
بين من اختار الرحيل خوفًا على من يحب ومن تُركت تصارع وجع الفقد وحدها، تقف الأيام متربصة تنسج خيوط الحكاية الأخيرة.
أنين تحاول أن تتنفس بعد أن سُلب منها الأمان للمرة الثانية، وآسر يواجه لأول مرة حقيقة أن التضحية قد تكون أشد قسوة من الخيانة.
وفي زاوية أخرى، أسرار ظن الجميع أنها دُفنت تبدأ في الصعود إلى السطح لتكشف أن بعض القرارات المتأخرة قد تغير مصير الجميع... أو تدمره تمامًا.
أما سلوى، فبين الندم والخسارة تقف على أعتاب خطوة قد تكون آخر ما تملكه لتُصلح ما أفسدته يداها.
وفي اللحظة التي يظن فيها الجميع أن العاصفة هدأت... تبدأ الرياح الحقيقية.
وأول العواصف حين ذهب حازم ليوثق عقد الزواج، وخرج ينظر إليه بين يديه، لا ينكر أن قلبه لايزال ينبض إليها ولكن ما فعلته كان قاتلًا لقلبه الذي أحبها، والآن عليه أن يفعل ذلك فقط لأجل هذا الطفل الذي تحمله، وإن كان يريد أن تتذوق ما فعلته بأنين، أن تطعن في شرفها وترخص جسدها أمام الجميع، وهذا الطفل هو الذي أنقذها وأعطاها فرصة أخرى.
وظل خطوة أخيرة، أن يذهب إلى منزلها ويعلن عن زواجه منها.
________________
وصل زياد وقمر إلى المنزل، كانت تشعر بأن العالم كله بين يديها فقط وهي تشابك أناملها بين أنامله، ومازال يثبت أمامها أنه رجلًا بالمعنى الحقيقي.
دخل زياد خلفها وهو ينظر هنا وهناك يبحث عن أحمد ولوسيندا، لاحظت قمر توتره فقالت: إهدى يا زياد، أتعامل بطبيعتك وهما هيحبوك.
زياد: مش عارف هعرف أكسبهم ولا لأ.
قمر: وأكيد مش هتكسبهم من أول يوم كده، بكرة يعرفوك وتاخدو على بعض، الوقت بيغير كل حاجة.
نظر إليها وقد هدأ توتره، فابتسمت له وهي تنظر إلى عمق عينيه التي فاض بها عشقه، ثم قالت: إنت جميل كده إزاي؟
زياد: عشان معاكي، الراحة اللي بتسكن قلبي مجرد ما بشوفك قدامي بحس إني لقيت بيتي وراحتي اللي كنت بدور عليها طول عمري، أنا أكتشفت إني مكنتش بدور على واحدة محترمة تصوني، أنا كنت بدور عليكي.
قمر بخجل: طيب بس بقى عشان مش هعرف أحبك أكتر من كده.
قاطع حديثهما لوسيندا التي اقتربت منهما بخطوات بطيئة خاجلة، ثم قالت: إنتي جيتي يا ماما؟
التفتت إليها قمر وقالت: اه يا حبيبتي، لسه جاية.
لوسيندا: طيب أنا جعانة.
قمر: حاضر، هي دادة ناهد فين؟
لوسيندا: في المطبخ.
ربتت قمر على ذراع زياد ودخلت المطبخ، ثم نظرت لوسيندا إلى زياد وابتسمت بخجل، خرج أحمد من غرفته ووقف خلفها ينظر إلى زياد، فقال: بصو أنا عارف إن الوضع غريب، بس يعني خلينا نفكر بطريقة تانية، يعني أعتبروني صديق ليكم أو حتى معرفة، عشان ميبقاش فيه بينا السكوت الغريب ده.
أحمد: إنت سبت البيت ليه؟
زياد: لا مسبتوش، بابا كان في المستشفى وكنت معاه.
لوسيندا: ألف سلامة.
زياد بابتسامة: الله يسلمك.
لوسيندا: هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
زياد: طبعًا.
لوسيندا: ماما كانت قالت إنها هتتنازل عن المحضر بتاع بابا بس لحد دلوقتي معملتش كده، ممكن تقنعها؟
زياد: هكلمها حاضر، بس هي أصلًا قالتلي إنها مش هترضى تحبسه عشانكم، وطالما قالت كده يبقى هتعمل كده عشانكم فعلًا مش عشان أنا كلمتها، أنا بس هسألها هتتنازل إمتى.
