رواية لأنك أنت الفصل الرابع عشر14 بقلم ندي محمود توفيق

رواية لأنك أنت بقلم ندي محمود توفيق
رواية لأنك أنت الفصل الرابع عشر14 بقلم ندي محمود توفيق
ردت فيروز بصوت محتقن من فرط الضيق بعدما تنفست الصعداء بقوة، تخبره بقرارها النهائي وهي تمقت شعورها بالعجز الذي أجبرها للمرة الثانية على اختيار زواج لا تريده:
_موافقة 
استقام سليم واقفًا بعد أن حصل على موافقتها وتقدم نحوها بخطى واثقة فوجدها تكمل بوجه أصبح خالي من التعابير:
_ بس الجواز ده هيكون مؤقت يعني لغاية ما اشتغل واقدر أمن مستقبلي أنا وياسين وأكون قادرة أني اعيش وحدي أنا واخويا وقتها هتطلقني
زم سليم شفتيه ببساطة وقال مرحبًا لرغبتها دون اظنى اعتراض:
_موافق 
أخذت نفسًا عميقًا وطرحت سؤال بفضول:
_وعندي سؤال.. حابة أعرف إيه اللي جابرك أنك تتجوزني وتبقى عايز تحميني بالشكل ده؟ 
رد عليه بهدوء تام وحكمة:
_هفهمك كل حاجة بس مش دلوقتي مش وقته يعني
 كرحت سؤالها الثاني بنفس الفضول:
_طيب وصبحي إيه علاقتك بيه ؟!!
 أجاب سليم برزانة زادت من هيبته وثقته الساحرة:
_صبحي كان شغال الجنايني عندنا وأنا اتربيت وكبرت على ايده وكان غالي عندي أوي وبمثابة أب ليا.. عندك أي سؤال تاني ؟
هزت رأسها بالنفي مجيبة في خفوت:
_ حتى الآن لا 
رد سليم وهو يحثها على الذهاب معه هاتفًا:
_طيب يلا بينا عشان ياسين مستنيكي تحت 
سألت فيروز بقلق وحزن:
_هو كان فين أنتوا عملتوا فيه إيه ؟!
سليم بلطف ليطمئنها:
_متقلقيش بابا كان مقعده في مكان آمان وكان مرتاح أوي ومحدش اذاه بس هو كان خايف لأنك مكنتش موجودة معاه ولما شافني اطمن وهدي شوية
همت بأن تستدير وتغادر وعي متلهفة لرؤية أخيها لكنه قبض على ذراعها يوفقها ويقول بجدية يخبرها بخطة تحركهم القادمة:
_هنرجع البيت دلوقتي عند صبحي وتجهزي نفسك تشوفي لو في حاجة حابة تخديها معاكي لأن الصبح هنروح نكتب الكتاب وبعدها هنتحرك على بيتي 
هزت رأسها له بالموافقة دون اعتراض ثم جذبت ذراعها من قبضته واندفعت تسبقه للخارج ولحق هو بها لكنها توقفت مندهشة فور خروجها ورؤيتها لسيارة سوداء ( جيب ) عالية وفخمة تقف أمام المنزل بانتظارها فالتفتت برأسها لسليم وسألته بنظرة ذهول:
_دي عربيتك ؟!!! 
اماء لها برأسه بالإيجاب دون أن يتفوه ببنت شفة وباللحظة التالية فورًا رأت ياسين وهوويفتح باب السيارة الخلفي وينزل ركضًا باتحاه صائحًا بفرحة:
_فــيــروز
تهللت اساريرها ولمعت عيناها مجددًا بعد أن اطفأها الحزن وراحت تستقبل أخيها بكلتا ذراعيها في سعادة وتضمه لحضنها وهي تقبله من شعره بقبلات متتالية وتسأله باهتمام:
_حبيبي أنت كويس ؟
ابتعد عنها ياسين وسألها بعبوس:
_أنتي كنتي فين ليه سبتيني وإيه المكان اللي أنا كنت فيه ده ؟! 
رد عليه سليم مبتسمًا بود ينقذ فيروز من إجابة صعبة:
_أنا مش قولتلك يابطل أني أنا وفيروز روحنا مشوار وودناك المكان ده عشان تبقى في أمان ومحدش يعرف مكانك 
هزت فيروز رأسها بالإيجاب مؤيدة لكلام سليم ومؤكدة عليه فاقتنع الصغير وهز رأسه بتفهم ثم وجه رأسه لسليم وقال بانبهار ضاحكًا:
_أنت عربيتك جامدة أوي ياعمو سليم
اتسعت عيني فيروز بصدمة من ذلك اللفظ الغير المعتاد على لسان أخيها بينما سليم فقهقه بقوة وانحنى عليه يهمس في أذنه مبتسمًا:
_بكرا هتشوف حجات أجمد منها
ضيق ياسين عيناه بعدم فهم لكن نظرة الحماس والفرحة لمعت في عيناه وهو يبتسم باتساع، بينما سليم فقد اقترب من السيارة وفتح الباب الخلفي وهو يسير لفيروز بأن تستقل بالمقعد فاقتربت وصعدت لتجلس بالمقعد الخلف وبجوارها استقل أخيها ثم أغلق سلسم الباب والتف من الجهة الأخرى ليستقل بالمقعد الأمامي بجوار السائق الذي كان أحد رجاله وتركه برفقة ياسين ليحميه.
