
رواية لأنك أنت الفصل السادس عشر16 بقلم ندي محمود توفيق
وأذ فجأة يلتفت كلاهما باتجاه الباب على أثر سماعهم لصوت ارتطام شئ أمام باب غرفتهم وكأن هناك من كان يسترق السمع لهم من خلف الباب، فاتجه سليم نحو الباب وفتحه على مصرعيه بقوة ليصطدم بأمينة الواقفة وتحدقه بارتيعاد ووجه فرت منه دمائه فأصبح شاحبًا يشوبه علامات الندم، استقرت نظرات سليم الثاقبة عليها دون رد ينتظر منها تبرير منطقي لتلصصها عليه خلف باب غرفته.
ازدردت ريقها باضطراب وقد بدأ العرق يتصبب من جانبي وجهها وجبهتها فهتفت تعتذر بندم:
_حقك عليا يا سليم أنا آسفة
خرج صوت سليم هادئًا ومستنكرًا مما زاد من خوفها أكثر:
_إيه خلاص بقيتي بتتصنتي على اوضتي ياحجة أمينة!
كانت فيروز تقف خلف سليم على مقربة منه تراقب حالة تلك السيدة واتجافها خوفًا من بطش سليم وسخطه، وكان هو على النقيض مسترخيًا بشكل غريب عندما أكمل اعتذارها بصدق:
_مسمعتش ولا كلمة والله ياغالي.. سامحني!
نزع عنه قناع التفهم المزيف الذي كان يرتديه للتو وتبدلت معالمه للقتامة المرعبة وتقدم بخطوة ثائرة إلى أمينة يهتف بلهجة عالية قليلًا ومحذرة:
_وحتى لو سمعتي مفيش كلمة هتطلع لحد.. أنتي عارفة غلاوتك عندي ياحجة أمينة متخلنيش اضايق منك
هزت أمينة رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية في رهبة وتمتمت بعينان دامعة يملأها الندم:
_اعمل إيه بس الست كاميليا اللي طلبت مني اتصنت عليكم ومقدرتش اعارضها
ارتخت عضلات وجهه المتشنجة بعض الشيء وسأل بغلظة:
_طلبت منك كدا ليه ؟!
نقلت أمينة نظرها بين فيروز التي تقف خلف زوجها تراقب المشهد بصمت واهتمام وبين شليم المتأهب والمستاء أمامها.. ينتظر منها الرد على سؤاله، أخذت نفسًا عميقًا واكلقت زفيرًا حارًا بارتباك وتردد ثم ازدردت ريقها مجددًا وتمتمت في صوت خافت بخوف:
_أصل الست كاميليا هي اللي طلبت من الخدم ميخلصوش أوضة ياسين عشان فيروز هانم تاخد أخوها يبات معاكم في اوضتكم
كانت الابتسامة من نصيب فيروز أولًا حيث مالت برأسها للجانب تضحك بقلة حيلة من تلك المرأة التي بدأت شن حروبها ضدها من أول يوم، بل وتحاول التفرقة بينها وبين زوجها ظنًا منها أن وجود ياسين سيكون هو العائق أمام قربهم، أما سليم فقد قلب عينيه في حنق من أمه التي ستؤرق عليه لياليه بأفعالها ولن تجعله ينعم بحياة هادئة، عدم تقبلها لفيروز سيُنشأ حروبًا ليست شريفة ستزيد من همومه ومشاكله أضعافًا وهو ليس في مزاج يتحمل فيه صراع الحموات والكنائن هذا.
رد على أمينة أخيرًا بعدما اطلق زفيرًا متضجرًا:
_اللي حصل ده ميتكررش تاني ياحجة أمينة وإلا أنا مش مسئول عن ردة فعلي اللي هتصدر.. وبخصوص الأوضة فبكرا تخلصوها
اماءت له بالموافقة وردت بانصياع تام:
_حاضر
استطرد بنظرة نارية تحمل تحذير حقيقي ومرعب:
_من هنا ورايح مش أي حاجة تطلبها منك ماما تنفذيها وبذات معايا أنا.. أنتي عارفاني كويس ياحجة أمينة فبلاش تغلطي معايا
رفعت أمينة كفها ولوحت بالنفي القاطع أمامه في ندم ونظرة توجس:
_ لا توبة.. ابدًا مش هتتكرر تاني والله يابني
لانت حدة ملامحه وقال في جدية وإيجاز:
_طيب.. روحي على اوضتك دلوقتي وارتاحي
ابتسمت له أمينة بتصنع لتخفي توترها ثم القت نظرة أخيرة على فيروز واستدارت متجهة إلى غرفتها، فدخل سليم لغرفته هو أيضًا وأغلق الباب ليجد فيروز تقف كما هي تنظر له عاقدة ذراعيها أمام صدرها وفي عيناها نظرة تهكم ممزوجة بالضيق فتأفف سليم بنفاذ صبر ثم قرر تجاهلها وتحرك مارًا من جانبها يتخطاها وهو يهمس بصوت منخفض ساخرًا من أمه:
_فكرانا جوز كناري في شهر العسل
سمعت فيروز جملته فلوت فمها باستهزاء وهتف بامتعاض:
_أنا لسا في أول يوم وبدأت أمال بعدين هتعمل إيه فيا
التفت سليم برأسه لها يلقيها بنظرة استياء يتحدث بها بدلًا من شفتيه، فـ فهمت ما تقوله عيناه وسبقته بالرد وهي تندفع نحوه غاضبة تجيب بدلًا منه:
_متبصليش كدا أنا لازم أخاف، أنت وعيلتك والحياة اللي أنتوا عايشينيها ترعب أصلًا، اطمن ازاي وأنا حاسة اني دخلت في عالم مرعب أكتر من العالم بتاعي.. أنت اكتر شخص مرعب أصلًا
سلط نظرته على خاصتها بعين ثاقبة كالصقر وخرج صوته خافتًا يطرح سؤالًا كافي لبث الاصطراب في صدرها أكثر:
_وأنتي إيه شفتي يخليكي تخافي مني.. أنتي مشوفتيش حاجة!
