
رواية لأنك أنت الفصل الثامن عشر18 بقلم ندي محمود توفيق
ابتسم هو لها بحب وإعجاب فور رؤيته لها بينما هي فاتسعت عيناها بدهشة وتهللت أساريرها فالقت بجسدها بين احضانه في سعادة غامرة هاتفة:
_سليم وحشتني أوي
لف ذراع حولها يضمها إليه أكثر وبالذراع الأخر كان يمسح على شعرها بحنو مجيبًا في حب:
_وأنتي كمان.. عاملة إيه ياحبيبتي؟
ابتعدت عن احضانه وقبل أن تجيب صدح صوت امرأة من داخل المطبخ تسأل صائحة ليصل صوتها:
_مين يافاتن اللي جه
التفتت برأسها للخلف باتجاه المطبخ تجيب على تلك السيدة التي ربتها وكبرت على يديها وبمثابة أم لها:
_ده سليم يا دادة
دخل سليم واغلق الباب وحاوط كتفي فاتن بذراعه وهو يجذبها معه باتجاه الأريكة فجلس هو أولًا وانضمت له، حتى خرجت تلك السيدة من المنزل بود فور معرفتها هوية الطارق ووقفت على مقربة منهم بأدب وحيت سليم بعينان دافئة متمتمة:
_إيه ياسليم بيه فينك.. ليه الغيبة دي كلها؟!
رد عليها بنبرة لطيفة وابتسامة خافتة:
_شوية مشاغل كانت معايا يا أم عبدالله.. أنتي أخبار صحتك إيه ؟
ردت الدادة ببشاشة:
_نحمده ونشكره.. أنا هروح اعملك العصير اللي بتحبه وأنت وأختك اتكلموا براحتكم
هز رأسه لها موافقًا في نظرة امتنان وشكر بينما فاتن فقد التصقت به وتطلعت في وجهه بفضول متسائلة:
_أنت كنت فين ده كله بقى.. بابا قالي أنك سبت البيت لفترة طويلة.. إيه حصل لده كله!
هتف سليم بهدوء تام وثبات:
_شديت شوية أنا وهو بسبب الشغل واديني رجعت تاني أهو.. عوني بيه ليه اساليبه أنتي عارفاه
رمقته بعتاب وحزن متمتمة:
_طيب اتصل بيا بلغني يا سليم.. أنا قلقت عليك جدًا والله وحاولت اوصلك تلفونك كان بيديني مقفول
رفع انامله ومسح على شعرها بحنو هامسًا بابتسامة أخوية دافئة:
_معلش يافتون حقك عليا.. بس أنتي إيه الحلاوة والشياكة دي كلها!
ابتسمت بخجل ورفع كفها تضرب على مقدمة رأسها وهي تحني رأسها أمامه بامتنان هاتفة في ضحك ومرح:
_والله ما حد رافع معنوياتي قدك.. حبيبي يا سليم ربنا يخليك ليا
ضحك بخفة ثم سألها باهتمام:
_بابا كان بيجيلك كتير ولا انشغل بالمشروع !
عبس وجهها للحظة ثم قالت في يأس:
_كان بيجي علطول بس أنا طلبت منه كذا مرة اروح الشركة ورفض.. زهقت ياسليم بجد أنا مقدرة وعارفة أن لو كاميليا هانم عرفت أن هو معاه بنت غير شرعية مش هتسكت وحياتكم كلها هتبوظ بسببي، بس أنا حياتي مفيهاش حاجة غير الكلية وحتى الكلية بابا مسجلني باسم تاني عشان محدش يعرف أني بنته وصحابي علاقتي بيهم عبارة عن كدب بس.. أنا حتى عمري ما اتكلمت مع أمير وداليا ودايمًا كنت بشوفهم من بعيد
مد أنامله يمسح على وجنتها بحنو ونظرته تحوى مزيج من المعارضة والشفقة، ثم خرج صوته الرجولي الواثق وهو يعدها:
_معلش ياحبيبتي هانت قريب كل ده هينتهي وهتعيشي حياتك طبيعي ومش هتبقى مضطرة تستخبي
ضيقت عيناها باستغراب وردت مستفهمة:
_ يعني إيه ؟!!
لمعت عيني سليم بوميض مهيب وقوى ثم خرجت نبرته الحادة يجيبها:
_يعني ماما وأمير وداليا هيعرفوا قريب.. أنا سكت سنين وسمحت بالوضع ده رغم أنه مش عاجبني بس كفاية كدا
هتفت فاتن بخوف واعتراض تحاول ردعه عن ما ينوي فعله:
_لا لا ياسليم بلاش بابا هيتعصب أوي وهتحصل مشاكل كبيرة بينك وبينه وبينكم كلكم
هتف سليم بغضب هادر ونظرة ملتهبة:
_بابا لازم يتحمل نتيجة أفعاله
التزمت فاتن الصمت بعدما رأت الاستياء بدأ في الاستحواذ على أخيها وخافت من مجادلته أكثر فيزداد سخطه سوءًا، أجفلت نظرها أرضًا بعبوس وقلة حيلة حتى سمعته يستطرد كلامه لكن هذه المرة بنبرة عادت لطبيعتها الهادئة:
_ليكي عندي خبر
تطلعت في وجهه بفضول وتساؤل فأكمل هو بعد تنهيدة طويلة:
_أنا اتجوزت
خرجت من فاتن صيحة صادمة وقالت:
_أنت بتهزر.. اتجوزت امتى ومين.. اوعى تقولي يارا يا سليم
هز رأسه بالنفي مجيبًا وهو يهب واقفًا ينوي الرحيل:
_لا مش يارا.. بس ده موضوع معقد شوية وأنا دلوقتي تعبان وعايز ارتاح فبكرا هبقى اجيلك تاني واقولك امتى ومين هي واسمها إيه وكل حاجة
تعلقت بذراعه كالطفل الصغير حين يتشبث بوالده وقالت فر اصرار تام رافضة رحيله:
_أنت رايح فين مش هتتحرك من هنا هتتعشى معايا الأول واحنا وبنتعشى تحكيلي مين سعيدة الحظ دي يا سليم بيه
تنهد بقلة حيلة من طفولتها وقال في ابتسامة مغلوبة:
_مرهق جدًا والله يا فاتن بكرا هجيلك ونتغدى مع بعض إيه رأيك
هزت رأسها بالرفض القاطع ودفعته بلكف لتجلسه مجددًا على الأريكة هاتفة في وجه حاد وغاضب لا يليق بملامحها الرقيقة والطفولية:
_مش هتمشى يا سليم غير لما تتعشى معايا.. ومتحاولش لأن الأوامر صدرت خلاص
ثم التفتت برأسها للخلف وصاحت بصوتها على الدادة تطلب منها تحضير العشاء بينما هو فمسح على وجهه وهو يزفر مغلوبًا من تلك المجنونة الصغيرة.. حبه وتعلقه بها يجعلها قادرة على السيطرة عليه والتحكم به وهو لا يسعه سوى الخنوع أمام رغباتها.. فقط لكي لا يحزنها...
