
رواية لأنك أنت الفصل التاسع عشر19 بقلم ندي محمود توفيق
لم تبالي ولم تنتبه لما فهمه من عبارتها فكل ما كان يشغل تفكيرها الآن هو النجاح في مخططها وأخذ حقها من كاميليا على كم الإهانات التي ابتلعتها إلى اليوم منها، فأجابت على سليم بنظرة ثاقبة:
_بالاشهار !
ارتفع حاجبه للأعلى بتعجب وهيمن عليه الصمت لثواني وهو يحدقها بقوة في شبه ابتسامة ثم خرج صوته الرجولي أخيرًا يجيب:
_ عايزة فرح يعني ولا إيه !!
هزت رأسه بالنفي وقالت في رزانة وحنكة ذكية:
_لا أنا مقولتش فرح أنا قولت اشهار وأنت ممكن تشوف الطريقة المناسبة بنسبالك اللي نعمل بيها اشهار وأنا موافقة
ثبت نظرته على عبنيها بتدقيق وشك وسألها وقد اظهر عن ابتسامته الخبيثة الحقيقية:
_أنتي في إيه في دماغك بظبط يافيروز وايه سبب الطلب الغريب ده ؟!
تصنعت البراءة والثبات رغم اضطرابها البسيط من نظراته فهي تدرك جيدًا مدة ذكائه الخارق وأن أي خطأ بسيط منها سيجعله يكتشف كل شيء دون أن تفتح فمها.
قالت مبررة له رغبتها في اشهار زواجهم:
_مفيش حاجة كل ما في الأمر أني مش هقدر اعيش معاك تحت سقف واحد واحنا جوازنا ناقص.. لازم الاشهار
تلك المرة انتقلت الابتسامة من على شفتيه لتشمل عينيه التي اثبتت لها أنه لم يصدقها لكنها عجزت عن معرفة بماذا يفكر، توجه وجلس على الاريكة وهو مازال يتطلعها بصمت فلحقت به وجلست بجواره تسأله بترقب:
_قولت إيه موافق ؟
التفت لها برأسه ورمقها بقوة وهمس في جدية:
_موافق هفكر في طريقة وهجهز كل حاجة واقولك
شقت ابتسامة النصر والمكر طريقها لثغرها ثم استقامت واقفة وهمت بالتوجه إلى فراشها لكن اوقفها صوت طرق الباب مصحوب بصوت أمينة وهي تهتف:
_فيروز هانم
رد سليم بصوته الغليظ بدلًا عنها دون أن يكلف نفسه عناء الوقوف وفتح الباب:
_أيوة ياحجة أمينة.. في حاجة ولا إيه ؟
ردت أمينة من الخارج بود:
_العشاء جاهز ياغالي والست كاميليا وعوني بيه مستنينكم تحت
_طيب نازلين
هب سليم واقفًا وأشار لفيروز بعيناه أن تسبقه وتتحرك أمامه ففعلت بكل صدر رحب.. فـ دون إن يطلب منها كانت ستفعل وحدها.. هي لم تعد فيروز التي تختبئ من تلك العائلة خوفًا منهم وتجنبًا لأذاهم.
توقفت عندما شعرت به يقف شبه ملتصق بها من الخلف ويهمس بالقرب من أذنها:
_استمري
التفتت برأسها للخلف تنظر إليه بعدم فهم وتسأله:
_استمر في إيه ؟!
أجاب بلطف امتزج بثقته وصلابته وهو يهمس:
_استمري على الابديت الجديد ده في شخصيتك.. طول ما أنتي وافقتي تكوني مراتي وجزء من حياتي مينفعش تكون رقيقة وضعيفة طول الوقت، لازم يطلعلك مخالب
مدتها كلماته بالثقة أكثر فطرحت سؤال وهي تبتسم بفطنة:
_يعني أنت عاجبك التحول ده ؟
رأت في عينيه لمعة الإعجاب وهو يهمس بالإيجاب:
_ جـدًا
اعادت رأسها لوضعها الطبيعي للأمام وهي تبتسم باتساع وأكمل طريقها للخارج وسار هو خلفها....