اجابته بسخرية مريرة مزجتها بضحكتها البائسة:
_مهي دي المشكلة أني مشوفتش حاجة لسا، لكن شفت شخص قدر يتحول في يوم وليلة من شخصية لشخصية تانية في لحظة
تنهد سليم الصعداء وأجاب بكل بساطة:
_عشان العالم اللي بتقولي عنه مرعب ده لازم تكون فيه بالشخصية دي
ضحكت بعدم استيعاب وراحت تبتعد عنه بخطوة وتستدير بنصف جسدها وهي تمسك برأسها وتقول في سخرية:
_العالم ده هو عيلتك وأهلك.. وأبوك اللي أنت بتحاربه.. أنت بتقول إيه بجد وعيلة إيه أنتوا، وإيه المشاكل اللي حصلت توصلك أنك تمحي عيلتك وتعيش في حياة مش حياتك ولا شبهك
توجه نحو المقعد الوثير العريض وجلس عليه فاردًا ذراعيه على جانبي المقعد ويجيبها ببرود:
_كل دي حجات متخصكيش تعرفيها طالما هي خارج حدود البيت
استشاطت غيظًا منه فاندفعت نحوه وهتفت بانفعال محاولة إخفاض نبرة صوتها لوجود أخيها النائم معهم بالغرفة:
_طالما اتجوزنا وبقيت عايشة معاك في بيت واحد واوضة واحدة يبقى من حقي اعرف كل حاجة عنك
أراد إنهاء ذلك النقاش الذي بدأ يأخذ منعطف يزعجه فأجابها بنظرة جريئة:
_مش كل حاجة من حقنا بناخدها.. زي ما أنا بقى من حقي حجات برضوا دلوقتي ومخدتهاش
غضنت حاجبيها بعدم فهم وسألته في بلاهة:
_حجات إيه ؟!
لاح شبح ابتسامته على ثغره وأجاب بكل وقاحة:
_الحجات اللي بتكون من حق أي زوج
اتسعت عيني فيروز بصدمة من جملته ولا إراديًا تقهقهرت خطوة للخلف خوفًا منه، فآخر شخص كانت تتوقع منه تلك الكلمات كان هو.. كان ذلك الشيء الوحيد الذي لما تفقد ثقتها به فيه، والآن هو القى بآخر ذرة بقلبها كانت تشعرها بالآمان تجاهه بعرض الحائط ودمرها، فهتفت بغضب شديد ناقمة عليه:
_طلعت متختلفش حاجة عن حازم، أنا كانت دي آخر ذرة ثقة في قلبي تجاهك أني مطمنة أنك عمرك ما تفكر مجرد تفكير تلمسني
ثار واشتعلت عيناه بنيران السخط من تشبيهها له بذلك الخسيس القذر، فاستقام واقفًا واندفع نحوها يجذبها نحوه عنوة من ذراعها هاتفًا بصوته الرجولي المرعب مع نظراته التي تطلق شرارات نارية بإمكانها حرقها في أرضها:
_حازم مين الـ**** اللي بتقارنيني بيه
حاولت التملص من قبضته والابتعاد عنه بنفور وخوف صائحة:
_ابعد عني يا سليم متلمسنيش
شدد من قبضته عليها والصقها به أكثر بعدما نزل بذراعه إلى خصرها بدلًا من يدها فأصبحت محاصرة أكثر داخل جسده الضخم، وسمعته يقول عنادًا بها وعين ملتهبة من فرط استيائه:
_ملمسكيش ليه.. امال مين اللي هيلمسك لما أنا ملمسكيش.. على الاقل أنا جوزك مش حازم الـ**** اللي بتشبهيني بيه
ارتجفت أوصالها خوفًا منه وقربه الحميمي منها زاد من ارتعاشة جسدها وتوترها فقبضت على ذراعه الملتف بإحكام حول خصرها وحاولت انتزاعه لكن دون جدوى فقوته البدنية تفوق جسدها الرقيق أضعافًا.
بعد محاولات متسميتة منه في الفرار منه افلتها هو بسلام لكن في عينيه نظرة مختلفة عن سابقتها.. نظرة يملأها الخزي والانزعاج الحقيقي ثم القى بآخر كلماته التي اسكتت جميع الصراعات التي يخوضها جسدها خوفًا منه:
_بعد كل اللي عملته معاكي وبعمله بقيت شبهه
وقعت كلماته على مسامعها فأصابت قلبها بعمق وشعرت بمدى صدقها، وبلحظة ندمت على ما تفوهت به عندما ذكرها بما فعله لأجلها حتى الآن، انعدام الحب والثقة بينهم لا يمحي حقيقة أنه الوحيد الذي كان درعًا حامي لها بالوقت الذي كانت فيه مجردة من اسلحتها.. تقف بساحة المعركة عزلاء لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد الأذى.
