رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث عشر13 والرابع عشر14 بقلم رشا روميه

رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث عشر13 والرابع عشر14 بقلم رشا روميه
«حالة طوارئ»
في النهاية سيصبح كل شئ على ما يرام مهما غابت عنك الفكرة، يجب عليك أن تتعلم قانون الحزن فأنها وإن كانت ليست المرة الأولى، لكن يومًا ما ستكون الأخيرة، تذكر أنك عندما ظننت أنها لن تنتهى وإنتهت، وبكل مرة صارعت الغرق نجوت، تتعلق الروح بقشة تنقذك في حالة طوارئ، فهناك يد العون التي تمتد إليك وأنت وسط الظلام لترشدك لطريق النور، فقط إطمئن.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

عندما يأتي الفراق يزيد التعلق تعلقًا، تلك الحالة من الوجع التي تجعلك تشاهد الحياة من بعيد كأنك لست منها، قد تصل لدرجة من التعلق التي يستحيل عليك بها تحمل الفراق، فيهديك الله عاصفة تثير بحياتك بعض الفوضى لتعيد ترتيبها بشكل آخر، تساعدك على نسيان ما ظننت أنك لا يمكن نسيانه، تعود بأن كل شئ في الدنيا إما تتركه وإما يتركك، إلا الله، إن أقبلت أغناك، وإن تركته ناداك، ربما تعيش ما تراه شرًا لكن يكمن به كل الخير.
رشا روميه 

في موقع الحادث...
أمر ليس بالهين وحادث مؤلم لمن يشاهد من بعيد، فكيف يكون الحال لمن تعرض له، عيون حزينة متأثرة يعلوها شفقة وإستياء مما حدث، تلك الشاحنة المتوقفة متداخلة بهذه السارة الحمراء التي إنبعج معدن هيكلها بشكل مؤلم للنظر، صورة تفطر القلوب، لكنه القضاء والقدر، ولا يسعنا إلا قول حسبنا الله ونعم الوكيل.

إمتلئ موقع الحادث بسيارات الشرطة وأخرى خاصة بالإسعاف التي علت منها صوت قوي مزعج للقلوب قبل الآذان، حتى تلك المصابيح فوقها التي أخذت تدور بأضوائها تعلن حالة جديدة من حالات الطوارئ.

إنتشر المسعفون يحاولون مساعدة المصابين إن وجدوا لإنقاذهم، قلق وتوتر معتاد بين وجوههم، تلك مهمتم التي يجب تنفيذها بقدر كبير من المهنية.

همهمة شفقة علت شفاة المتوقفين هنا وهناك حين أقبل إثنان من المسعفين يحملون ناقلة وضع عليها أحد ضحايا الحادث، لكن هيئته المغطاة بالكامل قالت ما لم يسأل بعد، فيبدو أنه قد فارق الحياة.

تقدم الضابط نحو المسعفون متسايلًا بجدية:
- مين ده؟

أجابه أحد المسعفين على الفور:
- دي تقريبًا الأم يا فندم، خرجناها بالعافيه من جوه العربيه، بس كانت ميته حضرتك.

حرك الضابط رأسه بتفهم:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، طيب، إتفضل إنت.

ثم نظر لأحد أفراد الشرطة يتأكد منه مما دونه بالتقرير الخاص بتلك الضحية:
- كتبت كل بياناتها؟

- حصل يا فندم، الإسم "مديحة صوان"، توفت مباشرة نتيجة حادث الإصطدام بعد إرتطام رأسها بالزجاج الأمامي للسيارة مما سبب لها الوفاة المباشرة.

حرك الضابط رأسه برفق ثم عقب:
- تمام، حد من العساكر يركب عربية الإسعاف ويكون معاهم، وشوف لي الحالة التانيه والتقرير بتاعها بسرعه.

صيحات متتالية فقد وجد أحدهم على قيد الحياة، تلك أقدار مكتوبة وإن كنتم في بروج مشيدة، أو كنتم ببطن الحوت، هتف أحد المسعفين طالبًا للعون:
- بسرعه هنا، نقاله أوام.

تقدم نحوه رفاقه للمساعدة لحمل الشاب فوق الناقلة لوضعه بسيارة الإسعاف، سحب أحدهم محفظته ليمد يده نحو الضابط قائلًا:
- محفظته أهي يا فندم.

تطلع الضابط بهوية الشاب "أحمد منير"، قبل أن يسأل المسعف عن حالته:
- إيه خطورة الحاله؟

- راسه إتخبطت في التابلوه وازاز العربيه، عنده كسور بس لسه الفحص في المستشفى حيحدد يا فندم.

أشار الضابط نحو سيارة الإسعاف مردفًا بوجه مقتضب:
- العربيات دي رايحه المستشفى الأهلية، مفيش تغيير يحصل.

- حاضر يا فندم.

تم وضع الشاب "أحمد منير" بسيارة الإسعاف التي إنتقلت على الفور لمستشفى الأهلية لمحاولة إسعافه بدون تأخير.

لم ينتهي دور أفراد الشرطة بعد، فالجميع يطوقون المكان يبحثون عن ناجين آخرين من هذا الحادث الشنيع، تحرك أحدهم تجاه المنحدر الترابي ليلاحظ سقوط أحدهم، وتبدو للوهلة الأولى أنها فتاة ملقاة على وجهها مغطاة بالتراب ثابتة تمامًا دون حراك.

نادى بصوت جهوري لينبه أقرانه:
- إسعــــــــــــاف، بسرعه، إسعــــــــــــــــاف.

ركض مجموعة نحو المنحدر ليتخذون خطواتهم بحذر لكنها متعجلة للحاق بتلك الفتاة، تفقدها أحدهم ليجد ملامحها غير ظاهرة بالمرة من آثار الدماء والتراب الكثيف.

سكون حركتها بهذا الشكل دب القلق بقلوبهم خشية من فقدها أيضًا، تحقق أحدهم من نبض القلب لديها ليجدها مازالت على قيد الحياة، لكنها بخطر شديد فنبضها ضعيف للغاية.
بقلم رشا روميه 
تم وضعها برفق فوق إحدى الناقلات قبل الإتجاه بها لسيارة الإسعاف التي إنطلقت نحو المستشفى الأهلية لمحاولة إنقاذها هي أيضًا.

❈-❈-❈ــ

عجيب أن تظن أن من سعى لتحطيمك هو من سيعالجك، مارس حقك في الإنهيار والتعبير عن خذلانك، ففي بعض الأحيان صمودك يعد هزيمة، إنك لم تطلب الكثير لكن ربما كنت تسأل الشخص الخطأ.

بيت خليل زيدان...
كانت تتمنى أن تجد بصيص من النور يوجهها بطريقها، بوصلة تشير إلى الصواب فذلك التخبط الذي حل بنفسها لم تكن معتادة عليه.

ذهبت "زهرة" بزيارة لوالدها، فما حدث من "محمود" اليوم جعلها تشعر بالضيق والتوتر، كانت تظن أنها ستجد من يستمع لشكواها وينصف إضطرابها فهي بالنهاية إبنته، ولم تكتفي من المحاولة لعله يشعر بها يومًا.

لأكثر من ساعة وهي تجلس ببيت والدها تتمنى ولو لحظة واحدة يستمع إليها بقلب أب عطوف، لكن منذ مجيئها وهي تشعر بذات الغربة بينهم، تشتت وضياع وسط أمواج حديثهم المتلاطمة، لا شاطئ ولا طوق نجاة.

نعم اليوم مختلف، اليوم تعيش حالة طوارئ، فلأول مرة تشعر بأن هناك من يهتم بها، لأول مرة تستمع لكلمة حانية، لكنها كلمات خاطئة محرمة، وهي لن تترك نفسها تقع بالخطيئة.

تشتتت أنظارها المتأرجحة بين "خليل" و"سمية" تود لو أن تصرخ بهما ليستمعا إليها، فكل منهم يهتف بوادٍ مختلف، لكنهما بغير واديها، تهدجت أنفاسها المختنقة لتهتف بهم بحنق في النهاية:
- يا بابا إسمعني، أنا تعبت، أنا نفسي أرتاح بجد، "أنور" مبهدلني ضرب وإهانه، على طول مش في وعيه، ده كارهني!!!

رفعت "سمية" حاجبها بضجر تناظر "خليل" حتى لا يتهاون معها، والذي لم يخالف إرادتها حين أردف بإنفعال:
- لا والله، وهو أنا كنت جوزتك عشان أرتاح ولا عشان وجع الدماغ ده كل يوم والتاني.

مصمصت "سمية" شفتيها بإمتعاض لتزيد سكب البنزين فوق النار:
- متهاودهاش يا "خليل"، إحنا معندناش بنات تطلق، ده إيه الدلع الماسخ ده، هو كل واحده تلاقي طبع جوزها متغير تخرب بيتها وتقول أتطلق؟!!!! ما كل واحده محترمه ومتربيه عايشه في بيتها ومستحمله، ما ترضي بعيشتك يا اللي بتتبطري على النعمه، ده إنتِ متجوزه جوازه زي الفل، الكل بيحكي ويتحاكى عليها.

إلى متى ستخفي خوفها؟!! يجب أن تخبرهم بما تشعر به، لن يفيدها تخبئة ذلك بداخلها، فليس كل كتمان رضا، فبعض التغاضي جريمة، لملمت "زهرة" شفتيها المرتعدتين وهي تخبرهم بنبرتها المذعورة:
- بالله عليكم، أنا خايفه لا في مره يضربني ضربه تجيب أجلي!!

حقيقة الإنسان تأتي من أفعاله تجاهك وليس من ظنون تتخيلها، فمن يتحمل الأشواك لأجلك يستحق أن تضحى بروحك فداء له، ولكل قاعدة شواذ فليس كل أب لديه إحساس بالرحمة والمسؤولية تجاه أبنائه، فما كان من "خليل" إلا البحث عن طريقة للتهرب، بل وإلقاء اللوم عليها حتى لا تعيد تذمرها مرة أخرى.
بقلم رشا روميه 
قضب "خليل" حاجبيه بقوة ليوزع إتهامه عليها حتى ترتجع عن طلبها المرفوض:
- إنتِ أكيد إللي بتضايقيه، يعني هو حيعمل كده معاكِ إلا لو بتطولي لسانك وتقعدي تزهقيه زي ما بتزهقينا كده!!

لتكمل "سمية" تلك المعزوفة الخاصة التي يقومان بها معًا لنفض أيديهم من أي مسؤولية تجاه "زهرة":
- معلوم، وهى دي عايزة كلام، ما إنتِ أهو طول الوقت مركبانا العفاريت، زمانك مطهقاه في عيشته.

فغرت "زهرة" فاها بإندهاش، طوال تلك السنوات الطويلة التي جمعتها بهم ببيت واحد كانت تحرص على كونها خفيفة المعشر هادئة الطباع، فكيف لهم الآن أن يصفوها كونها كائنة مستفزة مثيرة للمشاكل، أشارت بصدمة نحو نفسها قبل أن تهتف بدهشة:
- أنا؟!!! والله ما حصل!!

فحتى وإن حاولت إسقاط التهم عنها، سيستغلون براءتها لصالحهم بمكر، قاطعت "سمية" الحديث بحدة:
- طالما محصلش، يبقى تسكتِ وترجعِ بيتك، وبلاش قرف ووجع دماغ، هو إنتِ خِلقه ما كل البنات بتتجوز وتنضرب عادي من اجوازها،(ثم نظرت نحو "خليل" بحدة ليساندها برأيها)، ولا إيه يا "خليل"؟!

أجابها "خليل" بضعف منساق خلف رأي "سمية" التي لم يخالفها حتى لو حاول، فيكفيه نظراتها الحادة التي ترمقه بها لينهي أمر شكوى "زهرة" وإبعادها عنها قدر الإمكان:
- مظبوط يا "سمية"، مظبوط.

مدت "سمية" كفيها الغليظان لتلملم حقيبة "زهرة" لتضع بها عبوة المحارم التي أخرجتها منذ قليل لمسح دموعها بغلظة، ثم أغلقتها بعنف حتى كادت تمزق السحاب الخاص بها، قذفت بها تجاه "زهرة" بإحتقار قبل أن تدفعها بيدها لتنهض من مقعدها بإتجاه باب الشقة قائلة بضجر:
- مع السلامه يا حبيبتي، يلا عشان متتأخريش على بيت جوزك.