***
داخل منزل عوني الطوخي.....
عاد سليم للمنزل بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. بالكاد استطاع الافلات من قبضة اخته الصغيرة التي احتجزته بالمنزل ولم تسمح له بالرحيل.
كان جميع من بالمنزل نائم والأضواء مغلقة، ففتح باب المنزل بنفسه ولم يطرق على الباب حتي لا يوقظ أحد ودخل ثم قاد خطواته إلى الدرج يصعد للطابق العلوي حيث غرفته، وقف أمام باب غرفته وفكر بطرق الباب أولًا لكنه اعتقد أنها قد تكون نائمة ولا يريد ازعاجها في نومها، ففتح الباب ببطء وحذر ثم دخل واغلقه خلفه بنفس الحرص وأول شيء وقعت عينه عليه بالغرفة كان الفراش الذي كان فارغ فضيق عيناه باستغراب وتقدم للداخل وهو يهتف مناديًا عليها ظنًا منه أنها بالحمام أو بالشرفة:
_فيرووز
لم يحصل على إجابة فعاد يناديها مجددًا والإجابه نفسها.. صمت تام، اتجه نحو الحمام وطرق الباب أولًا ثم فتحه والقى نظره بالداخل فلم يجدها، خرج ونظر على الشرفة داخلها من الزجاج المغلق ولم تكن بالداخل أيضًا، وقبل أن يندفع لخارج الغرفة بحثًا عنها وقعت عيناه بالصدفة على تلك الأريكة الجديدة التي وُضعت مكان المقاعد الخاصة به، تسائل بحيرة عن سبب وجود تلك الأريكة ومن الذي جلبها لغرفته.
ولم تكن سوى لحظات أثناء تفقده للأريكة حتى انفتح الباب ودخلت فيروز وهي مرتدية بنطال منزلي قطن فضفاض ويعلوه بلوزة بنصف أكمام ملتصقة بجسدها بعض الشيء وتنتهي عند بداية بنطالها.
تمعن في هيئتها وتفحصها من أعلاها لأخمص قدميها بتدقيق وبدت في عيناه نظرة الاعتراض على ما ترتديه لكنه لم يعقب واكتفى بسؤاله:
_كنتي فين ؟
أجابت فيروز بطبيعية:
_كنت قاعدة مع ياسين في اوضته لغاية ما نام
التفت برأسه وسأل وهو يتطلع إلى الأريكة:
_مين اللي جاب الكنبة دي هنا ؟
تقدمت نحوه بخطوات هادئة ثم وقفت على مقربة منه وقالت في صوت رقيق:
_أنا طلبت من الخدم يجيبوها.. عشان أنام عليها
ضيق عيناه وسأل للمرة الثالثة متعجبًا وهو يشير باتجاه الفراش مبتسمًا:
_وتنامي عليها ليه والسرير موجود !!
لوت فمها بارتباك ملحوظ وهمست في لطف وهي تحاول تفادي النظر في وجهه:
_نام أنت عليه ده سريرك.. كمان الصراحة حرام تنام على الأرض كل يوم.. دي نومة صعبة وتتعب أي حد
شقت ابتسامته طريقها لثغره لا إراديًا على اضطرابها وهي تخبره بأنها اشفقت عليه وسعت لتوفير الراحة له، اخذ نفسًا طويلًا ثم رد عليها بوداعة مبتسمًا:
_أنتي شايلة همي يعني.. شكرًا يافيروز.. بس نامي زي ما أنتي على السرير وأنا هنام على الكنبة
أجابت عليه معترضة باصرار:
_لا نام أنت على السـ.....
بتر عبارتها بنظرة حازمة ومحذرة متمتمًا:
_فــيــروز
مالت بوجهه للجهة الأخرى وهي تتأفف بنفاذ صبر وامتعاض من لهجته الآمرة والمحذرة، فتوجهت وجلست على الأريكة مغتاظة وراحت تجيبه بتحفز:
_على فكرة أنا عنيدة جدًا ومبحبش الأسلوب ده ومش بيمشي معايا
رفع حاجبه مستنكرًا ردها الشرس فتقدم خطوتين إليها ومال بجزعه عليها ليصبح وجهه في مواجهة وجهها التي رفعته لأعلى حتى تنظر إليه وهو مشرف عليها بجسده الضخم مقارنتها بنعومتها ورقة جسدها.
