رواية لأنك أنت الفصل السابع عشر17 بقلم ندي محمود توفيق

رواية لأنك أنت بقلم ندي محمود توفيق
رواية لأنك أنت الفصل السابع عشر17 بقلم ندي محمود توفيق
  جملة كاميليا كانت بمثابة الفتيل الذي اشعل النيران في القنبلة الموقوتة الجالسة أمامهم، حيث كان يستمع لتلك الإهانات المهينة الموجهة لزوجته الجالسة بجانبه وهو يخفظ نظره إلى الأسفل متعمدًا تفادي النظر في وجه والديه حتى لا يخرج عن قناع الثبات المزيف الذي يرتديه، لكن آخر ما تفوهت به أمه افقده صوابه وشعر بغليان الدماء في عروقه فتبدلت نظراته من الغضب إلى طوفان عاتي سيدمر كل من يقف في طريقه.
رفع كفه بحركة مباغتة ونزل به بقوته على سطح الطاولة جعل الطاولة تهتز وانتفضت كاميليا فزعًا من ردة فعله ثم وجدته يصيح بغضب غير عابئًا بأى أحد:
_مــامــا مش عايز اسمع ولا كلمة زيادة.. واضح انكم ناسين وجودي أو فاكرين ومعتبريني مليش لزمة وهسمع اللي بتقولوه واسكت
ردت كاميليا بتعجرف واصرار على الاستكمال فيما بدأته:
_دي الحقيقة اللى أنت تقبلتها يبقى ملكش الحق تزعل لما تسمعها من حد
 استقام بهياج وصرخ بصوت جعل حتى فيروز الجالسة ترتعد.. وبعدما كانت تنوي الرد على كاميليا والدفاع عن نفسها اسكتتها الحالة التي رأت سليم عليها وخافت أن يصبها من جموحه نصيب:
_الحقيقة أنا وحدي اعرفها ومش مجبر اوضحها ليكم، طالما أنتوا مش محترمين وجودي وبتطعنوا في شرف مراتي قدامي، اللي شرفها من شرفي
همت كاميليا أن تجيب على ابنها بانفعال بعد صراخه عليهم لكن أمير وضع كفه على قدم أمه من أسفل الطاولة ليمعنها من استكمال وصلة استفزازها التي قد تخرج سليم عن طوره وتجعله يتحول لوحش كاسر وحدقها بحزم هامسًا:
_ماما كفاية سليم عنده حق اللي بتعمليه غلط أنتي وبابا
 تابع سليم وهو يعيد ضرب الطاولة بكفه في عنف أشد يلقي على الجميع تحذيراته:
_مش متقبلين زواجي دي حاجة ترجعلكم لكن غصب عنكم مجبرين تحترموا قراري، مراتي أنا واثق في شرفها وأخلاقها كويس أوي.. واللي حصل ده دلوقتي أول وآخر مرة وإلا اقسم بالله كل اللي في البيت هيشوف وشي التاني 
وثب عوني واقفًا وهو يجيب صائحًا بغضب على ابنه ضاربًا بكفه فوق الطاولة بدوره:
_أنت هتهددنا ياسليم ولا إيه، شكلك نسيت أنك بتكلم أبوك وأمك.. بتزعق وتعلي صوتك وتهدد ومش هامك حد ولا محترم وجودي 
تطلع سليم في وجه أبيه بنظرة مشتعلة ومتحدية وهتف في صوت محتقن من فرط الغيظ:
_وهو أنت كنت احترمت وجودي ياعوني بيه عشان أنا احترم وجودك
صرخ به عوني ثائرًا بعدما نجح سليم في إثارة جنونه واغضبه بشدة:
_ســـلـــيم.. مهما كان اللي حصل بينا أنا أبوك وإياك تتكلم معايا بالأسلوب ده، بعدين أنا مكنتش موافق على جوازتك دي وأنت حطيتنا كلنا قدام الأمر الواقع.. يعني قرارك اللي عايزنا نحترمه غصب هو غلط في غلط
 ارتخت عضلات وجه سليم المتشنجة وتقدم بخطوة نحو أبيه ثم نظر في وجه بقوة وخزي هاتفًا بصوت منخفض لم يسمعه سواهم:
_أنا اخطائي متجيش حاجة قصاد اخطائك يابابا.. اللي بتأذي كل اللي حواليك مش أنت بس.. أعتقد أنت فاهم قصدي
 فهم عوني ما يرمي إليه ابنه بكلماته المتوارية فلوى فمه واشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يزفر بحنق شديد، استقام أمير واقفًا واقترب من أبيه وشقيقه يحول بينهم ويهتف محدثًا سليم بحكمة:
_يلا يا سليم خلاص كفاية.. يلا عشان نروح الشركة وراك اجتماع مهم وبابا هيحصلنا 
رفع سليم كفه لوجهه يمسح عليه وهو يطلق زفيرًا ناريًا محاولًا استعادة هدوئه، ثم استدار بجسده تجاه فيروز التي التقت عيناه بعيناها اللامعة بدموعها اقترب منها وهمس بحزم يأمرها:
_اطلعي فوق على الأوضة
انتقلت بنظرها بين كل من عوني وكاميليا في  استياء ثم امتثلت لأوامر سليم واستدرات تقود خطواتها عائدة إلى غرفتها، واندفع هو بعدها مغادرًا المنزل ولحق به أمير، أما كاميليا فقد وثبت واقفة وهي تستشيط غيظًا وعيناها ممتلئة بالدموع الحارقة من معاملة ابنها القاسية لها، اتجهت هي أيضًا إلى غرفتها واصبحت الطاولة فارغة لا يجلس حولها سوى عوني الذي كان يحدق في الفراغ بنارية من فرط استيائه...