إرتعشت شفتيها بقوة وهي تنظر لوالدها بنظرة يملؤها إحساس بالقهر، لقد طُردت من بيت والدها، أمام مرأى عيناه دون أن يُحرك ساكنًا، أتتحمل حياتها مع زوج مدمن؟ أم تتحمل قلب والدها الغلف الذي لن يرق لها، شعور بالمهانة والغربة ليس بجديد وسط تلك العائلة، فقط لو وجدت ضوء خافت لبقيت، لهربت من حياة محكوم عليها بالفشل مع زوج يكرهها ويتمنى الخلاص منها، وبين إحساس وليد يجب أن يُحكم عليه بالموت داخل ساكنها مهما كلفها الأمر.

قضمت شفتيها بقوة منكسة رأسها بتعاسة لو وزعت على الكون بأكمله لفاضت به القلوب، تحركت نحو الخارج بخطوات بطيئة يملؤها التيهة، فهل ستعود؟!!

ستعود لحياتها مع "أنور" وبغضها وتخوفها منه؟ أم ستعود لبيت يجمعها مع أخيه الذي رأت منه اليوم ما لم تراه بحياتها من قبل -الإهتمام-؟ أم تترك كلاهما وتهيم بالطرقات، لا عمل ولا مال ولا عائلة محبة؟ 

إنها مجبرة على العودة، فلا سبيل للهرب، هبطت بضع درجات من السلم لينتفض جسدها بقوة إثر صوت صفق الباب من خلفها، إنهمرت دموعها التي لم تجف محدثة نفسها:
- إذا كان أبويا نفسه مش عاوزني في بيته، حقدر أنا أتكلم ولا أنطق حتى، لازم أرجع تاني حتى لو موتني مينفعش أسيبه، حسيبه وأروح فين، الشارع!!!! الله يرحمك يا ماما.

كما لو أن والدتها الراحلة هي آخر عهدها بشعور الأمان والسند والحنان، أغلقت من حولها الأبواب لتكمل بطريق لا يمكنها التراجع عنه.

هبطت للدور الأول لتقف للحظة أمام شقة صديقة طفولتها "ليلى" وهي ترى ضوء المصباح الداخلي مضئ، تقدمت بتلقائية لتطرق باب منفسها الوحيد بهذا العالم، على الفور أجابت "ليلى" الطارق لتفتح الباب وهي تنظر براحة لقدوم "زهرة" الآن:
- "زوزو"!!! ياااه، لو تعرفي محتاجاكِ قد إيه، تعالي تعالي جيتي فى وقتك.

مسحت "زهرة" دموعها بأصابعها معقبة:
- وأنا كمان محتاجاكِ أوي.

كف حاني يرسله الله لهن بوقت الشدة ليربت على قلوبهن الضعيفة بمحبة خالصة لا رياء فيها، ضحكت "ليلى" بخفة ساخرة من تعاستهما معًا:
- إتلم المنحوس على خايب الرجا، تعالي يا أختي تعالي.

وقت طويل جمع بينهما لتخرج كل منهما أثقالها التي تحملها فوق قلبها، أخبرتها "ليلى" بتخوفها من عدم إيجاد أبناء عنها لإعادة الميراث لهم، بينما وجدتها "زهرة" فرصة لبث شكواها من والدها وزوجته وعنف "أنور" معها، إلا أن "زهرة" آثرت ألا تخبر "ليلى" عما يدور بداخلها من ظنون تجاه "محمود"، لكنها إكتفت بإيضاح أنها كانت ستكون سبب لشجار كبير بينهما.

تفكرت "ليلى" قليلًا لتنصحها بما تقدر عليه من رأي تراه لا بديل عنه الآن:
- إرجعي بيتك يا "زهرة"، طالما أهل جوزك واخدين بالهم منك، حاولى متعترضيش طريقُه خالص وخلاص.

جفلت "زهرة" بعينيها لوهلة ثم أردفت بإنهزام:
- وهو أنا قدامي حل تاني، أنا مجبوره على كده.

- لينا رب إسمه الكريم.

إنتهت تلك الزيارة القصيرة لتعود "زهرة" لبيت عائلة مكاوي مرة أخرى كما خرجت منه، لم تستطع إيجاد سبيل يجنبها ما قد تقع به، فيا لضعفها الذي يجررها لتلك الزاوية التي لا فرار منها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

شقه منصور ورضا...
تبًا لبشر يشعرونك بأن طيبتك هي أسوء ما تملك، هؤلاء من يدركون أنك لن تقوى على الرد فيلتهمونك دون تسمية.

جلس رفقاء الشيطان يتناولون كؤوسهم، كما لو أن ذلك هو كل ما يشغلهم الآن، فعل السوء وأهله فقط، تملل "منصور" من هدوء تلك الشقة بهذه الليلة ليُحدث رفيقه بوجه ممتعض:
- إيه يا عم، فين البت "سارة"، إحنا حنفضل مستنينها طول الليل ولا إيه؟!!

- حكلمها دلوقتِ، وعلى الله متجيش حتبقى هي الجانيه على نفسها بقى.

بإشارة موافقة أشار بها هذا الزعيم لرفيقه ليسمح له بإجراء المكالمة، رفع "رضا" الهاتف ليضعه فوق أذنه متصلًا بـ"سارة":
- إنتِ فين يا حلوه، إتأخرتِ ليه كده؟

شعور موجع بالذنب أصبحت لا تقدر على تحمله لتتوسل له بأن يعفيها من مواصلة تلك الذنوب:
- بالله عليك يا "رضا"، بلاش أنا النهارده، مش عايزة آجي.

إنفعل "رضا" صارخًا بنبرة تحمل التهديد:
- مش عايزه إيه؟؟ إنتِ فاكره نفسك بتختاري ولا إيه؟ إنتِ لازم تيجي يا *** ***.

وإن سلمت من بُعدها لن تسلم من لسانه وألفاظه النابية لكنها أكملت بتوسل:
- إرحمني و سيبني في حالي بقى!!!

مط "رضا" شفتيه وهو يتفاخر بما سيتفوه به أمام زعيمه ومعلمه ليردف بتهديد واضح:
- شوفي بقى، قدامك ربع ساعه وألاقيكِ قدامي، يا إما بقى يا شاطره تستحملي إللي حيحصل، ماشي.

أنهى حديثه مغلقًا المكالمة دون إنتظار رد منها، طريقة مستخدمة ومتكررة لكنها رغم ذلك ناجحة للغاية، فكلماته التهديدية أثارت الفزع بداخل "سارة" لتنهض على الفور تبدل ملابسها سريعًا لملاقتهم بشقة "منصور" كما إعتادت.

تسللت دون أن يشعر بها والديها المستغرقان بالنوم لتذهب لطالبيها دون تأخير، شعور بالتقزز والإشمئزاز من نفسها قبل أن تشمئز منهما، فما تفعله جرم محرم، لكنها مجبرة على ذلك.

وصلت إلى شقتهم فى الوقت الذى حدده لها "رضا" دون تأخير، وما الذي سيتغير، نفس البيت والهيئة وزجاجات الخمور ولفافات التبغ غريبة الطعم والرائحة، كل المقومات لتبدأ ليلة صاخبة إعتادوا على قضائها معًا في مجاراة الشيطان بحرام ما يفعلونه ...

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية...
وإن كان لكل ضجيج بعض السعادة فهناك ضجيج آخر يقبض الأنفاس، فمع توارد وصول سيارات الإسعاف الخاصة بالمستشفى سادت أجواء من الإرتباك وإعلان حالات الطوارئ.

خطوات سريعة هنا وهناك بين متلقي ومسعف لضحايا حادث الطريق الصحراوي الذين وصلوا المستشفى منذ قليل، فلم تكن السيارة التي تستقلها "فرح" ووالدتها فقط هي الوحيدة بهذا الإصطدام، فقد تبع الحادث عدة إصطدامات متتالية نتيجة إنزلاق إطارات السيارات على الطريق بعل عبوات الزيت المسكوب.

أسرع الأطباء بإستقبال حالات الطوارئ التي قدمت للتو، بعض الحالات قد فقدت للأسف مما سبب حالة من الحزن والضيق بداخل المستشفى.

فتحت جميع غرف العمليات بتأهب تام، الكل مشغول بدقة ودون توتر فهذا عملهم وعليهم إنجازه بأسرع وقت ومنتهى الدقة، تقدم إثنان من المسعفين يحملون إحدى الناقلات والتي وضعت عليها "فرح"، وبغياب تام عن الإدراك والوعي، أقبل أحد الأطباء بمهنية عالية لقياس عملياتها الحيوية أولًا من قياس ضغط الدم وسرعة ضربات القلب فقد نزفت الكثير من الدماء.
بقلم رشا روميه 
ضعف نبض القلب جعل هؤلاء الملتفين حولها يسرعون لإدخالها لغرفة العمليات لمحاولة إنقاذها.

جروح غائرة ونبض كاد يتوقف وجرح عميق بمؤخرة الرأس بسبب صدمات متتالية بكتلة صخرية أو جسد صلب، تم معالجة تلك الجروح جميعها ونقل للدم الذي فقدته أثناء الحادث.

أخذت إحدي الممرضات بتنظيف الدماء عن وجهها برفق شديد وهي مازالت تحت تأثير الصدمة وبدون وعي على الإطلاق، بعد إنتهائها من تنظيف وجهها كاملًا إقتربت لتضع المغذي بذراعها لتعويض سوائل جسدها بمحلول مغذي كما أمر الطبيب.

برفق شديد ومهارة عالية إستطاعت تلك الممرضة بوضع إبرة المغذي بوريدها، لكن قد لفت نظرها قبض "فرح" لكنها بقوة كما لو كانت تطبق على شئ ما، فتحت الممرضة أصابع يدها لتجد قصاصة من الورق، تعجبت للغاية من إحتفاظها وتشبثها بقطعة الورق المطوية تلك.

وقبل أن تفتحها وتقرأ محتواها دلف إحدى الممرضات بشكل مباغت قائلة بتعجل:
- يلا يا "ريم"، إنتِ لسه هنا، الدنيا متبهدله بره، ودكتور "سعيد" شادد الدنيا على الآخر.

وضعت "ريم" قطعة الورق بجيب معطفها قبل أن تجيبها ببعض التذمر وهي تخرج برفقتها من الغرفة:
- يا دوب ركبت المحلول أهو، وبعدين أنا المفروض في الأجازه دلوقتِ، ده إيه الأجازه المنظوره دي، يعني وقت ما أمضي الأجازه من دكتور "سعيد" تيجي لنا حادثه وطوارئ ومعرفش أروح.

- يلا بلاش رغي، ساعة زمن وتكوني في بيتكم يا أختي.

رقدت تلك الغائبة عن الوعي بتلك الغرفة وحيدة دون أن تدري ما أصاب والدتها، مغمضة العينين تعيش في عالم آخر، بعد إستغراقها لوقت طويل بغرفة العمليات حتى يستقر وضعها الصحي ومعالجة جروحها تم وضعها تحت الملاحظة حتى تستفيق وتستعيد قدرتها على الحركة مرة أخرى.

حين يشتد عليك الألم تبحث عمن يشاركك أوجاعك، تتقاسم معه آهاتك وآلامك، لكن حين تعلق وحيدًا تبحث عن وجه مألوف وتتيقن من ضياعه وعليك الإنتباه لنفسك بمفردك، إعلم أن الله رحيم وسيولد لك من رحم الألم رحمة، فما يطمئنك سوى أنه ناصيتك بيده، ماض في حكمه، عدل في قضائه.

❈-❈-❈ــ 

أكثر الأشياء إيلامًا هي أن تكون مضطرًا لأداء مهمامك كما ينبغي حين يحكم الحزن قيوده فوق قلبك، أن تستمر بالحياة وكأن شيئًا لم يحدث، أن تعيش الحياة وأنت تتمنى ألا تعيشها.

بيت عائلة مكاوي..
وإن حاولت التخلي لكن مازال القدر يتحدث بدلًا منها، ها هي "زهرة" تعود لبيت عائلة زوجها دون أي تغيير تمنته، كانت تتوق للخلاص والنجاة، لكن كالعادة لا تلاقي سوى الخذلان وقهر النفس.

وجه عادي متقبل وإبتسامة هادئة إستقرت فوق ثغرها، قناع لطيف يظهر للجميع بينما يخفي خلفه هشاشة وإضطرار للإستكمال بدون روح أو حياة.

قابلت "فردوس" بوجهها البشوش لتعتدل والدة زوجها فور رؤيتها ترحب بقدومها بسعادة:
- تعالي يا "زهرة"، أبوكِ عامل إيه؟ إطمنتي عليه؟

- الحمد لله يا ماما "فردوس".

بإعياء شديد نهض "زاهر" من جلسته:
- طيب، حمد الله على السلامه يا "زهرة"، أقوم أنا أرتاح شويه، أحسن دماغي وجعاني أوي النهارده، شكل الضغط علي عليا تاني.