راقبته وهو يبتعد عنها ويجذب ملابسه من فوق الفراش ثم يتجه إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافيء قبل الخلود للنوم، فتنهدت هي بحنق واقتربت من الفراش تجلس بجوار أخيها ضامة ركبتيها إلى صدرها تحدق في الفراغ شاردة بتلك الحياة التي اصبحت جزءًا منها وسواء أبت أو رضيت ستتعايش معه ومع تلك العائلة المريبة...
***
على الجهة الأخرى دخلت كاميليا غرفة أمينة فوجدتها ملازمة فراشها وعابسة الوجه، أغلقت كاميليا الباب خلفها وتطلعت بأمينة في نظرة ثاقبة حائرة تسألها بما يهمها:
_عملتي إيه يا أمينة سمعتي إيه؟
استقامت أمينة واقفة ولوت فمها بضيق ثم قالت وهي تحتضن كفيها مع بعض دليل على خوفها استياء كاميليا:
_مسمعتش حاجة سليم حس بيا واتعصب أوي لما شافني بتصنت
تأففت كاميليا بنفاذ صبر ثم سألتها باهتمام:
_قولتيله أني أنا اللي طلبت منك كدا ؟!!
زاغت نظرات أمينة في ارتباك ملحوظ ثم ازدردت ريقها بخوف وهي توميء بالإيجاب لكاميليا التي صاحت بها منفعلة:
_ناصحة وذكية أوي يا أمينة أكيد كمان قولتيله على الأوضة
ردت أمينة بحيرة وصوت مرتعد:
_اعمل إيه طيب ياست كاميليا أنتي عارفة سليم لما بيتعصب بيبقى ازاي وأنا خوفت الصراحة ولقيت نفسي بقوله كل حاجة من غير ما احس من خوفي منه
مسحت كاميليا بكفها على وجهها وهي تتأفف بغضب وتقول نادمة وبنظرة مشتعلة :
_العيب على اللي استعان بيكي في حاجة أنا غلطانة.. يعني قولتي كل حاجة وعلى الفاضي حتى ما سمعتي كلمة واحدة بينهم
حاولت أمينة إيجاد أي معلومة تخرجها من ذلك المأزق وتمتص به بعضًا من غضب كاميليا فقالت مسرعة متذكرة في خبث:
_بس في أن يا ست هانم اصل أنا سمعت كلمة كدا زي محدش يقدر يأذيكي أنتي مراتي دلوقتي
لمعت عيني كاميليا والتزمت الصمت للحظات تحلل العبارة وتستقصي معناها المغمور، ثم طرحت سؤالا وهي معلقة نظرها على الفراغ:
_عايزة تقولي أن سليم ممكن يكون مش بيحبها وفي سبب لجوازه منها
زمت أمينة شفتيها بجهل ثم قالت في بعدم ثقة:
_ممكن وممكن كمان تكون جملة قالها كدا عادي مش شرط يكون مش بيحبها، بس اللي أكيد أن هي في وراها حوار كبير أوي
رمقتها كاميليا وقالت وهي توبخها بلطف بعض الشيء:
_لما أنتي عندك معلومة زي كدا بتعصبيني ليه ما تقولي من الأول ولا هو لازم تخليني اتعصب عليكي يا أمينة عشان تفتكري الكلام المهم ده
حركت أمين كتفيها لأعلى بعبث وقالت في تلقائية:
_ما أنا من التوتر لما سليم كشفني نسيت كل حاجة.. بس كمان أنا شوفت أخوها نايم على السرير يعني على الأقل نجحت الخطة الليلة
القت عليها نظرة ساخرة بطرف عينيها وهتفت بقرف وغيظ منها:
_ما طبيعي ينام على السرير يعني هي هتنوم الولا الصغير على الأرض يا أمينة متنرفزنيش بقى
كتمت أمينة على فمها بيدها خوفًا من استيائها أكثر وقالت في استسلام تام:
_خلاص أهو ياست هانم كتمت خالص وهحط جزمة في بوقى كمان
تنهدت كاميليا بقلة حيلة منها فمحبتها ومعزتها في قلبها دائمًا تشفع لها، اولتها ظهرها وهي تفتح باب الغرفة وتقول في ضجر:
_طيب نامي يا أمينة خلاص.. تصبحي على خير
همست أمينة في ضيق وهي تلوي فمها في صوت لما يصل إلى آذان كامليا التي غادرت غرفتها:
_وأنتي من أهله
***
بصباح اليوم التالي....
كانت فيروز جالسة على المقعد أمام الفراش تحدق في الفراغ شاردة وعلى الفراش يجلس ياسين عابسًا بعدما منعته أخته من الخروج والتجول بالمنزل، فبقى حبيس تلك الغرفة مجبرًا لكنه هتف بحنق معبرًا عن اعتراضه:
_هو فين عمو سليم راح فين ؟
يريد سليم اعتقادًا منه أنه هو الذي سينقذه ويسمح له بالخروج لكنها حتى هي لا تعرف أين هو.. منذ ليلة أمس والشجار الذي نشب بينهم خرج بعدها من الغرفة ولم يعود إلى تلك اللحظة، خمنت أنه قضى ليلته بغرفة أخرى.. ورغم شعورها بالندم على ما تفوهت به بالأمس لكنها تتمنى لو يقضي كل ليلة بعيدًا عنها حتى تنعم بنوم هنيئ واطمئنان بغيابه.