وجه له سليم الأمر هاتفًا بغلظة:
_اتحرك على بيت صبحي الجنانيني يارمضان 
رد رمضان بجهل:
_بس أنا معرفش بيته ياسليم بيه
أجابه سليم بنظرة ثاقبة مستنكرًا رده:
_اتــحـرك.. وأنا هوصفلك الطريق
بينما في الخلف كانت فيروز تراقب المشهد وبقدر اندهشها من التحول المفاجئ في شخصية سليم بمجرد ظهور هويته الحقيقية لها، إلا أن خوفها وقلقها ازداد اضعافها بعدما ادركت أنها ستنضم لعائلة لا تتسم بالثراء الفاحش فقط بل هو وكر للأسود المفترسة...
                                     ***
داخل منزل داليا وشاهين...
كان شاهين بغرفة عمله جالسًا على الأريكة يفرد ذراعيه من الجانبين على حافة ظهرها، وعقله مشغول بالتفكير في حل لتلك المعضلة التي عقدتها مروة حول رقبته، كيف سيصحح الموقف لابنه وبماذا سيبرر خيانته لأمه، والأسوء كيف سيقنعه بعدم إخبار داليا بأي شيء.
حتى لو كانت داليا المتسببة في تلك الحالة المزرية التي وصلت لها علاقتهم، لكنه لم يكن ينوي أن تتطور علاقته بمروة لهذه الدرجة، لكن تلك المرأة كانت متفجرة الأنوثة اغرته بكل الطرق الممكنة وافقدته عقله فجعلته يشتهيها كغذائه الوحيد، في الوقت الذي كانت فيه داليا تنفر منه والفجوة التي بينهم تتسع أكثر، كلما يحاول القاء روحه المعذبة بين ذراعيها كانت تقابل ذلك الأنهيار بعدم اهتمام حتى بدأ يشك في حبها له، لم تتوقف طوال حياتهم عن تذكيره بماضيه وأنها جعلت منه رجل يقود افخم السيارات ويرتدي أجود أنواع القماش وأحدث إصدارات الموضة.. حتى لو تكن تذكره بغرض التقليل منه لكنها كانت تفعل دون وعي منها، فقد كانت تحمل غطرسة عائلتها وطباعهم الصعبة.
انفتح باب الغرفة وسط خلوته مع نفسه واقتحمت قوقعته داليا التي دخلت واقتربت منه بخطواتها الهادئة ثم جلست بجواره على الأريكة واستندت برأسها على صدره عندما وجدته يبسط ذراعيه على الأريكة، همست تسأله بتعجب:
_قاعد سهران وحدك هنا ليه يا حبيبي ؟! 
تمعنها شاهين مطولًا بنظرة خالية من المشاعر لكن يملأها السخط على حالهم، وبالنهاية أجابها بخفوت دون أن يحاوطها بذراعيه وهي بين احضانه:
_حبيت اقعد وحدي شوية 
رفعت داليا حاجبها وردت تعبث معه بلطف محاولة إضفلء لمسة مرحة على جلستهم:
_افهم من كلامك أنك مش عايزني اقعد معاك وانا مسببة ليك ازعاج
تنهد الصعداء في محاولة منه لأخفاء تضارب مشاعره الآن ما بين الغضب والقلق من القادم، مال برأسه عليها ولثم شعرها بقبلة دافئة هامسًا في حنو:
_لا ياحبيبتي وجودك عمره ما يسببلي ازعاج.. كويس أنك جيتي تشاركيني جلستي 
طرحت عليه سؤال بغرض المزاح وهي تبتسم:
_أنت بقى قاعد سرحان في إيه يا شاهين بيه.. أوعي تكون بتخوني وبتفكر تتجوز عليا 
كان سؤالها بمثابة نافذة ليطرح هو سؤاله من خلالها دون أن يثير الشكوك حوله فاختفت ابتسامته وسألها بترقب:
_تخيلي أن ده حصل مثلًا ممكن تعملي إيه يا داليا 
انطفأت طاقتها المرحة وتجهمت ملامحها وهي تجيبه بانزعاج بسيط:
_واتخيل ليه حاجة محصلتش! 
شاهين بثبات تام وابتسامة جانبية رسمها ليضيف بعض اللين في نقاشهم:
_مجرد سؤال بقولك مثلًا يعني حابب اعرف هتعملي إيه 
ردت عليه داليا بجدية تامة بعد أن اطالت النظر في عينيه بقوة:
_مش هعمل حاجة ياشاهين لأنه مش هيحصل.. أنت لا يمكن تعمل فيا أنا وولادك كدا.. مستحيل تدمر حياتنا وعيلتنا لأنك مش راجل خاين لحبنا ولا ثقتي فيك 
ردها كان يشبه خنجرًا مسمومًا طعنته به في صدره فاشعرته بمدى دونيته ووضاعته، وأكدت له دون أن تقولها صراحة أنها حينما تكتشف الحقيقة ستمحيه وكأنه لم يمر على حياتها قط.
فرسم ابتسامة صفراء على وجهه يخفي خلفها اوهامها مرعبة ستطارده حتى في نومه، ومال عليها يقبلها من وجنتها بود متمتمًا:
_طيب يلا بينا نطلع اوضتنا عشان ننام 
هزت رأسها له بالموافقة مبتسمة قي حب ثم استقامت واقفة وسارت معه باتجاه غرفتهم بعدما غادروا غرفة مكتبه...
                                        ***
بصباح اليوم التالي داخل النادي......
كانت مريم بطريقها لغرفة مكتبها الخاصة عندما أوقفها مؤمن بابتسامة مريبة ووجه ساخط يهتف:
_عاملة إيه يامريم ؟!
ردت عليه بلطف وهي تتمعنه بنظراتها المتعجبة:
_الحمدلله يامؤمن امتى جيت مقولتش أنك جاي يعني النهاردة!
