
رواية كاميليا الفصل الثاني عشر12 بقلم سوما العربي
جلست بجواره مضطربة تائهة وهو يقود سيارته والإبتسامة السعيدة مرتسمة بعرض شفتيه تستفزها زيادة.
تنظر له كل برهة تسأله:
-رايحين فين؟!
ليجاوبها وكأنه طفل صغير، سعيد، يتدلل:
-تؤ، مش قادرة تصبري خالص كده؟! مش قولت لك مفاجأة.
رمشت بعيناها وقد ذكرها أيضاً فخافت وسألت:
-أه صحيح، مفاجأة أيه الي بتقولي عليها؟
-تاني، كوكي...ممكن تبطلي تفكير...تعالي في حضني.
جذبها ليضمها بأحضانه هامساً بحميمة شديدة لكنها حاولت الإبتعاد على الفور تبتعد بكتفيها تمنعه من أن يفعل للتسع عيناه مستغرب ومنصدم من تمنعها عنه فبان على ملامحه، مما جعلها تحمحم مرددة:
-بلاش أحسن.
-بلاش أيه؟!
توترت ملامحها ، هي تشعر بالخوف منه فقالت:
-حاسه انه ماينفعش.
رفع إحدى حاجبيه وردد بتصميم:
-هو ايه الي ماينفعش، هو انا مش قولت لك قبل كده، إحنا بتوع بعض؟
ذمت شفتيها لا تعلم كيف تمنعه فقالت:
-بس يا عثمان...
ليقاطعها وهو يتنهد مما جعلها تسمعه بترقب واندهشت حين سمعته يخبرها:
-كوكي ..أنا فاهمك ومقدرك والله...
إنتظرت بترقب، تراقب ردوده وزاد الأمر إبهاماً لما سمعته يكمل:
-مش عايزك تقلقي ولا تنضايقي من وضعنا،كل حاجة هتتحل.
-إزاي؟!
سألت بقلق فأبتسم يردد:
-قولت لك بقا، مفاجأة.
ماهذا الذي تخاف منه بالأساس، تخاف عثمان الباشا ومفاجآته.
زادت خفقات قلبها وهي تراه يدلف بها لأحد البيوت التي يحدها بوابة حديدية ومن بعدها حديقة غناء بنافورة راقصة ثم باب خشبي توقف أمامه سيارة عثمان الذي أتسعت إبتسامته وهو يردد:
-وصلنا، يالا ياروحي.
إصفر وجهها وهي تشعر بنفسها تخطو بإتجاه المجهول ومن ثم الهلاك، تسب وتلعن اليوم الذي إستمعت فيه لخطة ليلى ويوم نصحها زياد إبن عمها أن تمرر الايام ريثما يحين آوان السفر.
رفعت عيناها له تسأله :
-وصلنا فين؟!
تبسم متعجباً من نبرة الرعب في صوتها وصوت تنهيداتها مع بهوت وجهها، هو يحبها فلما الخوف!!!
رد بصوت كله حنان يطمئنها:
-تعالي هتشوفي بنفسك، في ايه مالك يا كوكي.
قالها وهر يلف حول السيارة يفتحها لها بمنتهى الحب والرقي يمد يده بحنان لتمد يدها تضعها في كفه بتوتر
ثم يسحبها لتترجل وتقف أمامه.
رفع يداه يكوب وجهها بينهما وهمس بجنون:
-إيه كل الخوف ده، انتي حبيبة عثمان الباشا، يعني مافيش حاجة تقدر تخوفك.
تبسمت بتوتر تكتم صوت داخلها يصرخ بجنون أن ذلك هو منبع خوفها.
أغضمت عيناها مرعوبة، ترى أنها تتلقى عقابها جزاء فعلتها بكل دقيقة رعب تمر عليها وهي لجواره ورعب أقسى يفتك بإحشائها التي تتلوى كلما فكرت باليوم الذي قد يعلم فيه الحقيقة وكيف ستكن ردة فعل رجل عاشق بتلك الصورة التي تراها رغم كونها لا تصدق أنه عاشق حقيقي لها.
