مقام، وقفت "فرح" بصدمة ألجمتها عن الحديث بعد ما سمعته.
إنفعالها منعها من الشعور بنفسها فهي لا تصدق، وقفت "فرح" كقاضي يحكم بالإتهام أمام والدتها التي نكست عينيها بخزي وهي تجلس بطرف الفراش، كما لو أن "فرح" هي الأم و"مديحة" هي الطفلة المخطئة التي تنتظر أن تنال عقابها.
هتفت "فرح" بوالدتها بصدمة:
- إنتِ يا ماما؟!!! إنتِ تعملي كده؟! أنا مش قادره أتخيل ولا أصدق وداني، ليه، ليه يا ماما ليه تعملي كده ليه؟؟!!
تهدجت أنفاس "مديحة" وقد شعرت بالبرودة تجتاح جسدها الساكن، طأطأت من رأسها أكثر وهي تلتزم الصمت، فماذا ستبرر وماذا ستقول؟! إنها معترفة بذنبها وتقر به، وما تفوهت به "فرح" هي تستحقه ولا تجد له مبرر.
دارت "فرح" حول نفسها بغضب وإندهاش، تحاول على الأقل كبح حدة غضبها، فما تربت عليه على يديها يختلف تمامًا عما تفوهت به، فكيف ستتقبل ذلك، كيف ستُصدق أن من أقدمت على هذا الجرم هي بنفسها من أنشأتها على الفضيلة والتقوى والحق.
كيف تكون بهذا التناقض، كيف لم تخشى من الله، وجدت "فرح" نفسها تستكمل إتهامها الحاد الذي كان يسقط بجسد "مديحة" كالخناجر، تعذبها عن فعلتها التي ندمت عليها لسنوات طويلة.
دفعت "فرح" بكفيها بإنفعال في الهواء قائلة:
- عشان إيه، عشان الفلوس، تغور الفلوس، أنا مش عايزاها، مش عايزاها!!!
بمقابل هذا الإنفعال كانت تقابلها "مديحة" بالصمت والبكاء والندم، فيما إستكملت "فرح" حديثها وهي تمد كفها تحثها أن تعطيها شئ ما:
- إديني الإسم والعنوان، أنا لازم أروح له، عارفه إسمه وعنوانه ولا لأ؟!!
حاولت "مديحة" إخراج كلماتها المتحشرجة بحلقها بصعوبة، فقد علقت غصة بصدرها وإختفى الهواء من حولها لتشعر بالإختناق الشديد وهي تجيبها بصوت متقطع:
- معايا، كنت شايلاه ليوم زى ده.
مطت "فرح" شفتيها الرقيقتين بمحاولة لتمالك غضبها:
- إديهوني، وعلى فكره، بكره الصبح لازم أنا و إنتِ نروح له، وتقوليله كل إللي عندك وتخلصي ذنبك وضميرك من ربنا.
بإيمائة مجبرة وحزن عميق حركت "مديحة" رأسها منصاعة لإبنتها:
- حاضر يا "فرح"،حاضر.
لأول مرة منذ أن وعت لتلك الدنيا تغضب بهذا الشكل من والدتها، قسيمة روحها، هما روح واحدة بجسدين، إرتباطهما العميق لا يشعر به سوى من كان مثلهما، كلتاهما لا تقدر على العيش بدون الأخرى، كلتاهما حياة للأخرى، واليوم غضبت "فرح" من والدتها، لأول ليلة تبيتها من دون عناقهن وكلماتهن المحبة، لأول صدع يحدث بينهما.
ألم قاس لقلبيهما معًا، فـ"فرح" لأول مرة تغضب من والدتها وتخاصمها، كيف ستبرر لها ما فعلت؟ كيف ستسامحها على ما إقترفته؟ لم تتخيل أن السوء يمكن أن يخرج منها، كانت مثال حي للون الأبيض النقي بحياتها، فكيف بعد تلوثه ستراه بنفس النقاء؟!
عادت "فرح" لغرفتها تنتظر تلك الليلة أن تنقضي، بينما جلست "مديحة" وحيدة بداخل غرفتها تتمنى لو أن الزمن يعود بها فلا تخطئ ولا تغضب قطعة روحها، إنها لا تتحمل غضب "فرح" بهذا الشكل، لا تتحمل خصامها وبُعدها، لا تتحمل رؤية تلك النظرة البشعة بالإتهام والضيق تجاهها، لكنها مجبرة بإختناق، قلبها متألم وروحها حزينة.