هتف بتهكم يظهر في نبرته بوضوح:
_جيت امبارح ولقيتك مش فاضية أو أنتي بقيتي مش فاضية طول الوقت الأيام دي واضح أن الشغل بينك أنتي وأمير الطوخي مهم أوي
هيمن عليه السكون لثواني تستوعب كلكاته والغرض الخفي منها حتى استنتجت سبب ولكنها مانت بحاجة للتأكد من شكوكها فردت عليه بحزم بسيط وهي تبتسم بتصنع:
_فعلًا في شغل مهم يا مؤمن خير أنت إيه اللي مضايقك
تقدم خطوة نحوها وقال بصراحة ادهشتها:
_مضايقني أنك قريبة منه أوي وأنا مش حابب كدا
اتسعت ابتسامة مريم وتحولت لشبه ضحكة سخرية تبعتها بعبارتها القوية:
_وأنت بقى تضايق بصفتك إيه في حياتي!!
مؤمن بصوت رجولي غليظ ويشتعل بنيران الغيرة:
_بصفتي أني مكلم باباكي وأنتي عارفة أني عايز اتجوزك 
لوت مريم فمها بحنق بسيط لكنها حافظت على ثباتها التام وردت عليه بكل هدوء وأدب:
_ولا أنا ولا بابا ردينا عليك يامؤمن وقولنالك أني موافقة.. والصراحة أنا بقولك أهو دلوقتي أنا مش موافقة وأنت بنسبالي مش أكتر من صديق فياريت نحافظ على المسافة بينا تكون في إطار الصداقة فقط
استشاط سخطًا وتلونت عيناه بلون الأحمر القاتم وراح يقبض على ذراعها لا إراديًا ويصيح بها بعنف مرغب:
_مش موافقة طبعًا عشان ابن الطوخي اللي خلاكي تصدقيه بكلمتين وتشوفيني وحش ومنفعش، بس أنا مش هقبل أنه ياخدك يامريم
رغم خوفها من هجومه المخيف عليها إلا أنها أبت إظهار ضعفها أمامه، ودفعته بعيدًا عنها بشراسة صائحة به في غضب هاظر وهي تهدده:
_إياك تحاول تقربلي ولا تلمسني تاني وإلا اقسم بالله اخلي الآمن ميخلكش تعتب بوابة النادي 
ثم اندفعت من أمامه بخطى سريعة وهائجة وبعدما اختفت عن انظاره وكانت تقريبًا أمام غرفتها اصطدمت بأمير الذي حدق في تعابير وجهها بتدقيق وسألها فورًا بقلق واهتمام:
_مالك؟ 
ردت عليه في ود وهي ترسم معالم أخرى طبيعية حتى لا تسقط في شباك اسئلته التي لن تنتهي أو حتى في حالة الهياج التي لن تستطيع السيطرة عليها أن علم أن مؤمن كان يزعجها:
_مفيش حاجة يا أمير أنا معايا شغل بس ومستعجلة
قالت جملتها وفتحت باب الغرفة ودخلت ثم اغلقته خلفها لتتركه بالخارج حائر ولا يصدق ردها على سؤاله لكنه لمح مؤمن وهو يسير لخارج النادي بأكمله فتقوست تعابير وجهه غيظًا وتوعد له أن المرة القادمة التي سيراه فيها داخل النادي سيكسر قدميه....
                                    ***
بمكان مختلف تمامًا بعد ساعتين تقريبًا أمام مكتب المأذون الذي سيعقد قرآن سليم وفيروز..كان سليم يقف خارج السيارة ومعه كل من مروان وأمير الذي كان يسأل أخيه بانزعاج حقيقي وعدم فهم:
_أنت جايبني اشهد على جوازك وأنا مش عارف مين اللي هتتجوزها ولا عرفتها ازاي وامتى أصلًا قررت تتجوزها 
رد سليم على أخيه بلهجة قوية وحازمة:
_وأنا قولتلك هفهمك كل حاجة يا أمير نكتب الكتاب بس وبعدين هتفهم 
مسح أمير على وجهه وهو يستدير بجسده ويضحك بذهول وعدم استيعاب لما يفعله أخيه:
_أنا بجد مش قادر استوعبك ولا أستوعب اللي بتعمله يا سليم، أنت كنت غايب ليك فترة ورافض تعرفني حتى مكانك ولما رجعت دلوقتي بتطلب مني اشهد على جوازك !!!
ربت مروان على كتف أمير في رزانة وقال بجدية ونظرة شديدة:
_مش وقته يا أمير نطلع من عند المأذون وابقى قول اللي تقوله
التفت أمير وتطلع في وجه أخيه المستاء فقال مبتسمًا بتهكم مستسلمًا:
_ماشي يا سليم بيه نتمم الجوازة اللي أكيد في وراها مصايب مش سبب وبعدين تبقى تفهمني على كل حاجة
بينما داخل السيارة كانت فيروز جالسة تراقب بعيناها سليم وهو يقف مع صديقه مروان الذي سبق ورأته مرة واحدة وذلك الشاب الثاني المجهول الذي لا تعرفه لكنه يشبه سليم في هيئته ومظهره الذي يعكس طبقته الاجتماعية.