أحمد: ياريت تخليها تسرع بالموضوع لأن بابا هربان ومش عارف يعمل حاجة، خصوصًا إنه طلق الاتنين اللي كان متجوزهم كمان، ونفسيته تعبانة جدًا ووضعه مش كويس.
زياد: حاضر.
____________
عاد آسر إلى منزله، وجد سلوى تضع الصحون على الطاولة، التفتت إليه بابتسامة وقالت: عملتلك الأكل اللي بتحبه.
نظر لها بحزن وقال: مش جعان.
سلوى: لو كنت أعرف إنك بتحبها مكنتش أذيتها.
آسر باندفاع: الفكرة إنك قدرتي تأذي بنت بالشكل ده، بنت كانت فكراكي زي أمها ومعملتش معاكي أي حاجة وحشة، ولا هي ولا أبوها، قدرتي إزاي تتفقي على قتل أمها وتوقعي بينها وبين أبوها، الراجل اللي أمنك على اسمه وبنته، عملتي كده إزاي؟
بكت سلوى بندم، ثم اشاحت بنظرها عنه بخجل وقالت: غلطت، وبدفع تمن غلطي ولسه هدفعه، طمعي عماني والفقر والحاجة اللي عشت فيهم سنين خلوني مش شايفة قدامي غير الفلوس وبس، كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي هتضمن مستقبلك وتعيشك مرتاح، مكنتش أعرف إني بأذيك بإيدي وأنا مش حاسة، ومش هطلب منك تسامحني، عارفة إني اللي بطلبه صعب، بس كل اللي طلباه منك إن إحنا نقعد على السفرة سوا وناكل مع بعض زي زمان، ننسى كل حاجة لمدة ساعة وبعدين كمل عقابك ليا زي ما إنت عايز.
آسر: أنا مش بعاقبك يا ماما ومقدرش أعمل كده، أنا زعلان... مكسور، أنا خسرت كل حاجة حتى جامعتي مش عارف أروحها، رفضت البنت اللي كنت بحلم تيجي في يوم تقولي إنها بتحبني، ولما بقت بين إيدي رفضتها.
سلوى ببكاء: حقك عليا، أنا عارفة إني غلطت وإنت اللي بتدفع تمن غلطي، وأوعدك هحاول أصلح كل حاجة.
أزالت دموعها واقتربت منه وقالت: فاكر زمان لما رجعت من المدرسة تشتكي إن واحد صاحبك ضربك والمدير عاقبك إنت بس، رحت وقتها وعملت مشكلة معاهم وفي الآخر لما جبتلك حقك منهم قولتلي إنتي الهيرو بتاعي يا ماما، يمكن خذلتك دلوقتي بس أنا لسه أمك وهفضل وراك دايمًا، بس عشان خاطري تعالى كل معايا، مش هطلب منك أي حاجة تاني.
تنهد آسر ثم قبضت سلوى على يده وجذبته نحو الطاولة، وضعت أمامه الطعام وبدأ يأكل ببطء، كان شارد الذهن فاقد لطعم الحياة، وظلت سلوى تطلع به بهدوء وعينيها ممتلئة بالدموع، تنظر إليه نظرات الوداع دون أن يشعر، وكأنها رغبت أن تودعه بتلك الوجبة التي كان يهلل فرحًا أمامها كالطفل حين تعدها إليه، تتذكر ابتسامته التي تلاشت دون رجعة، وقررت أن تفعل شيئًا صحيحًا لأجله.
__________
كان حازم يقف أمام منزل صافي الضخم، تردد ألف مرة قبل أن يطرق الباب، ولكن لا سبيل للعودة، عليه أن يعترف بخطئه ويأخذ زوجته معه.
تنفس بثقل وتحل بالشجاعة ثم طرق الباب، طلب مقابلة عاصم ثم دخل إلى البهو ينتظره، صعدت الخادمة لتخبره فوجدته بممر الغرف، وسمعت صافي الخادمة وهي تخبره أن هناك شاب يدعى حازم يطلب مقابلته وينتظره بالأسفل، خرجت من الغرفة باندفاع ولحقت بعاصم إلى الطابق السفلي لتراقب ما يحدث من بعيد، تشعر بالخوف وتترقب رد فعل عاصم على ما سيقوله حازم.
وقف حازم أمامه فقال عاصم: أنا شفتك قبل كده.
حازم: أيوة في حفلة الفندق بتاع عادل باشا.
عاصم: أهلًا وسهلًا، اتفضل.
جلس أمامه وأردف: خير، يا ترى إيه سبب الزيارة؟
حازم: الحقيقة أنا جي أصحح وضع غلط، واعتذر عن اللي عملته وطالب من حضرتك تديني فرصة بس.