توجس وتخوف من هذه الرحلة جعل قلبها ينقبض، فرغم أنها ستحاول إعادة الحق لأصحابه، إلا أنها تخشى بشدة هذا اللقاء الذي سيأتي بعد مرور بضعة ساعات حين يأتي الصباح.
بقلم رشا روميه
❈-❈-❈ــ
"من لا يكن معنا في العاصفة فلا نحتاجه عندما تشرق الشمس"، مقولة صحيحة حينما تعبر بك عواصف الزمن، تَقوى بمن يُشدد أزرك، يُساندك بمحنتك، لكنها على النقيض تمامًا حينما تُنطق كتهديد، فإما معنا أو علينا، وشتان بين هذا وذاك.
رشا روميه
بعد وقت لا بأس به من هذا الإنهيار الغير مبرر لـ"نسرين"، وتمالك شهقاتها وبكائها، وصلا "نور" و"نسرين" لتلك الحديقة القريبة من الحي الذي تقطن به.
خلال هذا الوقت الطويل حاول "نور" تهدئة "نسرين" بشتى الطرق، إلا أنها بصعوبة بدأت تهدأ أنفاسها المتسارعة وتمالك تعاستها المفاجئة.
تنفس "نور" بقوة بعد إنتهاء تلك الأزمة التي لا يدرك أسبابها بعد لكنها خلفت لديه فضول شديد لمعرفة سبب كل هذا التوتر والحزن، تأثر نفسي يراه بها للمرة الأولى، ربما لا يكن لها مشاعر المحبين، لكنها بالتأكيد أثارت شفقته على حالها، فهو لا يريد لها أن تحزن بالمرة، فقلبه النقي لا يتمنى ذلك لأي كان، وبالتأكيد لها ذلك وأكثر فهي وصية والده ووالدها.
تطلع بها قليلًا يتأكد من هدوئها قبل أن يسألها:
- "نسرين"، إنتِ كويسه دلوقتِ؟
حركت رأسها بالإيجاب وهي تغمض جفنيها لوهلة، حينما إستكمل "نور" بنبرته الهادئة المريحة للنفس:
- طيب ممكن نتكلم بالراحه عشان أفهم إيه الحكايه بالضبط.
نظرت له "نسرين" بجانب عينيها فقد حانت اللحظة الحاسمة، نقطة الإنطلاق لإظهار هذا الجانب الخفي للعلن أمامه، سألته "نسرين" بما يثير فضوله:
- مسألتش نفسك ولا مره فين قرايبنا؟، ليه أنا وإخواتي وأمي لوحدنا؟، ليه بابا وصاك علينا بالشكل ده؟
إن كانت تريد إثارة فضوله فقد نجحت بالفعل، فقد إنتبه "نور" بشكل كامل وأكمل بإهتمام لمعرفة الإجابة:
- الصراحه معرفش، أنا جه في بالي انهم في بلد وإنتوا في بلد!!!
دمعت عينيها بخفة لتجيبه بنبرة مهتزة تستدعي شفقته:
- لأ، أهل بابا هنا، معانا في نفس البلد، لكن إحنا لا بنشوفهم ولا بيشوفونا.
إرتفع حاجبيه بدهشة وقد هتف بتفاجئ تام:
- معقول!!! طب ليه؟!!
أجفلت جفنيها قليلًا لتزيد من قلة حيلتها وإظهار الظلم الذي وقع عليها لتجيبه بنبرة لينة منكسرة:
- بعد وفاة جدي الله يرحمه، بابا راح لعمي وطلب منه انهم يقسموا ميراث جدي بينهم، بس عمي طمع ومرضاش يدي بابا نصيبه، لأ وكمان طرده من بيت جدي، إضطرينا نيجي نعيش هنا على قد حالنا زي ما أنت شايف، كنا حنعمل إيه يعني.
إلا الحقوق المسلوبة، سيتغاضى عن الكثير لكنه ينصف الحق ويرفض الباطل بقوة، لا يتحمل المماطلة ونهب الحقوق، إنتفض "نور" بقوة هاتفًا بصرامة لا تراها "نسرين" كثيرًا معه، فهو هادئ لين أغلب الأوقات، لكنها تعلم جيدًا إصراره على الصواب وإحقاق الحق ولو بالسيف:
- إزاي ده، سايبه هي، فيه قانون في البلد يجيب لكم حقكم.
- ما إنت عارف بابا كان طيب إزاي، لا له في المشاكل ولا المحاكم، وإحنا كمان كنا صغيرين أوي وكان بيخاف علينا، كان على طول بيوصينا مندخلش مع عمي ده في أي حاجه، عشان عمره ما كان بيحب المشاكل.