مطت "فردوس" شفتيها بإستياء من إهمال "زاهر" لصحته:
- ما إنت بقالك يومين مش بتاخد الدوا بتاع الضغط!!

- والله زهقت، كل يوم دوا، تعبت منه، بس أنا حاخد حبايه وأدخل أنام، ابقي طمنيني لما يرجع "محمود".

بإيمائة لطيفة أجابته "فردوس":
- حاضر.

شردت "زهرة" متفكرة بإندهاش، فهل مازال "محمود" بالخارج؟! ألم يعد بعد من متجرهم؟! لقد تأخر الوقت كثيرًا عن موعد عودته، ترددت كثيرًا تلوم نفسها على تفكيرها به بل وتشعر بأنها تفتعل جرم ما حين سألت بتردد:
- هو ااا، هو "محمود" لسه مرجعش كل ده؟!!

أجابتها "فردوس" بتلقائية:
- لا والله يا بنتي، من ساعة ما خرج الصبح وهوولسه بره، دي أول مره يتأخر كده، عشان كده كنا قاعدين مستنيينه يرجع عشان نطمن.

تطلعت "زهرة" حولها تتهرب من نفسها كما لو أنها لا تهتم:
-  أمال فين "جميلة" والبنات؟

ضحكت "فردوس" بقوة حين تذكرت أمرًا ما، لتجيب "زهرة" بنبرة مبتهجة وهي تربت فوق مقعد الأريكة لتشاركها إياه:
- إسكتِ، تعالي أقعدي لما أحكيلك إللي حصل.

جلست "زهرة" وقد إتسعت إبتسامتها على إثر ضحكة "فردوس"، كما لو أن الضحك مرض معدي لتجد نفسها تضحك دون سبب لذلك:
- قعدت اهو، إيه يا ماما، خير، إيه إللي حصل.

بطريقة مشوقة للغاية أخذت "فردوس" تقص على "زهرة" بنبرة متهكمة ضاحكة:
- دي راجعه من بره ولا كأن حد مديها علقه إنما إيه، مقدرتش تقعد وطلعت فوق تنقع رجليها في ميه وملح من كتر الوجع، ما إحنا قلنالها بلاش بهدله، وكانت تطلب من "محمود" إللي هي عايزاه وخلاص، بس هي عنديه ودماغها ناشفه.

كما لو كانت "فردوس" تتشمت بما حدث لـ"جميلة" بسبب عنادها، لكن "زهرة" رغم ذلك لم تشأ التشمت بها، لتردف بصفاء قلب:
- سيبيها على راحتها يا ماما.

-يلا، كل واحد ينام على الجنب إللي يريحه.

قالتها "فردوس" ومازالت الضحكة المتهكمة تعلو نبرتها، أقبل "محمود" وهو يستمع لحديث والدته الضاحك دون تمييز سبب ضحكتها، لكنه وجد نفسه يبتسم تلقائيًا أثناء دخوله.

إحساس السعادة هذا قد غاب عن هذا البيت منذ فترة طويلة، فكان لو يتتوق لسماع ضحكة أو خبر مفرح، يشتاق لنسمة من الصفاء والسعادة الغائبان عنه.

نبرته الرخيمة وهو يعقب دون أن تنتبها لعودته جعلتهم ينظران نحوه حين قال:
- يا رب دايما مبسوطين كده، إيه، بتضحكوا على إيه، ما تضحكوني معاكم؟

بمحبة غلبت شخصيتها الهادئة الودودة، ضربت "فردوس" ذراع "زهرة" بخفة معقبة وهي تتمالك ضحكتها المستمتعة:
- إيه ده، إنت جيت يا "محمود"، لا ولا حاجه، دى حاجه كدة بيني وبين "زهرة".

لم يكن يومًا فضولي أو يتخلل أسرار الغير، ليومئ بتفهم:
- براحتكم.

تحركت "فردوس" بخفة إستعدادًا للنهوض من جلستها:
- حقوم أحضر لك الأكل، أصل إنت إتأخرت أوي واحنا أكلنا خلاص.

أشار نحوها "محمود" برفض تام:
- لا مش جعان، أنا أكلت فى المحل لما الوقت إتأخر.

إلتزمت "زهرة" الصمت التام وهي تطأطئ رأسها دون رفع عينيها خلال حديثهم، فإن توجب عليها البقاء عليها السيطرة التامة على تصرفاتها وعدم إثارة أي حديث من قريب أو بعيد مع "محمود".

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، تلك اللحظات السعيدة المسروقة من أثقال الحياة يعكر صفوها على الدوام قدوم "أنور"، مرض عضال يتخلل هذا البيت وقلوب من فيه.

بحركة غير متزنة وعيون زائغة بدرجة تزيد عن كل يوم، فيبدو أن مصاغ "زهرة" قد ظهر أثره ببذخ لتلك الجرعات الزائدة من المخدر، لم يستأذن أو يسلم، بل إندفع نحو الداخل صارخًا بدون حساب:
- إيـــــــــــه..!!!

إلتفت "محمود" تجاه أخيه الحاضر الغائب، إقتضب وجهه بعبوس شديد فهذا لقائه الأول به بعدما طلبت منه "زهرة" بالصباح ألا يتعرض له، فإن قد مررها بالصباح فلن يمررها الآن، صاح به "محمود" بحدة لطريقته الغير متزنة بالحديث:
- مالك يا "أنور"، ما تفوق كده!!

زمجر "أنور" بغضب ليُحدث أخيه كما لو كان عدوًا له:
- أنا، فايق، أكتر منك!!!

كظم "محمود" غيظه منه فهو لا يريد أن يلحق بأخيه الأصغر الأذى، لكنه رغم ذلك لم يشأ بأن يتطاول عليهم بذهنه الغائب، ليهتف به بنبرة آمرة:
- لم نفسك يا "أنور" وإطلع شقتك.

وقف "أنور" بمجابهة "محمود" فقد ضاق ذرعًا بهذا المتحكم به وبحياته، الذي فرض نفسه وصيًا عليه وعلى تصرفاته وأمواله أيضًا.
بقلم رشا روميه 
بوجه يموج به غضب شديد دون سيطرة على نفسه أو مراعاة أنه يتحدث لأخيه الأكبر، صرخ به "أنور":
- يا سلام، خلاص، بقيت إنت إللي، بتدي الأوامر في البيت ده خلاص؟!!!

لم ينسى ما فعله مع "زهرة"، بل تناسى ذلك لأجلها فقط، أمر جعله يلملم غضب ليزفر "محمود" بقوة ليتحكم بإنفعالاته حتى لا تنفلت منه:
- اللهم طولك يا روح، إطلع يا "أنور" أنا حايش نفسي عنك بالعافيه.

تلاشت ضحكات "فردوس" التي كانت تملؤها منذ قليل وحل محلها التخوف والقلق، هيئة "أنور" اليوم تبث الفزع وتدفع بهم لزاوية مظلمة ستسبب شجار بين ولديها، لتتبدل نبرتها للتوسل المختنق قائلة:
- ليه بس كدة يا ربي، بس يا "أنور"، مالك ومال أخوك!!! هو كلمك، داخل تجر في الشر ليه؟!!

لم يعد يبالي لمن يصرخ، ولمن يبطش، لقد تحول "أنور" لكتلة من التبلد وعدم التفرقة، لا يهمه سوى نفسه، إنقلبت بداخله موازين الأمور، لم تعد لديه مبادئ يخشاها، أو توقير لكن يستحق، لم يعد يميز بين الصواب والخطأ، حياته وقتية مرهونة بما يريده في الحال، لا يهمه كيف أو متى، لقد أصبح خارج عن المألوف، تعلن بوجوده كل حالات الطوارئ.

علا صراخه الهادر بوالدته، صراخ إهتزت له جدران هذا البيت الراسخ:
- إسكتي بقى، هو إيه!!!!!! مفيش في الدنيا غير "محمود"، "محمود"، "محمود"!!!!! هو أنا مش إبنك برضه ولا إيه؟!!

لقد تخطى الحدود، وإن سمح رغمًا عنه بتمرير ما فعله بـ"زهرة" فهو لن يسمح بتمريرها الآن، فمن يصرخ بها هي والدته، إنها من يكرمون لأجلها، إنها من ضحت وتعبت وحملت أوجاعهم بدلًا منهم، إنها من تقع الجنة تحت رضاها، لن يقبل لها بالإهانة أو التطاول من هذا المنفلت.

لم يتمالك غضبه تلك المرة بل قابل "محمود" غضب "أنور" وصراخه بغضب أشد وأعمق، غضب زلزل بقوته نفس هذا المختل:
- إنت إتجننت تزعق لأمك كده!!!!

إضطربت نفس "أنور" خوفًا من أخيه لكنه لم يظهر ذلك ليهتف أثناء مغادرته:
يــــــــــــووه، قرفتوني كلكم، أنا ماشي.

بعد أن إتخذ بضع خطوات نحو الخارج، عاد مرة أخرى تجاه تلك الصامتة التي إتخذت زاوية بعيدة عن هذا الشجار.

وقفت "زهرة" بأعين هلعة من عودته وإتجاهه نحوها، لملمت نفسها بتخوف كلما إقترب خطوة منها، ضغطت بقوة فوق شفتيها التي تمنعهما من الصراخ تستغيث بأن يلحق بها أحدهم منه، رؤيته وقُربه أصبحا غير محتملين بداخلها، هي التي تتحمل الشقاء كله أصبحت لا تقدر على تحمل هذا الرجل.

نظراتها المفزوعة وتشبثبها بموضعها بهذا الشكل كانت تقطع قلوبهم، خاصة "محمود" الذي نكس عينيه عنها متغاضيًا عن خوفها المؤلم لقلبه، فعليه ألا يُحرك ساكنًا، إنها زوجته وليس عليه التدخل.

سحب "أنور" ساعد "زهرة" يدفعها للتحرك معه قائلًا:
- تعالي معايا.

إرتجف جسدها مع كلماته لتتمسك بموضعها مردفة بنبرة مهتزة يملؤها الخوف:
- خليني هنا شويه!!!

ليس هناك لذاهب العقل لين أو تفاهم، بل أطلق صياحه وصوته العالي مرة أخرى:
- هو إيه اللي خليني هنا!!! بقولك تعالي معايا.

أرادت لو تحصل على وقت زائد، هدنة ربما تهدئ من نفسها المرتجفة، لتتوسل إليه بضعف:
- شويه طيب وأحصلك.

ترك ساعدها ليمسك شعرها بقوة ليضطرها بمرافقته فهي ملك له ولن تخلف له أمرًا، فيكفيه أخيه الذي يسيطر عليه بقوته، لكنه يقدر على فرض سيطرته وقسوته على تلك الضعيفة ولن تقدر على التملص منه، هتف بها بحدة:
- لما أقول كلمه تتنفذ في ساعتها، فاهمه!! إتحركِ قدامي.

وضعت "زهرة" كفها فوق حجابها تتمسك بشعرها الذي يقبض عليه بين كفه الغاشم مردفة بألم وإنصياع:
- اااه، طيب، حاضر، سيب شعري بس.

شعور بالقوة والسيطرة جعلا "أنور" يستمتع بضعفها وتألمها بين يديه، أمر جعله يزيد من جذبه لشعرها لتزداد تأوهًا، ذلك الإستمتاع الذي أعجبه بشدة خاصة وهو يرى تساقط دموعها المتألمة، زهو بقدرته على إلحاق الأذى بها وفرض قوته عليها.

تعالت ضحكات "أنور" كالمعتوه:
- إنتِ لسه شوفتي مني حاجه.

وقفت "فردوس" حائلًا بين خروجهم من الشقة لعلها تنقذ تلك المسكينة من بين يديه:
- حرام عليك يا "أنور" سيب البت.

تطلع بوالدته بتقزز ليردف بتحدي:
- والله ما أنا سايبها، مش دي اللي إنتِ عايزه تعلميني بيها الأدب، أهو أنا بقى إللي حعلمهالك الأدب.

كور "محمود" قبضته متمالكًا غضبه من أخيه حتى لا يتدخل، لكنه لا يرضى مطلقًا عما يفعله بتلك المسكينة، حيرة قلبه ومشاعره التي ولدت بين أضلاعه جعلته يخشى التدخل حتى لا يفهم خطأ، إنه لن يخطئ ويقع بما حرم الله، لكنها ضعيفة ولا تقوى على مواجهة "أنور" وحقارته.

بالكاد وقف جانبًا دون تدخل، لكن دقات قلبه المتلهفة عليها جعلته يزداد تشبثًا بالوقوف محايدًا دون تدخل، فما أصعب تأنيب النفس عن مشاعر ليس له يد بها، لكنها مشاعر ليست من حقه.