عقلها يخبرها بأنها مجرد نزوة، شيء أعجبه وزاد الإعجاب كونها محرمة عليه والحرمان هو ماحركه ناحيتها ولا شيء زيادة عن ذلك...هي بالأساس باتت لا ترى نفسها جميلة وتمت برمجة عقلها طوال عشرتها مع زوجها السابق على كونها غير كافية غير مهمة ويمكن خيانتها عادي... لذلك ترى أن كل ما يفعله عثمان ماهو إلا فراغة عين أو مغامرة لذيذة سيمل منها قريباً...رجل له صولات وجوالات ويعرف الكثير والكثير من النساء وهي باتت واحدهم منهم.
-كوووكي.
نادها لينتشلها من تفكيرها العميق وشرودها فنظرت له ليتبسم مردداً بعتاب وهو يسحبها ليصعد كم درجة من درجات السلم التي تسبق باب الدخول ويقول:
-بتسرحي وانا بكلمك؟! أنا كده ممكن أغير.
توقف فتوقفت تراه يتحرك ليبقى بمواجهتها ويردد:
-وأنا غيرتي وحشة...قوووي .
غير نبرة صوته فأرعبها صدّقاً هي تسمع نبرته المخيفة القادمة من أعماق الجحيم التي نطق بها نصاحاً ولكنه بالحقيقة منذراً يقول:
-بلاش تجربي غيرتي وعليكي إنتي بالذات ياكوكي.
وقتها تذكرت حديث ليلى وتحذيرها من الذهاب لزياد صوتها يتردد في أذنها حين قالت"راجل زي عثمان الباشا لو حب وغار هيولع فيكي أنتي والي إستنجدتي بيه"
إبتلعت رمقها الذي تحول لجاف بصعوبة من شدة الخوف نظرت له بترقب وهي تهز رأسها بطاعة شديدة كأنها بذلك تقسم ألا تفعل مما جعله يبتسم لها وهو يتنهد براحه ويرفع يده يملس على شعراتها مهدهداً:
-حبيبي الشطور القمر.
جعدت مابين حاجبيها!!!! تحولات هذا الرجل عجيبة حقاً
-يالا بينا بقا؟
هنا عادت للواقع بخوف جديد مخالف للقديم الذي كان منذ دقيقة، تسأل يا ترى ماهي مفاجأته.
مع عثمان الباشا كل كم دقيقة تحول جديد مختلف..وهي تقدمت معه بلا أي حيلة
كاميليا تعيش الرعب بكل لحظة تمر عليها، هي فعلياً مرعوبة من الماضي المرتبط بحرمانها من طفلها وهو أعز تملك ومرعوبة من الحاضر لا تعلم ماذا سيفعل الباشا وتموت رعباً من المستقبل الذي لا ملامح له وهي تريد وحيدها الذي لا يعلم عثمان بوجوده حتى الآن متزايد مع معرفته ان كل ماحدث كان لعبة هي إشتركت فيها وهو وقع بحبها صريعاً...كاميليا محاطة بالنيران بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
سارت معه إلى حيث أراد ووقف لتنسحب الدماء من جسدها كله وهو يتوقف بها أمام بهو متوسط الحجم بذلك البيت و لأمامها جلس شيخ بعمامة ورجلان .
التفتت تنظر له وهي تتمنى أن ما تفكر فيه غير صحيح مطلقاً، حاولت ابتلاع رمقها لتبلل حلقها الجاف وسألت بصوت مهتز:
-ايه ده؟!
-المفاجأة...هنتجوز.
نطق بسعاده وهي إصفر وجهها وإنفتح فمها منها مع إتساع حدقة عيناها، يعني أن ما فكرت فيه كان صحيحاً؟!!
____رواية كاميليا بقلم سوما العربي ____
ولج زياد بخطى كلها حماس بعدما أنهى عمله سريعاً، توقف أمام مكتب سكرتيرته يتطلع عليها وهي تعمل بإهتمام ولجوارها على المكتب كوب به مشروب ساخن، مد يده بكل إعتياد وقربه من فمه يرتشف منه و هو يسألها:
-هنون، عملتي ايه في موضوع البدل، عندنا حفلة بكره.
