رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السادس عشر16 بقلم رشا روميه

رواية حتي يجمعنا القدر بقلم رشا روميه
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السادس عشر16 بقلم رشا روميه
ليته أنت ..!!»
العظماء تصنعهم أشياء بسيطة لا يدركها معظم الناس، فما فعلته لتنال لقلب عظيم لم يكن بسيطًا على الإطلاق، فمن المؤلم أن تختار بين ألمين، وبين أهون الخسارتين، أن تتخلى عن نفسك لأجل آخر، في هذه الحياة الكل سيؤذيك عليك فقط إختيار من ستتحمل لأجله كل ذلك الأذى، فربما تضحي لأجل الشخص الخطأ، لتهمس بداخلك "ليته أنت من أعاني لأجله".
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

سأكون واضحًا كشمس تجلت بالسماء، لكن عليك أن تتحمل النظر إليَّ لإستيعاب الحقيقية التي لم يستنير بها عقلك بعد.
رشا روميه 

مستشفى الهلال المركزي (مكتب سامح)...
بإنصات تام وإنتباه شديد تأهب "نور" بشدة لسماع ما سيخبره به "سامح" عن "عزت" و"ليلى"، معلومة مجانية وقعت أمام قدميه دون عناء منه لتثبت شكوكه أو تمحيها.

نظر "نور" بإهتمام لرفيقه الذي اضطر بالنهاية لأن يخبر صديقه بما يعرفه عن "عزت"، بدأ "سامح" بالحديث الذي إسترعى إنتباه "نور" كاملًا:
- شوف يا "نور"، عم "عزت" كان حكى لي إنه كان متجوز من "أم ليلى" من غير موافقة عيلته، لأنهم كانوا ناس أغنياء أوي ومكانوش موافقين بيها، يعني إنت فاهم تفكير الناس عشان الفلوس والكلام ده، كانوا فاكرين إنها طمعانه فيهم، بس لما أهله عرفوا بجوازهم، أخوة الله يسامحه بقى فرق ما بين "عزت" ومراته.

تفاجئ "نور" بأن والد "نسرين" قام بفعل مثل هذا وهو الذي كان يظهر عليه التفاهم والتفكير الراجح، لم يكن يظن أنه قد يفكر بتلك الرجعية، لكن راود "نور" بعض الشك من قصة "عزت" فربما كان يخدع "سامح" بمبرر مثل هذا.

تلك اللحظات التي تفكر بها "نور" سببت له بعض الحيرة، فإن كان "عزت" كاذب فما وجه إستفادته من أن يخبر "سامح" بأكاذيبه وهو ليس طرفًا بأي صراع، ليعود "نور" ليُصدق "عزت" فهو لم يكن بحاجة للكذب حين أخبر "سامح"، بل بالعكس كان يعترف له بالحقيقة ليتخلص من ذنبه كما يقول.

أنصت "نور" مرة أخرى لـ"سامح" الذي إستكمل حديثه:
- أخو "عزت" ده بقى، راح لمراته وطلب منها تبعد عنه بشكل نهائي، وهي عملت كده فعلًا بس وقتها كانت حامل في "ليلى"، "عزت" مكانش يعرف طريقها لحد ما في يوم كلمته وقالت له إنها بتولد وتعبانه أوي، لكن للأسف ملحقهاش ولما وصل المستشفى كانت ماتت.

تأثر "نور" للغاية بإحساس هذا الرجل الذي فقد زوجته بتلك الطريقة المؤلمة:
- ماتت!!!

أومأ "سامح" بضيق ثم أكمل:
- أيوه للأسف، موتها ده كان سبب قوي جدًا إنه يغضب منهم لأنهم فرقوا بينها وبينه وإنها كمان ماتت قبل ما تشوفه ويشوفها، عشان كده قرر يعلمهم الدرس ويرد لهم القلم وينتقم، الشيطان غلبه وخلاه يحول كل الفلوس بتاعتهم بإسمه لوحده بالتوكيل إللي معاه، إختفى عنهم تمامًا لدرجة إن أبوه مات فيها من قهرته، بس للأسف.

أسرع "نور" يتجاوب معه بالحديث لمعرفة الأمر:
- للأسف إيه؟!

- لما حس بالندم وحاول يرجع حق أخوه معرفش يوصل له، ده طبعًا قبل الحادثه وإصابته بالمرض، وده خلاه يعترف لـ"ليلى" بكل حاجه، وكمان طلب من "ليلى" إنها......

قاطعه "نور" بإستفهام وقد تجلت تقاسيم الإستغراب على وجهه:
- لحظه، هي "ليلى" مكنتش عارفه كل ده؟!

قوس "سامح" حاجبيه دون أن يدري كم أن ما تفوه به جعل "نور" يتخبط بشدة، بل أكمل "سامح" بعفوية:
- على كلام "عزت"، لأ، "ليلى" مكانتش عارفه حاجه، دي حتى لما عرفت زعلت من والدها أوي لدرجة إن الراجل خاف لا بنته تقاطعه فيها، بس هي وعدته إنها مش حتمس الفلوس دى أبدًا إلا لما ترجع الحق لأصحابه.

حدق "نور" بـ"سامح" لبعض الوقت وقد إتسعت عيناه بذهول وصمت تام يحاول إستيعاب تلك الحقائق التي زادت من حيرته، لكنه إنتبه لعبارة "سامح" التي إستطرد بها:
- النهارده بقى كان بيقولي إنها عرفت إن عمها إتوفى ومقدرتش توصل لولاد عمها، بس هي بتحاول تدور عليهم، كان خايف أوي لا متقدرش توصل لهم ويموت وذنبهم في رقبته.