                                    ***
داخل مقر شركة الطوخي تحديدًا بمكتب شاهين....
 بينما كان منهمك بعمله يقوم بتدقيق بعض الأوراق الخاص بالعمل أمامه اقتحمت مروة عليه الغرفة دون أذن ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها ثائرة، فرفع شاهين رأسه باتجاهها مندهشًا ثم خرج صوته حادًا يهتف:
_إيه الدخلة دي مش تخبطي الأول 
ردت مروة باغتياظ وعناد:
_اخبط ليه وأنا داخلة مكتب جوزي
هب شاهين واقفًا بانفعال واندفع نحوها هائجًا وقبص على ذراعها بقسوة هاتفًا:
_وطي صوتك وانسى خالص جوزي دي هنا فاهمة ولا لا.. جوزك ده في البيت اللي هو خلاص حتى ده انسيه بعد اللي عملتيه أنا اصلا مش طايق ابص في خلقتك
ابتسمت مروة ساخرة وقالت في عين تنضج بالحقد:
_كل ده عشان قولت لابنك.. هو سيادتك فاكر نفسك هتخبي لغاية امتى عليهم.. بعدين أنا عديت ضربك ليا يومها وجيتلك وأنت بتقولي مش طايق وشي 
 قبض شاهين على فكيها بعنف وتطلع في عيناها بنظرة مميتة وهتف يهددها وهو يعي تمامًا كل كلمة يتفوه بها:
_وهعمل اكتر يا مروة لو بقك ده اتفتح تاني وفكرتي تقولي لداليا حاجة
دفعت كفه عن وجهها وهي تتكلعه بغل وشماتة هاتفة في نظرة قد تجردت تمامًا من أي مشاعر حب كانت تكنها له:
_متقلقش أنا مش هتكلم بس بنت الطوخي مش هبلة.. وأنت غلطت اكبر غلطة في حياتك أنك وافقت ترجعها الشغل يعني هي وحدها هتعرف كل حاجة.. اللعبة هتبقى احلى بنسبالي لما تعرف وحدها وتكتشف خيانتك من غير ما افتح بقى
 صر شاهين على أسنانه مغتاظًا ثم همس وهو يأمرها بنبرة محذرة:
_اطلعي برا يامروة
حدقته بعين ملتهبة من فرط الضغينة التي تكنها في صدرها لداليا.. أنها حتى بعدما نجحت في الزواج من الرجل الذي تحبه، نجحت للمرة الثانية في تفرقتها عنه ومجددًا يختارها هي ويتركها، لكنها اقسمت بكل شعور سيء راودها وكل ليلة لم يزرها النوم فيها أنها ستنتقم من ابنة الطوخي، حنى لو لن تتمكن من استعادة شاهين ثانية ولكنها ستتلذذ بتدمير حياة داليا....
                                   ***
على الجانب الآخر داخل مكتب سليم....
 كان يشاركه جلسته أمير الذي أصر على معرفة كافة التفاصيل الذي اخفاها سليم عنه طوال فترة غيابه وحقيقة زواجه من فيروز وسبب تصاعد المشاكل بينه هو وأبيه، فسرد له سليم التفاصيل كاملة نهاية باستغلال عوني للوضع وضغطه عليه نفسيًا وعاطفيًا حتى يعود للعمل مجددًا، ومعرفته بحقيقة ابنة صبحي أنها فيروز وأن تلك الحقيقة كانت أحد أهم الأسباب التي دفعته للزواج منها.
 كان أمير يستمع لما يسرده أخيه وعقله لا يستوعب حقيقة أبيه البشعة التي دفعته لاستغلال فتاة عزلاء ضعيفة وأخيها الصغير الذي لا يملك أي قوة تمكنه من الدفاع عنه نفسه.. فقط لتحقيق مصالحه والضغط على سليم وإجباره على الخنوع له وتنفيذ رغباته.
رفع أمير أنامله يحك مؤخرة رأسه بحيرة ثم قال في وجه عابس يسأل أخيه:
_طيب أنا متفهم أن صبحي غالي عندك وأنك اتجوزتها عشان تحميها وتنفيذا لوصية ابوها اللي هي متعرفش أنه ابوها أصلا، بس مفكرتش الجواز ده هيستمر لامتى؟! 