عاصم: مش فاهم حاجة.
تنفس حازم يحاول أن يهدأ من توتره ثم تحمحم وقال: هقول حالًا.... أنا إتجوزت بنت حضرتك، وده عقد جواز موثق.
انتفض من مكانه ونظر إليه بجمود، ثم تحولت ملامحه إلى الغضب والتفت لينادي عليها بقوة قائلًا: صافي.
وجدها تنتفض عند الدرج عندما سمعت صوته، وأخذت تقترب منه وقدميها ترتعش كمن يتعلم المشي حديثًا، ثم اقتربت ووقفت بجوار حازم، فنظر لها عاصم بغضب وقال: الكلام ده حقيقي؟!
قاومت ارتعاش صوتها وابتلعت ريقها بتوتر وقالت: أنا... أنا كنت هقولك بس...
عاصم: تقوليلي! اه تبلغني يعني إنك إتجوزتي، لا وليه؟ مش لازم يعني، ليه أعرف إني بنتي إتجوزت، وبعدين متجوزة عرفي ورحتو وثقتو العقد، يعني كمان مش جواز عند مأذون.
حازم: أنا هفهم حضرتك، الحكاية إني كنت عارف إني لو جيت اطلب إيدها مش هتوافق، أنا شاب يتيم؛ أمي ماتت وأنا صغير ووالدي اتوفى من كام سنة، عايش لوحدي وبصرف على نفسي ولسه ببتدي حياتي، اه عندي شركة صغيرة كده مع واحد صاحبي بس لسه موصلتش إني أقف قدام حضرتك وأقول عايز أتجوز صافي وابقى واثق إن حضرتك هتوافق.
نظر له عاصم وعينيه تطلق شرارًا ثم قال: تقوم تتجوزها عرفي وتحطني قدام الأمر الواقع، صح؟ والهانم توافق وتوطي راسي قدام الناس.
ثم نظر نحوها ورفع يده عاليًا كي يصفعها، وضع حازم يده أمامه ومنعه، ثم جذبها خلفه وهي تبكي وتمسك بثيابه، نظر له عاصم بعينين مشدوهة، فقال حازم: هي بنت حضرتك طبعًا بس هي دلوقتي مراتي ومينفعش حد يضربها وأنا واقف، أنا مش طالب أي حاجة من حضرتك غير الموافقة على الجواز وهاخدها زي ما هي كده حتى من غير شنطة هدومها، عشان محدش يفتكر إني إتجوزتها عشان طمعان فيها، ومش بقول إن اللي إحنا عملاناه صح، لأ هو غلط وأنا جيت النهاردة عشان أصلحه، خصوصًا إنها.... حامل مني، وعشان الولد ده لازم يجي للدنيا في وضع طبيعي، وهعملها فرح على أد إمكانياتي عشان يبقى جوازنا قدام الناس كلها، ولو حضرتك جيت ونورتنا هنكون مبسوطين جدًا.
عاصم بصدمة وكأنه يحدث نفسه: وكمان حامل، وجي تقولي بعد إيه وتصلح غلطكم بعد إيه؟! ما خلاص، خدها وإمشي، أنا مش عايز أعرف عنكم حاجة، وزي ما اختارتك وحطتني في الموقف ده وهي عارفة إنها هتخسرني يبقى تنسى إن ليها أهل، خدها واطلع برا.
جلس على الأريكة مهزومًا، ينظر أمامه بشرود وكأن عمره انقضى بلحظة واحدة، نظرت صافي إليه ببكاء، ثم اقتربت منه بتردد، جثت أمامه وقالت: أنا آسفة يا بابا، أنا مكنتش عايزة أخسرك أبدًا، وعارفة إني مش من حقي أطلب منك تسامحني، بس هفضل طول عمري مستنية اليوم اللي أقف قدامك وأشوف في عينيك إنك مبقتش زعلان مني.
قال عاصم بصوت مكسور: روحي... الله يسامحك على اللي عملتيه فيا، اطلعو برا البيت مش عايز أشوف حد فيكو.
جذبها حازم من يدها وخرجا من المنزل، كان يمضي نحو بوابة الحديقة وهي تسير خلفه، ثم توقفت فنظر إليها، تفاجأ بأنها ترتمي بين أحضانه وتبكي.
رق قلبه على حالتها، هو من احتال عليها كي توقع عقد الزواج، كان يظنها نزوة وستنقضي ولكن استطاعت أن تتملك قلبه رغمًا عنه، ربت على ظهرها كي تهدأ، ثم قالت من وسط بكائها: أنا أسفة على اللي عملته، ومش عارفة أشكرك إزاي إنك رجعتني واعترفت بالولد.