ترك والدته تتصدى لـ"أنور" لعله ينصاع إليها ويوقرها ويترك "زهرة" من بين يديه، لكن "أنور" شعر بقوته، تلك التي لا تأتيه إلا بوجود "زهرة"، لهذا لن يفلتها من بين يديه، لن يضيع فرصة تظهر أنه قادر على فعل شئ قوى يخشاه الجميع.

لم يكترث بإعتراض والدته له ليبدأ بدفع "زهرة" بقوة دون إفلات قبضته عن شعرها، بل زاد الأمر بركلة قوية ضربت ساقيها حتى إختل توازنها، وتعالت صرخة متأوه أخرى زادت قلب "محمود" إيلامًا.

أغمضت "زهرة" عينيها لوهلة بألم، لكن حين فتحتهما لم تجد سوى "محمود" أمامها لتنظر له بتوسل ليخلصها من بين أيدي أخيه، لقد تحملت ما يمكنها تحمله حتى لا يكون هناك تواصل بينها وبينه، لكنها لم تعد تتحمل تلك القسوة، وما سيفعله بها حين تخرج من هذه الشقة، لم تجد سوى منقذًا واحدًا فقط، لم تجد سوى "محمود".

نظراتها المتوسلة كانت هي الحد الفاصل، لن يتركها تعاني من هذا الضائع، ليدنو من أخيه يحكم قبضته فوق قبضة "أنور" بقوة:
- إنت إيه يا أخي، حيوان، سيبها، سيبها بقولك.

أفلت "أنور" شعر "زهرة" من بين أصابعه لشعوره بالألم من قبضة "محمود" القوية، تحرك "أنور" مبتعدًا لخطوة وهو يمسك بكفه المتألم إثر ضغط "محمود" عليها، بينما هتف بحنق من تدخله:
- وإنت مالك إنت، بتتدخل ليه؟!!  ليك فيها إيه دي كمان؟!!!

كما لو كان ضغط على جرحه بكلماته، كما لو أنه سلط ضوءًا يكشف خباياه، كلمات "أنور" ألجمت "محمود" تمامًا للحظات قبل أن يتدارك ضعفه الذي لا يمكن أن يظهر مهما حدث حتى لا تنفضح مشاعره:
- لأنه ميصحش تمد إيدك عليها، فاهم؟!!

عقص "أنور" وجهه بقوة يتحدى قوة "محمود" بقوته الضعيفة:
- طب إيه رأيك حتضرب، وقدامك كمان.

تقدم "أنور" خطوتين بسرعة في إتجاه "زهرة" وهو يرفع ذراعه عن آخره ليضربها أمامهم، ليقفز "محمود" واقفًا يحول بين "أنور" و"زهرة" التي تقوقعت ترفع ذراعيها فوق رأسها تحاول حماية نفسها من هذا المعتوه.

هتف "محمود" بحنق:
- لا ااا، ده إنت إفتريت بقى، طب والله لو مديت إيدك عليها لأكسرهالك يا "أنور"، وريني بقى حتعمل إيه؟!!

أنهى "محمود" جملته بغضب وهو يدفع "أنور" للخلف مبعدًا إياه عنه وعن "زهرة" التي إحتمت بوجود "محمود".

تحرك "أنور" بغيظ ليخرج من شقة والديه متجهًا نحو شقته بالأعلى في غضب من عدم قدرته على هزيمة أخيه للمرة الثانية، بينما تمتم بسخط:
- أهي عندك إشبع بيها.

نظرت "فردوس" بتحسر لولدها الذي أذهب المخدر عقله وإتزانه، وأصبح وجوده يسبب لهم الهم والضيق طيلة الوقت، شاركها "محمود" بضيق عما حدث دون أن يتفوه بكلمة، لكن وضع "أنور" أصبح لا يمكن تحمله.

تراجعت "زهرة" بإرتجاف لتجلس فوق أحد المقاعد وهي تشاهق بالبكاء، فلم تعد تقوى على الظهور بالمظهر المتماسك بعد الآن، تطلعت بها "فردوس" بنظرات مشفقة:
- الله يسامحك يا "أنور"، معلش يا بنتي، أنا السبب في جوازك منه، يا ريتني ما جيت وطلبتك وظلمتك معاه.

جلست "فردوس إلى جوار "زهرة" تربت عليها بحنو، بينما طالت نظرة "محمود" لهما ليردف بجدية تامة نحو "زهرة":
- إنتِ تباتي هنا النهارده، متطلعيش فوق، أنا مش ضامن ممكن يعمل إيه وهو مش داري بالدنيا بالشكل ده.

نظرت نحوه "زهرة" بإستسلام وهي تومئ برأسها إيجابًا، بينما أكمل "محمود" يُحدث والدته:
- خدي بالك منها يا ماما، ولو "أنور" فكر يقل عقله تاني، رني عليا بس، أنا مش حنام النهارده.

أجابته "فردوس" بتلقائية:
- متقلقش يا "محمود"، إطلع انت لمراتك وعيالك.

أفاقته تلك العبارة من غفلته التي غاب بها لبعض الوقت، كلمات أوقفته على حقيقة حياته ليسقط عيناه أرضًا مرة أخرى قبل أن يصعد نحو شقته، لتقضي "زهرة" ليلتها بغرفة "أنور" مرة أخرى.

❈-❈-❈ــ

بأي حق أبحث عن سعادتي، فتلك السعادة موصومة بعار، لكن مرحى بضمير مازال مستيقظًا، فإن إشتد علي الذنب فيتوجب حينها الرحيل، قبلت أو رفضت ستبقى بقلبي أمل لا يمكنني حتى أن أحلم به.
رشا روميه 

شقة محمود مكاوي...
بجسد منهك وإحساس متعاظم بالألم، ذلك الذي كان نتيجة عنادها وبقائها طيلة اليوم برفقة العاملين بذلك المخزن القديم، رفعت "جميلة" رأسها بتذمر من تلك الأصوات العالية والصراخ الذي أقلقها من نومها لتتسائل بضجر:
- إيه إللي بيحصل تحت يا "محمود"، الواحد مصدع ومش عارفه أنام من الصوت بتاعكم ده كله؟!

إنها لا تهتم بما يحدث من خلاف، لا يهمها سبب إنفعاله وضيقته، أو حتى تكترث لمشاكل عائلتهم التي هي فرد منها، ربما يحركها الفضول، أو قلق بسبب صوتهم العالي لا أكثر.

تنهد "محمود" ليجيبها بإقتضاب:
- مفيش حاجه، نامي إنتِ.

تململت بنومها دون النظر إليه:
- وهو الواحد عارف يرتاح من صوتكم ده، هم دول "أنور" و"زهرة" برضه؟

- أيوه.

قالها "محمود" بنبرة ضيق بينما أكملت "جميلة" بلوم شديد كما لو كانت تؤنبه على أفعاله كطفل صغير تصحح أخطائه:
- وإنت أتدخلت تاني؟!!!! مالنا إحنا ومالهم، ما هو حر مع مراتك ياكش ياكلها، عاجبك الصداع ووجع الدماغ ده كل يوم والتاني!!

  
هتف بها "محمود" بضيق وعدم تحمل لتأنيبها الذي ليس له داعي:
- ما خلاص بقى يا "جميلة"، بقولك نامي إنتِ، الله.

جذبت غطائها لتغطي رأسها بتذمر:
- يووه، طيب، اوووف.

جلس "محمود" بالمقعد المجاور للفراش محاولًا البقاء مستيقظًا هذه الليلة فربما تطلبه والدته لإيقاف "أنور" إن حاول التعدي على "زهرة" بالضرب مرة أخرى.

❈-❈-❈ــ

كثر الغائبون حتى نسيت من أنتظر، بعض الأمنيات تتلاشى تمامًا أمام بحثك عن عافيتك، فربما تشاء ما تشاء وتحلم، ويشاء الله في السماء ويحكم.

في صباح اليوم التالي...
المستشفى الأهلية....
نومة عميقة طالت بتلك الغائبة عن الوعي منذ حادث الأمس، فهو لم يكن ألمًا عابرًا بل هو إختبار قوي يمر به المرء وعليه التحمل والرضا.

بذلك التوقيت الخاص ببداية المناوبات الصباحية، تقدم الطبيب المتابع لحالة "فرح" الصحية بالمستشفى الأهلية ليفحصها ويطمئن على حالها، فبعد الحادث مباشرة وخروجها من غرفة الطوارئ، بقيت تحت الملاحظة والمزيد من الأدوية المخدرة حتى تتأقلم على هذا الألم.

كان ما يخشاه الأطباء هو صدمتها بمعرفتها بموت والدتها الذي لا تدري عنه شئ بعد، دلف الطبيب إلى غرفة "فرح" برفقة إحدى الممرضات لمساعدته.

وأخيرًا وبعد تلك الساعات العصيبة الماضية بدأت "فرح" بالعودة للواقع والحياة الحقيقية، شعرت بقدوم أحدهم لتفتح عيونها وتبدأ إستفاقتها، فهي لا تعلم أين هي ومن هنا الذي يدنو منها.

أخذت بضع لحظات لتدرك أنها ليست على ما يرام، وقت حابس للأنفاس وإضطراب لروحها جعلها تنتفض فزعًا لتطلق صرخاتها الفزعة دون فهم أو إدراك:
- إنت مين؟!! رد عليا، أنا فين، حد يرد عليا، ولع النور، الدنيا ضلمه، ولع النور.

إقتضب وجه الطبيب الذي أسرع ليطمئنها قليلًا فيبدو أن آثار الحادث النفسية تؤثر عليها:
- بالراحه يا "فرح"، إهدي شويه، قوليلي حاسه بإيه؟

تهدجت أنفاسها بفزع لتهتف به بحدة: 
- إنت مين بقولك؟!! ولع النور أحسن لك، أنا مبحبش الضلمه خالص، مبحبهاااااش!!

دار الطبيب برأسه يمينًا ويسارًا بتعجب:
- أولع النور!!!!! هو إنتِ مش شايفه حاجه خالص؟؟!

سؤال إجابته تفزع لا تطمئن بالمرة، دارت عدة أفكار برأسها دفعة واحدة لتجيب بنبرة مترددة يملؤها التخوف من سماع إجابه تساؤلها:
- يعني إيه؟!! هو النور شغال؟!!!!!!!!

- أيوه يا بنتي.

هنا أدركت "فرح" الحقيقة التي يا ليتها لم تعلم بها، ليتها ظنت أنها مازالت تحلم، ليتها ظنت أنها تجلس بغرفة مظلمة لبعض الوقت، إنها ستظل حبيسة ظلامها إلى الأبد، علت شهقاتها قائلة بيأس وتعاسة:
- يعني إيه؟!! أنا إتعميت، أنا مش شايفه حاجه خالص!!!

- إهدي بس، يعني شايفه بسيط ولا الدنيا ضلمه خالص؟!!

تائهة وسط طريق غير معلوم، تتخبط دون إدراك وتتمنى فقط النجاة، هكذا كانت "فرح" وهي تهتف بفزع مما أصابها:
- لا، ضلمه خالص، أنا إتعميت، أنا إتعميت، أنا، أنا فين؟!! أنا فين؟!! إنت مين و إيه إللي جابني هنا؟!!

كان الطبيب يتوقع بعض المضاعفات إثر هذا الحادث، لكن يبدو أن تأثير الحادث أكثر مما توقع، فيبدو أن هذا التخبط أصابها بالعمى، فقدان بصرها لشابة بمقتبل حياتها لهو إختبار قاس، يجب أن يهدئها ويرشدها للتقبل، فربما ذلك ليس أثر الحادث فقط، فربما فقدان والدتها له عامل مؤثر بذلك.

حاول الطبيب شرح حالتها بإيجاز فربما تهدأ قليلًا:
- إنتِ عملتي حادثه، والحمد لله جت سليمه، و إللي إنتِ فيه ده مجرد آثار للحادث، وبإذن الله حيروح، إهدي إنتِ بس، مفيش داعى للإنفعال ده، عشان تقدري ترجعي زي الأول بسرعه.

تيهة كبيرة تصيبها، فماذا فعلت لتلاقي كل ذلك، تقطعت أنفاسها أثناء تساقط دموعها لتسأل بتفاجئ:
- حــادثة.. ايــه؟؟؟!!

- حادثة العربيه إللي إنتِ كنتِ راكباها على الطريق السريع!!

حاولت "فرح" التركيز بقوة، فحتى محاولة إحضار ذهنها كان صعب للغاية، لتهتف بالنهاية بنفي كل ما يحدثها به بإندهاش تام:
- أنـا!!!!  أنا مكنتش راكبه أي عربيه!!!!