هنا بدأ حديثه مع نفسه، ذلك الحديث الذي يأتي بعد إدراك ومعرفة، إنه حديث الشك والتخبط، حيرة تتزايد وتساؤلات لا إجابة لها بنفس "نور":
- (إزاي "نسرين" جت لعمها وطردها وكمان جت لـ "ليلى" وطردتها؟!! وفي نفس الوقت هم كمان بيدورا عليهم عشان يدوهم حقهم؟! فيه حاجه مش مفهومه في الموضوع ده).

وميض توهج بعينيه كبصيرة متأخرة أنارت له عتمة الطريق الذي يسلكه، وضوح كان يحاول تجاهله منذ أن أخبرته "نسرين" بالأمر، تلك الشكوك التي كان يتجاهلها لمجرد تصديقه لـ"نسرين" دون شك ولو للحظة بأنها يمكن أن تكون كاذبة.

زاغت عينا "نور" بتفكر:
- (معنى كده إن "ليلى" ولا ظالمه ولا كدابه، بالعكس، دي عايزه ترجع الحق لأصحابه، وإنها.....)

قطع شرود "نور" صوت "سامح" الصادح الذي مل من الحديث دون إنصات صديقه:
-"نــــــــــــــــــــور"!!!

إستفاق "نور" من شروده متسائلًا:
- هاه، فيه إيه؟!!

- بتكلم معاك، وإنت في دنيا تانيه!!!

بتلك اللحظة من الحياة حين يُسلط الضوء على ما كنت تغفل عنه لن تستطع رؤية أشباح الظلام، لقد رأيت ما كان يخفى ولن تتغابي دون إظهار ذلك، فنعيم الجهل يتلاشى بنيران الوعي.

إنتفض "نور" فجأة دون رد ليقف خالعًا معطفه الأبيض بحركة متعجلة ليضعه فوق العلاقة الخاصة به ليستعد لمغادرة مكتب "سامح" الذي هتف بها بإندهاش:
- الله، "نور"، إنت رايح فين؟!! مش حتقولي كنت بتسأل ليه؟!!

أشار له "نور" أثناء مغادرته:
- بعدين، بعدين، أنا لازم أمشي دلوقتِ ضروري، سلام.

قوس "سامح" شفاهه للأسفل مرددًا بإستغراب:
- سلام.

إنطلق "نور" مسرعًا مستقلًا سيارته وقد تجهمت ملامحه بقوة، فليس لديه وجهة الآن إلا ليتيقن من شكوكه أولًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية...
بضعة أيام لم تختلف ولن تختلف، أظلمت حياتها التي لا تعرفها، ترى هل لو كانت تمتلك بصيرتها لكانت تجاوزت أحزانها.

وما هذه الأحزان فكل ما تشعر به هو الوحدة، كانت تتمنى شعلة ضوء وحيدة بحياتها، كمن وضعت ببقعة مجهولة وكتب عليها الترحال، فلا وجهة ولا هدف.

إحساس غريب بالفراغ يمتلك نفس "فرح" وهي تنتظر اللا شئ لمدة أيام، لا سؤال ولا إهتمام، كما لو كانت نكرة لا يهتم لأمرها أحد.

تساءلت بداخل نفسها عدة تساؤلات لكن أكثرها ترددًا برأسها وأقواهم ألمًا:
- (هو ليه محدش دور عليا؟! ليه محدش سأل عليا؟! لا أهل ولا قرايب؟! هو أنا للدرجة دي محدش كان بيحبني أو عاوزني أو مهتم لغيابي؟!)

أمر زاد من حدة تأثرها النفسي، والذي إستدعى تدخل الطبيبة النفسية بالمستشفى للتعامل معها.

جلسة مطولة حاولت بها الطبيبة حث "فرح" على التحدث ومشاركة إحساسها معها لكنها إلتزمت الصمت التام، فما الفارق بين حديثها وكلماتها وهي تشعر بتلك الوحدة المؤلمة، أما لليل الذي بداخلها أن يأتي بدر ليضيئه؟!!
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ببعض الأوقات حين تبحث عن يد تمد لك العون تتلاقى مع بشر لا يهمهم سوى معرفة كيف ستكون نهايتك، والبعض يقتتل من أجل أن يرى السلام بعينيك، هؤلاء من تتحسر لبقائهم فليت الكون يمنحك البدائل، فحين عثرت عليك فقدت قلبي.

بيت عائلة مكاوي(شقة زاهر)...
صباح يوم معتاد لا جديد به، فقد إنصرف منذ بعض الوقت "محمود" وأبيه لمتجر العلافة خاصتهم بينما إتجهت "جميلة" لمباشرة أعمال توضيب المخزن ككل يوم تاركة بناتها برفقة "فردوس".

كانت "فردوس" تنتبه لبنات إبنها قدر إستطاعتها فرغم المجهود الكبير الذي تبذله لرعايتهم بغياب أمهم إلا أنها لم تطلب من "زهرة" رعايتهم معها، فمنذ عدة أيام إلتزمت "زهرة" شقتها تتجنب الجميع.
بقلم رشا روميه 

لم تكن مخطئة بل إن كل الحق معها، فقد لاقت الكثير من "أنور" وإن تجنبت الجميع فهذا أيضًا حقها، وبرغم إشتياق "فردوس" لها إلا أنها لم تشأ أن تزيد الضغط عليها وفضلت ترك لها مساحة من الحرية خاصة بغياب "أنور" بالأيام الماضية.