***
نزلت فيروز درجات الدرج في المقدمة وخلفها سليم حتى وصلت إلى طاولة الطعام ورأت كل من عوني وكاميليا حول الطاولة في انتظارهم فعلقت فيروز نظرها على كاميليا وابتسمت لها باستفزاز وقالت تلقي التحية عامة بكل ثقة وشموخ:
_مساء الخير
لم يجيب سوى أمير الذي كان يراقب النظرات النارية بين أمه وزوجة أخيه ويبتسم، أما سليم فقد مد يده وجذب مقعد فيروز للخلف فالتفتت هي برأسها على أثر تصرفه المفاجئ وابتسمت له بامتنان وجلست على المقعد بوقار وتراقب بعيناها ردة فعل كاميليا التي بدت أنها تشتعل من الغيظ وعوني كان يظهر على معالمه عدم الرضا، فتعمدت إظهار بسمتها باتساع لإثارة حنقهم أكثر، بينما سليم فقد جذب المقعد المجاور لها وجلس بعدها على مقعده وما كانت سوى لحظات حتى نزل ياسين وانضم لهم وجلس بجوار أخته.
بعد دقائق من بدأهم تناول طعامهم خرج صوت عوني وهو يتحدث لسليم بجدية فيما يخص العمل:
_الصفقة اللي مع علاء النجار مهمة ومينفعش تضيع مننا
أجاب سليم بلهجة رجولية قوية وهو مستمر في الأكل:
_مش هتضيع اطمن
القى عوني نظرة ممتعضة على فيروز وأجاب على ابنه جازًا على أسنانه:
_مش هتضيع ازاي ولما يعرف أنك اتجوزت هتقولوا إيه؟!
نقلت فيروز نظرها بين سليم وعوني بحيرة متسائلة في نفسها" ما علاقة زواجهم بالعمل ولماذا سيؤثر على عملهم ومن ذلك الرجل ؟ " لتسمع رد سليم الغليظ الذي باتت تفهم أن تلك النبرة هي بداية انفعاله:
_وأنا من امتى ببرر لحد في الشغل أفعالي.. علاء النجار هيكمل كل حاجة برضاه أو غصب عنه سيبهولي بس وأنا هتعامل معاه بطريقتي
مال عوني برأسه للجانب وهو يزفر بغيظ من ابنه ويقول في صوت محتقن:
_أنا مفيش حاجة بتقلقني غير طريقتك اللي بتتعامل بيها دي
ابتسم أمير على رد أبيه وقال داعمًا لشقيقه الأكبر:
_مهو علاء النجار مينفعش معاه غير طريقة سليم يابابا
تأفف سليم بقلة حيلة من أبنائه الأثنين وقال في غضب وهو يغرز الشوكة في الطبق ويرفعها بالطعام لفمه:
_متنسوش أنه شريك في المشروع وفي شغل كتير بينا يعني الخساير هتبقى كبيرة وأنا ده كل اللي هاممني لكن علاء صدقني لولا الشغل كنت أنا بنفسي نهيت عليه خالص بعد اللي عمله معاك هو وبنته
وجه عبارته الأخيرة لسليم الذي لوى فمه باستياء شديد ونظرات مظلمة فور تذكره أفعال يارا ووالدها الذي كان يعلم بكل شيء ويستغله فقط من أجل مصالح العمل.
تمتم سليم بصوت مرعب يحمل الوعيد الشيطاني:
_نهايته على ايدي أنا هندمه على اليوم اللي فكر فيه يلعب معايا
تساءلت كاميليا بجهل واستغراب امتزج بفضولها:
_مالها يارا عملت إيه هي وأبوها ؟!
رفع سليم نظره المنزعج وتطلع لأمه بحزم هاتفًا:
_ممكن نكمل أكل يا ماما مش عايز اسمع حاجة تاني عشان نفسي بدأت تتسد
مال أمير على أذن أمه وهمس بحكمة:
_بعدين ياماما مش وقته دلوقتي
أما فيروز فكانت تراقب الحوار الدائر بين العائلة بصمت تام وتركيز.. وانتبهت كامل حواسها عند ذكر كاميليا لاسم يارا.. نفس اسم الفتاة التي كانت تتصل عليه، أنها ابنة ذلك الرجل الذي يتحدثون عنه ولكن يبقى السؤال الأهم من هي " يارا " ؟!.