 مال سليم للخلف يستند بظهره على ظهر الأريكة ويبسط ذراعه على  طول رأس الاريكة من الأعلى مجيبًا على أخيه وهو يزم شفتيه:
_أكيد محطيتش وقت محدد.. بس على الأقل لغاية ما اخلص المشروع وقتها هلاقي حل وأمن ليها هي وأخوها حياتهم واطلقها
 ضحك أمير ساخرًا من أخيه وقال في محاولة للفت انتباهه لمعلومة مهمة يبدو أنه غاب عنها:
_مشروع إيه ياسليم.. المشروع ده ضخم جدًا ومش عايز أقل من سنة أو اتنين حتى عشان يخلص، هتفضل مستحمل العيشة دي مع واحدة مش بتحبها كل ده عشان بس ضميرك مش سامحلك تسيبها وحدها، ولو انت استحملت فكرك هي هتستحمل تعيش معاك ومع ماما في بيت واحد كل ده، صدقني الحياة اللي أنتوا جبرتوا نفسكم عليها دي مستحيلة ومتتعاشش
التفت سليم برأسه تجاه أخيه وقد بدأت بشائر الضيق تعلو صفحة وجهه بعد كلمات أمير فهتف بحدة ولهجة رجولية مهيبة:
_أمير.. أنا محكيتلكش التفاصيل دي عشان تقول أنا غلط أو صح، أنت عارف أنا لما باخد قرار مبحبش حد يجادلني فيه، وأنا فكرت في كل اللي في بالك وكل اللي قولته وحسبته كويس أكيد مش هيغيب عني كل ده.. أهم حاجة الكلام اللي قولته ليك ده ميطلعش لمخلوق فاهم 
 تنهد أمير بقلة حيلة وأجاب باقتضاب وقلقًا:
_فاهم طبعًا.. ده أنت ربنا يعينك على المانخوليا اللي هتعيش فيها الأيام الجاية بسبب كاميليا هانم ومراتك
ابتسم سليم لا إراديًا على كلمته الغير مألوفة التي تفوه بها لكن سرعان ما تلاشت ابتسامته مجددًا وتبدلت تعابيره للقسوة المرعبة يسأل:
_مروان مشغول ليه يومين مع مراته الحامل مش عارف اتلم عليه كويس.. قولي أنت عملت إيه مع الـ **** ده ويارا 
أخذ أمير نفسًا عميقًا وأجاب بغلظة لكن بنبرة تحمل التردد وهو يحاول ردع أخيه عن أفكاره الشيطانية التي عزم على تنفيذها:
_هيعمل اللي عايزينه بكرا وهتكون كل حاجة في ايدك بكرا.. بس أنا الصراحة حاسس أن بلاش ياسليم خد حقك بأي طريقة تاني بلاش دي أنت كدا هتفتح على نفسك طاقة جهنم من علاء النجار 
 لاح شبح نظرته المتوعدة وازدادت قتامة عيناه وهو يجيب بصوت خرج هادئًا لكنه يحمل من الوعيد والمشاعر المتعطشة للثأر ما يكفي لبث الرغب في قلب أمير نفسه:
_هو اللي فتح على نفسه الطاقة دي لما فكر يضحك عليا بس عشان مصالحه الشخصية، أما بنت الـ**** اللي كانت عايزة تبقى مراتي وهي **** لازم تعرف أنها لعبت مع الشخص الغلط هي وأبوها
التفت برأسه تجاه أخيه وقال ساخرًا في كلمات جريئة وقحة غير عابئًا بأي شيء:
_كانت ناوية تتجوزني وهي كدا.. فكراني عبيط وبريالة ولا إيه مش هعرف حقيقتها الو**** يوم الفرح، ولا يمكن كانت ناوية كمان تقرطسني زي الـ**** وتعمل عمليات وتداري على **** مع الرجالة
 مال أمير بوجهه للجانب وهو يضحك بصمت ثم هز رأسه مشجعًا لرغبة أخيه بعد تلك الكلمات التي تفوه بها وقال باستهزاء يشارك أخيه في وقاحته :
_ لا ده أنت حقك تعمل اللي عايزه طالما كان ممكن يبقى فيها عمليات
حدقه سليم بطرف عينه في نظرة تبتسم بخبث ثم عاد لجديته يقول بوعيد:
_واحدة واحدة نبدأ بـ يارا هانم الأول بعدها ندخل على علاء النجار.. أنا هخليهم يعرفوا مين سليم الطوخي على حق
 تنفس أمير الصعداء براحة مبتسمًا بمكر وشماتة ثم انحنى بجزعه للأمام يتلقط كأس الماء من فوق الطاولة المستديرة التي أمامهم ويرتشفه كله دفعة واحدة، بينما سليم فبقى على وضيعته وهو يعقد قدم فوق الأخرى بكل وقار ويبسط ذراعه اليسار على رأس الأريكة ويحدق في الفراغ أمامه بعين تلمع بوميض الشر المرعب.....
                                     ***
 بتمام الساعة العاشرة مساءًا داخل منزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة سليم، كانت فيروز تقف بشرفة الغرفة تتأمل في فراغ حديقة المنزل والشارع خارج حدود المنزل، لا يصك سمعها سوى صوت تضارب نسمات الهواء الباردة بأغصاب الأشجار فتتمايل الأغصاب يمينًا ويسارًا بضغف وبعض من أوراقها يطير في الهواء معلنًا انفاصاله عن أغصانه فاقدًا للحياة.
 تأملت بتلك الشجرة لدقائق وشبهتها بنفسها.. فـ رغم كل عواصف الحياة الباردة والقاسية وأغصانها الوهنة التي تتلقفها العواصف بكل جانب كما تريد إلا أنها مازالت جذورها صامدة بالأرض لم تتزعزع رافضة الاستسلام والسقوط أمام تحديات الزمن وقسوته، مصرة على المقاومة والوقوف بصلابة تتابع حياتها رغم كل أن شيء يدعوها للانهيار.
فاقت من شرودها على صوت محرك سيارة سليم وهو يدخل من بوابة المنزل وتصتف سيارته بمكانها المخصص داخل الحديقة، ثم فتح مقعده ونزل وقاد خطواته للداخل بكل هيبة وثبات، فتذكرت صباح اليوم ودفاعه الرجولي عنها أمام عائلته كلها، ردة فعله ادهشتها فاسكتتها ولم تمنحها الفرصة لفتح فمها بعدما وجدته يتولى مهمة لسانها بدلًا عنها ويجيب على والديه بأكثر مما توقعته منه، وبلحظة لامت نفسها وعاتبتها أنها شبهته بذلك الوغد المدعو " حازم " .. فسليم لا يمكن أن يحمل ذرة واحدة حتى من صفاته الخسيسة.