سمعته يجيب بنبرة خرجت هادئة تمامًا لكن تحمل نبرة القوة ونظرته مهيبة بعض الشيء:
_وأنا العند مش بيمشي معايا ومش بحبه.. فالأفضل أنك متعانديش معايا عشان منتعبش مع بعض
وكأن شخصيته الطاغية تعويذة اُلقت عليها فافقدتها قدرتها على النطق، وجعلتها تتمعن في عينيه بتيه وتوتر أما هو فأسقط نظره متعمدًا على بلوزتها التي كانت بفتحة مثلثية عند الصدر واظهرت داخلها الذي ظهر له بوضوح وهو يلقي بنظره من الأعلى، انتبهت هي إلى نظراته القابعة على صدرها فاعتدلت باضطراب شديد ومدت يدها لبلوزتها تجذبها لأعلى تخفي جسدها وترمقه بنارية لتقابل نظرته الجامدة على عكس تعبيرات وجهه المحتقنة وهو ينتصب في وقفته ويقول بلهجة مخيفة بعدما رأى محاولتتها لإخفاء جسدها عن انظاره:
_بظبط كدا زي ما أنا بصيت غيري هيبص.. فالبلوزة دي متتلبسش تاني
استشاطت غيظًا من عبارته التي استشعرتها كإهانة لها فهبت واقفة وهتفت بغضب في نبرة عالية:
_أنت مش هتتحكم في لبسي وبعدين أنا عارفة كويس بلبس إيه ومحدش يقدر يبصلي
التهبت نظرته وظهرت قتامتها سخطًا من ردها المثير للجنون فرد هليه بنبرة رجولية غليظة قذفت الرعب في أوصالها:
_اتحكم غصب عنك يافيروز.. أنتي مراتي وأنا مراتي متطلعش بالمنظر ده عشان الكل يتفرج على جسمها، لما نتطلق ابقي البسي براحتك
رغم خوفها منه إلا أنها تجاهلت الشعور وصاحت به منفعلة وهي ترفع سبابتها في وجهه:
_إيه الكلام اللي بتقوله ده.. احترم نفسك ياسليم
تطلع لسبابتها بنظرة ثاقبة ثم رفع يده وقبص على سبابتها وانزلها من أمام وجهه هامسًا بنبرة تحذيرية:
_أنا محترم جدًا لغاية دلوقتي فمتضطرنيش اخليكي تشوفي العصبية والوقاحة فعلًا.. ومترفعيش صباعك ده في وشي تاني عشان أنا مش بتهدد
ثم ابتعد عنها وولاها ظهره متجهًا إلى الخزانة يخرج ملابسه ويتوجه إلى الحمام ليستحم فتعود هي وتجلس مجددًا على الأريكة وهي تشتعل غيظًا وتهمس متوعدة:
_ماشي يا سليم.. تمام أوي.. قال جسمي قال.. ليه هو أنا مش عارفة حدودي عشان اطلع بلبس يبين تفاصيلي
استقامت واقفة مجددًا واتجهت إلى المرآة تنظر لانعكاس صورتها بتمعن فاكتشفت أن بلوزتها ضيقة بالفعل وتصف تفاصيل جسدها بوضوح حتى أن صدرها سيظهر للأعين أن مالت للأمام قليلًا، فاتسعت عيناها بصدمة وهي تعنف نفسها أنها كيف لم تنتبه وارتدت تلك الملابس وخرجت بها أمامها ومن غرفتها، فللحظة ظنت أنه هو المنحرف الذي القى بنظره داخل ملابسها لينظر لجسدها متعمدًا لكن اتضح أنها هي قليلة الأدب التي ارتدت ما لا يجوز ارتدائه.
انتابها الخجل الشديد من شكلها وفكرت فيما ستفعله هل تبدل ملابسها أم لا.. لكن هتفت بعناد اشبه بعناد الأطفال:
_اغير عشان يطلع يلاقيني غيرتها يفتكر أني خوفت منه وسمعت كلامه.. لا طبعًا!
فقط عنادًا به أبت تبديلها واتجهت إلى خزانتها تفتحها وتخرج شالًا وتلفه حول كتفيها تغطي به ذراعيها وصدرها، ثم توجهت إلى الفراش وتمددت بنصف جسدها واستندت بظهرها على ظهر الفراش.
بعد أكثر من عشر دقائق تقريبًا انتهى من حمامه وخرج فوجدها ملتفة بذلك الشال حول كتفيها فمال ثغره في شبه ابتسامة ساخرًا منها على عكسها التي تجاهلته واشاحت بوجهها بعيدًا عنه تأبى النظر إليه كدليل على انزعاجها الشديد منه، أما هو فتوجه إلى الأريكة وتمدد بجسده عليها بعدما سحب وسادة من على الفراش لينام عليها ومد يده بجواره على كبس الكهرباء يطفئ الأنوار فهتفت فيروز باعتراض تتصنع الخوف فقط لتثير حنقه:
_أنا بخاف من الضلمة متطفيش النور
استمع لتذمرها ورفع حاجبه باستهزاء فهو لم ينسى عندما كان يشتكي له ياسين أنه كان يخاف من الظلام وفيروز جعلته يعتاد عليه لأنها لا تستطيع النوم سوى في الظلام.
أدرك أنها تفعل ذلك فقط لتستفزه فابتسم وقال بوقاحة تشهدها لأول مرة منه:
_تعالي نامي في حضني لو خايفة
فغرت عيناها وشفتيها بصدمة من اجابته التي لم تتوقعها إطلاقًا وراحت تهتف باستياء شديد:
_وقح
ثم جذبت الغطاء على جسدها وتمددت جيدًا على الفراش واضعة رأسها فوق الوسادة وهي تسبه ونتعته بـ " سافل " في صوت منخفض لم يصل لآذان ذلك الذي اغلق عينيه غير مكترثًا بها يكفيه أنه اسكت ثرثرتها بوقاحته.. بعد الآن بات يعرف كيف يسكتها وهو أكثر من مرحب بتلك الطريقة لاسكاتها...
***
داخل منزل شاهين وداليا.....
كان شاهين بالحمام يغتسل وداليا بالخارج جالسة على الفراش وهي مرتدية ثوب حريري قصير بحمالات رفيعة وفتحة مثلثية واسعة عند الصدر، تفكر فيما حدث قبل قليل.. رغم شوقها الشديد له وأنها كانت بحاجة للشعور بنفسها بين ذراعيه إلا أنها تعنف نفسها الآن أنها ضعفت أمام قلبها وحبها له وكلماته المعسولة وهو يحاول ارضائها وتلك القلادة الجميلة التي اهداها لها فقط ليعبر لها عن حبه وندمه عن ما صدر منه.
خرت بين ذراعيه منهزمة ورفعت رايتها الخضراء له وسمحت له بأن يتلذذ بنعيم حبها مجددًا بعد غياب طويل.