-زمانها وصلت البيت خلاص.
قالتها ببرود دون الرد ان ترفع عيناها فيه، لم تفعل سوى وهي تسمع صوت رشفاته لكوب قهوتها.
هو يعلم ان تلك الحركه تقززها، صرت أسنانها بضيق فأبتسم بتلاعب يقول:
-عارف انك بتقرفي وبتتعصبي، عملتها قصد.
زادت من ذم شفتيها ووضح عليها الغل فردد:
-قاصد إستفزك.
-طب ولييه؟!
قالت من بين أسنانها ليردد:
-عشان تبطلي.
-أبطل إيه؟!
-برود، تبطلي برود يا هنا، انتي من اول اليوم وانتي باردة وساكته ومتغيرة في ايه؟!
جعدت مابين حاجبيها، تضحك داخلها بسخرية وألم…سنوات وهي تعمل هنا…سنوات وهي هنا أول من يحضر وآخر من يغادر، تهتم بكل شؤنه وتعرف مزاجه قبلما يتحدث حتى انها تعلم نوع قهوته التي يفضلها حين يتعكر صفوه.
سنوات وهي هنا حية ميته لا يراها …آلأن فقط شعر بها وبتغيرها؟؟؟؟
صمتت بل إنخرست وهي تسمعه يسألها بجنون:
-مالك يا هنا؟!
كيف؟!!! كيف تخبره بأنها غارت، غارت جداً، بل نهشت الغيرة أحشاءها…كيف ستخبره وكيف سيفهم؟ وهل سيفهم من الأساس..لقد فقدت فيه الأمل ..فقدته رويداً على مدار سنوات.
-مافيش انا تمام.
نطقت بصوت حاولت إخراجه محايد ليدقق النظر في ملامحها ثم يسأل:
-مش باين، انتي متأكدة إنك تمام يا هنا؟!
-اه،كله حلو.
تنهدت بحيرة ثم هز رأسه متذكراً يسألها:
-طب صحيح، وصلتي للي قولت لك عليه؟
-انهي حاجة مانت قايلي خمس الاف حاجة.
-شغل كاميليا، نسيتي تاني؟
إصفرت ملامحها، كيف ستنسى ومجئ تلك الفتاة حرك بداخلها براكين أخمدتها هي لسنوات بالقوة.
كيف ستنسى قلبها الذي تقطع وهي تطالع تلك الجميلة ، كاميليا حقاً جميلة جمال كامل متكامل لا خطأ فيه، النيران تحرقها حيه وهي تتذكر نظرته لها ولمعة عيناه.
تلك النظرة التي تمنت لو رأتها يوماً أو حتى نصفها لكنها لم تجد.
إبتلعت رمقها بصعوبة ثم همست:
-اه، لاقيت.
-شغلانه كويسه؟
-اه وفي الأردن يعني مش هتحتاج لفيزا.
-طب جميل، حتى كمان اقرب وعشان اللغة…على فكرة الأردن بلد حلوة قوي انا روحتها قبل كده لما….
صعق وهو يراها تقف ضاربه كفيها بسطح المكتب كمن طفح كيله فصمت يسمعها تقول:
-عنئذنك.
رمش بعيناه غير مصدق، هي لأول مرة تقاطع إسترساله في الحديث بل لأول مرة تغادر قبله.
-لا بقا، انتي مش طبيعية، في ايه؟!
لم تجيب، طاقة تحملها إنتهت فاقترب منها وتمسك بذراعها يهمس بنبرة جديدة عليه ذاته:
-هنا انتي عمرك ماكنتي كده، في ايه بجد؟
-فعلاً مافيش حاجة…مافيش اي حاجة.