كانت تحدق في وجه سليم بتمعن وتراقب تعبيراته الصلبة والقاسية، لو لم تعرف حقيقته وأنه ليس بهذا السوء لصدقت أنه نسخة أخرى من والده.. ربما يشبهه كثيرًا في بعض الخصال حقًا لكنه يملك جانب آخر جميل رغم بروده العاطفي معها إلا أنها تراه بوضوح أحيانًا.. يكفي أنه الوحيد الذي وقف كالدرع الحامي في ظهرها بالوقت الذي كانت تقف فيه وحيدة بين فكي الذئاب، مهما بلغ غضبها وخوفها منه النابع من عدم الثقة بعدما اكتشفت حقيقة أنه كان يكذب عيلها.. لكنها تعلم جيدًا أنه لن يأذيها أبدًا ولا تستطيع إنكار أفضاله الكبيرة عليها.
***
بصباح اليوم التالي............
داخل مقر شركة عوني الطوخي تحديدًا بمكتب داليا.. كانت جالسة على مقعدها الهزاز وتدور به بملامح وجه متجهمة شاردة في ليلة أمس وتلك الرسالة التي وصلت لزوجها من مروة ومحاولاته في الهائها حتى لا تتحدث عن مروة.
حتى لو كان ذلك الشعور هو اسوء شعور يمكنها شعوره لكنها لا تستطيع إيقاف نفسها عن التفكير بتلك الطريقة، فقد تسلل الشك لقلبها ولن ترتاح إلا عندما تصل للحقيقة المخبئة عنها.
افاقها من شرودها صوت طرق الباب فاعتدلت في جلستها وانتصبت لتظهر بكل ثبات وعزة نفس تستعد لذلك الطارق المنتظر وأجابت عليه تسمح له بالدخول:
_اتفضل
انفتح الباب ودخلت مروة فرسمت داليا ابتسامة متكلفة واشارت لها بعيناها على المقعد المقابل للمكتب هاتفة:
_تعالي يامروة اتفضلي اقعدي
تقدمت مروة من المقعد وجلست عليه وبعينيها نظرة حائرة تتساءل عن سبب رغبة داليا في رؤيتها.. بعد جلوسها سألت بهدوء:
_رنيتي عليا وطلبتي اعدي عليكي في المكتب.. في حاجة حصلت ولا إيه ياداليا هانم
حاولت داليا الحفاظ على ثباتها الانفعالي قدر المستطاع وردت على مروة بلهجة تحولت للجدية واختفت ابتسامتها:
_أه أصل أنا شاهين قالي أنك كنتي عايزة تتكلمي معاه امبارح بخصوص اجازة.. عايزاه يتوسط ليكي عند بابا عسان يوافقوا على اجازة
اطرقت مروة رأسها أرضًا مبستمة بسخرية على المبررات الواهية التي اعطاها لها ليخفي زواجه منها وعلاقته بها ثم عادت تنظر في وجه داليا بخبث وتسأل:
_هو قالك كدا بس ؟!
وكأنه كان السؤال المنتظر لداليا حيث ردت فورًا دون تفكير بنظرة ثاقبة:
_بس!!.. ليه هو في حاجة تاني معرفهاش ؟
اتسعت ابتسامة مروة بلؤم وتصنعت صفاء النية التي تظهر بشفافية أنها مزيفة ثم همست:
_لا طالما هو مقالكيش يبقى مفيش أنا بسأل بس
ظهر الاحتقان في نظرات داليا وكانت من داخل فمها المغلق تجز على أسنانها سخطًا بعدما باتت شبه متأكدة من أن شكوكها حقيقية وهناك أمر جلل يخفيه عنها زوجها.
حافظ على آخر ما تبقى لديها من الثبات المزيف وهي تجيب على مروة بصوت مقتضب:
_لو لسا حابة تاخدي الأجازة بلغيني إيه السبب وممكن اتكلم مع سليم
هبت مروة واقفة مع ابتسامتها المستفزة وهي تجيب بالرفض:
_لا مش عايزة أخد أجازة خلاص غيرت رأى متشكرة ليكي جدًا يا داليا هانم.. عن أذنك بقى لأن معايا شغل عايزة اخلصه
ثم استظارت واتجهت لخارج الغرفة منصرفة وتاركة داليا تتلوى في مقعدها من فرط السخط ثم هبت واقفة وراحت تجوب الغرفة أيابًا وذهابًا وهي تحاول تخمين ذلك الأمر الذي يخفيه عنها.. محاولة العدول على الفكرة الوحيدة التي يلح بها عقلها وهي ( الخيانة ) معللة أن شاهين لا يخون مهما حدث.