ارتفع صوت نغمة نتبيه عن وصول رسالة جديدة لهاتفه الءي كان بجوارها فمدت يدها لهاتفه تلتقطه وتفتحه فتجد الرسالة من مروة كتبت له " تمام ياشاهين بيه براحتك مسير داليا تعرف قريب " اتسعت عيني داليا باندهاش امتزج بحيرتها وهي تتساءل ما الذي يخفيه عنها " شاهين " وما علاقة مروة به وما تلك الجرآة التي دفعتها لتراسله في ذلك الوقت المتأخر.
خرج شاهين من الحمام وهو ممسك بيده المنشفة يجفف شعره من المياه وعاري الصدر مرتديًا بنطال فقط ثم اقترب من داليا وجلس بجوارها على الفراش ثم مال عليها يلثم وجنتها بحب متمتمًا:
_ كنتي وحشاني أوي ياديدي.. اوعدك أننا نرجع زي زمان
بقت متخشبة رغم قبلته لها والشيطان بدأ يطلق وساوسه في أذنيها فخرج صوتها وهي تسأله بجدية دون أن تنظر لوجهه:
_هي مروة دي كانت عايزاك في إيه النهاردة الصبح في الشركة يا شاهين
اعتدل في جلسته وتبدلت معالم وجهه للتعجب والقلق فأجابها ساخرًا بلهجة بدت طبيعية:
_مروة مين دي بس ياحبيبتي وإيه اللي فكرك بيها دلوقتي.. هو ده وقته!!
تطلعت في وجهه بغضب مكتوم واعادت سؤالها مجددًا بحزم:
_جاوب على سؤال ياشاهين وبس، كانت عايزاك في إيه.. وإيه الموضوع الخاص اللي ممكن يتخبى عني ؟!
رفع أنامله يمسح على شعرها ووجنتها بحنو هامسًا في حب محاولًا احتواء غضبها حتى لا يتفاقم الأمر أكثر بينهم:
_مفيش حاجة يا داليا هخبي عنك إيه.. دي تقريبًا عايزاني اتوسط ليها عند أبوكي وسليم عشان يدوها أجازة
ابعدت يده عنها بهدوء مريب كدليل على عدم رغبتها في لمسته لها وقالت بعصبية:
_وده فيه إيه خصوصية تخليها تطلب منك تتكلم معاك بعيد عني.. ما تقول قدامي!!
أجاب شاهين بتصنع الجهل وهو يعود يمد انامله لكن تلك المرة إلى قدميها العارية يتلمسها بحميمية وحنو هامسًا:
_معرفش والله يا داليا تلاقيها فكرت أنك هتكوني زي أبوكي وهترفضي وتستفسري عن كل حاجة.. بعدين سيبك منها أنا أصلًا مش فارقة معايا ونسيت الموضوع ده خالص إيه اللي يفكرك بيه بس.. حوار عبثي ومش مهم بنسبالي
ثبتت نظرها على عيناه تحاول استكشاف الحقيقة التي يخفيها عنها كما قرأت في رسالة مروة، لكن فشلت ولم ترى سوى نظرات الرغبة والحب ومحاولاته في تخطي الحديث وإغلاقه، ولمساته المثيرة لجسدها متعمدًا الهائها عن أي شيء من خلال إثارة مشاعرها، فدفعت يده عنها بحنق وتمددت على الفراش وهي توليه ظهرها هاتفة في صوت مقتضب:
_أنا عايزة انام.. تصبح على خير
ضيق عيناه باستغراب وقلق من تحولها المفاجئ فمال عليها يجسده يحتضن ذراعها وكتفها بكفه هامسًا في اهتمام:
_مالك يا داليا إيه اللي حصل ضايقك مني ما أنتي كنتي كويسة قبل ما أدخل الحمام
للمرة الثالثة تنفر من لمسته وزجت يده بعيد هاتفة في ضيق حقيقي:
_قولتلك عايز أنام يا شاهين
رفع حاجبه مستنكرًا نفورها الغير مبرر واستيائها منه دون سبب واضح، وقرر التريث وعدم الضغط عليها مجددًا وسينتظر لصباح الغد لكي يفهم منها ما حدث....
***
بصباح اليوم التالي بمنزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة كاميليا......
كان عوني يقف أمام المرآة يرتدي رباطة عنقه وكاميليا خلفه جالسة على مقعد وثير بجوار الفراش وتهتف بحقد بعد تفكير عميق:
_هو أنت هتفضل ساكت كدا كتير ياعوني على جواز ابنك من بنت الشوارع دي اللي لا أصل ولا فصل
رد عوني ببرود تام وهو يصب كامل اهتمامه على هندلو ملابسه بعد انتهائه من رباطة عنقه:
_هعمله إيه يعني اتجوزها وخلاص مفيش حاجة في ايدي اعملها
كاميليا بغضب وهي تفكر بصوت عالي مع زوجها:
_لازم نخليه يطلقها أنا مش هقدر استحمل اشوف البنت دي كل يوم قصادي في البيت
تمتم عوني وهو يستدير تجاهها بجسده كاملًا :
_سليم مش عيل صغير هنغصبه على حاجة ياكاميليا.. ابنك مش ساهل ولا هين ده تخطاني أنا شخصيًا.. وبيني وبينك رغم أني مضايق من أسلوبه وقرارته اللي بيفرضها حتى عليا، بس عاجبني وفخور بتطور شخصيته وكدا أنا أسيب كل حاجة لابني وأنا مطمن لما أموت
استقامت واقفة واقتربت منه وهي تمسح بكفيها على كتفيه بحنو هامسة في حب:
_بعد الشر عليك ربنا يخليك لينا ويديك طولة العمر ياعوني متقولش كدا
التقط كفها ورفع لفمه يلثمه بقبلة دافئة مجيبًا في خبث وهو يغمز لها بعيناه:
_ويخليكي ليا يا كارميلا.. وبخصوص فيروز فـ دي مهمتك بقى أنتي كرهي سليم فيها لغاية ما يطلقها وطفشيها الحوار ده عايزة الحريم هما اللي يقدروا عليه مش احنا وأنتي قدها ياحبيبتي
لمعت عيني كاميليا بوميض ماكر ونظرة تنضج بالوعيد والشيطانية بينما عوني فانحنى عليها يلثم شعرها بقبلة دافئة سريعة ثم يبتعد عنها وينصرف.....