غفت الطفلتين مما جعل البيت هادئ بشكل ملحوظ حتى إنها سمعت منذ قليل صوت باب شقة "أنور" الذي أغلق بقوة يعلن عودته بعد هذا الغياب.

تنهدت "فردوس" وهي تنظر بمقلتيها للأعلى كما لو كانت تراه أمامها لتردف بضيق نفس:
- ربنا يهديك يا "أنور".

لكن لم يلبث سوى دقائق حتى سمعت صرخات متتالية بشكل هستيري من "زهرة" تطلب النجدة، إنقبض قلبها تخوفًا على مصير تلك الفتاة بين قبضة إبنها المعتوه، إخذت "فردوس" تدور حول نفسها بفزع وهي تهتف:
- حيموت البت، حيموت البت، أعمل إيه بس، أسترها معايا يا رب.

أمسكت بهاتفها فهي لن تقدر على "أنور" وهو بتلك الحالة من الهياج فعليها طلب العون ممن يقدر على وقف بطشة والتصدي له، ومن لها سواه:
- "محمود"، إلحق يا "محمود"!!

كلمة كفيلة ببث القلق بقلبه ليجيبها على الفور:
- خير يا ماما مالك، إنتِ تعبانه ولا إيه؟!

تهدج صدرها بتخوف وهي مازالت تنظر نحو الأعلى تستمع لصرخات "زهرة" التي لم تتوقف:
- إلحق أخوك رجع، و"زهرة" من ساعتها عماله تصوّت على آخرها ومش عارفه أعمل إيه؟!!

هب "محمود" واقفًا ليهتف بقوة وقلق:
- إيه!! أنا جاي حالًا، مسافة السكه مش حتأخر.

لم ينتظر جواب من والدته بل أسرع الخُطى نحو السيارة بقلب مرتجف يخشى من أن يتأخر على اللحاق بـ"زهرة" التي بالتأكيد تصارع الآن هذا الغاشم بمفردها.

وردة رقيقة سقطت بحقل من الأشواك فكيف ستنجو من الآمها، إستقل السيارة بأقصى سرعة ممكنة للعودة إلى المنزل قبل أن يصيب "زهرة" مكروه بفعل "أنور".
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

كلاهما متشابهان الملح والسكر، لكن شتان بين تأثير كل منهما، فأيهما ستختار لتثق به، فإن تشابهت الأشكال تيقن أن النوايا تختلف.
رشا روميه 

بيت عائلة مكاوي (شقة أنور وزهرة)..
صراخ ومقاومة وتشبث بالأرض وحافة الدرج لكن "أنور" إستكمل دفعه لـ"زهرة" بقوة، إنها الآن ورقته الرابحة والتي ستدر له المال لشراء ما يحتاجه من مخدر، الآن أصبح لها نفع.

مقاومتها له لم يجعل إقتيادها أمر يسير على هذا الهزيل بل كان يدفعها بكل ما أوتي من قوة لتهبط الدرج معه، ومع وصولهما للدور الأول حيث شقة والديه تشبثت "زهرة" بآخر صيحاتها المستنجدة فربما يلحقها أحدهم وينقذها من عديم النخوة والشرف.

توقف "محمود" بسيارته أمام البيت متمنيًا بألا يكون قد تأخر عن اللحاق بـ"زهرة" قبل أن يمسها بسوء، فتح البوابة الرئيسية ليرفع رأسه نحو الأعلى وقد إتسعت عيناه بفزع عليها وهي تتوالى بصرخاتها المستغيثة لتقع بقلبه كالخناجر تمزق به، همس "محمود" بنبرة قلقة مهتزة:
- "زهرة"!!!!

ركض على الفور صاعدًا درجات السلم ليجد "أنور" موليًا ظهره تجاهه يسحب "زهرة" بقوة ليرغمها على مرافقته، بينما كانت "زهرة" تتلوى ألمًا وهو يقبض بيد فوق زندها والأخرى متمسكة بخصلات شعرها الأسود المتناثر بفوضوية، كذلك "فردوس" التي أخذت تهتف بولدها تستجديه بترك "زهرة" ولا يؤذيها.

مشهد أثار غضب "محمود" وحنقه من هذا المعتوه وأفعاله المشينة التي أصبح تكرارها أمر لا يحتمل، هتف به "محمود" بصوت غاضب قوي أرجف الجميع لصوته الجهوري:
- "أنـــــــــــــــــــور"!!!!! إنت بتعمل إيه؟!

إلتفت "أنور" برأسه نحو "محمود" دون ترك "زهرة" ليطالع أخيه بنظرات غاضبة حاقدة:
- مالكش فيه، مراتي وأنا حر فيها!!

كعادته يتجبر على تلك الضعيفة التي لن تقدر على مقاومته ليشعر بقوته وينفذ أغراضه، بينما إهتز "محمود" لوهلة حين نطق كلمة (مراتي) لكنه سرعان ما عاد إلى ثباته يحدجه بنظراته الغاضبة.

تعالت أنفاس "زهرة" المنهكة، لن تخجل وتشعر بالذنب الآن، عليها إنقاذ نفسها من هذا الخسيس، هذا السند الواهي، ليته لم يكن لها ولم تكن له، إنها تكرهه حقًا، تخاف من وجوده وقربه، تفزع بتصرفاته الراعنة، لكنها في النهاية عليها التصرف، وجود "محمود" الآن هو آخر أمل لها للنجاة، لم تجد سوى أن تستنجد به ليُخلصها من أخيه وأفعاله:
- إلحقني يا "محمود"، أخوك خلاص الهباب دة عمى عنيه وقلبه، إلحقني، ااااه..