إتسعت عينا الطبيب بحيرة وصدمة ليباغتها بسؤال مباشر:
- إنتِ عارفه إنتِ مين و إسمك إيه؟

كيف لسؤال بسيط كهذا يمكن لطفل صغير الإجابة عنه يجعلها تُصدم بتلك الدرجة، إرتفع حاجبيها بصدمة من كونها لا تستطيع الرد، لتهمس بخفوت:
- لأ

الفصل الرابع عشر14 
«لقاء ساحر»
من قال أن قانون الجاذبية بدأ بتفاحة بالتأكيد لم يرى عينيك، فبها عَلِقتُ وسقطت، وبها قُيد ما كان حُرًا، تبًا لقانون قال أن الكون متزنًا دون أن يدرك أن القلب للقلب يميل، فإن سُئِلت عن لقاء جمع بيننا فلا يمكنني قول إلا أنه لم يكن مجرد لقاء، لقد كان حياة.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

المستشفى الأهلية...
كل ما ستتلاقاه هو تعامل طبي بحت، ملاحظة عوارض طبية وإنتهى الأمر، من سيرافق ويربت، من سيغمرها بالحنان وهي بتلك الحالة، من سيأخذ بيدها لبر الأمان، وحيدة بركن مظلم، لا تدري عن نفسها شيئًا.

مجرد كلمات ليبدأ الطبيب فهم الوضع لحالة "فرح" الطارئة، إنها قد فقدت البصر، وأيضًا فقدت الذاكرة، حتى لو أشفق عليها فهو مجرد غريب، سينتهي تأثره بمجرد خروجه من الغرفة ليبدأ عمله مع حالات أخرى.

إمتعض وجه الطبيب حين سأل "فرح" إن كانت تتذكر إسمها أو أي معلومات عنها وأجابته بالنفي، حاول ألا يظهر عظم الموقف حتى لا يزيد تأثرها النفسي:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا عايزك متقلقيش، ده بنسبه كبيره اوي عارض مؤقت بسبب الحادثه، بتخف وتتلاشى مع الوقت.

سواء من صدمات رأسها المتكررة، أو تأثر نفسي نتيجة الحادث وفزعها على نفسها وأمها، إلا أن النتيجة واحدة، فاقدة للبصر والذاكرة، أمران كلاهما صعب تجاوزه، وتخطي تلك المرة يستدعي طبيب آخر وليس جراح مثله، لهذا كان يتوجب عليه أن يطمئنها قدر الإمكان دون تدخل بتخصص أطباء آخرين.

تقوست شفتي "فرح" بحزن عميق:
- بس أنا عميــــــــا، وكمان ولا فاكره أنا مين ولا جيت هنا ليه وإزاي، إزاي عاوزني مقلقش، طب إزاي، إزاي؟!!

حالة نفسية مهشمة يجب عليه التدخل بما يمكنه المساعدة، مجرد حقنة مهدئة لتنسل بهدوء لنوم مطلوب حتى تهدأ أحوالها ومعرفة كيفية التعامل معها على هذا الوضع الجديد.

أمر الطبيب الممرضة المصاحبة له بحقنها بحقنة مهدئة قبل أن يتركانها بظلامها وتيهتها حتى تهدأ وترتاح تمامًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

كيف يؤتمن شخص هُنت عليه، كيف تثق في من يتخذ الخيانة سبيلا، كيف تتبع الكاذب حين يوهمك بأنه على حق، فإن كان إحساسه مزيف وحديثه مزيف ورغم ذلك قَبِلت؟!

بيت نسرين الحناوي...
وإن أردت أمرًا فأقضيه بوضح النهار وإلا ستكون مخطئًا، فلا يتوارى سوى المذنبون.

مع حلول الصباح جلست "نسرين" تنتظر خروج والدتها للعمل بموعدها المعتاد، ومن بعدها تبعها خروج اخويها "نادر" و"ماهر" بذهابهم للمدرسة، لتبقى وحدها بالشقة.

أمر تنتظره كل يوم لتبدأ هي جولاتها المخفية خلف شاشة هذا الهاتف الذي لا تتركه من يدها.

بدأت محادثة جديدة حين أرسلت رسالة لـ"خالد" ظلت بعدها تنظر بتملل لشاشة الهاتف دون رد.

بين الدقيقة والأخرى تعود لتنظر إن كان قد رأى رسالتها أم لا، وحينما لا تجده تزداد حنقًا وغضبًا.

طال الوقت دون رد مما جعلها تشعر بالسخط لتمسك بهاتفها وتلقيه بعصبية فوق الأريكة ثم تلقي بجسدها من بعده تتمتم بخيبة أمل:
- اوووف بقى، هو "خالد" راح فين ومش بيرد عليا كده؟!!

لكن يبدو أن الحظ لم يحالفها وإضطرت في النهاية أن تعود لغرفتها لتنام بتملل حتى يحين موعد عودة الجميع فلا شئ آخر عليها القيام به.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

عليك أن تخطو خطواتك كلاعب محترف لا كحكم، فاللاعب يسعى عن الهدف والحكم يبحث عن الخطأ، لا يجب أن تكرس جهدك في البحث عن أخطاء الآخرين والحكم عليهم، فأنت من إبناء آدم وكل إبن آدم خطاء.
رشا روميه 

نور بركات...
بذلك الصباح الذي إستعد به ليوم مختلف، ليس مجرد عمل ومرضى، بل هناك ما طرأ ليتحفز بفعله، حتى وإن لم يكن يرضى بذلك كل الرضا لكن على الأقل هو شئ مختلف عما يمر به من روتين يومي بحياته، ورغم تخوفه من هذا التغيير إلا أنه سيقوم بذلك.

وضع أوراقه بملف وقد تحفز لذهابه لمستشفى الهلال المركزي اليوم كما إتفق مع "سامح" بالأمس لبدء تنفيذ خطة "نسرين" لإسترجاع حقها.

إستقل السيارة متجهًا نحو المستشفى مباشرة، بضع دقائق أخرى قبل أن يصل للمستشفى ويصف سيارته أمامها، لكن قبل أن يترجل منها دق هاتفه برقم صديقه "كريم" بألمانيا.
بقلم رشا روميه 
إتسعت إبتسامته الجذابة وهو يجيبه بتلك الروح المرحة التي لا تظهر إلا بوجود أصدقائه فقط:
- "كيمووو"، أخبارك حبيبي، واحشني يا دكتور.

برسمية للغاية أجابه "كريم" كما لو أن هناك من يجاوره:
- إنت أكتر والله، أخبارك إيه؟ و"سامح" أخباره إيه؟

وجدها "نور" لحظة مميزة ليضغط بمزاحه عليه فهو لن يستطع الرد:
- حبيبي المزنوق، مالك يا جدع حد ماسك عليك زله ولا إيه؟!

ضحك "نور" بينما أكمل "كريم" بغيظ ممازح:
- اااه، تمام يا دكتور، قولي فكرت في كلامي ولا لسه، الوقت بيعدي؟

تنحنح "نور" بخفة قبل أن يجيبه بجدية:
- معاك يا "كريم"، خلص لي الورق، أنا محتاج أسافر جدًا.

- تمام، إعتبره حصل، حكلم مسؤول البعثات هنا وبإذن الله يكون كله تمام.

بإمتنان شديد لسعي "كريم" الجاد بمساعدة أصدقائه:
- شكرًا يا "كريم".

- ده كلام برضه، كام يوم كده وأتصل بيكم أقولكم عملت إيه، يلا سلام عشان أبدأ الشغل بقى.

أنهى "نور" مكالمته مع "كريم" ليترجل من السيارة متجهًا لمكتب "سامح" للمرور به أولًا.

❈-❈-❈ــ

مدينة زيورخ _ ألمانيا...
كيف يستقيم الظل والعود أعوج، لا تعتاد حياة الخراف تعيش وسط الكثير من النعاج، بل كن كالغراب وفيًا حتى الموت.

أنهى "كريم" إتصاله مع "نور" ليلتف نحو الممر الذي يواجه مكتب الإستقبال يعدل من معطفه الأبيض الأنيق وهو يسحب نفسًا قصيرًا قبل أن يتحرك بخطواته الخفيفة لتتضح ملامحه أكثر لشاب حيوي ذو وجه نحيف بشكل مثلث وعيون سوداء كخصلات شعره تمامًا، تلمس شاربه بسبابته تلك الحركة اللارادية حين تقع عينا الصياد على فريسة جديدة.

تقدم نحو شقراء تدور بعينيها بتشتت ليتقدم نحوها متظاهرًا بمساعدتها وهو يُحدثها بلكنته الألمانية المتخبطة:
- مرحبًا، هل أساعدك أيتها الجميلة؟

تفحصته الشقراء قليلًا قبل أن تجيبه بتساؤل:
- هل تعمل هنا؟

وضع كفيه بداخل جيبي المعطف بغرور وهو يتفاخر بكونه طبيبًا بالمستشفى:
- نعم عزيزتي، أنا الدكتور "كريم خطاب".

طريقته المتفاخرة بنفسه وهو يرفع حاجبه بتلك الطريقة الجذابة جعلتها تبتسم بتقبل لقُربه:
- طبيب!! جيد، مرحبا دكتور "كريم، أريد أن أذهب لقسم الأسنان من فضلك.

غمز لها "كريم" بلطف فيبدو أن يومه سيمتلئ اليوم بلقاء عاطفي مع جميلة ألمانية، فحياته المتخبطة بين هذه وتلك جعلته يتلاعب بالفتيات لتقضية وقته، فهو ليس من النوع الملتزم كـ"نور"، أو الخجول كـ"سامح"، نعم لا يفعل أي محرمات لكنه يحب أن يتسلى بقضاء وقته برفقة فتاة جميلة، وينتقل بين فتاة وأخرى كتبديل ملابسه.

همس لها بنبرته المتلاعبة التي تهواها الفتيات:
- وهل تحتاج تلك الألماسات لطبيب، إنهم يطلبون علبة من الأيس كريم اللذيذ برفقتي فقط.

ضحكت الفتاة ليعتبرها "كريم" إشارة على الموافقة ليشير إلى باب المستشفى وهو يتحرك برفقتها مستكملًا تغزله بها،لتبدأ قصة جديدة مع فتاة جميلة حتى يمل منها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي...
لقاء مرتقب كان ينتظره "سامح" منذ مجيئه للمستشفى، وجه مبتسم تقابل به هذا الخجول مع "نور" الذي دلف للتو في موعده تمامًا ليهتف به "سامح" مرحبًا:
- مواعيد إنجليزي بصحيح، نورت المستشفى يا "نور".

تقدم "نور" معقبًا بخيلاء:
- ما إنت عارفني، كله إلا المواعيد، مواعيدي مضبوطه بالساعه.

- أكيد طبعًا، ها، يلا بينا نروح لمدير المستشفى؟

بحركة رأسه بالإيجاب أشار "نور" نحو الباب:
- بعدك يا دكتور.

إتجها نحو مكتب مدير المستشفى لتقديم الملف الخاص بـ"نور" لمباشرة عمله على الفور فالمستشفى بحاجة لطبيب ماهر مثله ولا داعي للتأخر.

طال الإجتماع بمدير المستشفى لبعض الوقت لبحث ما سيُقدمه "نور" خلال الفترة المقبلة من إنتدابه بالمستشفى المركزي مع الإشارة لكل المتطلبات التي يحتاجها بالبحث الخاص به.
بقلم رشا روميه 

بعد إنتهاء هذا الإجتماع المطول، خرج "سامح" و"نور" من المكتب وقد ظهرت علامات الإمتعاض على وجه "نور" قبل أن يردف بضيق:
- يا ستار، المدير بتاعكم دة صعب أوي، كل التعقيدات دي وأنا جاي منتدب فتره بس لحد ما أخلص البحث، أمال لو كنت حتنقل على طول كان عمل إيه؟!!

ما يراه "نور" تذمتًا وغلظة رآها "سامح" قوة سيطرة لا أكثر، لم يشعر بأن مدير المستشفى مبالغًا بتوضيح القوانين، فمن يتبع الصواب لا يسمى متذمتًا:
- ما تبالغش يا أخي، هو بيتبع القانون بس مش أكتر، لولا كده كان زمان المستشفى سايبه من زمان، هنا أحسن إداره بجد.

وضع "نور" كفه فوق معدته الخاوية قائلًا بمزاح:
- وهو يعني القانون بتاعك ده حيخليك تنسى إني لسه مفطرتش لحد دلوقتِ!!!

كان قد وصلا لمكتب "سامح" الذي فتح بابه ليدلف منه كلاهما أثناء إجابته الضاحكة:
- لا يا سيدي مش ناسي، أنا أصلًا طلبت لنا أكل خفيف كده عشان نبدأ نتابع الحالات على طول.