قالتها بصدق تقصد ان لا شيء سيتغير وستظل غير مرئية بالنسبة له وبرودها ضاعف جنونه فهتف:
-إزاي بس؟! انتي من الصبح متغيرة ودلوقتي ماشيه؟! انتي عمرك ما مشيتي قبلي، في ايه؟! طب انا زعلتك في حاجة وانا مش واخد بالي؟
هزت رأسها برفض، كيف تخبره بأنه فعل لسنوات وهو لا يعلم وهي لم تتكلم.
-مافيش حاجة، انا بس تعبانه شوية النهاردة، ممكن أمشي؟
-تعبانة مالك؟!
سأل بقلق لتقول:
-شوية صداع، عنئذنك.
قبلما تنهي آخر حروف كلمتها كانت قد سحبت حقيبتها وتحركت بالفعل تترك له المكان ليقف مبهوتاً لا تفسير لديه لكل مايجري.
وصلت لسيارتها بخطى سريعة، جلست فيها بحده وبعدها سكنت لدقيقة تحاول….
لكنها لم تتحمل وأخذت تضرب بيدها على مقود السيارة بعنف وشعراتها الفحمية تتطاير حولها وهي تصرخ:
-مش هيحس بيكي، مش هيحس بيكي أفهمي بقا…
____رواية كاميليا بقلم سوما العربي____
ساقها لتتقدم أمامه وهو يردد:
-ايه مال جسمك خشب وخطوتك تقلت كده.
بللت شفتيها بصعوبة وهي تحاول ان تتحدث:
-هو…إزاي؟!
-ايه؟؟ عايز اتجوزك، عايز أملك، تبقي بتاعتي بجد ومكتوبة على إسمي.
-بس..
-مابسش..
-لا إسمعني…إنت مش قولت هنمهد للناس الأول؟!!
هز رأسه بجنون وهتف:
-مش قادر، مش قادر أصبر، نمهد لهم وأنتي مراتي، بقا انا اتمنع من اني أطلق لك أوضتك في الفندق؟!
ارتعبت من طريقة حديثه تراه ينهج كمن كان يركض لفترة ينهي كلامه ويصمت ثم يتحدث من جديد بحسم:
-نمهد للناس وانتي مراتي وفي حضني، غير كده مش هقبل.
-بس…انت لسه مطلق ليلى قريب، مش هينفع تقريباً.
قربها منه بلا حرج أو خشى يخبرها:
-نعمل العقود بتاريخ جاي لسه، أنا مش قادر على كده يا كاميليا…مش قادر تبقي قدامي ومش قادر أقربك مني…خلينا نعمل كده، الورق معانا وكل حاجه بإيدينا.
نظرة الهوس بعيناه لوستها فرددت بوجه شاحب:
-عثمان…إنت كده بتخوفني.
ضمّ يديها بين كفيه وهتف:
-ماتخافيش…انا مستحيل أذيكي.
أهدها إبتسامة خاصه بها ثم نظر للمأذون وقال:
-يالا بينا يا شيخ؟!
-أنا جاهز..فين بطاقة حضرتك وبطاقة العروس.
على الفور مد يده بجيب معطفه الفخم وأخرج من بطاقته وهو يردد بحفاوة:
-وانا جاهز.
-وبطاقة العروس؟
التف عثمان ينظر لكاميليا ثم ردد مبتسماً:
-هاتي بطاقتك يا كوكي.
-نسيتها.
-نعم؟!!!
بهتت جوههم جميعاً لتقول:
-اه والله.
-ازاي يعني؟! هو في حد عاقل بيمشي من غير بطاقته؟؟
-اه والله، عادي اصلي متعودة عندنا بلدنا أرياف ومافيش حوار الكماين ولا الحاجات دي كله عارف كله ومش بنمشي ببطايق، تعود مش أكتر.
قالتها وهي تهز قدميها علامة التسليم فتبادل النظرات مع المأذون ليقول المأذون:
-أنا مجهز كل حاجة بس من غير بطاقتها مش هينفع…مش حافظة حتى الرقم القومي؟
-لأ.
ردت تغلق كل الأبواب أمامه فنظر المأذون لعثمان يُسلم بالأمر الواقع ليقول عثمان:
-سهلة، هبعت السواق للفندق يجيب البطاقة.