رجفة صوتها المهتز آلمت "محمود" بشدة، لن يتركها تعاني، لن يسمح له بأذيتها، فكل حرف نطقت به دب ألمه بفؤاده كسوط لاذع وعليه إنقاذها.

هزها "أنور" بقسوة معنفًا إياها لطلبها النجدة من "محمود" لينهرها بقوة وقد تملكه الغضب منها:
- إخرسي خالص، لا تنطقي ولا أسمع نَفَسِك حتى!!!

كانت كورقة تتأرجح بفعل ريح عاصف وهو يهزها بقوة، ليمد "محمود" يده موقفًا حركة ذراع "أنور" المنفعلة وهو يقبض على ذراعه بقوة أكبر من تلك التي يستخدمها لتعنيف تلك المسكينة، بينما أخرج "محمود" كلماته بنبرة يملؤها الغضب والتهديد من بين أسنانه وقد إحتدت عيناه بقوة يناظر عينا أخيه الزائغتين دون حياد عنهما:
- إنت فاكر نفسك إيه، إستعبدتها!!! إبعد إيدك عنها بقولك.

عقص "أنور" أنفه بإشمئزاز ليستدير بالكامل تجاه "محمود" يطالعه بنظرات يملؤها الغيظ والحقد بذات الوقت ثم هتف به بإستهزاء:
- لا والله!!!!، وده إسمه إيه ده بقى؟! إنت مالك بيها، تخُصك في إيه؟ (ثم تفحص أخيه بنظرات يملؤها الإتهام قبل أن يكمل)، إيه عاجباك؟!! إيه رأيك، تاخدها هى كمان زي ما بتاخد كل حاجه؟!!!!!

قالها "أنور" بعدم تحمل لما يحصل عليه "محمود" من دونه، فهو يلقى المال والإحترام والمحبة، وهو لا يجد سوى الضيق والنفور والنصائح التي لا فائدة منها.

سحب "محمود" نفسًا قويًا فلن يسقط بتلك الهاوية التي يدفعه إليها "أنور" بكل مرة، يحاول إجباره أن يتراجع عن مساعدتها من أجل إتهاماته المُغلفة بحديثه السخيف، ليهتف "محمود" بنفاذ صبر:
- أستغفر الله العظيم، يا أخي إحترم نفسك شويه، وهو أنا أخدت منك إيه؟!! إنت اللي مدمن، عيل فاقد يعني، جاي تحاسبني أنا على عمايلك اللي بتعملها، ده إيه البجاحه دي؟!

حتى محاولته بإظهار جانب من ظلمهم له لم يقدر عليه، تغلب عليه "محمود" بكلماته وذهنه الحاضر للدفاع عن نفسه، دائمًا ما يظهر ضئآلته وأنه لا قيمة له، ليضغط "أنور" أسنانه بحنق ويعود لما جاء له من الأساس، مد يده يسحب "زهرة" وهو يتحرك محاولًا تجاوز "محمود" ووالدته من أمامه:
- إوعى من وشي الساعه دي، أنا مش سايبها، مش حنزل غير بيها فاهم.

إنها ملكه وعليه التصرف بها كيفما يشاء، كما لو كانت قطعة أثاث وليست إنسانة حرة لها مشاعر وإحساس وقبول، لقد وقع عقد تملك لها لتطيعه كما أراد.
بقلم رشا روميه 

أثناء تجاوز "أنور" لهم وهو يسحبها بقوة وقعت عيناها المتوسلتان بـ"محمود" تستغيث به، ظنت أن "محمود" سينهي الأمر دون أن توضح لهم ما سيفعله بها "أنور"، لكن يبدو أنه مُصر على فعله.

أخرجت صوتها المتحشرج من بين أسنانها فإرتجاف جسدها جعلها لا تقوى على التحمل وستهوى بإنهاك بأية لحظة، لم تجد سوى أن تخبرهم بما ينوي عليه فلم يعد هذا وقت إخفاء الأمور:
- إلحقني يا "محمود" ده عاوز يبيعني بالساعه لأصحابه الشمامين إللي زيه!!

غضب وثورة وإشمئزاز من هذا المعتوه، ألا نخوة له ولا أخلاق، إنفعل "محمود" بقوة ليقفز بينها وبين "أنور" يحول بينهما ليباغت أخيه بجذبه من ياقة قميصه وهو يصرخ به بغضب كاد يحترق "أنور" من لهيبه الذي يشعر به بكل حروف كلماته:
- إنت إتجننت!!! وصلت بيك الوقاحه وقلة الدين للدرجه دي؟!! إخص عليك هي دي التربيه والأخلاق؟!!! دى مراتك يا نطع، عرضك، شرفك!!!

كل كلمة خرجت من قلب "محمود" قبل فمه، لو كان الأمر بيده وكان سواه هو من فعل ذلك فإن يكفيه أن يقتله بيديه المجردتين، لكنه بالنهاية أخيه، حظه السئ بالدنيا.

تهدجت أنفاس "محمود" الغاضبة، ما بين إنفعال وغيرة وغضب وهو يناظر أخيه الذي يطالعه بنظرات متهكمة وضحكة جانبية مستهزئة قائلًا:
- قولت لك مالكش فيه وسيب هدومي وأبعد إيدك لأقطعهالك!!!