بجوارها مان ياسين الذي هتف يسألها بفرحة غامرة:
_أنتي هتتجوزي أنتي وعمو سليم دلوقتي يافيروز صح 
هزت رأسها بالإيجاب لأخيها وهي عابسة الوجه فأكمل هو بنفس حماسه يسأل مرة أخرى:
_وهنروح نعيش معاه في بيته مع أهله، لأن أن جدو صبحي مطلعش ابوه زي ما قولتيلي
تأففت بنفاذ صبر وردت عليه في حدة بسيطة نابعة من شعور الاضطراب والخوف المهيمن عليها:
_أيوة.. كفاية بقى اسئلة يا ياسين أنا مش مستحملة
زم الصغير شفتيه بضيق من حطها لحماسه وفرحته وراح يشيح بوجهه للجهة الأخرى في انزعاج ملحوظة حتى انفتح باب السيارة وكان سليم الذي نظر لفيروز بوجه خالي من التعابير وقال بنبرة جادة:
_يلا بينا عشان المأذون مستني
تسارعت نبضات قلبها وارتجف في صدرها حتى شعرت به سيقفز من مكانه من فرط الخوف، لكنها ابدت العكس وهزت رأسها له بالموافقة في ثبات وقوة تعكس الأنهيار الداخلي ونزلت من السيارة ثم نزل خلفها ياسين.
وقعت عين أمير عليها وتمعنها بدقة، لم ينكر حقيقة أنها جميلة وهيئتها تظهر مدى نعومتها ورقتها لكنه أيضًا مازال يتساءل في داخل والفضول يقتله ما الذي يدفع أخيه للزواج منها، وإذا بملامحه الهادئة تتحول لصدمة وراح يسأل مروان باستياء فور رؤيته لياسين:
_إيه هي كمان معاها عيال ؟!!! 
رد مروان بخفوت نافيًا:
_لا ده أخوها الصغير 
هز امير رأسه براحة وهو يتنفس الصعداء ثم هتف ساخرًا في غيظ:
_طبعًا ما أنت هارش الحكاية كلها وأنا اللي واقف زي الأطرش في الزفة
اخفي مروان ضحكته ولم يجيب سوى بجملة واحدة زادت من حقد أمير عليه:
_جبتها بظبط
حدقه أمير شزرًا ثم ابتعد عنه وسار خلف سليم الذي أشار لهم أن يلحقوا بهم للداخل.. بينما فيروز فكانت تسير بجوار سليم وهي تجر قدماها عنوة، بكل خطوة تخطوها تجاه غرفة المأذون ترغب في تغيير قرارها والتراجع لكن انتهت بها خطواتها أنها وجدت نفسها داخل الغرفة، وكيف حدث كل هذا كأنها مغيبة لم تفق منذ دخولها تلك الغرفة سوى على صوت المأذون وهو يبارك لهم على زيجتهم.. نقلت نظراتها بين المأذون الذي يبتسم بود ويهنئم وبين أخيه الصغير السعيد ويكاد يقفز فرحًا.. أما مروان وذلك الشاب الغريب كانت معالمهم جامدة لا تظهر أي من سعادة أو ضيق حتي.. بينما سليم قام بتفعيل معالم تلك الشخصية المريبة التي رأتها بالأمس وتعكس جانب مخيف منه، لا يظهر سوى الجبروت والصلابة وانعدام الرحمة.
أخذت نفسًا عميقًا تحاول من خلاله تهدئة روحها المرتعدة وغادرت معه غرفة المأذون ومنه المكتب بأكمله حتى وجدت نفسها أمام السيارة مجددًا وسمعت مروان يهتف بابتسامة خافتة يهنئها بعبارة حتى لو لم يكن يعنيها لكنه قاله من واجب الموقف الذين يقفون فيه:
_مبروك يافيروز 
هزت فيروز رأسها كرد بالشكر على نهئته دون أن تتفوه ببنت شفة لكنها التفتت برأسه تحاه سليم الواقف بجواره وهتف وهو يشير بعيناه تجاه ذلك الشاب الغريب يعرفها به:
_ده أمير أخويا 
نقلت نظرها إلى أمير وأدركت الآن لماذا شبهته قبل قليل بسليم، لم تبدي أي تفاعل عندما تطلعت في وجه أمير الذي هو بدوره لم يتفاعل معها ثم عادت تنظر لسليم وتسأله بصوت خافت:
_هنروح على بيت أهلك دلوقتي ؟
اماء رأسه بالإيجاب ثم فتح لها باب السيارة الخلفي وقال بلهجة غليظة:
_أيوة اركبي يلا 
تنهدت بتوتر وضيق ثم استقلت بالمقعد الخلفي واستقل ياسين بجوار سليم في المقعد الأمامي، واستمر طوال الطريق وهو يثرثر بحكاياته الطفولية المرحة مع سليم الذي كان يتجاوب معه بود.......
                                      ***
بعد أكثر من ساعة في الطريق وجدت نفسها تدخل بالسيارة من بوابة كبيرة وتوقفت داخل حديقة منزل واسعة وراقية، فترجلت من السيارة بعدما فتح سليم لها الباب يحثها على النزول، وقفت مكانها بذهول وهي ترفع نظرها لأعلى تتطلع في ذلك المنزل الضخم الأشبه بقصور الملوك، تستوعب للحظة أنها ستقطن داخل ذلك المنزل، وباللحظة التالية فورًا تساءلت بينها وبين نفسها بقلق " تُرى ما الذي يخفيه ذلك المنزل في الداخل خلف ذلك المظهر المبهر ".
التفتت برأسها للخلف عندما سمعت صوت سيارة أخرى تصطف خلف سيارة سليم وكانت سيارة أمير التي لا تقل فخامة عن سيارة أخيه، ذلك الحد المدهش من الثراء لم يسعدها بل زاد رعبها أضعافًا، لكنها أخذت تفسًا عميقًا وقررت أنها ستتحمل عواقب ذلك القرار مهما كانت، وأنها من تلك اللحظة ستخلع قناع الرقة والطيبة وسترتدي آخر لا يقهر ولا يسمح لأحد بسحقها.