وصل سليم لغرفته وفتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه بهدوء وتقدم لداخل الغرفة حتى وقف بمنتصفها وهو يتطلع إلى فيروز الواقفة بالشرفة وتلف حول كتفيها شالًا ليدفئها من برد الشتاء، فتقدم نحو خزانته وقال بصوت عالي نسبيًا حتى يصل لمسامعها وقد بدأ في نزع سترته عنه:
_الجو برد إيه اللي موقفك برا كدا !! 
انتبهت لصوته فاستدارت فورًا بجسدها باتجاه الداخل ثم دخلت للغرفة واغلقت باب الشرفة وازاحت ذلك الشال القطيفة والقته على المقعد، وكانت ترتدي أسفله بنطال قطني رمادي فضفاض يعلوة كنزة صفراء ضيقة بنصف أكمام وفتحة مثلثية تظهر عنقها وبداية ترقوتها.. تاركة العنان لشعرها الناعم ينساب بحرية على كتفيها وظهرها.. فقد كان شعرها الغزير يمنحها سحرًا خاصة من الجمال والجذابية خاصة وهو ينسدل بشكل منحني على جانبي وجهيها.
راقبته لثواني وهي تراه يخرج من خزانته ملابس النوم فتنهدت بارتباك بسيط وقالت وهي تدخل في عنق الموضوع مباشرة دون التفرغ لتلميحات:
_شكرًا على اللي عملته الصبح وأنك دافعت عني 
أجابها بجمود مشاعر دون أن يستدير بوجهه لها:
_اللي عملته مش محتاج شكر يافيروز.. ده اللي لازم يحصل لما اسمع الكلام ده في وجودي
لوت فمها بامتعاض من ردوده المتجمدة، وللحظة ندمت أنها شكرته ونعتته بينها وبين نفسها بـ " متعجرف " ، آثرت الصمت بعد رده ولم تعقب بل وقالت " الخطأ على من يقدرك " ، أما هو فاتجه إلى الحمام وهو يحمل ملابسه بين يديه ينوي الاستحمام وتبديل ملابسه داخل الحمام، فجلست هي على المقعد بسكون لكن فجأة صدح صوت رنين هاتفه، تجاهلته بالمرة الأولى لكن عند اصرار المتصل للمرة الثانية جذب فضولها فاستقامت واقفة وهي تلتفت باتجاه الحمام تنظر بتوجس خشية من أن يخرج ويراها وهي تعبث بهاتفه، التقطت الهاتف ونظرت في شاشته فرأت المتصل بعنوان " يارا " لم تكترث للاسم واعادت الهاتف مكانه بعد توقف الرنين وقبل أن تستدير وتعود لمقعدها اوقفها صوت يعلن عن وصول رسالة للتو، فالتفتت برأسها للهاتف تحدقه بتردد وفضولها يدعوها لقراءة الرسالة لكنها نهرت نفسها هامسة:
_وأنتي مالك يافيروز بتلفونه
همت بأن تكمل طريقها وتبتعد لكن كان صوت عقلها الفضولي اقوى واشرس من أي صوت آخر فاسكته وجعلها تستدير باتجاه الهاتف تلتقطه وترى محتوى الرسالة من الخارج الني كانت مرسلة من " يارا " ومحتواها كالآتي " هتفضل لغاية امتى يا حبيبي مش بترد عليا كدا أنا قلقانة عليك وعايزة اطمن عليك حتى أنت وحشتني أوي ياسليم " لم تلبث لتندهش بالرسالة وتتساءل عن هوية تلك الفتاة أو علاقته بها حيث انتفضت فزعًا على أثر صوته الغليظ وهو يسألها من الخلف:
_بتعملي إيه ؟!!
اعادت هاتفه لمكانه فورًا بتوتر شديد ثم استدارت وتطلعت إليه فوجدته مرتديًا بيجامة بيضاء قطنية واسعة وبيده المنشفة يعبث بها بشعر المبتل وينشف المياه منه وقطرات المياة تتساقط على وجهه وعنقه وتيشرته.
 تلعثمت وردت بخفوت مبررة فعلتها:
_ولا حاجة تلفونك كان بيرن كتير وأنا كنت عايزة اوطي صوته واعمله صامت لغاية ما تخرج
 لوى ثغره بابتسامة لئيمة وسألها بعبث وهو يتحرك باتجاهها:
_امممم ومين اللي كان بيرن؟ 
أجابته بحزم وضيق من تلمحيه الصريح أنها تعدت على خصوصيته عندما وجدته وقف بجانبها مباشرة وانحنى يلتقط هاتفه يتفحص الاتصال الوارد من من فوجدها يارا.. اخفي تعبيرات وجهه المحتقنة من مجرد رؤيته لاسمها عندما سمع رد فيروز الطفولي:
_وأنا مالي مين رن عليك أكيد مش هبص يعني أنا وطيت صوت التلفون بس
  رمقها بطرف عينيه في ابتسامة ماكرة وهمس:
_طيب ومتوترة وخايفة كدا ليه.. حتى لو بصيتي عادي!!