تعدى الأمر مجرد كلمات وعقل غائب، لقد إكتسب أكثر من مهارة تعاطي المخدر، لقد أصبح سئ النفس عديم الخلق، وأيضًا مجرم، لا يفرق بين الصواب والخطأ بل تاهت المبادئ بعقل لا يفكر، أخرج "أنور" مديته (المطواة) من جيبه ليعود بجذب "زهرة" نحوه بسرعة ليوقفها أمامه ثم حاوطها بذراعه من الخلف واضعًا نصلها الحاد فوق رقبتها مهددًا أخيه:
- هي دي اللي حتجيب لي الفلوس، مش أنت منعت عني الفلوس؟!!! هي دي بقى اللي حتجيبها لي، (ثم أكمل بتهكم)، إبعد بقى يا محترم،يا متربي!!! يا بتاع الشرف أنت!!!!!

عيون مصدومة وشهقات متخوفة أخذت تحملق بـ"أنور" وتهوره، تملك الخوف من قلب "محمود" من أن يصيبها بأذى بهذا السكين، فهو غير مأمون العواقب وذو تفكير غير متزن وربما ينفذ تهديده ويقتلها.

رفع "محمود" كفيه برفض لأفعاله يلوح بهما أمام "أنور" وتركزت عسليتاه على تلك المذعورة المرتجفة بين يديه، بتلعثم خفيف أكمل "محمود" يحاول إسترضاء "أنور":
- سيبها، سيبها يا "أنور"، خد إللي إنت عايزه وسيبها.

فرصة سانحة وعليه إستغلالها، لمعت عينا "أنور" بوهج فوز أخيرًا، فقد جاءته لحظة مناسبة لأخذ المال من أخيه ليرفع حاجباه وهو يدفع برأسه للأعلى قائلًا:
- تدفع كام؟!!

تطلع به "محمود" بصدمة لكنه لن يفكر الآن، فعليه إنقاذها مهما كلفه ذلك:
- كل اللي انت عايزه حديهولك، بس متأذيهاش.

- هات كل إللي معاك فوق في شقتك دلوقتِ يا إما حخلص عليها.

أومأ "محمود" عدة مرات وهو يصعد الدرج بظهره خوفًا من أن يؤذيها:
- ثواني أهو، إوعى تعمل حاجه، أنا جايلك حجيب لك الفلوس وجاي.

دموع "فردوس" ورجفة جسد "زهرة" لم يمنعا "أنور" عن فعله، لم يحركا شعرة برأسه، بل إبتسم بسمة إنتصار وهو يناظر "محمود" حتى غاب عن ناظريه فبينه وبين نيل مراده دقائق بسيطة.

زاغت عينا "زهرة" بإعياء وشعرت بدوار قوي يصيب رأسها، لكنها إبتلعت ريقها بهلع وهي تشعر بحافة المدية حول عنقها، يفرق بينها وبين نهاية حياتها مجرد لحظات.

عاد "محمود" على الفور يحمل بين يديه مغلف أصفر به المال لينظر أولًا تجاه "زهرة" يطمئن أنه لم يصيبها بأذى، مد يده بالمغلف قائلًا بقلق:
- خد الفلوس أهي، سيبها بقى!!!

وجد "أنور" غايته ليدفع بـ"زهرة" مبعدًا إياها عنه ليمسك بالمغلف بسعادة وهو يطالع ما بداخله من مال ليركض على الفور قبل أن يعود "محمود" ويأخذهم منه بالقوة.

هل حصلت على حريتها؟!!! هل تم إطلاق سراحها من بين يديه؟!! هل يمكنها التنفس الآن؟!!

لحظة من عدم التصديق وإلتقاط الأنفاس جعلتها تشعر بتثلج أطرافها لتسقط "زهرة" مغشيًا عليها فور ترك "أنور" لها، لحقها "محمود" بسرعة قبل أن تسقط أرضًا بلهفة وتخوف وسط صيحات "فردوس" بإسم "زهرة".

وضعها "محمود" بداخل شقة والديه بينما كانت "فردوس" تندب حظها بسلبية من أفعال "أنور":
- أنا مش عارفه ليه كل ده بيحصل لنا، إحنا قصرنا معاه في إيه، طالع كدة لمين؟!!

لم ينتبه "محمود" لكل ما تفوهت به، بل تسلطت عيناه على تلك الغائبة عن الوعي وقد سكنت حركتها تمامًا ليهتف بوالدته بقلب مرتجف:
- هي مالها يا أمي، مش بتفوق ليه؟!!

مصمصت "فردوس" شفتيها بإشفاق على حال تلك المسكينة:
- إتخضت جامد يا عيني والله.

- طيب حروح أجيب لها دكتور.

هم "محمود" بالمغادرة حين أوقفته والدته قائلة:
- لا إستنى، هي شكلها ضغطها واطي، حجيب أي حاجه تفوقها من جوه الأول، لو مفاقتش هات الدكتور.

غابت "فردوس" لدقائق قبل أن تعود حاملة زجاجة عطر لتدنيها من أنف "زهرة" ثم أخذت تدلك كفها المهدل برفق كمحاولة منها لمساعدتها على الإفاقة.

ساعد ذلك على أن تبدأ "زهرة" بفتح عينيها ببطء بوجه شاحب وأعين مشتتة تقلب نظراتها التائهة بين كلًا منهما، أنفاس متسارعة وقلب مذعور، لحظات من الصمت المتخوف تلاها إنهيار تام وبكاء مرير.

حاوطت وجهها بكفيها لتعلو أصوات نشيجها وإرتجافها، هيئة طير مجروح منكسر لا يستطيع التحليق ولا يقوى على السكون.