انفتح الباب ولم تنتبه لصوته إلا عندما لمحت أخيها يقفز من مكانه فرحًا فور وصول منقذه وهرول باتحاه سليم يشكو فيروز إليه:
_فيروز حبساني من الصبح ياعمو سليم ومش عايزة تطلعني من الأوضة خالص
القى سليم على فيروز نظرة متعجبة ثم تطلع في ياسين وابتسم له بدفء وهتف وهو يمسح على شعره:
_اطلع يابطل وخد راحتك أنت في بيتك.. اطلع الجنينة والعب براحتك
التفت ياسين برأسه ينظر لأخته وهو يضحك بملأ شدقيه، ويرمقها متحديًا بعدما أخذ الأذن من سليم ولوح لها بيده مودعًا إياها ثم اندفع لخارج الغرفة مسرعًا.
تقدم سليم باتجاه خزانته وفتح الباب وبدأ في البحث بين ملابسه عن زي كلاسيكي يرتديه اليوم في العمل وراح يوجه سؤاله بحزم لفيروز دون أن يلتفت وينظر لها:
_حابسة الولد في الأوضة ليه ؟!!
أجابت فيروز على مضض وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى تتمنع عن النظر إليه:
_عشان أمك مش طيقاني فأكيد مش هتطيق أخويا وبالأخص لو لقيته بيتحرك في البيت براحته
عثر على زي مناسب بين الملابس فأخرجه من الخزانة واتجه به إلى الفراش يضعه فوقه ويجيب عليها بغلظة صوته الرجولي وهو يرفع ذراعيه لأعلى ممسكًا بتيشرته وينزعه عنه غير مباليًا بوجودها:
_أنتوا مش ضيوف هنا عشان تمنعيه وتخافي يزعج حد.. ده بيتكم فأكيد مش هتفضلي حبساه طول الوقت في الأوضة، متمنعهوش تاني وسبيه يتحرك براحته محدش يقدر يضايقه في البيت ولا حتى ماما
حولت رأسها تجاهه بعد كلماته متأهبة للرد عليه بكل تحفز لكنها شهقت بصدمة عندما رأته عاري الصدر ويبدل ملابسه أمامها بوقاحة دون مرعاة لوجودها.. فوثبت واقفة وأخفت عيناها بكفها صائحة به في غضب وخجل شديد:
_إيه اللي أنت بتعمله ده.. عايز تغير هدومك قولي وأنا هطلع مش تغير قدامي وتقف قصادي بالمنظر ده
حدقها ببرود مثير للأعصاب وقال ساخرًا رافضًا رغبتها:
_هو أنا كل ما أحب اغير هدومي في اوضتي هستأذنك ولا إيه!!!
هتفت بعصبية وهي مازالت تغلق عيناها بكفها:
_أيوة عشان أنت مبقتش وحدك في الأوضة ومن الأدب أنك تعمل كدا مش تقلع قدامي
مال ثغره للجانب مبتسمًا بتهكم من كلمة " الأدب " التي تفوهت بها، فأجابها باستهتار متلذذًا بإثارة حنقها:
_خلاص طالما مكسوفة خليكي مغمضة عينك كدا زي ما هي لغاية ما أخلص
استشاطت غيظًا منه وهتفت بعبارة خرجت من أعماق صميمها وهي تعنيها بقوة:
_أنت قليل الأدب
قالتها واستدارت بجسدها توليه ظهرها ثم اندفعت داخل شرفة الغرفة بينما هو فراقب ثورانها وهي تختبئ داخل الشرفة ولم يبالي لها وراح يكمل ارتداء ملابسه وبعدما مرور عشر دقائق انتهى من استعداده للذهاب للعمل، فتوجه لها في الشرفة ووقف على مقربة منها يهتف بجدية:
_يلا عشان ننزل نفطر
استدارت باتجاهه وضيقت عيناها مندهشة من عبارته، ثم قالت باعتراض تام:
_أكيد مش هنزل اقعد مع أمك وأبوك على سفرة واحدة.. هفطر هنا وحدي أو مفطرش خالص عادي
صر على أسنانه مغتاظًا ثم هتف بحدة محاولًا الحفاظ على هدوئه:
_مفيش حاجة اسمها هفطر وحدي.. هتنزلي معايا يافيروز
استقرت في عينيه نظرة تحذيرية مرعبة اخافتها لكنها تحدته وهتفت بعناد:
_قولتلك مش هنزل مش عايزة
طفح كيله وفقد آخر ذرة صبر تبقت له منذ ليلة أمس، هو يحاول كبح جموحه عنها بصعوبة منذ كلماتها السامة له وتشبيهها له " بحازم " والآن تستنفذ ما تبقى لديه من ثبات انفعالي.
لم يفتح فمه ببنت شفة أخرى واتجه للفعل فورًا حيث قبض على ذراعها وجذبها خلفه عنوة فصرخت به وهي تحاول التملص من قبضته هاتفة بعصبية:
_سيب ايدي ياهمجي
جذب ذراعها باتجاهه أكثر تعمدًا فأصبحت أقرب إليه وقبل أن يصلوا للباب سبقهم ذلك الدخيل الذي اقتحم الغرفة دون أذن وفتح الباب ودخل وكانت كاميليا التي تسمرت بأرضها بعينان متسعة عندما رأت ابنها يضم زوجته إليه بهذه القرب ممسكًا بذراعها، وكانت الدهشة أيضًا من نصيب فيروز التي لم تستوعب فكرة اقتحام كاميليا غرفتهم دون أذن، فرفعت نظرها إلى سليم ورأت نفس التعبير على وجهه لكنه ممتزج بالغضب حتى سمعوا صوت كاميليا وهي تهتف معتذرة متصنعة الصدمة:
_يووه أنا آسفة ياحبيبي مكنتش فاكرة أنك موجود في الأوضة.. كنت جاية اشوف مراتك واطمن عليها
ارتفع حاجب سليم بنظرة تهكمية من تبرير أمه السخيف لتصرفها الغير لائق، واشتعلت نظراته غيظًا فترك ذراع فيروز وتقدم إلى أمه ثم قبض على ذراعها بلطف وسحبها معه للخارج بعيدًا عن آذان فيروز ثم همس لأمه بانزعاج شديد:
_امبارح باعتة أمينة تتصنت علينا في الأوضة والنهاردة أنتي تدخلي كدا من غير أذن.. اللي بتعمليه ده يا ماما !!!