اندفعت نحو مكتبها مجددًا وأجرت اتصال بأحد العمال الموثقين بالشركة وطلبت منه القدوم لمكتبها وبعد دقائق معدودة وصل ودخل وكان رجل بمقتبل الأربعين من عمره يعمل بقسم الصيانة داخل الشركة.
هتف بلهجة مهذبة وجادة:
_اؤمري يا داليا هانم؟
هتفت داليا وهي تملي عليه تعليماتها بوجه صارم وغاضب:
_عايزاك تراقبلي كل خطوة لمروة داخل الشركة ياعبده وتقولي بكل خطواتها وشاهين بيه تراقبه جوا وبرا الشركة ومتقلقش هظبطك كويس أوي في الفلوس أنت عارفني
ابتسم الرجل ولمعت عيناه فور ذكرها للمال فقال في انصياع تام:
_تحت أمرك ياهانم اطمني ده هجبلك عدد خطواتهم كمان
مال ثغر داليا في رضا ثم هتفت محذرة:
_الكلام ده بيني وبينك بس لو طلع برا هتلاقي نفسك في الشارع علطول.. وخلي بالك احسن شاهين بيه يكتشف أنك بتراقبه
هز رأسه بالإيجاب في نظرة مخلصة وصوت قوي:
_عيب ياهانم أنا امتى طلبتي مني حاجة وطلعتها برا.. اطمني النملة في الأرض مش هتسمع ولا هتحس بحاجة
تقدمت نحو مكتبها وفتحت أحد الادراج واخرجت منه ظرف يحوي على بعض الأموال ومد يدها له بالظرف هاتفة:
_أصيل ياعبده ودي أول دفعة لما تجبلي المعلومات اللي محتجاها هديك الباقي
التقط الظرف من يدها وعيناه لامعة بالفرحة ثم قال مسرعًا في ابتسامة عريضة:
_من بكرا هتوصلك كل الأخبار خطوة بخطوة ياهانم
اماءت داليا رأسها بالرضا وردت عليه في جدية:
_منتظرة ياعبده.. اتفضل دلوقتي خلاص روح كمل شغلك
استدار عبده واتجه لباب الغرفة وغادر ليترك داليا التي عادت تجلس على مقعدها وهي عابسة الوجه ومرتعدة من الحقيقة التي ستكتشفها...
***
داخل النادي كانت مريم بقاعة صغيرة مخصصة للبلياردو.. مرتدية تنورة جلد ضيقة طويلة تصل لركبتيها ويعلوها كنزة بأكمام طويلة وفتحة مثلثية عند الصدر وتاركة الحرية لشعرها ينساب على ظهرها وكتفيها.
بينما كانت ممسكة بعصاة البلياردو ومندمجة باللعب الفردي سمعت صوت من خلفها يهتف:
_دورت عليكي في النادي كله يامريومتي
انتصب واقفة واستدارت بجسدها كاملًا بعدما تمكنت من التعرف هلى صاحب الصوت ونظرت بحنق لمؤمن هاتفة في حدة:
_مؤمن ممكن تطلع وتسيبني لوحدي
اندفع نحوها ثائرًا فور جملتها التي آثارت جنونه:
_أنتي كرهتيني كدا ليه أنا عملتلك إيه؟!!
التصقت بظهرها بطاولة البلياردو وقالت في غضب من اقترابه:
_مكرهتكش بس أنت بقيت مريب وتصرفاتك مش مطمنة.. خليك بعيد ومتقربش مني يامؤمن احسنلك
استمر في التقدم نحوها حتى اصبح أمامه مباشرة وقال في نظرة تلمع بالرغبة الشريرة:
_لو قربتلك هيحصل إيه هتصرخي وتستنجدي بالحارس الشخصي بتاعك ابن الطوخي
مالت بظهرها للخلف وبكفيها استندت على حافة الطاولة محاولة الابتعاد عنه قدر الاستطاع حتى لا يتلامس جسديهما، وعندما حاصرها أكثر همت بأن تفر هاربة منه لكنه قبض على خصرها وجذبها إليه عنوة ثم مال بوجهها عليه يحاول تقبيلها فصرخت برعب واخذت تضربه بكلتا كفيها في صدره وهي تميل برأسها بعيدًا عن اتجاه شفتيه وتصرخ:
_ابعد عني ياحيوان متلمسنيش.. الحـــقــوني.. يا أمـــيـر
رغم علمها أن أمير لم يصل بعد إلى النادي لكن لسانها نطق باسمه لا إراديًا بينما مؤمن فكتم بكفه على فمه يمنع صراحها ويهمس لها ضاحكًا بخبث:
_ليه الصراخ ده كله متخافيش مش هعملك حاجة أنا كنت هبوسك بس
غرزت أسنانها في لحم يده فأبعد يده عن فمها بسرعة متألمًا وواصلت مريم صراخها تستنجد بأي أحد.. ولحسن الحظ أن أمير وصل إلى النادي بذلك الوقت وكان بطريقه لغرفته الخاصة ومارًا من أمام الصالة فالتقطت أذناه صوت الصراخ القادم من داخل.. توقف للحظة يميز ذلك الصوت الأنثوي الذي اكتشف أنه لمريم فاندفع إليها ركضًا بتلهف.