-مش هينفع، اللوايح كده.
قالت سريعاً والرعب يهز صدرها هزاً، لم يكن لديها بديل، يبدو أن حتى المأذون متواطئ، يعلم أنها شقيقة طليقته ومع ذلك حضر ليعقد عليهما، بالآساس كونه مرر تقديم التاريخ فذلك بحد ذاته أكبر تواطئ وهي لن تجلس تنتظر لترى نفسها سجينة هذا المهووس فحاولت إنقاذ نفسها.
____رواية كاميليا بقلم سوما العربي ____
-عثمان.
لا رد…سكوته مرعب كغضبه تماماً فعادتها:
-عثمان.
-نعم.
رد اخيراً ولكن بضيق شديد فقالت:
-هو انت مالك؟!
شهقت برعب وهي تشعر به قد توقف بالسيارة بغتتة وشد فرامل اليد وهو صامت، صامت تماماً وصمت عثمان الباشا يُرعب أكثر من حديثه.
الجو متكهرب ومتوتر وهي مرعوبة، تريد أن تسأله لتعلم ما القادم او حتى تطمئن، إنتظرت جوابه بخوف ورهبه لكنه لك يجيب …صامت.
فعادت تحاول ربما إرتاحت:
-عثمان…
لينفجر فيها:
-هو انا ليه حاسس انك كنتي بتلككي.
-أنا؟!!!
-أه، كأنك عايزه توقفي الدنيا.
زادت خفقات قلبها من الرعب، لقد إنكشف أمرها، حاولت أن تتحدث وهي تحسب حساب لكل كلمة قبلما تنطقها وهي تجيب:
-أبداً والله.
إلتفت لها ونظر بعيناها ثم ردد:
-كاميليا هو انتي مدركة الوضع؟! أنا طلقت مراتي عشانك، وبحاول عشان نبقى مع بعض رسمي.
-اه بس مش عايزين نغضب ربنا يا عثمان، لسه في عدة.
-يعني كنتي قاصده، بطاقتك معاكي وبتحوري.
-لا، تحب احلف لك!
نظر لها بصمت. يبدو منتظراً لقسمها وهي لن تفعل كاذبة.
لكنها إضطرت ان تلجأ للمسكنة فهمست بعدما أخفضت عينيها:
-عدة ليلى لسه شغاله ماينفعش قبل ما توفي عدتها ، أنا اصلاً خايفه الخبر يوصل لليلى، يعني تبقى هي فتحت لي بيتها ورحبت بيا وانا اروح اخطف جوزها منها، حركة واطية مش كده؟
نجحت في إلهائة وكسب تعاطفه فالتفت لها يقول بحب وهو يحاوط وجنتيها:
-لا يا روحي لأ، انا وليلى ماكنش في بينا أي إنسجام، الجوازة دي كده ولا كده ماكنتش هتطول.
-اه بس مايبقاش بسببي.
-دي قلوبنا واحنا مش بإيدنا، غصب عننا حبينا بعض.
أغمضت عينيها برعب ، هو دوماً يتحدث بثقة أن شعورهما متبادل قادم من أعماق أعماق قلبه…يا ويلها لو عرف الحقيقة، لو علم انها لا تريده .
-وبعدين أنا بسببك كنت صريح معاها وكنت جنتل، لأنها أختك قررت اخد القرار بسرعة وما اعكش كتير عشان يبقى شكلنا مقبول حتى، وعشان هي أختك سيبت لها كل الهدايا وعربية وولز رويز سعرها معدي ملايين مع انها مش من ضمن حقوقها بس سيبتها عشانك والله.
كانت تسمعه وعقلها يصرخ، ليلى المريبة، كانت محقة في اختيارها ومعها حق حين صممت عليها هي.
لكنها الآن تراجعت فائزة وتركتها هي هنا وسط النيران.
-ممكن تفكي التكشيرة دي بقا.
طلب منها بعدما تبسم أخيراً وعاد يقود وينحرف بالطريق تجاه النيل وتوقف فسألته بقلق:
-وقفنا هنا ليه؟
-هتعرفي دلوقتى…تعالي.