وجدت سليم يهمس لها في حزم وهو يُملى عليها تعليماته:
_هندخل دلوقتي وهنقابل ماما ومش عايزك تتصرفي أي تصرف من نفسك يافيروز واللي اقوله يتنفذ من دون نقاش
ابتسمت بتهكم بعدما استنتجت شخصية والدته وردت ممتثلة لأوامره:
_الجواب باين من عنوانه.. بس حاضر
امسكت فيروز بذراع أخيها الصغير وسارت بجوار سليم باتجاه باب المنزل وكان خلفها أمير، وقفوا أمام باب المنزل للحظات قبل ان تفتح لهم الباب وفور رؤيتها لسليم صاحت بفرحة غامرة:
_ســلــيم
ابتسم لها بود بعدما وجدها ترتمي عليه تعانقه بحرارة من فرط سعادتها وتهتف:
_يا ألف حمدلله على سلامتك 
سألها سليم عن أحوالها بهدوء:
_عاملة إيه ياحجة أمينة؟ 
ردت عليه وهي تضحك بسرور صادق:
_الفرحة مش سيعاني برجوعك
ابتعد عنها وقال بنبرة رجولية وهو يدخل بخطواته للداخل ويشير بعينيه لفيروز أن تتبعه:
_فين ماما بلغيها أني رجعت!
سقطت عين أمينة على فيروز وياسين وحدقتهم باندهاش ممتزج بحيرة وتساؤلات كثيرة تدور بعقلها لكنها اجابت على سليم بوجه محافظ على تعبيرات الحيرة دون أن تزيح بنظراتها عن فيروز:
_عوني بيه بلغها أنك جاي وكانت مستنياك فوق زمانها نازلة دلوقتي
وباللحظة التالية فورًا رأى كاميليا وهي تنزل من الدرج بتلهف يجعل عيناها تلمع بفرحتها برجوع ابنها لها، تمعنت فيروز فيها فرأت امرأة جميلة لم ينقص العمر من جمالها واناقتها وآصالتها شيئًا، كانت تعكس انطابعًا بقوة شخصيتها وقسوتها فتهمت أكثر لماذا كان سليم يحذرها بالخارج أن تتصرف من تلقاء نفسها ، يبدو أنها لن تتقبل فكرة زواجه منها أبدًا.
تقدم سليم خطوة نحوها وعانقها بحنو فتعلقت هي به بقوة وقالت في صوت يحمل العتاب والفرحة:
_هنت عليك يا سليم تحرمني منك طول المدة دي ياحبيبي
أجاب بدفء في خفوت جميل:
_رجعتلك أهو يا كاميليا هانم ومفيش فراق تاني 
_نورت بيتك ياحبيبي حمدلله على سلامتك 
التقطت كاميليا فيروز بعيناها وذلك الطفل الصغير الواقف بجوارها، فادركت أنها تلك الفتاة التي اخبرها عوني عنها وأن ابنها تزوجها رغمًا عنهم ودون أن يستشيرهم، فرمقتها كاميليا بنظرة مميتة ثم ابتعدت عن احضان ابنها ومالت برأسها تجاه أمينة تسألها بلهجة متغطرسة ونبرة مخيفة:
_إيه يا أمينة أنا مطلبتش منك تجيبي خدامين جداد
ارتبكت امينة للحظة عندنا وجدتها تلومها بتلك الحدة وهي لم ترتكب أي خطأ على عكس فيروز التي فهمت جيدًا مقصد كاميليا فاشتعلت غيظًا من اهانتها لها علنًا أمام الجميع.. أما سليم فمال ثغره للجانب بابتسامة تنم عن حنقه الشديد من جملة أمه وفهم أن والده سبقه وأخبرها بخبر زواجه.
هتف سليم بصوت غليظ ونظرة محذرة:
 _فيروز مراتي مش خدامة
القت نظرة استحقار على فيروز متفحصة من اعلاها لاخمص قدميها ثم ردت عليه في تصنع الدهشة وهي مازالت تحافظ على ملامحها المتعالية:
_ معقول دي مراتك اللي قالي عليها أبوك.. أنا قولت طالما ابني وصل بيه الحال أن يتجوز من ورانا ومن غير ما ياخد رأى حتى يبقى أكيد هيجبلي واحدة تليق بينا وبيه، مش دي
قالت جملتها الأخيرة وهي تشير بسبابتها في تقرف من فيروز التي استفزتها كاميليا لحد الجنون فضغطت على قبضة كفها بعنف من فرط الاستياء ثم القت نظرة نارية أخيرة على سليم وكاميليا واستدارت دون التفوه بأي كلمة تنوي الرحيل غير مكترثة لصيحة سليم عليها:
_فــيـروز
وجدته يلحق بها ويقبض على ذراعها يوقفها عنوة ويهتف بغضب:
—أنا مش بنده عليكي.. رايحة فين؟! 
 هتفت فيروز في انفعال هادر:
_أنا مسبتش الإهانة وقلة القيمة برا عشان آجي هنا اتهان كمان.. احنا اتفاقنا وكلامك ليا كان أنك تحميني مش تدخلني وسط عيلتك اللي أبوك عايز يأذيني وأمك بتهيني بالشكل ده 
رد سليم بنبرة لينة بعدما شعر بمدى انزعاجها وحرقتها من الإهانة التي وجهتها له أمه:
_طيب اطلعي فوق على اوضتي امينة هتوريكي الطريق وأنا هتصرف مع ماما 
رفضت فيروز بغضب شديد وأجابته:
_لا يا سليم أنا همشي ومش هقعد هنا 
اختفى اللين في نظرته ونبرته وهتف بصرامة مخيفة:
_تمشي تروحي فين.. احنا اتجوزنا خلاص وأنتي مكانك معايا.. بلاش تجادلي واسمعي الكلام واطلعي يلا
ثم التفت برأسه تجاه أمينة التي كانت تراقب المشهد في ذهول ومازالت لا تستوعب فكرة أن سليم تزوج وتلك الفتاة زوجته، لكن مازالت تطرح سؤالها من ذلك الطفل الصغير.. لا يعقل أن يكون ابنه !!! .