جلس "نور" وهو يتسائل بعفوية دون تفكير:
- المناوبه إللي قبلنا قربت تخلص صح؟

تطلع "سامح" بساعته أولًا قبل أن يجيبه:
- أيوه خلاص، كلها نص ساعه بس.

ما بين نعمة ونقمة يقع النسيان، فللحظات ظن بها "نور" أنه قد أتى بالفعل للعمل هنا لإستكمال البحث الخاص بالدراسات العليا التي يحضر لها، لكنه إنتبه فجأة لما نسيه، كما لو أن هناك أمر ما جعله يستفيق من غفلته ويتذكر سبب مجيئه من الأساس، إستقام "نور" بحركة مباغتة ليقف ببعض الإضطراب:
- ااااا، أنا عاوز أمر على الحالات إللي إنت، قولت لي عليها.

تعجب "سامح" من تغير حال "نور" بهذه السرعة ليشير نحو الفراغ بإستغراب:
- طب والفطار؟!!

ليس كاذبًا ليجد مبرر بتلك السرعة، لكنه بالفعل يود الذهاب فلا داعي للتأخير، ليجيبه "نور" بغرابة:
- لا لا، ماليش نفس، يلا بينا.

حرك "سامح" رأسه بعدم فهم ليسخر من صديقه بمزاحه اللطيف:
- الله، ولما هو مالكش نفس، مصدعني ليه معاك من الصبح.

- عادي عادي، متحطش في دماغك.

قوس "سامح" شفتيه بخفة ليرافق "نور" بجولته التي يريد القيام بها كمساعدة منه، بينما كان "نور" يتلهف للقاء عم "نسرين" وإبنته، هؤلاء الطامعين بحق والدها كيف هي هيئتهم وأشكالهم.

وكيف سيكونان؟! ما هما إلا هيئة قاسية بغيضة، كريهة بالتأكيد، فمن أحبه الله جعل بوجهه نورًا وأسقط محبته بالقلوب، أما المذنبون فتظهر الغلظة والغضب بوجوهم، أمر بديهي لما يتوقع رؤيته بعد قليل.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي (غرفة التمريض)...
وصلت "ليلى" لغرفة التمريض أولًا لتضع حقيبتها بالخزانة وتبدل ملابسها بالزي الرسمي للمستشفى، أخذت تستعد بعجالة وهي تتمتم بضيق:
- أول مرة أتأخر كده، مش بحب الإستعجال أنا.

تقدمت "نهى" بقربها قائلة:
- مالك يا "ليلى"؟ مين زعلك على الصبح؟

- صحيت متأخر من النوم، يا دوب أغير هدومي وأشوف بابا بسرعة قبل المناوبه.

تذكرت "نهى" حين أتت "ليلى" على ذكر والدها:
- اه صحيح، ده عم "عزت" كان بيسأل عليكِ.

بإيمائة تفهم وتعجل بتحضير نفسها أجابت "ليلى":
- ما أنا حروح له على طول الأول، بس قولت أغير هدومي عشان أطلع على العياده على طول متأخرش.

- طيب يلا، أنا كمان حروح أكمل الفطار عشان أروح العياده أنا كمان.

❈-❈-❈ــ

كيف يمتلك الأخطبوط كل تلك الأذرع ويعجز عن الكتابة؟!!! أليس من المنطق أن يتحلى الظالم بالقسوة؟! فكيف لا نرى دليل على يقيننا، أم أنها مجرد ظنون!!!!!

وصل "نور" و"سامح" لقسم مرضى الكبد، هذا القسم الذي سيعمل به "نور" بداية من اليوم.

إلمام "سامح" بمعرفة هؤلاء المرضى كان من زيارته المتكررة لهم جميعًا، فهو سفير للمحبة واللطف، وقف "سامح" أمام إحدى الغرف قائلًا:
- ده بقى آخر مريض في القسم، عم "عزت".

رفع "نور" حاجبيه وأهدلهما بخفة:
- تمام.

دون الكثير من الإيضاح كان يدرك "نور" تمامًا أن هذا هو عم "نسرين" الذي أتى خصيصًا له، تحفزت نفسه بقوة للقاء هذا الظالم.

حكم مسبق ونفس منفعلة وإمتعاض حاول "نور" إخفائهم بداخل نفسه، فهو يدرك أن إنفعالاته تظهر بوضوح على ملامحه لا يستطيع إخفائها لهذا كان الأمر قاسيًا للغاية على نفسه.

تبع "سامح" الذي دلف للتو ليبحث بعينيه أولًا عن هذا الرجل، وقف ببداية الغرفة ينظر لهذا العم ناهب حقوق إبن أخيه بنظرة يملؤها الغضب ليحاول إمتصاص غضبه والتعامل بهدوء رغم ذلك.

يا لهذا الشبه الكبير بين هذا الرجل وبين والد "نسرين"، لكن "عزت" ممتلئ الجسد بشكل واضح، ظل "نور" يتطلع بتعمق من بعيد ما يفعله "سامح" الذي دنا من "عزت" يتجاوب معه بود شديد: 
- إزيك يا عم "عزت" النهارده؟!!

أجابه "عزت" بإعياء ونبرة ضعيفة:
- الحمد لله يا دكتور.

إلتف "سامح" وقد إتسعت بسمته البشوشة بوجهه المشرق المحبب للنفس وهو يقدم "نور" لـ"عزت" بتفاخر:
- ده بقى يا سيدي الدكتور "نور"، أشطر دكتور ممكن تشوفه، هو إللي حيتابع حالتك من النهارده، وبإذن الله يكون شفاك على إيده.

نظرة مزجت بين الرجاء والتوسل والتمني وهو يطالع الطبيب الذي ربما يجعله الله سببًا بشفائه قبل أن يرحب به:
- يا رب يا إبني يجعل شفايا على إيدك، أهلًا بيك.

تحولت نظرة "نور" لحيرة وتخبط، فهل يمكن أن يكون هذا الظالم القاسي، هل هذا المنهك الذي لا حول له ولا قوة هو المتجبر الطاغي، ليحدث نفسه بإستغراب:
- (مش باين عليه القسوه خالص!! يمكن المرض هده)

ثم أجاب بصوت مسموع:
- ألف سلامه عليك يا عم "عزت".

طرقات خفيفة قطعت هذا الحديث، يسمعها البعض طرقات عادية، لكن "عزت" كان يدركها تمامًا، إنها طرقات رقيقة مميزة تخصها وحدها لا غيرها.

بالبداية لم يعطي "نور" بالًا لتلك الطرقات لكن حين هتف "عزت" بوجه يصارع الإبتسام مرغمًا قائلًا:
- دي أكيد "ليلى".

إنتبه "نور" بتحفز لتلك القادمة، إنها من قد أتى من أجلها، هي الطرف الثاني لخطتهم، هي من يجب عليه أن يقتنص منها حق "نسرين" واخوانها.
بقلم رشا روميه 
سأدرك ولو متأخرًا كيف يكونوا سيئوا القلوب، فقلوبهم في ملامحمهم إن عاشرتها لا تحب ولا تؤلف، تلك عقوبة من الله لتقسو قلوبهم.

بتمعن تام سلط "نور" مقلتيه لمن فتحت الباب للتو، كان ينظر ما توقع، فتاة غليظة تضيق النفس متجهمة الوجه، وصف جمع كل ما بمخيلته عن فتاة مثلها.

كل تلك التوقعات والصورة المعلقة بمخيلته طاحت أرضًا حين دلفت تلك الفاتنة صاحبة الهدوء الرزين والإبتسامة العذبة.

فغر فاه للحظات دون أن ينتبه لنفسه وهو يناظر فتاة تسقط كل قوانين الجاذبية لتحل هي محلها، هي التي يجب أن تدور الفلك من حولها، أيقونة لا مثيل لها من الحُسن الذي إنتفض له هذا الساكن بين أضلعه.

عيون سوداء كقطعة أوبال، رقة وعذوبة وهدوء ملكات تعشن بقصور متوجات فوق عروشهن، هل يمكن أنه بمجرد لقاء تتوهج بنفسه شئ تيقن أنه لا يملكه، هل هذا نوع من السحر ربما؟!! 

تدارك نفسه ليقف بثبات لكن من سرقت عيناه لم تعيدهما مرة أخرى، ألن تحاسب على تلك السرقات التي لم يعتاد عليها، تابع "نور" تحرك "ليلى" داخل الغرفة واثقة من نفسها تتمتع بشموخ يجذب العيون تجاهها، لكن حين نطقت هوى ذلك النابض بين أضلعه بشكل أثار تعجبه،فلصوتها العذب نغمة شجية كقيثارة ألحان تدق أنياط القلوب حين تفوهت:
- صباح الخير يا بابا(ثم أكملت بإيمائة خجلة) صباح الخير يا دكتور "سامح".

يا لحظ هذا الخجول فقد نال منها نظرة، حاول "نور" لملمة تشتت نفسه الضائعة فماذا يحدث له بوجود تلك الفتاة من نظرة واحدة، لا شئ يفعل ذلك سوى سحر، لكن كيف وهما لم يلتقيا من قبل.

قضب حاجبيه كمحاولة فاشلة للبقاء "نور" الذي لا يتأثر ولا ينساق خلف أي تأثير، إنه أقوى من ذلك فلم تسببت له بتلك الرجفة، فلا داعي للحياد عن الطريق، وعليه العودة لخطة إسترجاع الحقوق.

بعملية أجابها "سامح":
- إزيك يا آنسه "ليلى"؟

ضمت شفتيها وهي تجيبه بهدوء:
- الحمد لله.

أشار "سامح" نحو "نور" الذي لم تنتبه له "ليلى" بالبداية قائلًا:
- الدكتور "نور" هو إللي حيتولى حالة والدك من النهارده.

يا ليتك لم تفعلها، يا ليتك ظللت صامتًا فبالكاد تمالكت رجفة روحي، كلمات جعلت "نور" ينظر تجاه "ليلى" التي بدورها إستدارت نحوه ترحب به.

مقابلة مباشرة بين لؤلؤتيها السوداوتين اللاتي تنظران نحوه ليقع صريعهما بنظرة عين، تعالت ضربات قلبه المتخبطة وهي تطالعه وحده، حتى الكلمات كلها تبعثرت من رأسه.

لم تهتم ولم تبالي بل ضربت بكل قوتها، أكملت بسلاحها الفتاك الذي لم يقوى على تحمله، إنها تتحدث إليه، وجهت له حديث يخصه لتبعثر نفسه حتى تتلاشى سيطرته على نفسه، برغم جديتها بالسؤال إلا أنه تشتت ينظر نحوها وقد إنمحت كل كلماته حين قالت:
- أهلًا دكتور "نور"، يا ريت تقولي بجد، فيه علاج لحالة بابا يا دكتور، صح؟!!

هل نطقت إسمه للتو، لقد كان قويًا غير مباليًا، ماذا حدث له اليوم لا يستطيع التحكم بقوته، منذ متى يتأثر بأنثى بهذا الشكل أم ربما قد طالته عدوى الخجل من "سامح"!!!

تلعثم "نور" قليلًا أثناء إجابتها:
- اااا، بإذن الله فيه علاج، ربنا كبير.

لم يكن إرتباكه من مجرد فتاة حسناء، بل هناك أمر داخلي جعله يشعر بأنها مختلفة، بها شئ مميز وغريب، إرتباكه الشديد لم يكن محمودًا مطلقًا بالنسبة لـ"ليلى" فقد طالت نظرتها تحاول فهم هذا الرجل للحظات قبل أن تردف بذات الجدية:
- مقدمناش الا إننا ندعي ربنا أنه يوفقك في علاج بابا ويرجع يقوم لي تاني بالسلامه.

سيقول الحقيقة، سيفسد الأمر برمته، سيضيع كل الحقوق بتشتته الذي حل به بدون داعي، نظر "نور" نحو "ليلى" لبعض الوقت ليقرر الإنسحاب دون رد، لقد أصبح قلب قوسين من كشف نفسه بنفسه.

وجد نفسه تلقائيًا ينسحب من هذا اللقاء فجأة ليخرج من غرفة "عزت" ليعود لنفسه وقوتها المعتادة، لكن خروجه بهذا الشكل المفاجئ دب الريبة والقلق بقلب "ليلى" التي أسرعت للحاق به، فيبدو أن حالة والدها وصلت لدرجة ميؤس منها وهو يخفي الأمر عنها.

لحقت به بخطواتها السريعة بينما كان يخطو خطواته ببطء محاولًا إستجماع نفسه كما السابق، هتفت به "ليلى" بقلق:
- دكتور "نور"!!! دكتور "نور"، بعد إذنك لحظه لوسمحت.