رؤيتها بتلك الحالة البائسة اليائسة أثارت مزيج من المشاعر المتضاربة بقلب "محمود"، فـ بالبداية كان يطالعها بتأثر وإشفاق على حالها ثم تذكر سبب إنهيارها وفقدانها لسكينتها، هذا الحقير "أنور" وما فعله بها، ثم حقد وغيظ مكتوم وغضب منه ثم محبة وتلهف لإزاحة كل تلك المتاعب عنها بسبب "أنور" الذي لا يستحقها، ثم إنتبه لغيرته التي لا محل لها من الوجود وتعالى إحساسه بالذنب.

نعم ليس له الحق، لكن مشاعره لم تكن قيدًا بيده يحب من يشاء وينصرف عن من يشاء، لقد أحبها دون رغبة أو وعي منه، بغفلة منه سقط ببحور عشق تلك الزهرة التي سلبت قلبه وروحه وعقله.
بقلم رشا روميه 

ووسط حديث نفسه بلومها ومحبته وتخبط روحه على صوت تلك الباكية بصوتها الحنون المتحشرج قائلة:
- أنا عايزه أمشي، عايزه أروح لبابا،
أنا مش عايزه أقعد هنا!!!

يبدو أنها أدركت أن عذابها ببيت والدها وزوجته أقل وطأة وعذاب مما تلقاه هنا مع عديم النخوة والشرف، على الأقل لن تهدد حياتها وتفقد أمانها.

لكن لمسة أخرى قالت لم تتفوه به الألسن ولا العيون المتألمة، لمسة حنونة من تلك الأم التي لا تجد ما تبرر به أفعال ولدها، لكنها تحب تلك الفتاة بصدق.

ربتت "فردوس" بكتف "زهرة" بحنان جعل "زهرة" تلقي بجسدها المنهك بأحضانها، كطوق نجاة ينتشلها من تلك الأوجاع، بدون كلمات ناطقة كانت تتمنى أن تجد ملاذًا آمنًا، ولن تجد أفضل من قلب أم حنون كقلبها.

وعلى الرغم من أن من حقها أن تطالب بالرحيل إلا أن "فردوس" تنهدت بتحسر ثم قالت بنبرتها الدافئة التي يغمرها الحنان والمحبة:
- عايزه تمشي وتسيبي أمك، عايزه تسيبيني يا "زهرة"!!

لم تقل ذلك بغرض إقناعها بالبقاء لأجل إبنها، بل لأنها بالفعل تشعر بأن "زهرة" إبنتها التي لا تريد فراقها، غُرست محبتها داخل قلبها ولا تريد أن تبتعد عنها، قوست "فردوس" شفتيها بتعاسة لتستكمل بوعد صادق:
- هو خلاص ولا ابني ولا أعرفه، إنتِ بنتي ولا يمكن أسيبك، أبدًا، يغور باللي هو فيه وعمايله دي، لكن إنتِ لأ، خليكِ معايا يا بنتي.

كما لو أن حديثها فصل تمامًا بين كونها أم لزوجها وبين أنها أمها حقًا، دفنت "زهرة" رأسها بصدر أمها الحنون تخرج أثقال قلبها دون إخفاء:
- تعبت أوي يا ماما، تعبت أوي، قلبي بيوجعني أوي.

تفكرت "فردوس" قليلًا لتلقي عن أكتافها حِمل هذا المدمن الذي خرب حياتهم جميعًا منذ أن سلك هذا الطريق الذي لا عودة منه ثم هتفت بها:
- حغير لك مفتاح الباب وإقفلي الباب بالمفتاح، وهو على الله يرجع البيت ده تاني، قلبي وربي غضبانين عليه، ده لا إبني ولا عايزه أعرفه بعد عمايله دي.

كلماتها وإن كانت حتى مجرد كلمات إلا أنها أنزلت بعض الهدوء والسكينة على قلبها ليهدأ بكائها قليلًا بينما كان "محمود" ينتظر بتخوف من أن تصر "زهرة" بعودتها لوالدها ليردف بعد صمت طويل:
- أنا حغير لك طبلة الباب، إطمني، عمره ما حيقدر يقربلك تاني، ولا يأذيكِ أبدًا وأنا عايش على وش الدنيا.

قالها بقلبه قبل لسانه فهو يقصدها حقًا، مجرد نبرته الشجية دبت بأذنيها وشعرت بأنها في حمايته بإحساس غريب بين الهدوء والإمتنان والأمان، رفعت "زهرة" رأسها تناظر كلاهما ومن داخلها كلمات تائهة فليتها وجدت هذا الإحساس بزوجها، ليته كان مثل أخيه، لتهمس بداخلها بإحساس خانق مذنب ( ليته أنت)!!!
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي(غرفة التمريض)...
رفعت "نهى" رأسها بإنهاك ثم نظرت نحو "ليلى" التى جلست تتناول لقيمات فطورها المتأخر ثم قالت بتملل:
- ما تيجي يا "ليلى" نروح لـ"مروة" دلوقتِ، ناخد إذن أنا وإنتِ، ماما كلمتني وقالت لي خالتي جايه من البلد ومش حعرف أروح معاكِ بعد المناوبة ما تخلص.

تفكرت "ليلى" قليلًا ثم قالت:
- طيب، حروح أشوف بابا بسرعه وأرجع لك تكوني عملتي لنا الإذن، نروح بسرعه وأرجع أنا تاني، هي ساعه واحده، أنا لازم أرجع عشان أكمل الشغل وإنتِ براحتك بقى.

- خلاص تمام، روحي إنتِ لعم "عزت" وأنا حعمل إذن ساعه ليا وليكِ.