ترجل من السيارة وتحرك معها يقودها للمرسى ومن بعده تقدم من يخت جميل جداً وخلع حذاءه ثم طلب منها ان تفعل مثله وتقدم يضع يديه على عينيها مردداً:
-غمضي عيني.
-في ايه؟!
-مفاجأة.
تقدمت بخفقات متضخمه، هي أكثر ما يرعبها هو حينما يقول "مفاجأة"
أوقفها بعد عدة خطوات يطلب منها أن تصعد السلم الصغير ففعلت .
بقى واقف خلفها تشعر بسخونة جسده خلف ظهرها وترك يده من على عينها رويداً رويداً لتفتحهم على منظر رائع حيث وجدت نفسها تقف على سطح اليخت الكبير.
كان فخم بكل أركانه بلون الخشب والعاج، مياه النيل الصافية تحاوطهم من كل اتجاه واليخت مزين بالشموع والورود وبالمنتصف عشاء فاخر .
التفتت تنظر له مصدومة تردد:
-إيه كل ده؟!
-كل ده عشاني وعشانك، كنت مجهز كل ده لبعد كتب الكتاب الي انتي عطلتيه ..يامجرمة.
قال وهو يقرص أرنبة أنفها ثم كمل:
-بس ماليش فيه، هتفضلي هنا معايا دي ماخطتت، أنا معشم نفسي جامد.
-بس…
حاولت ان تتحدث برعب لكنه أسكتها وتحدث هو:
-ششش..مش عندي إستعداد أسمع أي كلام دلوقتي خالص…انتي هتيجي معايا تشوفي باقي المفاجأت.
سحبها لأحد العرف بالمركب لتجد العديد والعديد من الأكياس الكرتونية فسألت:
-إيه كل ده؟!
-لبس جبتهولي.
نطق بابتسامة خبيثة لترتعب وهي تفتحهم وتراها ملابس نسائية خاصة فرفعت عيناها له ليقول :
-وهتلبسيهولي دلوقتي..قدامك تلات دقايق لو اتأخرتي هفتح وادخل أي إن كان الوضع.
آمرها وتركها في مأزق ثم خرج غير مبالي..
____رواية كاميليا بقلم سوما العربي___
صباح يوم جديد
جلس في مكتبه يهز قدميه بتوتر، يريد قهوته الآن حالاً
ضغط على أحد الأزرار أمامه ثم تحدث عبره:
-هنا..فين القهوة اللي طلبتها ياهنا.
-دقايق وهتكون جت لك.
ابتعد يجعد مابين حاجبيه وهو يرى الساعي يدلف وبيده القهوة.
قهوته وهو غاضب هي من تعدها دوماً، التوحت رقبته وهو يرى العامل يتقدم منه فسأله:
-إنت ألي عاملها؟
-أيوه يافندم، انسه هنا طلبت مني.
-طيب حطها هنا..شكراً.
-العفو.
خرج الساعي وترك زياد ينظر على قهوته بعدم تقبل لكنه مد يده وارتشف منها القليل لتتجعد ملامحه من طعمها، لم تكن سيئة الصنع لكنها مخالفه للتي يشربها من يدي هنا…لما لما تصنعها هي وتهتم كما كانت تفعل؟! آلا زالت مريضة؟!
شعر بالقلق عليها وهب من مكانه يتحرك خارجاً كي يلحق بها وقبلما يفعل توقفت يداه على المقبض وهو يستمع لصوت ضحكات رجولية قادمه من عندها فتحولت ملامحه لشيء من الغضب وقبض على مقبض الباب يفتحه بعنف ليخرج منه ويرى مسبب كل تلك الضحكات والقهقهات ، انه ذلك الموظف الوسيم الذي التحق مجدداً للعمل عنده منذ كم إسبوع فقط.
-ايه الي بيحصل هنا مش لازم فاهم؟!
سأل بصوت غير مريح لا له ولا للبقيه فتلاشت ضحاتهما وسأل الموظف:
-في حاجة يا مستر زياد.