إلتف ببعض الهدوء الذي يميزه رغم إضطراب نفسه بوجودها إلا أنه حاول التحلي ببعض الرزانة، عيبه الوحيد سيسبب له مشكلة على ما يبدو، فهو لا يستطيع إخفاء مشاعره بسهولة، إبتلع ريقه بصعوبة ثم أجابها بعملية:
- إتفضلي يا آنسه "ليلى".

تجهمت بقوة لتسأله بقلق شديد:
- هو، حالة بابا ميؤس منها أوي كده؟!!

قبل أن تتشتت نفسه بحضورها مرة أخرى أجابها بإيضاح وهو ينظر بشكل غير مباشر تجاه الغرفة مبعدًا نظره عنها:
- مفيش حاجه اسمها كده، إحنا لازم يكون عندنا الأمل إن شاء الله في العلاج، ربنا رحمته واسعه وإحنا لسه في أول طريق للعلاج.

أومأت بتفهم:
- بإذن الله.

كان يود الإندفاع ليسألها بصراحة ودون طرق ملتوية عن سبب رفضهم لأعطاء "نسرين" حقهم بالميراث، فما يشعر به أن ملامحها توحي بالصدق والراحة، لا يعرفها حق المعرفة لكن قلبه الواضح يخبره بأنها ليست من هذا النوع الذي يسطو على حق ليس له، لكنه آثر الصمت حتى يتأكد من ذلك.

إنتهى سؤالها وتوضيحه الذي لم يقنعها، فهي ترى بعينيه نظرات تود أن تفصح عن أمر ما، لكنها لا تفهمه، إستأذنت "ليلى" لبدء عملها بالعيادة وقد شغل هذا الطبيب تفكيرها بتوجس لما يخفيه وتشعر به.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لا أعلم ما الذي أخاف منه لكني أصبحت أحذر كل شئ يقترب مني، أحاول النجاة من المجهول، شئ ما إنطفئ بداخلي، أصبحت أعيش في اللا مألوف كأنني لم أعيش أبدًا.

المستشفى الأهلية...
ليل طويل مر عليها دون شعور، فقد غابت بأحلام كالوميض بفعل الحقنة المهدئة التي أعطاها لها الطبيب، إستيقظت "فرح" بهذا الصباح الذي لا تفرقه عن المساء ليمر بها الطبيب مرة أخرى، لكن الفارق هذه المرة أنها أصبحت تعلم ما بها ليهدأ بذلك إنفعالها قليلًا.

بإيجاز وثبات حاول الطبيب اليوم وصف حالتها لكي تدرك ما أصابها، شرح لها الحادث والمضاعفات التي حلت بها إثره.

بعدم تقبل حاولت "فرح" رفض تلك الحالة التي لا علاج لها، لا تتقبل كونها فاقدة للبصر ولا تعلم أي شئ عن هويتها ولا حتى إسمها، تنهد الطبيب بحيرة فهو لا يستطيع التعامل مع تأثرها النفسي الذي طلب بتقريره عن حالتها بتحويلها لأحد الأخصائيين النفسيين لمساعدتها على تجاوز تلك الأزمة وتقبل قضاء الله وما أصابها.

أغمضت عينيها أم تركتهما على وسعهما فهذا لن يفرق شئ الآن، وربما ذلك يمكنها التعود عليه وتقبله برغم إحساسها بالعجز، لكن أكثر ما يؤثر بها هو عدم تعرفها على نفسها وهويتها، لتردف بتعاسة وهشاشة لروحها:
- بس يا دكتور أنا مش عارفه أنا مين ولا حتى اسمي إيه؟؟!

نظر الطبيب للتقرير الذي يحمله بيده يقرأ بعضًا من محتواه:
- إللي أقدر اقولك عليه إن مكتوب في التقارير بتاعتك إنك إسمك "فرح"، وإنك أساسًا من السويس، دي بيانات بطاقتك إللي لاقوها في الحادثه.

صمتت لوهلة وهي تحاول التركيز قليلًا لكن الأمر مجهد للغاية وغير ذي جدوى:
- طيب محدش يعرف أنا كنت فين ولا رايحه فين؟!! وفين أهلي وعيلتي؟؟! محدش سأل عليا ليه؟!

زادت حيرة الطبيب فهو ربما لا يفيدها إن أخبرها بما يعرفه، لكنه بالنهاية حاول إجابتها لعلها تشعر بالإستقرار النفسي ولو بدرجة بسيطة:
- أنا آسف اني أقولك أن إللي عرفته برضه إن والدتك كانت معاكِ في الحادثه، وللأسف هي إتوفت الله يرحمها، والمستشفى هنا قامت بإجراءات الدفن لأن موصلناش لحد من قرايبكم، كمان كان معاكم شاب إسمه "أحمد" بس ده في غيبوبه من ساعة ما وصل وحالته حرجه جدًا، بس منعرفش يقربلك إيه.

ضمت شفتيها بحزن تحاول أن تتذكرهم، حزنها لم يكن لفراق والدتها التي لا تتذكرها بل لكونها لا تدري كيف تحزن على من لا تعرفه، لتعقب بتأثر:
- أنا مش فاكراهم خالص، شوفت بقى الكارثه إللي أنا فيها يا دكتور، حتى أمي إللي ماتت دي، مش فاكراها عشان أحزن عليها.

- مع الوقت بإذن الله حتفتكري كل حاجه، بلاش دلوقتِ تضغطي على نفسك.

إذن إن لم يعرف أهلها بوجودها بالمستشفى فيجب عليها هي البحث عنهم، لتردف بضيق:
- طيب إمتى حقدر أطلع من المستشفى عشان أدور على أهلي؟

- صعب جدًا في الوقت الحالي، إنتِ لازم تقعدي في المستشفى تحت الملاحظه شويه عشان نقدر نشوف سبب فقدان البصر إللي حصلك ده، وكمان تتابعي مع الدكتور موضوع الذاكره، وجودك هنا حيفيدك كتير.

تقوست شفتيها مرة أخرى قائلة بإستياء شديد:
- يعنى حفضل لوحدي لحد ما أرجع زي الأول، طيب لو فضلت زي ما أنا؟!!!

هنا أدركت أن لا أحد يشعر بذلك التخبط بداخلها، تلك الهشاشة التي ستطيح بما تبقى من قوة بداخلها، هل حكم عليها بالبقاء وحيدة دون أن يعلم أحد بما أصابها؟! أن تصارع أزمتها دون أنيس يأخذ بيدها!!!

والأعظم من ذلك ألن تحزن على والدتها التي لا تعرفها؟!! ألا تستحق هذا الحزن؟!!! 

ترى ما السبب في أن تنساها ولا تحزن لفراقها؟ هل كانت تحبها أم أن علاقتهم كانت فاترة ولن تتأثر بفراقها؟!!!

أسئلة عديدة أخذت تدور برأسها دون إجابة، لتجد أن لا أحد يقدر على إيجاد إجابة عنها ويجب أن تأخذ طريق الصمت التام.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

الأمور ليست بتلك العشوائية التي يظنها البعض فهي مرتبة بإحكام تدور في فلك القدر حتى نسير إليه، ولا تخشى طريق القدر فإنه آت من إله عادل.
رشا روميه 

مع نهاية فترة عملهم بالمستشفى حان وقت الرحيل، إستقل كل من "نور" و"سامح" سيارة "نور"، هذا اليوم الذي ترك أثرًا غير عاديًا بنفس "نور"، كان يظن أن الأمر لم يتعدى دقائق هو يسيطر بها على زمام الأمور، حتى لقاءه بـ"عزت" وإبنته، توقع أن يكون سهلًا يسيرًا فهو من يعلم خباياهم وهم لا يعرفونه بعد.

لكن يبدو أن للقدر كلمة أخرى، فمنذ هذا اللقاء شعر بأن هناك ما يزعزع ثوابته، إحساس غريب يتخلل روحه جعل يفكر كثيرًا ويصمت طيلة الوقت.

أثناء سيرهم باغته "سامح" بسؤال قطع هذا الصمت الطويل:
-هو إيه اللي حصل؟

أفاق "نور" من شروده الغريب مرددًا:
- إيه اللي حصل؟

نظر نحوه "سامح" بقلق فهو ليس من عادته هذا السكون حينما يكونان معًا:
- أنا اللي بسألك، مالك يا "نور"، من ساعة ما طلعنا من المستشفى وأنت ساكت أوي، لا بتتكلم ولا بتهزر زي عوايدك!!

زاغت عينا "نور" بتهرب:
- مفيش حاجه، مفيش حاجه.

لن يكذب عليه فإنه يدرك ما به، ويعلم جيدًا أنه يخفي أمر كبير بعد، ليحاول "سامح" دفع "نور" للتحدث والتوغل داخل نفسه بطريقته المهذبة التي يمتلكها:
- إزاي بس يا "نور"، إنت مش شايف نفسك!!! مفيش حاجه ازاي، ده فيه وحاجه كبيره كمان.

يعترف بأن لـ"سامح" قدرة تفوقهم جميعًا في الغوص ببحور النفس، وإن إستطاع سيكشف الأمر برمته من مجرد كلمات، لهذا حاول "نور" المراوغة للتهرب من أسئلته القادمة، لم يجد سوى أن يسأله هو عما يشتت فِكره وربما يعلم بعض المعلومات التي لا يعرفها بعد:
- قولي يا "سامح"، هو "عزت" بقاله قد إيه مريض في المستشفى؟

- مش كتير، بس مَرضُه جه بصوره غريبه شويه.

إلتف رأس "نور" أثناء قيادته تجاه "سامح" وقد إحتلت علامات الدهشة ملامحه، ليستكمل بفضول تام:
- غريبه ازاي يعني؟

أجابه "سامح" بعفوية دون تفكير بسبب سؤال "نور" ظنًا منه إهتمام بحالة الرجل لا أكثر:
- اللي عرفته من "ليلى" انه جه المستشفى في حادثة عربيه، وعملوا له التحاليل وكل حاجه تمام، بعدها بيومين عملوا تحليل دم تاني لقوا عنده الفيروس، الظاهر كده الدم كان ملوث، وهو كمان مريض سكر فالأعراض إنتشرت بشكل متزايد وحصل له كل المضاعفات دي.

لم يسلم عقله لمن يعبث به، بل له تفكيره الخاص لإدراك الأمور، فحتى وإن كان كما أخبرته "نسرين" عنهم فإن ذلك يعني أنهم ليسوا بالضعفاء لتقبل خطأ كهذا بدون رد فعل، وعنيف أيضًا، أمر أثار إنتباه "نور" ليسأل "سامح" عن ذلك:
- حاجه غريبه فعلًا، دم ملوث!!! معنى كده إنهم إشتكوا المستشفى وعملوا بلاغ على الأقل فيها؟

إبتسم "سامح" ببعض السخرية من تفكير "نور" العقلاني ليوضح له مدى ضعفهم:
- لا خالص، الناس دي بسيطه أوي يا "نور"، ولا بتوع مشاكل ولا بلاغات، ده كل إللي يهم "ليلى" انه يبقى كويس، وهي معانا في المستشفى وعارفه المستوى إللي إحنا بنعالج بيه، ومدى إهتمامنا بموضوع نقل الدم بالذات، وإن أكيد فيه حاجه غلط هي سبب الموضوع ده.

حين أتى على ذكرها شعر "نور" بنفس إحساس التخبط بداخله، هل تؤثر بـ"سامح" كما أثرت به حتى يدافع عنهم بتلك الصورة، هل هي مؤثرة بما حولها بهذه الطريقة، لا عجب إن فعلت ذلك، فهو من لا تستطيع أي فتاة التأثير به أرجفت داخله بمجرد لقاء، لقد تقابل مع "نسرين" لمرات لا تحصى ولم تقترب رؤيتها درجة واحدة مما شعر به اليوم.

توقف "نور" أمام بيت "سامح" الذي ترجل من السيارة مودعًا إياه:
- وصلنا خلاص، أشوفك بكره بقى، سلام.

أكمل طريقه ليعود لشرود أفكاره مرة أخرى والتي لم يشغلها سوى "ليلى"، ليردف محدثًا نفسه:
- (البنت دي فيها حاجه غريبه جدًا،حتى شكلها حاسس إنها مختلفه أوي، من أول مره تلخبطني كده؟؟ بس لا لا مش لازم المظاهر تخدعني وأنسى إن هي إللي ظلمت "نسرين" وأخواتها، بس!!! بس دى عنيها كلها صدق وقوة بشكل غريب، يوووه، أنا باين عليا إتجننت ولا إيه!!!)