برفض تام حرك "نور" رأسه بالنفي:
- إسمحي لي يا "نسرين"، كده والدك غلطان، ده حقه، كان لازم تقفوا لعمكم وتاخدوه.
للحظة تجلت القوة بعينيها لتعود لذات النظرة المنكسرة مرة أخرى قائلة:
- هو ده بالضبط اللي أنا فكرت فيه بعد وفاة بابا الله يرحمه.
وكما يقال (إطرق الحديد وهو ساخن) أكملت "نسرين" بنبرتها الباكية ودموعها المتلاحقة لكسب تعاطف "نور":
- أنا فعلًا رحت لعمي، وعرفته بنفسي بس طردني وبهدلني، ده كمان هددني إني لو رُحت له تاني ممكن يأذيني أو يأذي إخواتي، ويا ريت بس على كده (نظرت بعمق تجاه عيني "نور" لتطمئن أنها قد جذبت تعاطفه معها بشكل كامل لتكمل تلك العبارة خاصة)، أنا رُحت بنفسي لبنت عمي وإتحايلت عليها تساعدني وترجع لي حقنا من باباها، لكنها كانت نسخه منه، عملت معايا زي ما عمي عمل بالضبط، للأسف ضميرهم إنعدم.
ضرب "نور" كفيه بعضهما البعض متعجبًا من هؤلاء ناهبي الحقوق المسلوبة:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، يـــــــــاه على الظلم والافترا، للدرجه دى!!!!
وقفت "نسرين" بمجابهة "نور" وهي تسلط سوداوتيها داخل عينيه فما ستطلبه الآن لهو بيت القصيد من تلك القصة كافة، يجب أن تتحلى بالإقناع اللازم لما سوف تطلبه منه، أردفت بقوة لتثير ذلك الجانب الأصيل فيه بأخذ طريق الحق:
- "نور"، أنا عايزاك تساعدني أرجع حقنا إللي عمي أخده.
ضيق "نور" عينيه بإندهاش من طلبها:
- أنا؟!!!! طب وأنا ممكن أعمل إيه؟!!
إقتضب وجهها قليلًا تستجمع كلماتها بتركيز تام لدفع طلبها دفعة واحدة حتى لا يتراجع أي منهما:
- بالحيله، أنا حاولت بالطلب المباشر، وحتى سألت محامي، بس هم أخدوا كل حاجه ومفيش إثبات بحقنا، يبقى مفيش قدامي إلا الحيله، صدقني أنا بقولك كده بعد ما خلصت كل الطرق إللي أرجع بيها حقي.
مال "نور" برأسه لليسار وقد تشكك بالأمر، فترى ما هي تلك الحيلة التي تريده أن يقوم بها:
- ادخلي في الموضوع على طول.
- بنت عمي!!
تجهم وجه "نور" بعدم فهم ليتسائل بغموض محاولًا فهم بما تفكر به "نسرين":
- مالها؟
سحبت "نسرين" شهيقًا طويلًا فقد كاد الطريق على الإنتهاء، وعليها أن تخبره بخطتها لإستعادة حقهم، ثم أجابته:
- أنا مقدرش أثق غير فيك، إنت الوحيد إللي ممكن تعمل كده، أنا عايزاك تقرب من بنت عمي، وتخليها تثق فيك وتحبك، ولما تقدر تسيطر عليها تحاول تشوف طريقة تقنعها بيها إنها ترجع لي حقي، وقتها لو إنت خليتها تحبك أوي مش حتقدر ترفض لك طلب، لازم تسيطر عليها عشان ترجع لي حقي وحق إخواتي إللي أخدوه مننا ظلم، إنت لو عملت كده حتبقى بتنصر الحق، "نور" أنا محتاجه مساعدتك دي، أنا ملقتش أي طريق تاني غير كده، بالله عليك ما ترفض، إحنا تعبنا وعايزين حقنا، وهم إللي إضطرونا لكده.
دارت عينا "نور" بحدة، فهل يمكنه أن يخادع ويكذب، هل تطلب منه أن يدعي حبه لتلك الفتاة ويحيك لها الشرك لتقع ببراثنه وهواه لتحقيق أغراض "نسرين" حتى لو كانت نبيلة، حيرة وقع بها لتتلاطم الأفكار برأسه بين أن يساعدها ويأخذ حقها بالحيلة كما قالت، وبين أن أخلاقه ومبادئه ترفض الخديعة والإلتواء.
نظرت نحوه "نسرين" تحثه على الإجابة والموافقة:
- ها، قولت إيه يا "نور" حتساعدني؟
تشتتت نظراته للحظات قبل أن بجيبها