ردت كاميليا بحدة بسيطة مصرة على كذبتها:
_قولتلك مكنتش أعرف أنك موجود يا سليم
مصمص شفتيه بغيظ ونظرته تثبت عدم تصديقه لها فقال له بغضب أشد:
_حتى لو مش موجود.. ميصحش تدخلي الأوضة كدا عليها دي خصوصية ولا أنا هعملك الخصوصية والاتيكيت يا كاميليا هانم
نفرت يد ابنها عنها وابتسمت ساخرة بحقد وقالت مستاءة:
_والله عال وصلت أنك تعملني الخصوصية عشان خاطر دي اللي مش عارفين جايبها منين، وكمان بتكلمني بالطريقة دي عشان خاطرها ياسليم هي هتقلبك علينا من أول يوم
اصدر زفيرًا حارًا بنفاذ صبر وأجابها في لهجة نتبيهية:
_بكلمك كدا عشان أنا مش عجباني تصرفاتك ياماما ومتليقش بيكي يا كامليا هانم، وكمان هنا الكل مجبر يحترم فيروز والتصرف اللي حصل ده دلوقتي ميتكررش تاني أبدًا.. الأوضة دي خصوصيتي أنا ومراتي يعني محدش مسموحله يتعدى على الخصوصية دي
التفتت كاميليا برأسها تجاه فيروز ورمقتها شزرًا ثم عادت بعيناها الملتهبة إلى ابنها وقالت بامتعاض وضيق شديد منه متجاهلة الاجابة على تحذيراته:
_الفطار جاهز لو حابب تنزل تفطر
القت نظرة ناقمة ومتوعدة لفيروز ثم اندفعت من أمامهم فالتفت سليم برأسه تجاه فيروز وهو يلوى فمه بحنق ثم حرك حاجبيه وعينيه باشارة كأنه يسألها " هل مازالتي مصرة على عدم النزول" ، لكنه وصله الرد الغير متوقع منها وهي تتقدم إليه وتقول بثبات تام:
_يلا
تصرف كاميليا أثار حنقها للدرجة التي جعلتها تريد ازعاجها أيضًا، فوجودها على الطاولة معهم سيزيد من اشتعال غيظها لذلك وافقت على مشاركهتم طاولة الطعام فقط عنادًا في كاميليا...
***
داخل مقر عمل مريم بالنادي الخاص بها كانت ملازمة غرفتها منذ وصولها منشغلة بإنهاء بعض أعمالها المهمة، حتى قطع تركيزها التام على العمل دخول ريهام فرفعت مريم رأسها وتطلعت في وجه ريهام بوجه خالي من التعبير ثم اعادت نظرها في الأوراق التي أمامها غير مهتمة بوجودها.
لاح شبح ابتسامة شيكانية على ثغر ريهام وتأكدت أنها نجحت في خلق فجوة بينهم بفعلتها والآن وظيفتها إكمال ما بدأته وتوسيع تلك الفجوة، تقدمت نحو مكتب مريم ببراءة متصنعة ولست على المقعد المقابل لها وهتفت بود:
_عاملة إيه ياصحبتي ؟
قلبت مريم عيناها ساخرة من نعتها لها صديقتها ثم ردت عليها بمضض دون تكليف نفسها عنادة النظر لوجهها:
_كويسة ياريهام
ضيقت ريهام عينيها بحيرة وسألتها متصنعة الجهل:
_أنتي مضايقة مني بسبب حاجة ولا إيه يا مريم ؟!
بعد تلك العبارة رفعت مريم نظرها ورمقتها بازدراء من سؤالها الخبيث وكأنها لا تعرف ما فعلته فرأت ملامح ريهام تتبدل بلحظة من الحيرة إلى الصدمة فاغرة شفتيها وعيناها وهتفت بعدم تصديق:
_لا مش معقول اوعي تقولي أنك زعلانة مني بسبب أمير لما شوفتيني عنده في المكتب
حافظت مريم على ثباتها ونظراتها الثاقبة لها دون رد فتابعت ريهام تبرر تصرفها بوجه بريئ وحزين:
_لا يامريم بجد مش مصدقاكي معقول فكراني أني ممكن ابص لأمير أو اخطفه منك.. أنتي صحبتي ولا يمكن اخونك أو اعمل معاكي حركات الندالة والخساسة دي !!
تمعنت مريم النظر في وجه صديقتها الحزين فلانت حدة نظراتها لها وردت مستفهمة بضيق:
_واللي عملتيه ده اسمه إيه!!