***
داخل مقر شركة الطوخي تحديدًا بمكتب شاهين الخاص.. كان جالسًا فوق مقعده شاردًا يفكر في داليا التي خرجت بالصباح الباكر ولم تمنحه الفرصة لفهم أسباب ضيقها منه، والشك بدأ يتسلل لصدره خوفًا من أن يكون سبب تبدلها معه هو رسالة مروة التي ارسلتها له بالأمس.
بينما كان منهمك بالتفكير والتحليل انفتح باب غرفته ودخلت ابنته لارا وهي تبتسم باتساع لوالدها وتهتف:
_صباح الخير يا بابي
ضيق شاهين عيناه بدهشة وهتف يسألها:
_لارا بتعملي إيه هنا أنتي مش المفروض تكوني في المدرسة دلوقتي ؟
اقتربت لارا من والدها وجلست على الاريكة المجاورة لمكتبه وقالت بحماس وطاقة مرحة:
_ما أنا الصراحة استأذنت من مامي النهاردة وطلبت منها مروحش المدرسة وآجي الشركة هنا اقعد معاكم شوية واشوف مكتبها واباركلها وكمان اشوف جدو وخالو سليم لأنهم وحشوني أوي.. وهي وافقت
لم يعقب ولم يعترض شاهين بل ابتسم لابنته بحنان أبوي وسألها باهتمام:
_طيب فطرتي ولا لسا ياحبيبتي
هزت رأسها بالنفي وأجابت عليه وهي تطرح سؤال آخر:
_لا مفطرتش.. وأنت ؟
هز رأسه هو أيضًا بالنفي فقالت في مرح وتلقائية جميلة:
_خلاص يبقى نطلب أكل ونفطر مع بعض
اتسعت ابتسامته وفي عينيه نظرة حب وود لابنته ثم التقط هاتفه وهو يسألها بلطف:
_طيب عايزة تفطري حاجة معينة ولا لا يا لارا هانم
جلست بغطرسة متصنعة وهي تعقد قدم فوق الأخرى وتجيب على والدها بثقة:
_لا أي حاجة على ذوقك يا شاهين بيه
استقام واقفًا من مقعده وهو يضحك واقترب منها ليجلس بجوارها ويرفع هاتفه إلى أذنه يجري اتصالًا بالسكرتيرة الخاصة به يطلب منها إحضار الإفطار له هو ولارا.. وبعد انتهائه من مكالمته رفع أنامله يمسك بأرنبة أنف لارا يضغط عليها برفق هاتفًا في مداعبة:
_الأكل جاي أهو يا لمضة
تطلعت لارا إلى والدها بضحكة واسعة بعد أن نفرت من قبضته على أنفها لا إراديًا وقالت بعبوس مزيف:
_يعني مدلعش عليك يابابي
وجدته بعد عبارتها يجذبها لحضنه هامسًا وهو يلثم شعرها بحنو أبوي:
_ادلعي براحتك يابابا هو أنا عندي كام لارا ياروح قلبي
ابتسمت بمحبة غامرة بين احضانه لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها عندما تذكرت الهدف من زيارتها اليوم للشركة وأن والدها رغم حبها الشديد له إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أنها منزعجة بشدة منه لخيانته لأمها، لوت فمها بضيق وابتعدت عنه وهي تبدأ في اولى خطوات خطتها التي ستكون نتيجتها النهائية إخراج تلك الأفعى من حياة والدها للأبد.
هتفت لارا بتصنع البراءة وهي تسأل والدها:
_بابا هي مروة متجوزة أو مخطوبة مثلًا ؟
تجهمت ملامحه فور ذكرها لمروة وأجاب بمضض:
_لا ليه ؟!
ردت لارا بذكاء يُدرس وخبث في نبرتها النابعة من تلقائيتها المزيفة:
_أصل أنا روحت اسلم عليها قبل ما اجيلك لقيت عندها واحد غريب كدا وكانوا مبسوطين وهو بيتكلموا يعني شكلهم خلاني توقعت أنه خطيبها مثلًا أو جوزها.. بس ممكن يكون حبيبها وهي مرتبطة بيه
تبدلت معالم شاهين من الحنق للغضب البسيط لمجرد شكه أنها تنشيء علاقات مع رجال وهي زوجته، وراح يجيب على ابنته يسألها بترقب:
_مين الراجل ده ؟
زمت لارا شفتيها بجهل وقالت في هدوء:
_معرفش بس مش حد من الشركة لأني مشفتهوش قبل كدا هنا خالص.. بس أنا فرحت جدًا ليها يابابي لأن مروة طيبة وتستاهل كل خير يارب يكون شخص كويس وبيحبها ويتجوزوا
انهت كلماتها وهي نراقب آثرها على تعبيرات وجه والدها التي ازدادت قتامة وغيظًا، لكنها لم تتمكن من معرفة هل كان الغضب نابع من غيرته أم من مجرد فكرة أنه تخونه.
لم تكترث كثيرًا فيكفي أنها زرعت بذور الشك في صدره وستبني عليها أشياء أخرى كثيرة لتكون النهاية الهلاك لتلك الأفعى الشمطاء، استقامت واقفة بعدما انهت مهتمها الأولى وقالت لوالدها مقررة تركه وحيدًا مع شيكانه وشكوكه التي ستنهشه نهش:
_أنا هروح أشوف جدو وصل ولا لا وهرجعلك تاني يا بابي يكون الفطار وصل وناكل سوا
لم يجيب شاهين عليه ولم يلتفت لها حتى فقد كان منشغلًا بالتفكير في تلك الوقحة التي تجرأت وخانته وتوعد لها بأنه سيجعلها تتوسله لطلب الرحمة أن كان ما قالته ابنته حقيقة.