هل ذلك الرجل يعاني من انفصام بالشخصية أم ماذا!!.. هكذا تساءلت داخلها وهي تراه يجيبها بروح ودودة على عكس رده المستفز قبل قليل عندما شكرته، فاستاءت أكثر وقالت في حدة :
_لا مش عادي لأن كل واحد ليه خصوصيته ومحدش فينا يحق له التعدي على خصوصية التاني 
 لم يتمكن من حجب ضحكته على عبثيتها وظنها بذكائه أنه لن يدرك أنها رأت اسم المتصل وقرأت رسالة يارا، فرد عليها بعبث غامزًا:
_بس أنت تعديتي.. كدا ليا عندك واحدة عشان نبقى متعادلين
 ضيقت عيناها وهي تحدقه بحيرة من أمره فقالت ساخرة منه وهي تندفع من أمامه متجهة للحمام:
_أنت انسان غريب جدًا 
 غابت داخل الحمام لدقائق ثم خرجت فوجدته تمدد على الأرض بحانب الفراش بعدما فرش غطائه أسفله واستخدم غطاء آخر يضعه فوق جسده ليدفء جسده من برد الشتاء، فحمدت ربها أنه لم يحاول مشاركتها الفراش وتصرف من تلقاء نفسه ولازم الأرض، فدخلت هي أسفل الغطاء في الفراش وتمددت على ظهرها تتمعن في السقف بتفكير وبعد دقائق من التفكير التفتت برأسها تنظر له في الأسفل فوجدته قد غط في نوم عميق فتنهدت مطولًا ثم اغلقت عيناها هي أيضًا مستسلمة لسلطان نومها....
                                  ***
 بصباح اليوم التالي داخل شركة الطوخي تحديدًا بمكتب داليا كانت منهمكة في ملفات العمل التي سلمها لها والدها وطلب منها أنهائها اليوم واعادته له.. عندما دخل شاهين وفتح الباب ببطء والقى نظرة عليها فوجدها دافنة رأسها بالأوراق التي أمامها.. تقدم للداخل ودخل بجسده كاملًا ثم اغلق الباب خلفه واقترب من الأريكة المقابلة لمكتبها وجلس عليها ثم سألها بود:
_مش محتاجة مساعدة؟ 
ردت عليه بوجه جامد خالي من التعابير دون أن ترفع نظرها عن الأوراق التي أمامها :
_لا شكرًا 
اطلق زفيرًا حارًا واعاده بتنهيدة طويلة تعبر عن انزعاجه من معاملتها الجافة له منذ أمس، مال بجزعه للأمام متكأ بساعديه على فخذيه ويهتف متسائلًا:
_طيب إيه هنفضل بنعامل بعض كدا لغاية امتى؟!
 توقفت اناملها الممسكة بالقلم عن الحركة فوق الأوراق لثواني ثم رفعت رأسها وتطلعت في وجهه بتبلد مجيبة:
_مالها معاملتي!!
استقام شاهين واقفًا وجذب مقعدًا من أمام المكتب واقترب منه ووضعه بجوار مقعده وجلس في مقابلتها مباشرة وتطلع في وجهها بغيظ وقال متذمرًا:
_داليا متصعبيش الوضع بينا اكتر.. متخليش الأمور تتعقد بزيادة بدل ما نحلها ونهديها 
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وراحت تدفنه في الأوراق مجددًا مجيبة في صوت متصنع البرود وعدم المبالاة:
_أنت اللي صعبت الأمور مش أنا
 مد ذراعيه وامسك بأقدام مقعدها من الجانبين واداره بها باتجاهه فاصبحت جالسة في مواجهته مثله وتتطلع في عينيه بقوة بعدما اطلقت شهقة مفزوعة على أثر فعلته المفاجئة.. بينما هو فهمس بعينان راغبة ومحبة:
_طيب وأنا بقولك أهو حقك عليا متزعليش مني على اللي قولته كانت زلة لسان والشيطان راكب دماغي ومكنتش داري باللي بقوله، أنا بحبك والله ياداليا ومهما حصل وهيحصل بينا مقدرش على بعدك أنتي وولادي 
ارتخت عضلات وجهها المتشنجة والمتأهبة للشجار معه بعد كلماته الدافئة لكنها مازالت محافظة على تعابير الامتعاض وأجابته بغضب:
_مكنش زلة لسان يا شاهين أنت قولت الكلام اللي كاتمه جواك من سنين والحقيقي
تنهد شاهين بضيق وقال مبررًا السخافة التي تفوه بها:
_أنا فعلًا كنت مضايق منك ومن تصرفاتك ومعاملتك بس اليومين اللي فاتوا عشان كنت مضايق زيادة حبتين فمبقتش عارف أنا بقول إيه وزودتها في الكلام لكن الوضع مش للدرجة
ابتسمت ساخرة ومالت برأسها للجانب وهي تهز رأسها بعدم رضا متمتمة:
_أنت واضح فعلًا أنك مكنتش داري باللي بتقوله لأنك لو داري أنت قولت إيه كويس مكنتش هتيجي تقولي الكلام ده ببساطة ومنتظر مني انسى اللي قولته واسامحك
 تنهد شاهين بقلة حيلة وقال محاولًا إرضائها بحب:
_طيب قوليلي أنتي إيه اللي يرضيكي اعمله يخليكي ترجعي زي ما كنتي وتسامحيني على اللي قولته
 حاولت الابتعاد عنه والالتفات بمقعدها لوضعه الطبيعي وهي تجيب بعبوس:
_ممكن ترجع مكتبك ياشاهين أنا معايا شغل كتير لازم اخلصه 
احكم قبضته حول مقعدها بيد واحدة واليد الأخرى لفها حول خصرها يحجب حركتها.. رمقته بعين متسعة بامتعاض بسيط من فعلته، ولم تلبث لتجيب عليه حتى انفتح الباب فجأة دون اذن ودخلت مروة فتصلبت بأرضها عندما رأت شاهين بهذا القدر من القرب من داليا تكاد تكون بين احضانه، أما داليا فانتفضت بإحراج ممتزج بالاستياء الشديد أثر دخولها المفاجئ دون أن تأذن لها وابتعدت عن زوجها وراحت دااليا تهتف بحدة:
_إيه يامروة هو مش في باب ولا إيه ازاي تدخلي المكتب عندي من غير ما تخبطي
التقت عيني مروة الملتهبة بنيران الغيرة بشاهين الذي كان يرمقها بغيظ على ما فعلته، اعادت نظرها إلى مروة وأجابت ببرود مستفز:
_آسفة يا مدام داليا بس كنت عند عوني بيه وطلب مني اسلمك الملفات دي ضروري
اشارت داليا بعيناها على سطح المكتب تجيبها بحزم:
_طيب حطيهم هنا واتفضلي شكرًا
 تقدمت على مضض من مكتب داليا ووضعت الملفات فوق سطح المكتب ثم رفعت رأسها إلى شاهين وهتفت بجراءة:
_شاهين بيه ممكن لحظة برا بس عايزة اتكلم معاك في أمر خاص
رفعت داليا حاجبيها مستنكرة جملة مروة بينما شاهين فكانت نظراته نارية متوعدة لكنه تمالك نفسه واخفى انفعالاته وراح يجيبها بهدوء ينقذ الموقف:
_خير يا آنسة مروة موضوع إيه اللي خاص ده؟ 
التقت مروة عيناها الخبيثة بعين داليا التي ظهر الحنق بوضوح على صفحة وجهها لكنها تصرفت عكس ما تشعر والتفتت تجاه زوجها تهتف مبتسمة بلهجة ساخرة:
_اتفضل ياشاهين بيه مع الأنسة شوف الموضوع الخاص
 فهم شاهين حيلة مروة الماكرة وتعمدها في إثارة حنق وشكوك داليا حول زوجها وعلاقته بها، فلم يطاوعها في العابها الخبيثة وأجاب عليها بحدة ونظرة محذرة:
_طيب بعدين يا آنسة مروة انا دلوقتي مش فاضي
لم تبدي داليا عن مشاعرها لكنها اعجبت بردة فعل زوجها وتطلعت في وجه مروة منتظرة منها الانصراف وبالفعل استظارت واندفعت لحارج الغرفة لعدما هزت رأسها له بالموافقة في تقبل لرفضه.. لكن الحقيقة أنها كانت تشتعل حقدًا منه وعلى داليا.....
                                     *** 
 بمكان آخر داخل النادي كانت مريم بطريقها إلى غرفتها عندما اعترى طريقها أمير الذي وقف أمامها وقال بابتسامة عريضة مغازلًا إياها بحب:
_الجميل التقلان علينا وسايبنا دايبن فيه
 تسمرت بأرضها مفزوعة من اقتحامه المفاجئ لطريقها، لكن سرعان ما تبدلت تعابيرها للغضب عندما تذكرت محادتثها مع ريهام ورمقته بغيظ ثم تنحت من أمامه وهمت بأن تكمل طريفها متطاهلة إياه لكنه قبض على ذراعها يوقفها ويسأل بحيرة وجدية:
_مالك يامريم أنتي لسا زعلانة مني ولا إيه!! 
دفعت يده عن ذراعها بسخط وقالت في حدة:
_ملكش دعوة بيا خالص يا أمير.. عشان أنت واحد كذاب
غضن حاجبيه باندهاش من ثورانها عليه ونعتها له بـ " الكذاب "  فقبض على ذراعها مجددًا لكن هذه المرة كانت بقوة والقى نظرة حوله سريعة يتأكد من عدم مراقبة أحد لهم ثم قال بضيق:
_طيب تعالي نتكلم في مكتبي وفهميني إيه اللي حصل وليه بتقولي كدا
 حاولت التملص من قبضته وهتفت بعناد رافضة الانصياع له:
_مش هروح معاك مكان ومش عايزة اتكلم ابعد عني بقى يا أمير من فضلك
 لم يكترث لمحاولاتها في الفرار منه وجذبها خلفه عنوة باتجاه غرفته مغتاظًا وهي من خلفه تحاول إفلات ذراعها من قبضته لكن دون جدوى.. حتى وجدت نفسها داخل غرفة مكتبه واغلق هو الباب خلفهم وسألها باستياء بسيط:
_كدا أنا اقدر اسمعك وارد عليكي.. قوليلي بقى أنا كذبت عليكي في إيه!!
 غيرتها التي تأكلها منذ نقاشها مع صديقتها لا تستطيع السيطرة عليها، حتى أنها استنكرت شعورها الغريب وحاولت تجاهله وإنكار حقيقة أنها أصبحت تبادله العشق، لكن عندما وقفت أمامه الآن فقدت آخر ذرة تبقت لها من ثباتها وتصنعها البرود، فصاحت به بغيظ:
_أنت مش بتحبني وكله ده كان تمثيل وبتضحك عليا وفي نفس الوقت اللي بتحاول تثبلتي حبك ليا بتروح تظبط مع البنات وتلاغي فيهم
اتسعت عينيه بدهشة وعدم فهم لكن كلكاتها زادته سخطًا فقال بحدة:
_بنات مين دول وامتى شوفتيني بلاغي في بنت؟!!! 