سمعت سليم وهو يوجه لها أوامره بحدة:
_خدي فيروز هانم ووريها طريق اوضتي فوق
تقدمت أمينة فورًا باتجاه فيروز وابتسمت في وجهها بتكلف وطلبت منها:
_اتفضلي معايا ياست البنات 
القت فيروز نظرة معترضة ومغتاظة على سليم لكنها امتثلت لأمره بالنهاية وسارت مع أمينة باتجاه الدرج، لكنها وجدت كاميليا تقبض على ذراعها وتوقفها عندما مرت من جانبها وقالت ساخرة من كلمة سليم بنظرة ملتهبة:
_استني ياهانم.. ارجعي مش هتطلعي مكان ده بيتي ومحدش يقدر يدخله الا بأذني 
طفح فيروز كيلها وكادت ان تجيب عليها لكن سليم تدخل بتلك اللحظة وابعد يد أمه عن ذراع زوجته ورمقها بحدة هاتفًا في تحذير مرعب:
_كفاية ياماما أنا لصبري حدود أنتي عارفة.. فيروز مراتي ومكانها هنا معايا والأفضل ليكي أنك تتقبلي فكرة انها بقت واحدة من العيلة ومراتي.. حتى لو مجبرة ورافضة هتتقبليها غصب
 القت فيروز نظرة حاقدة على كاميليا ثم اكملت طريقها للأعلى مع أمينة دون أن تهتم لما قالته للتو فيكفيها من قاله سليم، وسمعتها تصيح بسليم ثائرة:
_على جثتي اتقبلها ياسليم.. والبنت دي هتطلقها لا يمكن اسمح أنك تتجوز واحدة من الشارع لا نعرف اصلها ولا فصلها وتجبهالنا تعيش معانا في بيت واحد 
توقفت فيروز بمتصف طريقها والتفتت للخلف بعد أن صكت سمعها كلمة " من الشارع " وشعرت أنها صابت اعمق نقطة في قلبها ورأت في عيني اخيها الصغير الواقف بجوارها نظرة نمر هائج يرغب في الانقضاض على تلك السيدة ويفترسها فابتسمت فيروز بحب ومالت عليه تقبّل شعره هامسة في حنو:
_يلا يا ياسين اطلع
قبل أن تكمل تكمل طريقها هي و اخيها رأت سليم وسمعته فقد ارتفع صوته الجهوري يصرخ بصوت اسكت الجميع خوفًا منه وهو يشير بسبابته على الجميع:
_هتتقبلوا غصب عنكم واحد واحد واللي هيطلع منه تصرف مش هعيجبني في حقها هتشوفوا مني الوش التاني وأنتوا عارفيني كويس
انهى عباراته واندفع إلى الدرج وهو ثائر يلحق بفيروز بينما كاميليا فكانت ستنهار وتفقد وعيها من فرط الغضب ليقترب منها أمير ويهتف بهدوء:
_اهدى ياماما متتعصبيش عشان صحتك 
رمقته شزرًا وصاحت به منفعلة تلومه:
_أنت مسمعش صوتك خالص قاعد ساكت كل ده ليه ولا موافق وعاجبك اللي أخوك عمله ده
لم تمهله حتى للرد عليها حيث القت بكلماتها واندفعت هي أيضًا بدورها ثائرة لكن لخارج المنزل كله لتستنشق بعض الهواء النقي وتتركه يقف مندهشًا من التوبيخ الذي تلقاه الآن دون أي سبب وقال مازحًا يتحدث مع نفسه:
_هي متعصبة عشان كنت ساكت امال لو عرفت أني تممت الجوازة معاه وكنت شاهد هتعمل فيا إيه !!
                                      ***
داخل منزل داليا وشاهين....
جالسًا على الأريكة الهزازة بحديقة المنزل وعيناه عالقة على السحاب في السماء يتأمله بشرود، يستعيد ليلة أمس وحديثه مع داليا ويفكر في اسلوب مناسب يتحدث به مع ابنه الذي اكتشف الحقيقة كاملة.
دقائق معدودة ورأى طارق وهو يقترب باتجاهه حتى وصل وجلس بجواره على الأريكة وهتف بوجه خالي من المشاعر:
_نعم يابابا حضرتك عايزني ليه ؟!
رد شاهين بصوت غليظ وهو يحدق في الفراغ أمامه متعمدًا عدم النظر في وجه ابنه:
_أنت كنت بتراقبني يا طارق وروحت لمروة البيت 
ابتسم طارق بنظرة قاتمة وأجاب على والده بثقة:
_أنا كنت مستني أنها تقولك وكنت متوقع ده.. عارف ليه يابابا !!
حدقه شاهين بقوة مترقبًا للاجابة فيكمل طارق بغل حقيقي على مروة:
_عشان دي واحدة كل اللي يهمها أنها تدمر علاقتك بعيلتك واولادك، خلتك تخون ماما وأكيد قالتلك أنها بتحبك بس الحقيقة انها مش هاهمها حاجة غير أنها تحرق قلب ماما والدليل أنها حاولت اكتر من مرة تشككني فيكم عشان لما اعرف الحقيقة اقول لماما
هتف شاهين بحدة بسيطة:
_كبرت كمان وبتديني نصايح يا طارق ماشاء الله 
تطلع في وجه أبيه بخزي وقال في غضب:
_لا دي مش نصايح دي الحقيقة اللي أنت مش شايفها أو يمكن شايفها ومتغاضي عنها، والحقيقة الأبشع بقى يابابا اللي أنا مش قادر استوعبها أنك عملت كدا في ماما وخنتها.. وليه بجد عملت فيها كدا !!