دقائق قليلة أسرعت بها "ليلى" بالإطمئنان على والدها الذي كان مستغرقًا بالنوم ثم خرجت من المستشفى بصحبة "نهى" لزيارة "مروة"، تلك الزيارة التي تأخرتا بها كثيرًا.

بيت مروة الشيمي..
ذلك البيت البسيط للغاية الذي لا يختلف عن بيوتهن، وصلتا "ليلى" و"نهى" لتستقبلهما والدة "مروة" بود شديد، رفقة منذ بضعة أعوام وزيارات متبادلة بأوقات عدة جعلتها تعرف هاتان الفتاتان حق المعرفة.

تساءلت "ليلى" بقلق على صديقتها الغائبة:
- خير يا خالتي، مالها "مروة" بعد الشر؟ غيابها ده قلقنا أوي!!

تنهدت "أم مروة" بضيق من حال إبنتها قائلة:
- والله يا بنات ما عارفه إيه اللي جرى لها، إدخلوا لها يمكن تطمنوا وتطمنوني عليها، تعبت فجأة كده ومش عارفه أعمل لها إيه.

نظرت "ليلى" نحو "نهى" وهي تميل برأسها للموافقة:
- يلا يا "نهى".

طرقت "أم مروة" باب غرفة "مروة" الصغيرة وهي تُحدث إبنتها من خلف الباب:
- يا "مروة"، صُحابك جم يطمنوا عليكِ.

ثم إلتفت نحو "ليلى" و"نهى" بإبتسامة مستطردة:
- إدخلوا يا بنات.

أنهت عبارتها وهي تفتح باب الغرفه لتتقدم نحو الداخل تتبعانها "ليلى" و"نهى" من خلفها، وفور أن دلفوا جميعًا لتلك المستلقية فوق الفراش إنسحبت والدة "مروة" قائلة:
- أقعدوا أنتوا مع بعض بقى شويه عقبال ما أعملكوا حاجه تشربوها.

جلست "ليلى" بطرف الفراش وهي تُحدث "مروة" الصامتة رغم إدراكها لمجيئهم:
- سلامتك يا "مروة"، مالك كدة أمال؟!

رمقتها "مروة" بنظرة غريبة كما لو كانت لا تطيق وجودها، لم تكتفي بتلك النظرات نحو "ليلى" فقط بل نقلت بصرها نحو "نهى" بصمت بذات النظرة، صمت غريب وهي تطالعهم بهذا الشكل ثم أشاحت بعينيها عنهما كما لو كانتا غير متواجدتين بالغرفة.

تكرار سؤالهما جعلها تجيبهم بالنهاية بنفور شديد:
- الله يسلمكم.

لم تكترث "ليلى" للقائها البارد لهما بل ظنت أن سبب ذلك هو مرضها لتتجاذب أطراف الحديث من هنا وهناك بموضوعات عدة لعلها تتجاوب معهما، لكنها كانت تستمع بصمت دون رد، أو تجيبهما بكلمات مقتضبة كأنها لا تود زيارتهما والحديث معهما.
بقلم رشا روميه 

زيارة ثقيلة إضطرت "ليلى" لإنهائها حين وقفت تستأذن من "مروة" ووالدتها:
- بعد إذنكم بقى أصل إحنا واخدين إذن ساعة ويا دوب نرجع.

حين خرجتا من بيت مروة تساءلت"ليلى" بإستغراب شديد:
- هي "مروة" مالها؟! كأنها مش طايقه تشوفنا ليه؟!

أومأت "نهى" بإيجاب ثم أجابتها بتساؤل:
- إنتِ أخدتِ بالك صح؟!! أنا قولت يمكن أنا لوحدي إللي حسيت كده.

قوست "ليلى" شفتها السفلية بخفة ثم أكملت:
- غريبه أوي، مش عارفه ليه حسيت زي ما يكون مش مبسوطه خالص إننا جينا وسألنا عليها.

- أه والله فعلًا.

حيرة حلت بتفكير "ليلى" التي بالفعل لا تدري سبب مقابلة "مروة" الجافة لهم لتتسائل بعدم فهم:
- هو حصل حاجه يخليها تزعل مننا كده؟!!

غمزت "نهى" بمزاح:
- غير إن دكتور "سامح" مهتم بيكِ، لأ، مفيش أي حاجه.

تأففت "ليلى" بملل من تكرار هذا الحديث الذي لا صحة له:
- لأ بقى حتى إنتِ كمان بتقولي كده؟!!! والله هو الراجل بيتعامل معايا بذوق مش أكتر، لكن ولا مهتم بيا ولا حاجه.

وضعت "نهى" كفها بذراع "ليلى" لتسير برفقتها بتقارب ومحبة وهي توضح لها مزاحها:
- إنتِ صدقتي، ده أنا بهزر معاكِ، أنا عارفه طبعًا كل ده، دي "مروة" هي دايمًا إللي بتقول كده، مش أنا والله، إنتِ فاهمه بقى، إكمنها بتحبه ومتعلقه بيه، بس هو ولا هو هنا.

مطت "ليلى" شفتيها بضيق من تفكير "مروة" المغالط للحقيقة:
- طيب أنا أعمل إيه عشان أثبت لها أن مفيش حاجه من إللي في دماغها دي!!!!!

- كبري دماغك ولا تثبتي ولا أي حاجه، هي لوحدها حتعرف، طنشي إنتِ وخليكِ في إللي إنتِ فيه.