هتفت ريهام تدافع عن نفسها بصدق تجعل أخبث العقول تصدق برائتها وصدق نوياها الطيبة:
_أنتي عارفة أنا وأمير أصدقاء وكنت قاعدة معاه كدا بحاول اطلعه من المود لأني لقيته مضايق، بعدين أنا عارفة أن انتوا لسا مفيش حاجة بينكم لو عارفة أن في حاجة لا يمكن اتعامل معاه كدا حتى لو بدافع الصداقة لأني هحترم وجود علاقة بينكم
ردت مريم بحزم بعدما نجحت ريهام بلؤمها امتصاص غضب مريم منها وجعلها تصدق حججها الذكية في تبرئة نفسها:
_هو مفيش حاجة بينا فعلًا بس برضوا اللي حصل مينفعش حتى لو كانت نيتك كويسة احنا في مكان شغل
ظهرت لمعة شيطانية في عين ريهام وسرعان ما اخفتها وبدلتها بأخرى محبة وصادقة وقالت في لهجة تهدف لتوعية صديقتها:
_عندك حق ما أنا بعدين ندمت وقولت غلط اللي عملته.. بس الصراحة بيني وبينك أمير اللي غريب يعني احنا عارفين حبه ليكي ازاي، أنا في لحظتها كنت مش مدركة اللي بقوله ليكي دلوقتي بس بعدين لما فكرت استغربت وقولت ازاي أمير سمحلي اتعامل معاه كدا.. انتي عارفاه دايما بيعاملني ميري حتى لو بصحوبية
رفعت مريم حاجبها بعدم فهم وقد بدأ الضيق يرتفع لتعابير وجهها مجددًا فردت بصرامة على صديقتها:
_قصدك إيه يعني.. بعدين منين بتدافعي عن نفسك أنك مكنش في نيتك حاجة ومنين بتقولي سمحلي يعني أنتي كان في نيتك حاجة تاني
هزت ريهام رأسها بالنفي فورًا واقسمت كاذبة لكن بتعابير رسمتها صادقة بمهارة:
_لا ربنا يعلم نيتي كانت إيه، بس أنا معترفة أني طريقتي كانت غلط ومتصحش والدليل زي ما قولتلك اني ندمت بعدين، بس أنا كانت نيتي كويسة حتى لو بأسلوب غلط وبدافع الصداقة وأني اخرجه من موده الوحش لكن هو كانت نيته إيه لأنه كانت نظراته ليا غريبة أنا مدأركتش ده غير بعدين لما فكرت في الموقف
سكتت مريم وهي تجز على أسنانها داخل فمها دون إظهارها فتلمحيات ريهام الصريحة أن أمير فاسد وكاذب يدعي حبها وهو يتودد لصديقتها جعلت نيران الغيرة والغل تشتعل في صدرها، لكن ردت على ريهام بثقة وصلابة متصنعة عدم الاهتمام:
_أنا مش فاهمة أنتي عايزة تقولي إيه بظبط ياريهام بجد.. وكلامك غريب ومتناقض وأنا معنديش طاقة ولا وقت افكر في الهبل ده أنتي شايفة الشغل اللي قدامي إزاي
تنهدت ريهام بعبوس مزيف ثم استقامت واقفة بعدما أنهت تنفيذ الهدف الذي جاءت لأجله والتفت حول المكتب حتى وقفت بجوار مريم الجالسة على مقعدها وانحنت عليها تعانقها بحب مزيف هاتفة:
_طيب هسيبك تكملي شغلك بس أهم حاجة متكونيش زعلانة لسا مني.. طمنيني أنك مش زعلانة
هزت مريم رأسها بوجه متكدر لكنها شكّلت ابتسامة خاوية وردت عليها بإيجاز:
_مش زعلانة يا ريهام خلاص حصل خير.. سبيني بقى من فضلك دلوقتي عشان اخلص اللي ورايا
ردت ريهام بابتسامة عريضة وود بعدما ابتعدت عنها وانتصبت في وقفتها:
_أوكي ياحبيبتي وأنا هقولهم برا يعملوا ليكي فنجان قهوة عشان تخلصي شغلك برواق وأنا هروح اشوف اللي ورايا كمان
لم تجيب مريم ودفنت وجهها في أوراق عملها بينما ريهام فولتها ظهرها وتحركت باتحاه الباب وعلى وجهها ابتسامة نصر خبيثة، تاركة مريم التي فور رحيلها رفعت رأسها عن الأوراق وتطلعت في الفراغ شاردة بأمير وهي تشتعل غيظًا منه.. خصوصًا وهي تتذكر كلمات ريهام عندما وصفت لها نظراته المريبة لها....
***
داخل منزل شاهين وداليا تحديدًا بغرفة نومهم....
كانت داليا تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة على مظهرها تستعد لأول يوم عمل لها، مرتدية بنطال كلاسيكي أسود يعلوه قميص أبيض وفوقه جاكيتة سوداء وشعرها تاركة العنان له ينساب بحرية على ظهرها ومن الجانبين ينزل بعض خصلاته على جانبي وجهها مضيفًا لها لمسة أنثوية ساحرة، وزينت ملامحها الجميلة ببعض مساحيق المكياج البسيطة التي زادتها جمالًا.