-أنا الي عايز أسألك والله يا حبيبي، في حاجة؟!
-لا.. بس كنت..
-كنت ايه ماتقول انا سامعك…هو انت مش لسه يا دوب متوظف جديد ماكملتش شهر؟ ايه جاي تعمل علاقات جديدة وكده؟! مش فاهم مالكم كده انت وهي!! جرى ايه يا هنا؟!!!
وقفت هنا بحرج من صلافته الجديدة كلياً، زياد دوماً قمة في الذوق وبعمره لم يعامل أي موظف لديه بتلك النظرة الفوقية.
إرتبكت في وقفتها وهي تردد:
-أحمد هو المسؤول دلوقتي عن كشف الحسابات وكان جايبه عشان…
لم يتحمل وقاطعها يقول:
-عشان ايه مش فاهم، إنتي الي هتمضيه مكاني ولا ايه؟!
شملهم بنظرة مرعبه كلها غضب ثم أمرهم:
-انت تروح على مكتبك، وانتي…هاتي الكشف وتعالي ورايا.
تحرك يدخل مكتبه جلس على كرسيه يراقبها وهي
تقترب منه تضع كشف الحسابات أمامه وهي تردد:
-تأمر بحاجه تانيه؟
-مش عايز حد يقف معاكي برا تاني.
رفعت عيناها فيه فردد:
-مابحبش دوشة قريبة من مكتبي.
عضت باطن فمها بيأس ثم قالت:
-حاضر..في حاجه تاني؟!
-أه.
تنهد ثم قال بنبرة طفل عنيد:
-خلصي عقد العمل بتاع كاميليا واتصلي لي بيها عشان نعرفها.
-إتصل بيها إنت…وأه عندك اجتماع بعد نص ساعه
قالتها وغادرت تعصي أوامره لأول مرة بتحدي واضح ليبتسم وقد تجعد مابين حاجبيه مندهشاً
___رواية كاميليا بقلم سوما العربي___
عاد من الاجتماع وهو يفك رابطة عنقه بضيق، يوم كامل من الضغط، والصداع يفتك برأسه…لكن ما إن فتح باب مكتبه حتى توقف مكانه للحظة.
هنا كانت جالسة على مكتبها بالخارج، منكبة على اللابتوب بتركيز، شعرها الأسود مرفوع بعناية، ونظارتها مستقرة فوق أنفها بينما أصابعها تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح.
رفعت عيناها له فور شعورها به:
-الاجتماع خلص؟
سألت وقد تناست مناوشتهم التي حدثت منذ قليل.
خلع ساعته وهو يزفر بتعب:
-الحمد لله، ناقص شوية وأبيع الشركة وأفتح كشك سجاير.
ضحكت بخفة ثم عادت تكتب:
-لا بلاش، الكشك محتاج تركيز وأنت أساساً ضايع.
رفع حاجبه وهو يقترب:
-بقيتِ قليلة الأدب أوي الفترة دي يا هنا.
ردت دون أن تنظر له:
-من كتر ما حضرتك مدلّعني.
ردت ساخره تذكرة بتوبيخه لها منذ اقل من ساعة
توقفت أصابعه للحظة فوق المكتب وهو يراقبها بصمت…شيء ما كان مختلفاً بها اليوم، أو ربما هو الذي بدأ ينتبه فقط…لما شاهدها تضحك لهذا الوسيم؟!!
هز رأسه بجنون..
منذ سنوات وهي هنا… أول من يحضر… آخر من يغادر… تعرف مزاجه قبل أن يتحدث… تتذكر مواعيده وأدويته وأسماء عملائه وحتى نوع القهوة التي يشربها حين يكون غاضباً.
لكنها اليوم كانت باردة بشكل غريب.
رفع عينيه نحوها وسأل مجدداً :
-مالك يا هنا بجد؟
-مالي؟
-أيوه، فيكي حاجة.
أغلقت اللابتوب بهدوء ثم اعتدلت بجلستها:
-لا أبداً، أنا كويسة.