بإيمائة إيجاب أنهت "ليلى" هذا الحديث لتتوجها مرة أخرى للمستشفى لإستكمال مناوبتهما حتى المساء.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

وإن تعددت النسخ وإزدادت جمالًا فما أجمل من حقيقتك التي تخفيها، الوضوح نعمة أرسلها الله للقلوب النقية التي لا تعرف الزيف ولا إرتداء الأقنعة، فمهما إرتديت سيأتي اليوم الذي تسقط به ويتجلى وجه الحقيقة بحلوها وبشاعتها.
رشا روميه 

بيت نسرين الحناوي...
كعادتها كل صباح وكل ساعة، إنتظرت "نسرين" رحيل والدتها وأخويها لتبقى وحدها تقضي وقتها متعلقة بشاشة هاتفها ومغامراتها العاشقة معه هو فقط، حوار محب بينها وبين "خالد" يأخدها لفوق السحاب دون إدراك الوقت معه.

وقت طويل يمر وهي بذات الوضعية والإستغراق حتى قطع هيامها الذي سلب عقلها طرقات صدحت بسكون المحيط من حولها.
رشا روميه 
أغلقت شاشة هاتفها لتجيب الطارق وهي تتعجب من مجئ أحدهم بهذا الوقت، هتفت وهي تلوي شفتيها بإمتعاض:
- مين؟

تفاجئت "نسرين" بصوت "نور" يهتف من خارج الشقة: 
- أنا "نور" يا "نسرين"، إفتحي.

دون إتصال أو إتفاق، بل زيارة مباغتة دون أن يخبرها بذلك أمر غريب جعل "نسرين" تندهش بشدة فهو غير معتاد على ذلك مطلقًا:
- "نور"!!! خير؟!!

تمعن بها "نور" لوهلة فقد جاء لمعرفة الحقيقة ولن يترك عقله مغيب ببعض الكلمات، فالحقيقة سيدركها سواء تفوهت بها أم إستشفها بنفسه، نظرة لم تدوم سوي لحظات ثم قال:
- عايزك في موضوع مهم.

أشارت "نسرين" بيدها نحو الداخل تدعوه للدخول رغم إستغرابها:
- إتفضل.

بتحركه نحو الداخل دفعت "نسرين" الباب لإغلاقه حينما إستدار "نور" نحوها متسائلًا:
- هي مامتك هنا؟

- لأ.

رفع "نور" عينيه متجولًا يمينًا ويسارًا ثم تسائل مرة أخرى:
- ولا اخواتك؟!!

عقدت "نسرين" ذراعيها بتأفف:
- برضه لأ، ما انت عارف أنهم في المدرسه!!

هّم "نور" بإتجاه باب الشقه ليمنع "نسرين" من إغلاق الباب بيده قائلًا:
- خلاص، يبقى تخلي الباب مفتوح لحد ما أخلص وأمشي.

قالها من أخلاق تربى عليها ومن دين له قيم لا يجب المساس بها، بينما قابلت "نسرين" تحفظه بسخرية تامة:
- يا سلام!!! متخافش أوي كده أنا مش بَـ أعُضّ.

كز "نور" أسنانه غضبًا من طريقة "نسرين" والإستخفاف به، وتعمدها الرد بتلك الطريقة المستفزة:
-وبعدين معاكِ يا "نسرين" بطريقتك المستفزه دي، إللي بتعمليه ده غلط.

زفرت "نسرين" بقوة وهي تلوي شفتيها بإمتعاض:
- وإيه الغلط المره دي يا دكتور يا إللي مبتغلطش أبدًا؟!!

حاول "نور" تمالك أعصابه للحديث فيما جاء من أجله فى الأساس والإبتعاد عما تأخذه إليه "نسرين" بطريقتها المعتادة.

بسيطرة تامة على إنفعاله حتى لا ينساق خلف طريقتها المثيرة لحنقه، زفر "نور" مطولًا ثم إستطرد حديثه مباشرة:
- خلينا في المهم.

زادت "نسرين" من عقد ذراعيها أمام صدرها لتجيبه بتهكم واضح من نبرة صوتها فيكفيها مجيئه الآن وقطع حوارها مع حبيبها "خالد":
- و إيه هو المهم ده إللي إتكرمت وجيت النهارده عشانه؟!

إنصب تركيز "نور" لكشف الحقيقة ليسألها بشكل مباشر:
- مش إنتِ قولتيلي إن إنتِ روحتِ لعمك وبنت عمك وطردوكِ، وإنهم مرضيوش يدوكِ حقك؟

تذكرت "نسرين" أمر عمها وإبنته وما طلبته من "نور"، لتعتدل بوقفتها بإرتباك ظاهر:
- ااا، أه، أه.
إضطرابها الملحوظ والذي ينم عن إخفاء لأمر ما أو صدمة من مباغتته لها جعله يعتقد بأن بالأمر حقيقة أخرى، فراسة وذكاء يتمتع بهما فليس طيب القلب شخص غبي، بل إنه يتغاضي حتى لا يعقد الأمور، لتهدأ نبرته متلاعبًا بثباتها ليصل للحقيقة:
- بس أنا بيتهيألي انهم ولا يعرفوكِ ولا يعرفوا أنتوا فين أصلًا!!
إتسعت عينا "نسرين" بصدمة وقد بُهتت تمامًا حتى شعرت بأن روحها قد سحبت منها، لكن عليها ألا تظهر ذلك، لكنها كانت فاشلة تمامًا بإخفاء إرتباكها، إبتلعت ريقها المتحجر ثم هتفت به قائلة:
يتبع 
تعليقات



<>