أجابت مريم بشراسة وهي تحدق في عينيه بقوة:
_واللي عملته مع ريهام ده إيه.. أنت عجبك اللي كانت بتعمله وبقيت تكمل معاها وتلاغيها
 هتف بسرعة في صدق يصحح تصرفه وسوء الفهم:
_أنتي فاهمة الموضوع غلط خالص.. وصدقيني والله العظيم مشاعري تجاهك اصدق حاجة في حياتي وأنا بحبك بجد يامريم
اربكها اعترافه وهز شجاعتها وجرائتها في مواجهته بثبات فازدردت ريقها بارتباك ملحوظ لكن حافظت على حزمها وامتعاضها وهي تهتف بصوت هدأت حدته:
_لسانك بيقول حاجة وأفعالك بتقول حاجة تاني وأنا مليزمنيش الكلام ده 
 همت بأن تستدير لتغادر وتتركه لكنه اسرع وقبص على ذراعها يمنعها من الرحيل والتفت ليقف قبالتها هاتفًا باعتذار صادق:
_أنتي عندك حق مكنش ينفع اعمل كدا أنا آسف.. أنا كل ما في الأمر لما شكيت في تصرفاتها وأنها هي اللي بتلاغيني فكرت اجاريها عشان اتأكد من اللي شكوكي.. وده غباء طبعًا اوعدك آخر مرة مش هيتكرر تاني
سكنت للحظة بعد عباراته وهو يعتذر له ويكلب السماح منها، واستنكرت ما فعلته وتهورها الذي دفعها لإظهار غيرتها عليه وتعنيفها وتوبيخه له كأنها زوجته، قررت الرجوع خطوة والتريث في انفعالاتها حتى لا يتسع الأمر أكثر.. فشعور الخجل المستحوذ عليها الآن يكاد يفقدها وعيها.
أجابت ببرود غريب عكس ما كانت عليه للتو:
_براحتك يا أمير يتكرر ميتكررش ميفرقش معايا
ضيق عينيه بحيرة من أمرها ورغم أن الوضع لا يحتمل الضحك إلا أنه فشل في حجب ضحكته وراح يجيبها بفرحة غامرة وهو يغمز بخبث:
_ميفرقش معاكي ازاي.. عايزة تقنعيني أنك مش غيرانة عليا
فغرت مريم شفتيها وعيناها بصدمة من رده وبلحظة وجدت نفسها تجيب باستهزاء بأسلوب هجومي محاولة إخفاء توترها وحقيقة كلماته:
_مين.. أنا غيرانة عليك.. وده من إيه أن شاء الله أكيد لا طبعًا.. كل ما في الأمر أني اضايقت من فكرة أنك تكون بعد كل ده بتستغفلني
تمعنها أمير متلذذًا ومال عليها بوجهه متمتمًا في هيام ونظرة أذابتها:
_أنتي لا يمكن تتخيلي مدى سعادتي دلوقتي وأنا شايفك غيرانة عليا.. عنيكي فضحتك يا أميرتي.. ولو بصيتي في عيني كويس هتكتشفي من غير ما أقولك حبي ليكي واصل لإيه 
 تطلعت لثواني معدودة في عيناه وتأملته فشعرت باحتضانه لها بنظراته الدافئة والعاشقة، ونظرته الجريئة لعيناها جعلت قلبها ينبض في صظرها بعنف خجلًا وتوترًا، فانزوت نظره عنه بسرعة تتفادى النظر في عيناه التي تفقدها صوابها واجابت بصوت خافت مستحيًا:
_ابعد من قدامي يا أمير عايزة اطلع 
ظل كما هو واقفًا يحجب عنها الباب بجسده الرجولي وطوله الفارع ويتمعن في وجهها بنظراته العاشقة فرفعت نظرها متعجبة من تعمده عدم افساح الطريق لها وقالت بانزعاج بسيط:
_عديني بقى يا أمير الله !!
تنحى جانبًا وهو يضحك باستمتاع وراقبها وهي تفتح الباب و تندفع للخارج مسرعة تهرب منه ومن خجلها الشديد الذي افقدها صوابها....
                                     ***
عودة لمنزل عوني الطوخي....
انتهت فيروز من ارتداء ملابسها بعدما أخذت حمامها الصباحي الدافئ بعد خروج سليم للعمل، وقفت أمام المرآة تسرح شعرها وبعد دقائق معدودة انتهت وتركته ينساب بحرية على ظهرها واقتربت باتجاه الشرفة تنظر إلى أخيها الذي يلعب في حديقة المنزل فرفع نظره للأعلى بالصدفة وعندما رآها لوح لها بيده في سعادة وهتف صائحًا ليصل صوته لها:
_تعالي يافيروز انزلي العبي معايا زهقت وحدي
ابتسمت له بحب واماءت رأسها له بالموافقة وقبل أن تستدير وتدخل لتذهب له رأت كاميليا وهي متجهة نحوه ثائرة ثم قبضت على ذراعه بعنف وراحت تصرخ به بصوت وصل لآذان فيروز وسمعته جيدًا:
_اطلع فوق اترزع مع اختك ومشوفش وشك خالص يا واد احنا مش ناقصين صداع
اشتعلت نظرات فيروز غضبًا ودخلت بسرعة ثم هرولت مسرعة إلى خارج غرفتها ومنها إلى الدرج ثم غادرت المنزل بأكمله فرأت كاميليا وهي تجر أخيها خلفها بعنف إلى داخل المنزل وهو يصيح بها بعصبية:
_اوعى سيبي ايدي وخداني على فين.. يافيرووز 