أخذ شاهين نفسًا قويًا بخنق وأجاب على ابنه بحزم ونبرة متحجرة:
_اللي حصل ده بيني أنا وأمكم وأنت وأختك متدخلوش فيه.. يعني متجبش سيارة لماما على حاجة 
ضحك طارق بسخرية نابعة من غيظه الشديد الذي جعله يستقيم واقفًا ويجيب على والده بغضب ونضج لا يناسب سنه أبدًا:
_ده مش خلاف بسيط بينك أنت وماما يابابا.. أنت خنتها واتجوزت عليها يعني حاجة تخصنا ولازم نتدخل.. واللي منعني من أن اقول لماما أني متجرأتش اقولها حاجة زي كدا لما أذا كان أنا مازالت حتى الآن مصدوم فيك ومش قادر اصدق، فهي ردة فعلها هتكون ازاي!
سكت لثواني معدودة  قبل أن يكمل بنظرة حزن وعتاب تقول اكثر من لسانه:
_أنت مخسرتش ماما بس يابابا حتى احنا خسرتنا.. وياريت تخلي مراتك تبعد عن ماما لأني مش هسمح ولا هسكت أنها تحاول تأذيها
استشاط شاهين سخطًا من كلمات ابنه وبالأخص آخر عباراتها فهب هو واقفًا ثائرًا وصاح به:
_أنت أيه الأسلوب اللي بتكلم بيه أبوك ده ولا خلاص نسيت أني لسا أبوك.. بعدين هي أمك دي مش مراتي وبحبها، هسمح لحد أنه يأذيها ازاي !
رد طارقًا مبتسمًا بحسرة وألم:
_لو كنت بتحبها فعلًا مكنتش خنتها
ثم القى نظرة أخيرة كلها خزي على والده قبل ان يستدير وينصرف مبتعدًا عنه عائدًا لداخل المنزل، فظل شاهين واقفًا مكانه وحيدًا يشعر بمزيج من الضيق والأسى، فقد بدأ يعاني من أول حالات الفقد نتيجة لأفعاله.. فقد ابنه ومحبته وثقته وربما حتى نظرة التقدير والامتنان التي كان يكنها لأبيه في ثنايا قلبه.. وسيأتي يوم زوجته وابنته لينتهي به المطاف بلا عائلة...
                                       ***
 عودة لمنزل عوني الطوخي.... 
دخلت فيروز إلى غرفة سليم بعدما اوصلتها لها أمينة وراحت تتجول بنظرها في ارجاء الغرفة تتفحصها باضطراب بسيط، فقد كانت الغرفة تعكس جانب مظلم من شخصيته الذي اكتشفته مؤخرًا، كانت الغرفة فخمة ومبهرة لكنها مخيفة أيضًا تجعل من يدخلها يتساءل عن تلك الشخصية الغامضة التي ارادات تصميمها هكذا، كانت الحوائط مطلية باللون الرمادي الغامق والأثاث كذلك، تحتوتي على مقعظين وثيرين  بحانب الفراش بلون أبيض قاتم وشرفة ضخمة وأمامها ستائر نصفها شفاف ونصفها من نفس لون الحوائط وأمام الفراش خزانة ملابسه الكبيرة.. فقط السقف كان مطلي باللون الابيض.
سمعت فيروز صوت ياسين وهو يقول بانبهار وإعجاب شديد وهو يتمعن في الغرفة:
_أوضة عمو سليم حلوة أوى
لم تجيب على أخيها واكتفت بتنهيظة حارة تعبر عن مدى انهيارها النفسي نتيجة لكل ما تتعرض له ونهاية بتلك الاهانات التي وجهتها لها أمه قبل قليل، اقتربت من الفراش وجلست عليه وهي عابسة الوجه فتقدم نحوها ياسين وجلس بجوارها هاتفًا في غل:
_هي أم عمو سليم بتعاملك كدا ليه يافيروز وأنتي معملتيش ليها أي حاجة وحشة، وازاي تقول عنك خدامة أنا متعصب أوي منها ومن عمو سليم كمان
التفتت له فيروز ورمقته بحب ثم رفعت اناملها ومسحت على شعره بدفء مجيبة:
_عمو سليم ملوش ذنب هو بالعكس بيساعدنا، لكن مامته واضح أنها مش حباني عشان اتجوزنا أنا وسليم
ابتسم ياسين بسخرية ونظرة حاقدة على كاميليا ثم راح هو يعانق فيروز بحب ويهتف في وعيد:
_احسن عنها ما حبتك مش مهم كفاية أنا بحبك يافيروز واوعدك أنها لو حاولت تضايقك تاني أنا مش هسكتلها 
 تلألأت عيناها بالعبرات حبًا لأخيها الصغير وأمانها الوحيد وسببها في المقاومة بتلك الحياة ومواجهة تحدياتها المميتة، فهي تستمد قوتها في الاستمرار من وجوده.