انفتح باب الغرفة ودخل شاهين فتصلب بأرضه عندما رأى داليا بتلك الهيئة الجذابة وهو تستعد ليومها الأول في الشركة، اراد الاعتراض لكن بعد شجارهم بنهار الأمس لم يعد بإمكانه الاعتراض لا على فكرة العمل أو حتى غيرته عليها من مخالطة الرجال، اطلق زفيرًا حارًا بحنق وتمتم بصوت رجولي غليظ:
_أنا مستنيكي تحت هنروح مع بعض الشركة
وصله صوتها الجاد والمعترض دون أن تعيره فرصة النظر لوجهها:
_تقدر تمشي أنا معايا عربيتي وهروح وحدي
تقدم بخطواته إليها حتى وقف خلفها مباشرة وقال في غضب ملحوظ في نبرته الحازمة:
_هتروحي وهترجعي معايا يا داليا طالما مصممة أنك ترجعي الشغل يبقى مش هتتحركي بعيد عني
استدارت بجسدها له وتطلعت في وجهه باستهزاء وهتفت بجفاء:
_وده بقى اسمه تسلط وفرض سيطرة ولا محافظة على منظرك قدام الموظفين لأني مراتك، أصله بقينا فاهمين أنه لا اهتمام ولا حب لأنه مبقيش في حب خلاص
مال برأسه للجانب وهو يصر على اسنانه بغيظ ثم عاد بوجهه لها وهتف في ضيق شديد:
_داليا بلاش تصعبي الأمور بينا أكتر.. أنتي عارفة ومتأكدة إني بحبك
ضحكت بمرارة وأجابته متهكمة:
_ معقول لسا بتحبني بشخصيتي اللي بقت لا تحتمل.. بعد كلامك امبارح يا شاهين أنا بقيت متأكدة من حاجة واحدة بس.. هي أن الرابط الوحيد اللي جامعنا لسا هو ولادنا طارق ولارا
هتف شاهين بعصبية من غطرستها:
_يعني أنتي مخدتيش من كلامي امبارح غير ده بس.. مفهمتيش سبب ضيقي من تصرفاتك ولا سمعتي جملة أن حبي ليكي هو اللي مخليني مستحمل تصرفاتك مش ولادنا زي ما بتقولي.. لسا برضوا زي ما أنتي مش عايزة تعترفي باخطائك
ردت عليه ببرود مستفز عكس البركان المدمر المنفجر في ثناياها:
_وهو أنا بس اللي بغلط أنت مبتغلطش يعني يا شاهين.. أنت ملاك وأنا شيطان.. عايزني أنا بس اللي اتغير وأنت متتغيرش
صاح شاهين بها منفعلًا:
_أنا لو حسيت بحبك ليا فعلًا كنت هتغير
أثارت عبارته جنونها فأفقدتها صوابها وخرجت عن طور ثباتها المزيف فثارت عليه وهي تدفعه بكلتا كفيها في صدره صائحة:
_حب إيه.. أنا محدش بيحبك ولا هيحبك قدي.. واحساس إيه اللي بتتكلم عنه هو احنا متجوزين امبارح احنا ليا 17 سنة يا شاهين أنت مدرك يعني إيه 17 سنة .. أنا لو مش بحبك هعيش معاك واستحملك السنين دي كلها ازاي.. متعلقش شماعة اخطائك على حبي ليك لأني بحبك اكتر من نفسك ولو على تصرفاتي اللي كانت غلط زي ما بتقول كنت واجهتني من زمان وصلحت كل ده قبل ما توصل علاقتنا للمرحلة اللي احنا فيها دي.. لكن أنت اخترت تضحي بحبنا لغاية ما حبك أنت ليا اللي انتهى
هز رأسه بالنفي يرمقها بعين تحمل نظرة العجز والعشق المغمور خلف كهف الأسرار الممتلئ بآثامه:
_منتهاش.. لو انتهى كنت طلقتك لكن مش قادر اتخلى عنك ولا اطلقك
استفزتها كلمة " طلاق " التي تفوه بها فهاجت وزادت من حدة ضربها له على صدره بكفها وهي تصرخ باعتزاز:
_لا طلقني ياشاهين طلقني.. طالما نطقتها وفكرت فيها يبقى مترجعش فيها ونفذ علطول
قبض على رسغيها ليوقف لكمها له في صدره وجذبها إليه بقوة فاصطدمت بصدره وسقطت بين ذراعيه ثم وجدته يميل بوجهه عليها بحركة مباغتة ويغوص معها بلحظة حميمية خاصة بينهم ادهشتها وجمدتها بين يديه وكأنها تشهد على اقترابه لأول مرة، لكن سرعان ما تداركت نفسها وتذكرت غضبها منه فدفعته بعيدًا عنه وهتفت بحدة تحذره:
_متقربش مني ولا تلمسني تاني
ثم اندفعت من أمامه وجذبت حقيبتها من فوق الفراش وغادرت الغرفة تاركة إياه متجمدًا بأرضه ويحدق في أثرها باحتقان من نفورها منه....
***
بالأسفل كانت لارا تجلس بجوار شقيقها ويسمعون صوت الضجيج والصياح المنبعث من غرفة والديهم.. فتسارعت نبضات قلب لارا بارتيعاد بالأخص بعدما أخبرها شقيقها بحقيقة شكوكهم وأن والدها تزوج على أمها حقًا....
سألت لارا طارق بخوف:
_هما بيزعقوا كدا ليه يا طارق معقول تكون ماما عرفت
هز رأسه بالنفي وقال في هدوء:
_معتقدش شكلهم متخانقين لسبب تاني.. بابا امبارح شوفته نايم في أوضة مكتبه يعني منمش في الأوضة مع ماما
تلألأت الدموع في عيني لارا بقهر وقالت بنقم على والدها:
_أنا مش هقدر اسامح بابا أبدًا على اللي عمله في ماما وفينا
رفع طارق أنامله يعبث في خصلات شعره ويقول بتفكير وحيرة:
_أنا بفكر أقول لماما مش قادر ابص في وشها واكدب اكتر من كدا حاسس أني بخون ثقتها زي ما بابا عمل
صاحت لارا في أخيها مسرعة وهي تنهاه بتحذير شديد وغضب:
_لا إياك تقولها حاجة ياطارق.. صحيح بابا غلطان وخانها واتجوز عليها بس لو ماما عرفت دلوقتي لا يمكن تسامحه وهيطلقوا.. وهيحصل إيه بعدين ؟
هز طارق رأسه بجهل وسأل بعدم فهم:
_هيحصل إيه؟!!