حازم: أنا معملتش كده عشانك، إنتي متستاهليش حد يعمل عشانك كده.
ابتعدت عنه ونظرت إليه بانكسار وقالت: أوعدك مش هعمل حاجة تاني تزعلك مني، مش هكسر كلامك تاني أبدًا ولا هأذي حد، أنا عرفت غلطي وهصلحه، بس متتخلاش عني إنت كمان، أنا مبقاش ليا غيرك.
زاد نحيبها حتى شعر بجسدها يرتعش بين يديه، لاحظ وجهها الشاحب وعينيها التي زبلت من البكاء، لم يتحمل أن يقسى عليها أكثر، جذبها بين أحضانه وقال: طيب كفاية، خلينا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد، أنا كمان كنت بغلط ودلوقتي لازم نصلح من نفسنا عشان فيه طفل جي محتاج لأم وأب يعلموه ويقفو جنبه، مش عايز ابني يطلع يلاقي نفسه لوحده في الدنيا زيي، خلينا نوعد بعض إن إحنا هنتغير عشانه وعشانا، عشان نعيش مبسوطين ونكمل حياتنا سوا.
أومأت له بالإيجاب وهي تقبض على جسده بقوة، ثم أغمضت عينيها براحة، الآن أصبحت علاقتهما أمام الجميع وهذا ما يهم.
_____________
عاد عادل إلى منزله، وصعد إلى غرفة أنين وجدها تجلس شاردة، لا تبكي... لا تتحرك، فقط تنظر أمامها إلى الفراغ وكأنها بعالم آخر، تنهد بحزن واقترب منها ثم جلس بجوارها وقال: موافقش صح؟
نظرت إليه بحزن ولم تتحدث، فتنهد وأردف: كنت عارف إنه مش هيوافق، آسر عمره ما هيستغل الوضع لصالحه، حتى لو وقفتي قدامه وقولتيله إنك مسامحة أمه مش هيوافق، أنا مربيه وعارفه.
أنين: عمري ما كنت أتخيل إن آسر يقسى عليا كده، ده كان بيطبطب عليا وأنا زعلانة على زياد وهو بيحبني وكاتم في قلبه، كان بيواسيني وأنا بعيط على واحد غيره، سابني أمشي من بيته وأنا بعيط يا بابا!
آسر: غصب عنه، هو معملش كده عشان مش بيحبك مثلًا، هو عمل كده عشان عارف إن علاقتكم صعب تكمل.
أنين: بس أنا مش عارفة أعمل إيه.
عادل: سيبيها تمشي زي ما ربنا مرتبها.
أنين: هو كمان قالي كده.
قاطع حديثهما طرقات الباب، ثم دخلت الخادمة وقالت: مدام سلوى طالبة تقابل حضرتك يا عادل بيه.
وقف عادل متعجبًا، فانتفضت أنين ووقفت بجواره وقالت: براحة يا بابا، عشان خاطر آسر، بلاش تعمل مشكلة معاها.
عادل بصدمة: صعب أوي ده، ديه خربت حياتي ووقعت بيني وبينك، كانت عايزة تقتل أمك، حتى لو فشلت في ده بس برده حاولت، عايزاني أتعامل معاها عادي؟!
أنين: أنا مسمحاها، عشان خاطر كل حاجة عملها معايا آسر ووقفته جنبي وإنه ضحى بكل حاجة عشان يثبت براءتي ويسلم أمه للبوليس، وكمان بيخسر مستقبله وكله بيتعامل معاه على إنه هو اللي قتل مش أمه، وكل ده عشان يحقق عدل ربنا يبقى يستاهل إن إحنا نتعامل مع أمه بهدوء عشانه هو.
زفر عادل بقوة، ثم نظر إلى أنين التي ترجوه بدموعها، وقال: حاضر، هحاول أتحكم في أعصابي.
نزلا معًا ووجدا سلوى تقف عند الباب لم تدخل، فاقترب منها وهو يشعر بنيران الغضب تلتهمه من الداخل، ولكن تذكر أنين وآسر فتحدث بثبات وقال: اتفضلي.