دخل الصالة فرأى مؤمن وهو يحاول التعدي عليها وهي تصرخ وتظفعه بقوتها الضعيفة بعيدًا عنها، أظلمت عيني أمير وانقض على مؤمن كالأسد وهو يدفعه بعيدًا عن مريم وينهال عليه باللكمات المبرحة وهو يسبه ويشتمه بكل الالفاظ البديئة التي اخرجها لسانه، تمكن مؤمن من الافلات من يدي أمير وانقض هو عليه بدوره يوجه له اللكمات العنيفة وسط بكاء وارتيعاد مريم التي ركضت باتجاه أمير تمسك بذراعه تتوسله باكية هاتفة:
_خلاص يا أمير أبوس ايدك سيبه
كان لا يرى ولا يسمع شيء فقط غضبه الأعمى يقوده للجنون ويجعله يضرب في مؤمن دون وعي حتى سقط أرضًا وهو يسعل بقوة من أثر الضرب المميت الذي تلقاه على يد أمير.. أخيرًا بتلك اللحظة فاق أمير من حالة الغضب المرعبة المستحوذة عليه والتفت تجاه مريم ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمها لحضنه يقبّل شعرها هامسًا بقلق:
_أنتي كويسة عملك حاجة الحيوان ده؟!
هزت مريم رأسها بالنفي لتجده بعدها يخرج هاتفه يجري اتصالًا بحراس النادي يطلب منهم القدوم على الفور وبظرف دقائق كانوا أمامهم فأمرهم أمير بأن يأخذوا مؤمن ويلقوه خارج النادي بأكمله...
***
داخل غرفة مكتب مريم كان امير جالسًا على الأريكة ومريم دخلت الحمام المرفق بغرفتها وخرجت بعد لحظات حاملة حقيبة الإسعافات الاولية وجلست بجواره وفتحتها بينما هو فسألها باستياء شديد:
_أنا هندمه عمره كله الـ**** ده على اليوم اللي فكر فيه يلمسك
هتفت مريم بإيجاز غير مهتمة بذلك الوغد فكل ما يهمها هو معالجة جرح شفتيه ووجه، رفعت كفها بالقطنة لشفتيه فمال بوجهه مبتعدًا قليلًا عن يدها هاتفًا بخنق:
_أنا كويس يامريم مش مستاهلة خلاص
هتفت منفعلة بقلق حقيقي يظهر في عيناها وصوتها:
_مش مستاهلة إيه أنت شفايفك بتنزف ووشك متعور.. ممكن تسكت خالص وملكش دعوة باللي بعمله
سكن أمام تعنيفها له وسخطها الممتزج بخوفها عليه، وتركها تباشر في تضميد جرح شفتيه ووجه وهو يراقبها مبتسمًا بسعادة على اهتمامها وقلقها عليه ليهمس يسألها بوداعة:
_للدرجادي خوفتي عليا؟!!