اسرعت فيروز نحوه ودفعت يد كاميليا عن ذراع أخيها بشراسة ثم جذبت أخيها وضمته خلف ظهرها وهي تحاوطه بذراع وتقف بكل قوة تتطلع في وجه كاميليا بغضب وتهتف محذرة إياها بنظرة مخيفة:
_مشكلتك معايا أنا يا كاميليا هانم.. لكن لو فكرتي ترفعي ايدك على أخويا ولا تقربي منه هتشوفي مني ردود أفعال هتصدمك
ردت كاميليا بسخرية وغيظ:
_أه معلش ما أنا نسيت أنك تربية حواري وبيئة يعني يطلع منك أي حاجة 
ابتسمت فيروز على الإهانة وابتعلتها برضا تام وقالت في ثقة وعين تنصج بالوعيد:
_بظبط عشان أنا بقى تربية حواري ومش من مستواكي اتقي شري
قهقهت كاميليا بقوة في استهزاء من عبارة فيروز ثم تلاشت ابتسامتها تدريجيًا وحدقتها بخبث وشيطانية لتميل بوجهها عليها تهمس بكلمات متعمدة التفوه بهم:
_لتكوني مصدقة نفسك وأنك بقيتي مرات سليم فعلًا، ده متجوزك شفقة بس لكن لا بيحبك ولا عمره هيحبك.. أنا عارفة ابني لا يمكن يبص لواحدة زيك تلاقي بس أنتي مفهماه أنك شريفة وعرفتي تدخلي دماغه بحركات الـ***** اللي كنتي بتعمليها من الرجالة وعملتيها مع ابني وضحكتي عليه وخليتيه يتجوزك.. بس أنا هخليه يعرف حقيقتك الو*** ويطلقك
اصمت فيروز آذان أخيها بكفيها حتى لا يستمع لكلمات كاميليا البذيئة وهي تهينها، وقبل أن تجيب فيروز عليها هتفت تحدق أخيها :
_ادخل يا ياسين جوا واطلع على اوضتي استناني فوق ياحبيبي وأنا جاية وراك
هز رأسه لها بالموافقة ثم القى نظرة نارية على كاميليا قبل أن يستدير ويتجه للداخل تاركًا شقيقته في مواجهة تلك المرأة المتسلطة والمتعجرفة.
استشاطت فيروز غيظًا من كلمات كاميليا وغلت الدماء في عروقها لكنها حاولت الثبات والتحكم بأعصابها وبدلًا من التصادم معها في شجار لن يجدي نفعًا، قررت الرد بالطريقة الأنسب لإثارة جنونها حيث ابتسمت لها باستفزاز وقالت في دهاء أنثوي:
_أنا مش عارفة أنتي كرهاني ليه يا كاميليا هانم مع أنك مشوفتيش مني حاجة وحشة، بس عمومًا مسيرك تحبيني لما تكتشفي وتشوفي بعينك حبنا الحقيقي أنا وسليم.. وأنه ازاي لما يعرف حقيقتي اللي عايزاه يعرفها هيحبني اكتر 
حدقتها كاميليا حقدًا وهي تجز على أسنانها من داخل فمها بينما فيروز فاستدارت وقادت خطواتها للداخل وهي تتوعد للجميع بهذا المنزل، أن كانوا يريدون حربًا فلهم الحرب.. لن تكون الحمل الوديع بل ستصبح الصياد...
 قبل أن تصعد الدرج توقفت عندما رأت أمينة تقف من بعيد تتطلع إليها بترقب وفضول فالتفتت لها برأسها ووجهت لها كلماتها الحازمة التي كانت بمثابة أوامر:
_دادة أمينة بلغي الخدم اللي بيجيوا ينضفوا ينقلوا الأوضة عندى أي كنبة محدش بيستخدمها في البيت لغاية ما نطلب كنبة جديدة 
اماءت لها أمينة بالموافقة في انصياع ثم سألت بفضول شديد:
_ حاضر بس هو أنتي عايزة الكنبة في إيه ياست هانم.. ماشاء الله ده السرير بتاع سليم بيه مريح أوي واحسن من مليون كنبة 
 فهمت غيروز ما ترمي إليه تلك السيدة فاغتاظت بشدة وقالت في حدة ولهجة قوية تناسب وضعها بذلك المنزل وثبت مكانتها كزوجة لسليم الطوخي:
_وهي الكنبة ملهاش استخدمات تاني غير النوم ولا إيه ياحجة أمينة.. اعملي اللي قولتلك عليه من غير اسألة كتير ملهاش لزمة 
 لوت أمينة فمها بامتعاض من توبيخ فيروز  لها والتزمت الصمت حتى رأت فيروز تكمل طريقها للأعلى حيث غرفتها....
                                  ***
 بمساء ذلك اليوم بتمام الساعة التاسعة...
 توقف سليم بسيارته أمام أحد المنازل الفاخرة " ڤيلا " صغيرة  بطابقين تحوى حديقة صغيرة جدًا محاطة بأسوار عالية من الجهات الأربعة.
 ترجل من سيارته وقاد خطواته باتجاه باب المنزل، بعد لحظات وصل وتوقف أمامه ثم رفع انامله إلى جرس الباب وضغط عليه ثم انزل يده مجددًا وانتظر الرد، بعد دقيقتين تقريبًا انفتح الباب وظهرت من خلفة امرأة شابة جميلة ترتدي تنورة قصيرة ويعلوها توب ضيق بنصف كم وتاركة لشعرها حريته على ذراعيها وظهرها.
ابتسم هو لها بحب وإعجاب فور رؤيته لها بينما هي فاتسعت عيناها بدهشة وتهللت أساريرها فالقت بجسدها بين احضانه في سعادة غامرة هاتفة:
_سليم وحشتني أوي 

تعليقات



<>