أما لارا فقد غادرت مكتب والدها وهي تبتسم بنصر وخبث رغم أن كل ما قالته لم يحدث ولم تذهب لمروة ولم ترى شيء من كل هذا لكن لا مانع من الكذب لإشعال فتيل النيران، وإذا بها تقابل مروة أمامها وهي تنوي الدخول لغرفة والدها فقبضت لارا على ذراعها توقفها وهي تهمس بابتسامة مكلفة:
_إيه يامروة رايحة فين.. بابي مش فاضي دلوقتي!
تطلعت مروة بنظرة استهزاء من لارا أن تلك الطفلة تحاول املاء الأوامر عليها، نزعت ذراعها من قبضة لارا وقالت في نفس الابتسامة:
_ما أنا عارفة وأنا معايا شغل عايزة ابلغه بيه
اعترت لارا طريقها عندما وجدتها تحاول تخطيها وتبدلت تعبيرات وجهها للحدة وهي تهتف:
_ الشغل بيستني يا مرمر.. النهاردة بابي اليوم كله مش فاضي وطلب محدش يدخله نهائي.. محدش مسمحوله يدخل غيري أنا ومامي مراته حبيبته طبعًا
قالت لارا عبارتها الأخيرة وهي تبتسم بخبث متعمدة إثارة جنون مروة التي بالفعل رمقت لارا شزرًا وهي تصر على أسنانها ثم استدارت وعادت إلى غرفتها، بينما لارا فنظرت للسكرتيرة الخاصة بوالدها وهتفت تملي عليها الأوامر بحزم وقوة تليق بحفيدة عوني الطوخي:
_مروة متدخلش لبابي النهاردة نهائي فاهمة ولا لا ولو حاولت تدخل غصب عنك هدديها أنك هتشتكي لجدو وخالو.. وطبعًا مش محتاجة اقولك لو عملتي عكس اللي بقوله هعمل إيه.. اكيد متوقع مني
اعطت السكرتيرة نظرة أخيرة كلها ود وابتسامة لطيفة تثير الرعب رغم لكفها وتثبت للسكرتيرة أن تلك الفتاة لا يمكن أن تكون في سن السادسة عشر فهي امرأة ناضجة متشبعة بالمكر والقوة وبإمكانها تنفيذ كل حرف قالته بالفعل....
***
بمكان مختلف وجديد تمامًا داخل إحدى الشقق السكنية بإحدى البنايات الفاخرة داخل أحد المناطق الراقية الخاصة بالطبقة المخملية والأثرياء.. تحديدًا داخل غرفة النوم كان سليم جالسًا بوقار واضعًا قدم فوق الأخرى على مقعد عريض ووثير ويستند بمرفقه على ذراع المقعد واضعًا كفه أسفل فكه ونظراته ثابتة على يارا النائمة في الفراش أمامه وهي عارية ومتدثرة بغطائها الذي لا يخفي الكثير من جسدها العاري نتيجة لمعركتها القذرة مع عشيقها السري ليلة الأمس.
بعد دقائق من انتظاره بلا كلل استيقظت أخيرًا وفتحت عيناها ببطء وهي تتمطي بذراعيها للأعلى مبتسمة براحة وسعادة بعد ليلتها الملتهبة.. وإذا بها تنتفض في نومتها كالذي لدغها عقرب عندما سمعت صوت سليم وهو يهتف ببرود مبتسمًا:
_واضح أن ليلة امبارح عجبتك أوي.. اشكريني بقى عشان أنا السبب لولالي مكنتيش هتتبسطي كدا
جذبت الملاءة على جسدها بهلع وهي تحدق في سليم بارتيعاد وتهمس بعدم استيعاب محاولة الكذب وإخفاء شناعة حقيقتها القذرة:
_سليم أنت فاهم غلط ياحبيبي والله ده هو اللي غصبني وأنا مكنتش في وعي شربني حجات خلتني مش حاسة بحاجة
مال سليم برأسه للخلف وهو يقهقه عاليًا ثم عاد ينظر لها وغمز بخبث هاتفًا في جرآة مرعبة:
_أه ما أنا شوفتك وأنتي مغصوبة فعلًا، أصل أنا حضرت الليلة كاملة على الفلاشة دي
تطلعت يارا لـ " الفلاشة " التي بيده في عيناه متسعة من فرط الصدمة وبدأت عيناها في ذرف الدموع وهي تتوسله هاتفة:
_سامحني كانت غلطة والله يا سليم ومش هتتكرر تاني
هب واقفًا من مقعده وبلحظة تحول من البرود والثبات للهياج المخيف واتقض عليها كالأسد يصفعها بقسوة ثم يجذبها من شعرها بعنف غير عابئًا بجسدها العاري الذي انكشف مجددًا أثر تعنيفه لها وصاح بها بصوت جهوري جعلها تنتفض رعبًا في مكانها:
_بقى أنا يـ ***** تقرطسيني وتخونيني.. كنتي فاكرة أني مش هكتشف كل ده وهتجوزك على عمايا يا**** ولا إيه.. لا وعاملالي فيها مجنونة وبتتعالجي عند دكتور نفساني ده أنا اللي هوريكي الجنان على حق دلوقتي
صرخت متألمة وهي تبكي بقوة تترجاه وتحاول إبعاظ قبضته عن شعرها:
_أنا آسفة يا سليم ابوس إيدك سامحني.. هعملك كل اللي أنت عايزه والله بس سيبني
شعر بأنه سيخرج عن طوره وسيقتلها بين يديه أن استمر في النظر لوجهها البغيض والخسيس، فتركها وهو يدفعها بعيدًا لتسقط على الفراش وصوت نحيبها مرتفع من فرط الخوف، أما جسدها فقد اصبح شبه عاري تمامًا أمامها ليرمقها باشمئزاز هاتفًا:
_غطي لحمك الرخيص ده يا *****
جذبت الملاءة عليها تغطي جسدها وهي لا تتوقف عن البكاء بينما هو فاستدار بجسده وراح يمسح على وجهه يزفر هواء حارًا كالنيران من فمه يحاول تمالك انفعالاته واستعادة ثباته، ثم أخرج هاتفه من جيبه وفتحه على الفديو الذي كان يوثق ليلتها بالأمس كاملة، والتفت لها مجددًا ثم عاد يجذبها من شعرها مجددها وهو يرفع الهاتف أمام ناظريها هاتفًا بنبرة تقشر البدن:
_اتفرجي على نفسك وأنتي مغصوبة ياشريفة.. عارفة الفديو ده لما ينزل مش هتلاحقي على الطلبات
همست بين بكائها رافضة التصديق وهي تتألم من قبضته على شعرها:
_لا أنت مش هتعمل كدا مستحيل تعمل كدا ياسليم وتفضحني حتى لو أنا وحشة.. أنت لا يمكن تفضح واحدة أصلًا
أظلمت نظراته واختفت الرحمة ونظرة الضمير التي دومًا اعتادوا على رؤيتها فيه، ليحيبها مبتسمًا بشيطانية ولهجة لا تنتمي له إطلاقًا بل كأنها لرجل لا يملك مقار ذرة من الشفقة في قلبه:
_مستحيل ليه!!.. سليم بتاع زمان اللي كان ضميره ورحمته بتمشيه خلاص مش موجود دلوقتي أنا تطلع مني أقذر واو*** الأفعال، والفديو بتاعك ده هنشره على النت أصل ميرضنيش استمتع وحدي أنا عايز الكل يتفرج زي ويستمتع
توسلته باكية بصوت مبحوح:
_لا ابوس إيدك متعملش فيا كدا أنا مستعدة اعملك أي حاجة أنت عايزها
لمعت عيني سليم بشر وقال في خبث بعدما أفلت قبضته من على شعرها:
_أي حاجة !!.. حتى لو هتشتغلي لصالحي وتتجسسي على أبوكي وتجيبلي كل معلومة عنه
فغرت عيناها باندهاش وراحت تهز رأسها بالنفي في رفض:
_لا مستحيل مقدرش اعمل كدا في بابا
زم سليم شفتيه بتصنع العبوس على حالها وهو يستدير يوليها ظهره ويسير باتجاه باب الغرفة متمتمًا:
_براحتك.. بس أنا هديكي فرصة أخيرة لغاية بليل تفكري كويس وتردي عليا لأن من بكرا الصبح هتلاقي الفديو بتاعك منور النت كله
راقبته يارا وهو يغادر وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع خوفًا من بطشه وآذاه.. حائرة لا تعرف ماذا تفعل هل تقبل عرضه وتخون والدها أم تتقبل الفضيحة....
***
خرجت مريم من منزلها وكانت بطريقها لسيارتها لكي تستقل بها وتتجه لعملها لكنها توقفت بعد خروجها من بوابة المنزل عندما رأت أمير يقف أمام سيارته مستندًا بظهره عليها ينتظرها
فمالت برأسها للجانب وهي تتنهد بقلة حيلة وعلى ثغرها ابتسامة مغلوبة فتقدمت نحوه ووقفت أمامه هامسة بتعجب:
_خير يا أمير بيه
أجابها مبتسمًا بإجابة مختلفة يلفت نظرها إلى ما كان ينبغي أن تقوله بدلًا من جملتها القصيرة تلك:
_وأنتي كمان وحشتيني يا أميرتي
ضحكت مريم مغلوبة على جنونه وقالت ساخرة منه:
_ده على أساس أني المفروض اقولك مثلًا وحشتني يعني!!!
أجاب أمير غامزًا بخبث وغرام:
_مثلًا!!.. هي مش دي الحقيقة اللي أنتي بتحاولي تخبيها برضوا أنك بتحبيني.. عينيكي فضحاكي ياروح قلبي
منعت بسمتها من الانطلاق فوق ثغرها لكنه رآها في عيناها وهي تنظر له مطولًا وتقول بدلال:
_لا مش دي الحقيقة.. دي أوهام في دماغك
قهقه بخفة وحدقها بإعجاب لتدللها عليه ثم مال بوجهه عليها وهمس غامزًا:
_ دي احلى أوهام في حياتي بتمنى أعيش فيها طول عمري
ارتبكت خجلًا منه وقالت وهي تنوي الابتعاد من أمامه والرحيل:
_ امشي يا أمير أنا ورايا شغل ومش عايزة اتأخر
قبض على رسغها برفق يوفقها هاتفًا في ود:
_طيب ممكن تقبلي اعزمك على الفطار الأول ونفطر مع بعض في مكان هادي كدا وبعدين نروح الشغل مع بعض
طالعته لثواني تفكر وقبل أن تجيب وجدته يدس يده في جيب بنطاله ويخرج منه علبة مجهورات زرقاء مستطيلة ويفتحها فيلمع في عيناها عقد فضي بنقوش مميزة ابهرتها ثم رفعت نظرها له وسألته:
_إيه ده ؟!
تمتم أمير بنظرة مغرمة وهو يتابع إعجابها بالعقد ويسألها:
_عجبك ؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي تعود وتتمعن في العقد تهمس " جميل " فابتسم هو باتساع وسعادة ثم أخرجه من العلبة ومد يديه بالعقد حول عنقها يلبسها إياه هامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_عليكي هيبقى أجمل كمان ياجميلة الجميلات
تحسسته مريم حول رقبتها وفوق صدرها ثم تطلعت لأمير بحب لأول مرة وهمست في رقة:
_شكرًا يا أمير
أجاب بعبث ومرح:
_الشكر بنسبالي أنك توافقي هلى طلبي ونفطر مع بعض النهاردة
اماءت له بالموافقة وقالت في ابتسامة خجلة تمنحه رضاها:
_اوكي موافقة
تهللت اساريره وبلحظة استدار وفتح لها باب المقعد المجاور له يحثها على الصعود ففعلت على استحياء ثم اغلق الباب بعد استقلالها بالسيارة واسرع يلتف حول السيارة ليستقل هو أيضًا بمقعده المخصص للقيادة وينطلق بالسيارة يشق الطرق قاصدًا احدى الكافيهات الراقية والهادئة.....
***
عودة لمنزل عوني الطوخي....