ردت بكل عفوية وهي منشغلة بمسح الدماء من وجهه وعيناها التقط بعيناه للحظة:
_ أكيد طبعًا خوفت عليك
اتسعت ابتسامتها وملأت ثغره كله فأجاب غامزًا لها وهو يمزح بمرح:
_ ده أنا هروح أجر شوية رجالة واخليهم يدوني العلقة التمام عشان اشوف الخوف والاهتمام ده علطول
رفعت رأسها ونظرت له ثم انطلقت ضحكتها عالية رغمًا عنها وراحت تلكزه في صدره بعتاب هاتفة بعبوس:
_بعد الشر عليك يا أمير إيه اللي بتقوله ده
لمعت عيناه بعشق واندهاش ثم راح يميل بظهره على ظهر الأريكة ويقول بهيام وسعادة غامرة:
_آه ياقلبي أنا بحلم ولا إيه.. إيه اللي وداني بتسمعه ده
أجفلت نظرها عنه وهي تبتسم بخجل وتهمس بصوت خافت من أثر الحياء:
_خلاص بقى يا أمير أسكت اتكسفت أوي بجد
انتصب في جلسته ومال بوجهه عليه يهمس في غرام يداعبها:
_ياقلبي على حبيبته القمر اللي بتتكسف
_أمـــيــر
اشار بأنامله على فمه وسحبه كأنها ممسك بسوستة وهمية بمعنى أنه سيصمت تمامًا بعدما رأى غيظها البسيط منه وخجلها الذي ازداد الضعف، ومد جانب وجهه المجروح لها يهمس:
_داوي جروحي دوايني يا أميرتي
ضحكت بصمت مغلوبة منه وأكملت تضميدها لجروحه بصمت وسط نظراته الذائبة عشقًا لها.....
***
بمساء ذلك اليوم داخل منزل عوني الطوخي......
عاد سليم إلى المنزل وبينما كان بطريقه للأعلى متجهًا لغرفته اوقفه صوت أمينة وهي تنادي عليه، فالتفت بجسده للخلف وأجابها بهدوء:
_نعم ياحجة أمينة
تقدمت نحوه ووقفت بجواره وهمست في قلة حيلة:
_فيروز هانم قاعدة في اوضة مكتبك.. أنا قولتلها أنك مش بتحب حد يدخل الأوضة دي وهي صممت تدخل
تنهد مطولًا ورد في نبرة جامدة خالي من التعابير لكنها صلبة:
_طيب أنا هطلع اشوفها ياحجة أمينة
التفت بجسده وهم بأن يكمل طريقه لكنها اوقفته مجددًا هاتفة:
_في حاجة تاني كمان
التفت برأسه تجاهها وسأل:
_خير قولي ؟!
همست أمينة في اضطراب بسيط من ردة فعله:
_ادهم ابن خالك جاي بكرا
تقوست تعبيرات وجهه للخنق وهتف بانزعاج ملحوظ:
_ وده إيه اللي جايبه ده !!
لوت أمينة فمها بقلق لعلمها بعدم حبه لـ " ادهم ” والخلافات الكثيرة التي حدثت بينهم في الماضي، ثم أجابت عليه بعبوس:
—الست كاميليا اتصلت بيه وطلبت منه يجي ياخد كام يوم هنا.. أنا قولتلها والله أنك هتتعصب لما تعرف وهي مسمعتش كلامي
تأفف سلسم بغضب شديد من أمه وأجاب وهو يكمل طريقه للأعلى:
_هبقى اتكلم مع ماما الصبح
وصل بعد لحظات إلى غرفة مكتبه الخاص بجوار غرفة نومه، وفتح الباب ودخل فوجدها ممدة على الأريكة ونائمة، اغلق الباب خلفه ببطء بعدما اطلق تنهيدة حارة واقترب منها ليجلس على حافة الأريكة بجوار رأسها.
علقت نظراته على وجهها يتأملها في نومها بشرود، ملامحها الناعمة والرقيقة تذكره بفاتن أخته.. ربما هي حتى تشبهها في رقتها وشراستها حين يستدعي الأمر، لكن فيروز مختلفة في تميزها الذي دفعه لاكتشافها وحمايتها.. فطالما كان يحب حل الالغاز الصعبة وهي كانت بالنسبة له لغز يصعب حله.. تمكن من حل معظمه وبقى باقيه لا يفهمه ويقف عاجزًا أمامه.
ربما ذلك الجزء الباقي هو حقيقة ما بقلبه، هل تزوجها فقط تنفيذًا لوصية صبحي أم مجرد شعور بالشفقة تجاهها هي وأخيها، أم أنه اراد امتلاكها وأن تكون أمام عينيه دومًا، وما يجعله حائرًا أنه لم يولي أي امرأة غيرها اهتمامًا كما فعل معها، وكأن هناك قوى خفية تجذبه لطريقها، مازال حتى الآن يتساءل لماذا عرض عليها الزواج وهو يدرك جيدًا أنه كان بإمكانه حمايتها من والده وينفذ وصية صبحي بأكثر من طريقة مختلفة غير الزواج، لكنه اختار اسرع وأغرب حل لم يتوقعه أحد حتى نفسه.