❈-❈-❈ــ

تدور دوائرها وتمر، تغير بك الأيام ما لم تظن أنه سيتغير، حتى ثباتك وأفكارك تتبدل، إحساسك وتقبلك، محبتك وكراهيتك، كلها عرضة للأيام لتعيد ترتيب أوراق حياتك وتخرج منها نسخة جديدة لم تكن تعرفها من قبل.
رشا روميه 

مع مرور أسبوع كامل..

فرح الصعيدي..
ربما إن كانت تتذكر والدتها وعلاقتها القوية بها ما كانت لتتجاوز فترة حزنها لفقدانها، فالله رحيم بها لينسيها ما كانت تظن أنها لن تنسى، ليضمحل حزنها بما يتحمله قلبها.

خلال السبعة أيام حاولت "فرح" التأقلم مع فقدانها بصرها فهي مازال بداخلها فتاة محبة للحياة ولن ترضى بالعجز وقلة الحيلة، لكنها رفضت التعامل مع الطبيب النفسي، فهي لا تتذكر شيئًا حتى تتحدث معه، وترى أنه غير ذي نفع لها وهي لا تعلم أي شئ عن نفسها.

تركت فراشها لتخطو داخل الغرفة تتحسس مكانها وما حولها، تحاول أن تعتمد على نفسها بدون حاجة لتدخل الممرضات طيلة الوقت.

صاحبها الفشل كثيرًا وزاد إحساس الإحباط واليأس بداخلها من التأقلم على الوضع الجديد، فحتى وإن كانت تحمل روح محاربة بداخلها فمازال جسدها لا يساعدها على تخطي ما أصابها.

أجهدت نفسها وعقلها على تذكر أي شئ من الماضي أو عن أمها التي توفت لكن عقلها أيضًا أبى أن يشعرها بالقوة لتقع ببئر من اليأس والإحباط لفشلها المتكرر.

أخذت تؤنب نفسها بكثرة على نسيانها:
-(حتى أمي مش فاكرها عشان أحزن عليها وعلى موتها، دي إيه الحياة إللي أنا عايشاها دي، ما أنا لو كنت فاكراها كنت حزنت عليها، ليه بس بيحصل لي كده).

طلبت من إحدى الممرضات البحث عن هاتفها فربما تصل إلى أي شخص تعرفه من أهلها أو أصدقائها، لعلها تبدأ بالتذكر، فبالتأكيد الماضي به ما يفرحها ويساعدها على التخطي، لكن الممرضه أخبرتها أن هاتفها تحطم تمامًا أثناء الحادث مما أصاب "فرح" بالمزيد من اليأس فلا سبيل لمعرفة أي معلومة عن نفسها القديمة لتقع بمستنقع التحسر والبكاء دون تقدم يذكر بحالتها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليلي الحناوي..
كرست وقتها بين الإطمئنان على والدها وإنهاء عملها والخروج مبكرًا قبل إنتهاء المناوبة كل يوم خلال هذا الأسبوع لتوفير بعض الوقت لمسعاها، بإصرار تام على البحث عن أبناء عمها الغائبين لكن بدون جدوى ودون تقدم لتدور بمتاهة لن تنتهي من العمل والبحث وملاحظة إعياء والدها الذي تسوء حالته يومًا بعد يوم.

والذي بدوره زاد خوفه وقلقه على ابنته التي تدور بحثًا عن عمها لإصلاح أخطائه التي لا تغتفر، ومع تدهور حالته زاد خوفه بخوف آخر، أن يترك إبنته وحيدة بتلك الدنيا ليس لها قريب أو صديق.

❈-❈-❈ــ

نور بركات..
إستطاع إنهاء أوراق النقل ومدوامة عمله بالمستشفى المركزي بشكل نهائي لكن خلال هذا الأسبوع لم يلتقي مرة أخرى مع صاحبة العيون السوداء.

كان يبحث عنها كل يوم لكنه يجدها قد إنصرفت مبكرًا، لا يدري هل سؤاله عنها بغرض تنفيذ خطة "نسرين"، أم لأمر آخر بداخله لإعادة هذا اللقاء الساحر الذي جمعهما من قبل.

خلال تلك الأيام أخبره صديقه "كريم" بموافقة مسؤولي البعثة عن إنضمام "نور" و"سامح" لهم وعليهم الإستعداد للسفر عن قريب.

وجدها "نور" فرصة لن تعوض للإبتعاد عن رتابة حياته وتقييم مشاعره تجاه "نسرين" فربما تكون فرصة جيدة لبداية جديدة بينهم، فربما يشعر باللهفة والإشتياق لها ويتمم بذلك الزواج الذي طالما يؤجله ويسعده القدر بالنهاية.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

عائلة مكاوي...
شعورهم بالذنب الذي إقترفوه بحق "زهرة" لكن ما النفع من ذلك الندم الآن، ليحاولوا الإنتباه ألا يؤذيها "أنور" بأي صورة.

فمنذ تلك الليلة التي تشاجر بها "محمود" مع "أنور" قبعت "زهرة" بشقتها تجنبًا لعاصفة مشاعرها التي ولدت مؤخرًا تجاه "محمود"، فضلت الإنزواء عن الجميع خاصة هو حتى لا تنجرف لهذا المستنقع الخطر، إنها لن تصبح خاطئة ولن تساعده على ذلك.

ولحسن حظها أن مصوغات "زهرة" التي إستولى عليها "أنور" إستطاع شراء مقابلها كمية كبيرة من المخدرات التي يتناولها وغاب إثرها طيلة تلك الأيام ولم يعد للمنزل.

فربما إشترت راحتها ببضع قطع ذهبية ولم تراه بهم طيلة هذا الأسبوع كاملًا.

لم يكن وضع "محمود" أفضل حالًا من "زهرة"، فقد حاول التهرب بكل ما يستطيع، زاد فترة عمله خارج البيت وتجنب أي لقاءات عائلية بينهم ربما يقابلها بها، لكنه لاحظ غياب "زهرة" بينهم، تتجنب هي أيضًا وجودها، بل لم يرى طيفها منذ تلك الليلة.

أمر جعله يتسائل فى ضيق عن سبب غيابها ليصيبه نوع من التوتر والعصبية لعدم رؤيتها لهذه الأيام لكنه كان يكبح مشاعره عن الظهور تجنبًا عن ملاحظة أحدهم لسبب توتره، فذلك خطأ لن يقع به مطلقًا.
بقلم رشا روميه 

أهملت "جميله" كل شئ ببيتها وبناتها في مقابل مراعاة مشروعها الجديد وتجهيزه، إنغمست بوجودها بالمخزن وسط العمال لمباشرة العمل كما تريد تمامًا ولإثبات للجميع أنها إمرأة قوية وقادرة على تحقيق النجاح بدون مساعدة منهم.

زادت من طلبها للمال بكثرة من "محمود" لإنهاء جميع التجهيزات التي تريدها، بينما حاول هو إثنائها عن متابعة أعمال التوضيب بنفسها بشكل يومي، فلا داعي لأن ترهق نفسها بهذا الشكل، لكن عنادها وإصرارها على ذلك لإثبات أنها لا تخطئ أبدًا.

❈-❈-❈ــ

ليست الوحدة هي العيش بدون أصدقاء أو أحباب بل هي الفراغ الذي يخلفه غيابهم، فربما لا تكون بخير لكنك لا تجد من تقول له كذلك.

أكمل "سامح" إنغماسه بالعمل ليملأ فراغ حياته خارج المستشفى بمتابعة حالات أخرى بالمستشفى الأهلية، وجوده بين أروقة المستشفيات ولقاءه بالمرضى يخفف من إحساسه بوحدته برغم وجود صديقه معه، فبداخله صراع حزين يصارعه وحده، إحساس بالفقدان والغربة حتى لو كان بوسط الكثيرين.

يشعر بأنه مختلف، محط بعض السخرية من أصدقائه حتى ولو بشكل مزاح، فبعض الكلمات الممازحة يقصد بها الجد، يحاول إضفاء قيمة له بحياة لا يشعر بها بأنه كذلك، تلك القيمة التي لا تأتيه إلا بتميزه بعمله ومهارته به.

وربما يسوق لنا القدر سبله ليأخذنا لمنعطف جديد تتبدل به ما لم نتخيل أنه يمكن أن يتغير على الإطلاق.

فمع تطور حالة "فرح" وعدم قدرة الأطباء على التوصل لتقدم بحالتها مع تلقيها لهذا العلاج، فما كان منهم إلا طلب الطبيب المعالج لـ"فرح" من "سامح" بالمرور بهم بنهاية هذا الأسبوع لفحصها ضمن الحالات النادرة التي تستدعي تدخله بعد فشل الأطباء المقيمين بالمستشفى.

❈-❈-❈ــ

بعض المعارك تبدأ وتنتهي داخل نفسك دون أن يشعر بك أخد، لا يدري عنك من إنهزم ومن إنتصر، لكن هناك أمور لا تُخفى وإن ظننت بأنك قادر على ذلك، فلا شئ أوضح مما يحاول المرء إخفاءه.

بصباح هذا اليوم الذي يماثل سابقيه، لكن الكيل قد قد فاض من الصبر، وقف "محمود" يهتف بـ"جميلة" بحنق من عنادها وتصرفاتها المثيرة لتحمله:
- يا "جميلة" كفايه عِند بقى!!

عقصت أنفها بقوة وهي تُحدثه بنبرة مشمئزة ساخطة على معارضتها كل يوم:
- أنت مستكتر عليا اني أكون ناجحه ولا إيه؟؟!

إحتدت عيناه ليردف بضيق:
- إيه التخاريف بتاعتك دي!!! يعنى أنا وبابا غلطانين اننا مش راضيين نزعلك، ما تفوقي لنفسك وبيتك، البنات لسه صغيرين ومحتاجينك جنبهم وإنتِ طول اليوم بره!!!!

"جميله" بعدم إكتراث وهى تستكمل إرتداء ملابسها دون النظر إلى "محمود"، كما لو كان رأيه مهمشًا ولا شئ سيقف خيال تحقيق ذاتها ونجاحها:
- بقولك إيه متوجعش دماغي على الصبح، وبعدين ما البنات مش ناقصهم حاجه، مامتك و"زهرة" هنا بياخدوا بالهم منهم.

ضرب كفيه بنفاذ صبر من تلك المستفزة التي يحاول ألا يصب غضبه عليها:
- وهو مين أمهم أنتِ ولا هم؟!!!!! الراجل جاب آخره وبيشتكى من تدخلاتك وهو أكيد بيفهم أكتر منك دة مهندس، سيبيه يشوف شغله!!!

إستدارت نحوه "جميلة" بحدة فقد أشعرها بكلماته بالإهانة كما لو كان يصفها بعدم الفهم والذكاء المحدود:
- حاسب على كلامك يا "محمود"، أنا بفهم في كل حاجه ومحدش ليه دعوه باللي بعمله!!!

كز "محمود" على أسنانه وهو يحذرها من إثارتها للمتاعب طيلة الوقت:
- إتقي شري بدل ما أقلب عليكِ!!!!!!

وضعت كفيها فوق خصرها بتحدي ثم هتفت بغلظة:
- "محمود"!! أنت عايز إيه؟! قعدان في البيت مش حقعد، انت مش جايبني هنا شغاله، أنا لازم أحقق نجاحي بنفسي وبكرن تشوف.

إشتعل وجهه حُمرة وتعالى الغضب من أودجه التي إنتفخت من طريقتها الغليظة، ليهتف بها بغضب كادت تشعر برياحه القوية التي ستقلب السفن:
- إنتِ شايفه كده؟!!

أكملت "جميلة" بتحدي ودون تراجع:
- أيوه شايفه كده، عندك مانع؟؟!!!!!!

تهدج صدره بقوة يتمالك غضبه من أن يصفعها بقوة على طريقتها المتطاولة، لكنه يبدو أنه لن يمرر كلماتها اللاذعة مرور الكرام، لتسارع "جميلة" بإلقاء كلماتها التي توحي بإدراكها لأمر ما يتم بالخفاء يسبب له هذا الضيق وعدم التحمل:
- خليك إنت كده مش طايق نفسك، ويكون في علمك أنا عارفه كويس أوي ليه.

نظراتها كما لو كانت كشفت أمره، بل وتهدده بما علمته، تطلع نحوها لبعض الوقت وقد شعر بالإضطراب، تعمق بوجهها يحاول إستنباط عما تتحدث بالضبط.

ترى هل هى تدرك بالفعل الصراع القائم بداخله بسبب مشاعره الغير مقصودة تجاه "زهرة"، أم أنها تقصد شئ آخر، إبتلع ريقه بإرتباك لتهدأ نبرته المنفعلة قليلًا متسائلًا:
-قصدك إيه؟!
تعليقات



<>