لم تعد فيروز تكترث بكاميليا أو غيرها بل أصبحت تتعمد الظهور أمامها لإثارة جنونها أكثر، وكانت تقف بالمطبخ تقوم بتحضير من العصير النفضل لديها وسك نظرات أمينة الجالسة على المقعد حول طاولة الطعام الصغيرة التي بالمطبخ بعدما رفضت فيروز أن تجعلها تساعدها في تحضير العصير.
دخلت كاميليا بتلك اللحظة المطبخ ورأت فيروز تقف مولية ظهرها للباب وتقطع فاكهة التفاح لتحضر العصير وأمينة جالسة على المقعد وتحدق بكاميليا وهي تهز كتفيها لأعلى بحيرة، لتبتسم كاميليا بخبث وتقول باستهزاء متعمدة التقليل منها:
_ ده أخرك فعلا خدامة في المطبخ مش هانم زي ما مفهمك سليم
توقفت يد فيروز عن التقطيع بعد سماعها لعبارة كاميليا ولوت فمها بسخرية ثم عادت تكمل تقطيع غير مبالية بها، أما كاميليا فاقتربت منها ووقفت بجوارها هاتفة في نظرة وضيعة:
_لما يطلقك ابني هبقى افكر ممكن اشغلك عندي خدامة
حاولت فيروز تجاهل استفزاز كاميليا المتعمد وتصرفت كأنها لا تسمعها ولا تكترث لأمرها لكن ما قالته كاميليا بعد ذلك افقدها صوابها حيث قالت بابتسامة خبيثة:
_ولا أنتي حابة ترجعي لأحضان الرجالة اللي كنتي فيها قبل ما تتجوزي ابني
كانت فيروز تدرك جيدًا لعبة كاميليا وأنها تحاول استفزازها لتفقدها أعصابها ومن ثم تشتكي لسليم أنها حاولت التعدي عليها، لكن ما قالته بالأخير لم تتمكن فيروز من التزام الصمت أكثر وتجاهله فالقت السكينة من يدها والتفتت لكاميليا تحدقها شزرًا وتهتف في نظرة استحقار:
_أنتي عارفة يا كاميليا هانم أنا بشفق عليكي لأنك في النهاية حتى لو نجحتي وخرجتيني من حياة سليم فوقتها هتكوني خسرتي ابنك.. وأنا الصراحة سليم صعبان عليا أنه عنده أم أنانية مش بتفكر فيه وكل اللي يهمها مصالحها وسمعتها وشكل عيلتهم قدام الناس.. مش هو عايز إيه ولا حابب إيه!
التهبت نظرات كاميليا غيظًا من كلمات فيروز ودون وعي منها رفعت كفها في الهواء تنوي صفعها على وجهها لكن يدها لم تنزل من الهواء حيث فيروز امسكت بكفها وعلقته في الهواء قبل أن تصفعها وحدقتها بنارية متمتمة في وعيد حقيقي هذه المرة:
_أنا حاولت بكل الطرق أني اتجنب المشاكل وابعد عنك طالما أنتي مش حباني بس واضح أنك عايزة حرب بجد بينا.. وأنا مرحبة جدًا بالفكرة دي بس أحب ابشرك أنك خسرانة من قبل ما تبدأي حتى يا كاميليا هانم
ثم افلتت يد كاميليا وابتسمت لها باستفزاز قبل أن توليها ظهرها وتندفع لخارج المنزل وقد اختفت بسمة ثغرها وتبدلت لأخرى ملتهبة بنيران الوعيد، وقد توعدت لأخذ حقها من كاميليا وعوني وأن كان سليم هو أكثر شيء سيحرق قلوبهم ويصيبهم بالجنون.. فلهم ما يريدون بكل حب ومن تلك اللحظة لن تكون فيروز اللقطية ابنة تلك العائلة البسيطة بل ستكون زوجة سليم الطوخي كما يجب أن تكون....
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا في معاد عودة سليم من العمل، صعد كعادته أولًا إلى غرفته ليبدل ملابسه ويستحم قبل أن يتناول وجبة العشاء.
طرق باب غرفته اولًا قبل أن يدخل ليجد فيروز جالسة على الأريكة مرتدية بنطال كلاسيكي أسود راقي ويعلوه قميص أبيض بفتحة صغيرة عند الصدر لكن لا تظهر داخلها وترفع شعرها لأعلى ذيل حصان تاركة العنان لبعض خصلاتها من الأمام تنساب بحرية على عيناها من الجانبين، بدت في مظهر مثير للإعجاب وكأنها ليست فيروز الناعمة حتى في اختيارها لنوعية وشكل ملابسها.. بل امرأة أخرى متفجرة الأنوثة والثقة، القى عليها التحية واخفي بصعوبة نظرات الإعجاب التي لمعت في عينيه حيث اندفع إلى خزانته كعادة كل ليلة يخرج ملابسه ثم يتجه للحمام، وبعد دقائق طويلة نسبيًا خرج وهو يجفف شعره بالمنشفة التي في يده.. ليجد فيروز كما هي على حالها وتتطلعه بصمت لكن عيناها تخبره أن هناك ما هو عالق في حلقها فسألها بجدية:
_عايزة تقولي إيه يافيروز.. قولي !!
استقامت واقفة واقتربت منه لتقف أمامه مباشرة هاتفة في ثبات وقوة:
_سليم احنا اتجوزنا صحيح بس جوازنا ناقص ولازم يكتمل
رفع حاجبه متعجبًا من جملتها وهيئتها الصلبة في الوقوف أمامه وهي تتحدث معه بكل ذلك الشموخ، ولا إراديًا لم يتمكن من أخد عبارتها بجدية كافية حيث أنارت اضاءة واحدة في عقله وكانت في غاية الوقاحة للأسف ثم سألها مبتسمًا بخبث:
_وهيكتمل ازاي بقى؟!!
لم تبالي ولم تنتبه لما فهمه من عبارتها فكل ما كان يشغل تفكيرها الآن هو النجاح في مخططها وأخذ حقها من كاميليا على كم الإهانات التي ابتلعتها إلى اليوم منها، فأجابت على سليم بنظرة ثاقبة:
_بالاشهار !