زفر الصعداء بقلة حيلة ومد انامله لوجهها يبعد خصلات شعرها عن عيناها ويهمس مناديًا عليها:
_فيروز.. فــيـروز اصحي
دفعت يده عن وجهها بانزعاج في نومها ظنًا منها أن لمسته لذبابة مزعجة تعكر عليها صفو نومها، عاد يهمس باسمها مجددًا في لهحة اقوي لتستيقظ ولكنها كان غاطة في نوم عميق ولم تفق، ليهب واقفًا مغلوبًا وينحني بجزعه عليها يدخل ذراعه أسفل قدميها والذراع الآخر أسفل ظهرها ويحملها بين ذراعيه فالقت هي بحمل رأسها على كتفه ولفت ذراعيها حول عنقه لا إراديًا، وصل إلى الباب وحاول بيده فتحه وبعد صعوبة نجح في فتجه وخرج متجهًا إلى غرفتهم، لكنه قبل أن يصل لباب غرفتهم فتحت فيروز عيناها بخمول وأدركت وضعها ورأت وجهه فانتفضت بين ذراعيه وصرخت بفزع لتجده يرمقها بحدة هاتفًا:
_هششش وطي صوتك في إيه !!!
قالت في ارتباك شديد وغيظ:
_نزلني أنت شلتني امتى وازاي أصلًا
هتف ساخرًا منها باقتضاب:
_مش ذنبي أن نومك تقيل حاولت اصحيكي مستجبتيش فشلتك، بعدين أنتي إيه اللي وداكي الأوضة دي
ردت في نظرة قوية ومترفعة:
_فضولي وداني.. هي فيها أسرار يعني أنت مش عايزني ادخلها
ابتسم رغمًا عنه على عبارتها وقال بازدراء:
_حلوة فضولي وداني دي.. متخلهوش يوديكي تاني بقى
رفعت حاجبها مستنكرة رفضه فقالت بعناد ونظرة شبه طفولية قبل أن تستدير وتتجه لغرفتهم وتدخل قبله:
_هيوديني كل مكان وبذات في أي حاجة تخصك
راقبها وهي تندفع وتتوراي داخل الغرفة وابتسم مغلوبًا منها ثم لحق بها إلى الداخل واغلق الباب خلفه فوجدها تدثرت بالفراش أسفل الغطاء، ليقترب منها ببطء وإذا بها تشعر بجزعه العلوي شبه فوقها مباشرة ومستند بكفه على الوسادة بجوار رأسها فشهقت بفزع وقالت في اضطراب:
_إيه في إيه؟!
وجدته يمد يده الأخرى ويجذب الوسادة الثانية ويجيب بعبث مبتسمًا بخبث:
_هاخد المخدة بس مالك خوفتي كدا ليه.. كملي نومك.. تصبحي على خير
حاولت السيطرة على نبضات قلبها من فرط التوتر فللحظة ظنته سيحاول لمسها او تقبيلها، بينما هو فانتصب في وقفته وابتعد عنها يلقي بالوسادة فوق الأريكة ثم يعود للخزانة ويبدأ في تبديل ملابسه.
لم تكن بمزاج لتوبيخه على تبديل ملابسه أمامها فتدثرت أسفل الغطاء تخفي عيناها عن رؤيته وهي تشتعل غيظًا منه، ذلك الرجل الغريب بلحظة يجعلها تشعر بالنقم الشديد منه وأنها تريد تهشيم رأسه وبلحظة أخرى تشعر بأنها ترغب في احتضانه من فرط امتنانها لها، باتت لا تفهم واحتارت كيف تعامله باللطف أم العناد والاستفزاز.......
***
بصباح اليوم التالي حول طاولة الطعام وهم يتناولون الإفطار، كانت فيروز جالسة بجوار سليم بمكانها المخصص والجميع يتناول طعامه بصمت، حتى قاخترق ذلك الصمت صوت سليم وهو يهتف موجهًا حديثه للجميع بلهجة صلبة وجادة:
_ أنا هعمل حفلة على شرف جوازنا أنا وفيروز بدل الفرح عشان الكل يعرف ويحضر