 طبعت قبلات متتالية على شعره في حنو ثم ابعدته عنه وابتسمت رغم الدمار الذي تعيشه داخلها ولبست قناع الشراسة والقوة مجيبة عليه بنظرة نزعت منها براءتها ونقائها وطيبتها:
_أنا عارفة أني في ضهري راجل هياكل اللي يقربلي، بس أنا مش عايزاك تتدخل خالص يا ياسين وسيبني أنا اتصرف معاهم، خلاص أنا مبقتش فيروز بتاعت زمان اللي مرينا بيه غيرني وخلاني قوية مش ضعيفة ومسكينة يعني مش هسمح لحد أنه يجي عليا، اطمن وسيبلي أنا بس الساحة 
 ضحك ياسين عندما رآها تقول آخر عباراتها وتغمز له بخبث في مرح ثم رفعت كفها للأعلى وراح هو أيضًا يرفع كفه يصافحها بقوة هاتفًا في خبث مماثل لها ممتزج بمزاحه الذي لا يمت لسنه بأي صلة :
_ايوة وريهم قوة الخدامين 
 ادهشتها عباراته لدرجة جعلتها تنفجر ضاحكة عليه ثم هتفت بصدمة وحدة بسيطة:
_أنت بتجيب الكلام واللماضة دي من فين ياولا 
رد بغرور وهو يهندم من ياقة قميصه مبتسمًا:
_ دي مجهودي الشخصي
 قبل أن تجيبه سمعو صوت طرق الباب ثم انفتح الباب ودخل سليم الذي حدق في وجوههم وغضن حاجبيه متعجبًا عندما رآهم يضحكون، فقد كان متوقع أنه سيجد فيروز حزينة تبكي وأخيها يحاول مواساتها لكنه يرى العكس تمامًا.
استقامت فيروز واقفة بعد دخوله واختفت ابتسامتها وحل محلها الجمود والانزعاج الملحوظ على معالمها أما ياسين فقد تقدم إلى سليم وسأله باستياء:
_هي ليه مامتك قالت كدا لفيروز ياعمو سليم 
تنهد سليم بضيق لأنه يدرك مدى انزعاج ذلك الطفل على ما تعرضت له أخته ورد عليه بحكمة وهدوء:
_ماما مكنتش تعرف أني أنا وفيروز اتجوزنا وقالت كدا عشان مضايقة مني بس أنا اتكلمت معاها ومتزعلش هي مش هتعامل فيروز كدا تاني
اماء وهز رأسه وهو يرسم تعبيرات وجه رجل ناضج متفهمًا الوضع جعلت سليم يبتسم رغمًا عنه ثم وجده يكمل بأسلوبه الطفولي المرح:
_طيب عندي سؤال تاني هي اوضتك جميلة أوي ياعمو سليم والله بس للأسف دي أوضتك أنت وفيروز.. أنا بقي هنام فين ؟
أجابه سليم يواكبه على نفس المستوى من النقاش وهو يضحك:
_وهو ده سؤال برضوا يابطل أنا قولت للحجة أمينة تجهزلك احسن أوضة في البيت كله 
اتسعت ابتسامة ياسين بدهشة وقال متحمسًا:
_بجد شكلها أي طيب 
مسح سليم على شعره وهتف بود وهو يحثه على السير معه:
_تعالي هخلي دادة أمينة تاخدك تفرحك على أوضتك ولو في أي حاجة مش عجباك وعايز تغيرها قولي 
هز رأسه ياسين بالموافقة وغادر مع سليم الغرفة ليتركوا فيروز بمفردها لدقيقة ثم وجدت سليم يعود لها مجددًا دون أخيها الذي تركه مع أمينة لتصطحبه لغرفته، اغلق سليم باب الغرفة حتى ينعموا بالخصوصية في حديثهم واقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة وهتف بحزم يملي عليها تعلميات تنم عن مدى انزعاجه من أمه:
_اللي قالته ماما وعملته متهتميش بيه، وتتعاملي في البيت هنا  أنك مراتي والكل مجبر يحترمك، وأي حد من الخدم يفكر يتعدى حدوده معاكي بلغيني
ردت فيروز وهي تلوى فمه بتهكم وحنق:
_واضح أن قرار موافقتي على الجواز ده كان غلط ياسليم، محدش من أهلك موافق على وجودي هنا.. الأحسن أننا نطلق وأنا هشوفلي مكان محدش يعرفله طريق وهكون في آمان من أبوك وحازم وعمتي
اطلق سليم زفيرًا حارًا وهتف بجدية:
_بصي يافيروز صحيح جوازنا كان باتفاق ولفترة واحنا الاتنين مُجبرين ومفيش بينا أي حب أو ثقة بس في حجات أنتي لسا متعرفيهاش ويمكن دي اللي مخلياني مصمم أنك تكوني جمبي واحميكي، وهقولك كل حاجة وهفهمك بس الأمور تهدى شوية، لكن دلوقتي احنا الاتنين اخدنا قرار.. غلط بقى أو صح اخدناه وخلاص ومضطرين نكمله 
ابتسمت بأسى وقالت متحسرة بعد كلماته القاسية رغم صدقها:
_كل الطرق اللي مشيتها في حياتي كنت مجبورة عليها فمجاش على الطريق اللي همشيه معاك
لم يبدي أي ردة فعل على ردها وبالعكس تفهم جيدًا وأعجبه ردها الذكي أنها اعادت له الأجابة بالمثل تثبت له أنها أيضًا مثله لا تريده، بعد لحظات خرج صوته الرجولي الغليظ وهو يُملي عليها تعليماته الصارمة:
_ أهم حاجة دلوقتي بنسبالي أنك تسمعي كل كلمة وتنفذيها ومتعصيش أوامري.. أو حتى تتصرفي أي تصرفي ممكن يمس بيا أو بعيلتي يعني متنسيش أنتي دلوقتي مراتي وخليكي دايمًا بتتصرفي على هذا الأساس 

تعليقات



<>