ضيق عينيه بعدم اقتناع:
-هنا…أنا حافظك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة:
-للدرجة دي؟
-أكتر.
تحدث بصدق للحظة…كادت تضعف.
كادت تقول له إنها كانت تموت ببطء وهي تراه ينظر لتلك الفتاة وكأن الدنيا خُلقت لها وحدها… كادت تخبره أن قلبها يؤلمها منذ دخلت حياته… منذ ابتسم لها تلك الابتسامة التي انتظرتها هي سنوات ولم تحصل عليها.
لكنها ابتلعت كل شيء كعادتها.
وقفت تجمع بعض الملفات:
-دي العقود اللي حضرتك طلبتها.
أخذها منها دون أن يبعد عينيه عنها نظر للأوراق فوجدها لعقد العمل الخاص بكاميليا فسألها: -انتي زعلانة عشان كامليا؟!!
تجمدت للحظة…
يا الله… هل كان واضحاً لهذه الدرجة؟
ضحكت بخفة مصطنعة:
-وأنا هزعل ليه يعني؟! هي خطيبتك؟
راقبها بصمت لا يعلم لما قال ماقاله لكنه ردد:
-لا.
لماذا شعرت بالراحة؟! لماذا خانها قلبها بهذه السهولة؟!
خفضت رأسها سريعاً ترتب الأوراق:
-طب الحمد لله.
اقترب أكثر… أكثر مما ينبغي حتى ارتبكت أنفاسها…ولا يعلم سبب تصرفاته اليوم ولا لما يفعل.
لكنه كان يفعل و قال بصوت منخفض:
-بس انتي متغيرة.
اتسعت عيناها بصدمة: -نعم؟!
مال برأسه يدرس ملامحها: -أول مرة أشوفك متعصبة كده من واحدة.
ضحكت بتوتر وهي تتراجع خطوة: -مستر زياد…حضرتك شكلك تعبان من الاجتماع.
تراه غريب الأطوار اليوم، هل بدأ يتعاطى شيء؟!
لكنه لم يبتعد.
بل اقترب تهور وأكثر حتى أصبحت محاصرة بينه وبين المكتب، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلت قلبها يتخبط بعنف داخل صدرها.
همس فجأة:
-هو أنا عمري شوفتك ست أصلاً يا هنا؟
شحب وجهها بالكامل…
ضربة مباشرة. مؤلمة. قاسية.
شعرت وكأن أحدهم صفعها على قلبها.
ابتسم هو بخبث فور رؤيته لتغير ملامحها، ثم أكمل: -انتي بالنسبالي مؤسسة حكومية…حاجة ثابتة كده في الشركة.
ضحك وحده بينما كانت هي تنظر له بجمود قاتل.
ثم فجأة…
خلعت نظارتها ببطء ووضعتهما فوق المكتب، ورفعت عينيها له لأول مرة بنظرة أنثى كاملة لا سكرتيرة.
نظرة جعلته يصمت فجأة.
وقالت بهدوء خطير:
-وأنت بالنسبالي مدير مستفز…بس شكلك ناسي إن المؤسسات الحكومية لو وقفت يوم…الدنيا كلها بتتعطل.
ثم سحبت حقيبتها وتحركت لتغادر.
لكن قبل أن تمر من جواره… أوقفها صوته:
-هنا.
توقفت دون أن تنظر له.
قبضت على حقيبتها بقوة حتى ابيضت أصابعها…
وصمتت وهو يراقب ظهرا
ليصدمها حين سأل
-هو انتي تعرفي أحمد ده من قبل كده؟!
تقلبت في الفراش بتثاقل تفتح عيناها بتشوش وهي تشعر بأنامل غليظة تمر على وجنتيها ففتحت عينيها ببطء والخوف يتسلل داخلها ، انخفض ضغط دمها وهي ترى نفسها في فراشه بالغرفة على اليخت وهو لجوارها قويب منها يُملس على خدها وهو يهمس بحميمه وصوت متحشرج:
-صباح الخير يا روحي.
-هو ايه الي حصل؟!!
يتبع