اشتعلت نظرة لارا وتحولت من القهر والحزن إلى الغل والوعيد وهي تجيب على أخيها:
_الجو هيحلي للحيوانة خطافة الرجالة مروة وهتاخد بابا.. وأنا مش هسمحلها تاخده ولا تتهنى بيه
ضحك طارق بسخرية من أخته وأجابها بضجر:
_أه شغل الستات ده بقى.. لارا بابا اتجوزها خلاص يعني اخدته وخلاص وللأسف ماما لا يمكن تسامحه أو يكملوا بعد ما تعرف
ردت لارا بعناد ووعيد كله حقد ونظرات شيطانية لا تناسب سنها الصغير لكنها تلائم انتماء دمائها لعائلة الطوخي:
_وأنا فاهمة ده ومش مهم حتى لو ماما رفضت تسامحه ده قرارها وأنا أول واحدة هقف في ضهرها، لكن قبل ما ده يحصل لازم اخلى الحيوانة دي تخرح من حياتنا وحياة بابا ويطلقها، مش هسمح أنها تفرق بينه هو وماما وهي تاخده بعدين
أكمل طارق ضحكه على أخته وسألها مستخفًا بكلماتها و قدراتها:
_وأنتي هتعملي إيه بقى يا العقل المدبر والشخصية الانتقامية الشريرة أوي
لوت فمها وهي تتطلع لأخيها بقرف من استهزائه بها ثم ردت عليه بثقة:
_اتريق اتريق.. هتشوف بعدين هعمل إيه.. المهم أنت متقولش لماما حاجة دلوقتي
***
عودة لمنزل عوني الطوخي....
نزل سليم الدرج وفيروز تسير خلفه برأس متعالية رافضة الضعف والذل أمام هؤلاء الشياطين، كان كل من كاميليا وأمير يجلسون حول طاولة الطعام وعلى رأسها كان يجلس عوني الذي تراه للمرة الأولى، فقد كان رجل كما تخيلته تمامًا بتعابير وجه قاسية ومرعبة وهيئة متغطرسة ومتجبرة.
ظلت تسير خلف زوجها حتى وصلوا لطاولة الطعام فالقى هو تحية الصباح على عائلته فوصله الرد المقتضب من أبيه وأمه أما أمير فكانت نظرته دافئة لشقيقه، وارسل لها نظرة لم تكن ودودة ولا حاقدة كانت طبيعية ترحبية فتنهدت براحة بسيطة أنه على الأقل يوجد شخص بذلك لا يكرهها.
بقت واقفة وهي تنقل نظرها بين أمير إلى كاميليا التي لو كانت عيناها بإمكانها القتل لكانت اطلقت رصاصة من خلالهم وقتلتها بأرضها، واستقرت أخيرًا على عوني التي تطلع لها بنظرة لم تكن ناقمة كخاصة زوجته ولكنها تحمل مشاعر أخرى مبهمة كانت مرعبة، نظرة ثاقبة تحوي معاني نفسية كأنها لرجل سيكوباتي لا يمكنك تخمين ما الأفكار التي تحوم في تلك القوقعة الصغير داخل رأسه، أن كان عليها الخوف من أحد والاحتماء بزوجها خوفًا منه فعوني هو ذلك الشخص.. فبعد رؤيتها له الآن أدركت لماذا أصر سليم على الزواج منها ليحميها من بطشه...
لم تفق من جحيم نظرات عوني إلا عندما وجدت سليم يجذب المقعد المجاور له للخارج بعد جلوسه على مقعده يحثها بنظره على الجلوس بجواره.. ففعلت وجلست بسكون تام ثم انحنى على أذنها وسألها:
_ياسين فين؟
ردت بصوت خافت:
_ياسين فطر الصبح بدري قبل الكل
خرج صوت كاميليا وهي تسأل فيروز وعلى وجهها ابتسامة متصنعة:
_احكيلنا بقى يافيروز أنتي بنت مين وأهلك فين.. أصل زي ما أنتي عارفة ابني اتجوزك من غير علمنا فمنعرفش عنك حاجة
حدقت فيروز بكاميليا في غيظ ثم مالت برأسها إلى عوني ورمقته بغل متذكرة ما فعله بها هي وأخيها وقالت في قوة:
_اسألي عوني بيه اعتقد هو عارف كل حاجة
ابتسم عوني بإعجاب من شجاعتها وجرائتها في محاولة حصاره بحقيقة أفعاله معها، ثم القى نظرة على ابنه وهو يتطلعه بخبث ورد في نظرة مخيفة:
_اعتقد اللي هقوله مش هيعجب حد يافيروز هانم وبالأخص جوزك
تابعت كاميليا خلف زوجها وهي تحدق في وجه فيروز بغل هاتفة في غضب ونظرة استحقار:
_ابنك مش هيعجبه الكلام لكن عاجبه يتجوز واحدة سمعتها في الأرض وباعت شرفها للي يسوى واللي ميسواش