نظرت له بخجل، كانت تنظر بكل الاتجاهات بعيدًا عن عينيه، ثم قالت: لأ، ملوش لزوم، أنا جاية بس أطلب منك طلب أخير مع إني عارفة إنه مش من حقي، بس مش عشاني عشان آسر، أنا كان كل همي إنه يعيش مبسوط ومرتاح، كنت بنفذ ده غلط بس دلوقتي عرفت هو عايز إيه وجيت عشان أحاول أصلح الغلط اللي عملته، أنا عارفة إني عقبة في حياته دلوقتي، إن وجودي مش هيفيده بحاجة بالعكس هيضره، ومش هسيبه يتحرم من الراجل اللي كان بيعتبره زي أبوه ومن حبيبته بسببي وأقف أتفرج، أنا هبعد عنكم خالص، هختفي من حياته واعتبروني مت، وطالبة منك تديله فرصة، آسر عمره ما يقدر يجي ويقولك إنه عايز أنين، عمره ما هيجيله جرأة يطلب منك طلب زي ده، وأنا دلوقتي هبعد عنه ومش عايزة أسيبه لوحده، لكن وجودك جنبه هيقويه، زي ما كان دايمًا مسنود عليك، فا أرجوك متسيبوش لوحده، وآخر حاجة عايزة أشكرك على كل اللي عملته مع ابني واعتذرلك عن اللي عملته، مع إني عارفة إن اعتذاري ملوش معنى، بس كان لازم أعتذر.
كادت تذهب ولكن تذكرت شيئًا فعادت ونظرت إليه بخجل وقالت: اه، فيه حاجة كمان، أنا يمكن كدبت عليك كتير وكنت بحاول استغلك، بس... لما بقيت مراتك بجد حبيتك، متصدقنيش عادي بس ديه الحقيقة، سامحني يا عادل.
التفتت ولكن سمعت صوت أنين تقول: بس آسر محتاج لأمه برده.
نظرت إليها وقالت بصوت مهزوم: أنا اللي خسرته، ولازم أدفع تمن غلطي، وهسيبه أمانة بين إيديكي، خلي بالك منه هو بجد بيحبك.
غادرت المنزل وهي تحمل حقيبتها، كادت أنين تلحق بها ولكن أمسك عادل يدها وقال: مش هترجع، هي بعدت عشان خاطر آسر ومش هترجع برده عشان خاطره.
أنين: لو آسر عرف إني سبتها تمشي هيزعل مني.
عادل: وطالما هي قررت ده يبقى هتنفذه حتى لو رجعناها المرة ديه، مفيش أصعب من إنك تحسي إنك عقبة في حياة ولادك، خلينا نروح لآسر.
خرجا معًا وذهبا إلى منزل آسر، كان نائمًا بهدوء بعد صراع كبير مع التفكير، هلك عقله وهرب إلى نوم عميق، حتى فتح عينيه عندما سمع صوت الباب، نهض بنعاس ونادى على سلوى ولكن لم تجيب، فذهب نحو الباب وفتحه، فتح عينيه بدهشة عندما رأى عادل وأنين، فقال عادل: نايم بدري كده ليه؟
آسر بتوتر: أهلًا بحضرتك، إيه الزيارة المفاجأة ديه؟
عادل: عايز أتكلم معاك، ممكن؟
آسر: اه طبعًا، إتفضل.
دخل عادل ولحقت به أنين التي نظرت إليه بحزن، فتحكم بألمه واقترب منهما وقال: تشربو إيه؟
عادل: ملوش لزوم، أنا بس جي أقولك إن سلوى قررت تبعد وتخرج من حياتك عشان تعيش مرتاح.
عقد آسر حاجبيه وقال: يعني إيه مش فاهم؟
عادل: هي جات وقالتلي إنها هتمشي، وطلبت مني إني محاسبكش على غلطها.
نظر آسر حوله بحيرة، ثم توجه نحو غرفتها، وجدها فارغة وهناك خطاب على الفراش، أمسك به سريعًا وفتحه.
" ابني وحبيبي آسر...
عارفة إنك زعلان مني على كل اللي عملته، ولازم أنا اللي أتحمل نتيجة خطئي، عشان كده همشي واسيبك تعيش حياتك مبسوط مع البنت اللي بتحبها، متخافش عليا أنا هعرف أتصرف، أنا عايزاك تسامحني ومتدورش عليا، أنا هبقى كويسة طول ما أنت كويس.
أنا بحبك أوي يا آسر، خلي بالك من نفسك ومن أنين، عوضها عن اللي عملته معاهم وخليهم يسامحوني.
سلوى"
دخلت أنين الغرفة ووجدته يقرأ الرسالة بعيون دامعة، يعتصر ألمه بداخله بصمت ويقبض على الورقة بين يديه بقوة، اقتربت منه ودموعها تنساب على وجهها، ثم وقفت أمامه وضمت رأسه بين ذراعيها، ليطلق العنان لدموعه بين يديها، فأغلقت عينيها بحزن على حالته