رواية لأنك أنت الفصل الخامس عشر15 بقلم ندي محمود توفيق

رواية لأنك أنت بقلم ندي محمود توفيق
رواية لأنك أنت الفصل الخامس عشر15 بقلم ندي محمود توفيق
لم يبدي أي ردة فعل على ردها وبالعكس تفهم جيدًا وأعجبه ردها الذكي أنها اعادت له الأجابة بالمثل تثبت له أنها أيضًا مثله لا تريده، بعد لحظات خرج صوته الرجولي الغليظ وهو يُملي عليها تعليماته الصارمة:
_ أهم حاجة دلوقتي بنسبالي أنك تسمعي كل كلمة وتنفذيها ومتعصيش أوامري.. أو حتى تتصرفي أي تصرفي ممكن يمس بيا أو بعيلتي يعني متنسيش أنتي دلوقتي مراتي وخليكي دايمًا بتتصرفي على هذا الأساس 

 جظحت عيناها ورفعت حاجبها بدهشة من كلماته التي كانت تضمر الإهانة المموهة داخل كلمات مهذبة، فالتهبت نظراتها له ورمقته شزرًا ثم هتفت بشراسة ليست معتادة عليها وبنبرة صلبة لا يزعزها أي خوف:
_طيب اسمع يا سليم الطوخي.. أنا اشرف من عيلتك دي كلها واحد واحد واقولك على حاجة حتى منك أنت شخصيًا، فلو عدم الثقة هتوصلك أن تقولي كلام زي ده وتلملحلي أنك مصدق الكلام اللي كان بيتقال عني في المنطقة فأنا مش هقبل أني اكمل معاك وافضل على ذمتك ولا أقعد في البيت ده لحظة واحدة وبنسبالي هيبقى حازم اكرملي واشرفلي مليون مرة من أني أفضل معاك، يعني باختصار أنا هبقى مستعدة أخد اخويا واواجه العالم ده كله وحدي حتى لو كانت النهاية هي الموت 
ادهشته بردها الغير متوقع وشجاعتها وشراستها في مواجهته بذلك الشكل الغير معتاد، لكنه حافظ على ثباته الانفعالي وهدوئه ورد عليها موضحًا سوء الفهم:
_أنا مكنش قصدي اللي فهمتيه! 
 صاحت به بانفعال هادر:
_لا كان قصدك كدا، بعدين طالما أنت مش واثق فيا ولا في اخلاقي وشرفي عرضت عليا تتجوزني ليه
خرج صوته غليظًا ينم عن بداية غضبه الذي لن تحبذ رؤيته:
_أولًا متعليش صوتك وأنتي بتكلميني لأني بتعصب ومش من مصلحتك يافيروز أني اضايق واتعصب  
 ثم أخذ نفسًا عميقًا وزادات نبرته غلظة ونظرته اصبحت قاتمة وهو يميل عليها لمستوى قامتها القصيرة عنه ويثبت نظراته المرعبة على خاصتها متمتمًا:
_وأنتي فاهمة عدم ثقتي فيكي غلط، أنا لو شاكك في شرفك ومصدق اللي كان بيتقال عليكي مكنتش هقف جمبك واساعدك ولا حتى اتجوزك، لكن عدم ثقتي فيكي نابعة من سبب تاني وهي أني دايمًا شايف في عينيكي أسرار مخبياها عني، فأنا اتمنى أنك تيجي بنفسك وتقوليلي كل حاجة لأن أنا مفيش حاجة بتداري عني، وبالأخص لما يكون حد من عيلتي وأنتي دلوقتي اقرب ما يكون ليا.. مراتي يعني أي حاجة مخبياها عني هعرفها
 تمعنت في هيئته المرعبة ونظرته لها وهو مشرف عليها بجسده كاملًا، أما كلماته وثقته بأنها تخفي عنه أسرار جعلتها ترتعد وتضطرب منه وتأكدت أنها تقف أمام رجل يخفي عن حقيقته المخيفة أكثر ما يظهر.
 بينما سليم فقد قرأ في عيناها ما يعجز لسانها عن التفوه به وتأكد أن عدم ثقته بها بمحلها لكنه سيمحنها المزيد من الفرص علها تراجع قراراتها.
 هتف أخيرًا في هدوء يعكس الحالة التي هو عليها:
_أنا همشي ورايا شغل ولو حصل أي حاجة كلميني.. الأوضة بقت اوضتك خلاص خدي راحتك وشنطكم أنتي وياسين هيطلعوهالك دلوقتي، وملكيش دعوة بأي حاجة تخص اوضة ياسين الخدامين هينضفوها وهيظبطوا كل حاجة يعني متحطيش ايدك في حاجة 
ردت عليه بصمتها ونظراتها الشرسة فاستقرت هو في عينيه نظرة ثاقبة لها ثم استدار وانصرف من الغرفة تاركًا إياها تقف كما هي متسمرة بأرضها لدقيقة كاملة، ثم جلست على الفراش خلفها وبدأت العبرات تتجمع بعينيها حتى بدأت في الانهمار لا إراديًا، رغم قناع الشموخ والقوة الذي ارتدته أثناء مواجهته ومواجهة أمه إلا أن قلبها كان يتهشم مع كل كلمة وكل نظرة تشعرها بمدى دونيتها، لكنها ستحافظ على تلك الصورة الصلبة التي خرجت بها أمامهم.. حتى لا تسمح لهم بسحقها...
                                   ***
 توقف أمير بسيارته داخل ساحة مخصصة لركن السيارات داخل النادي الخاص به وترجل من مقعده ثم قاد خطواته للداخل حيث توجد غرفة مكتبه، دخل الغرفة ونزع عنه جاكيته الأسود والقاه على الأريكة وهو يتأفف بامتعاض ثم توجه نحو مقعد المكتب وجلس عليه وراح يرفع كفه يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يطلق زفيرًا بنفاذ صبر، فتلك الأوضاع الغير مستقرة داخل عائلته تؤرقه وتزعجه، وازدادت الأمور سوءًا الآن بزواج أخيه وزوجته الغريبة التي ستقطن معهم بمنزل واحد، ستبدأ صراعات لا نهاية لها بينها وبين أمه.
استقرت عيناه على الباب عندما سمع صوت طرق الباب فهتف بصوته الأجشَّ يسمح للطارق بالدخول، فانفتح وظهرت من خلفه ريهام التي دخلت وهي تبتسم بحب ثم أغلقت الباب خلفها واقتربت من أمير تسأله برقة:
_عامل إيه ياميرو
انقلبت عيناه في حنق ملحوظ من ذلك الاسم الذي من المفترض أنه تحببي ورد عليها بصراحة لاذعة:
_ما بلاش الاسم الملزق ده يا ريهام اللي بتقوليه.. قولتلك مليون مرة متقفلنيش بقى
 ضحكت بخفة وتقدمت منه حتى أصبحت بجواره مباشرة وجلست على حافة سطح المكتب أمامه وقالت بنبرة مهتمة:
_حاضر مش هقوله تاني.. قولي أنت بقى مالك كدا شكلك مضايق من حاجة ؟
رد عليها باقتضاب وهو يثبت نظره على شاشة الكمبيوتر الخاص به غير مباليًا لأمرها:
_أه مضغوط شوية من كام حاجة 
مالت عليه بوجهها وهي تبتسم باتساع وتقول في دلال مغلق تحت إطار الصداقة:
_طيب تعالي ننزل نقعد في الكافتيريا ونشرب قهوة مع بعض وسيبلي نفسك خالص وأنا هطلعك من المود الوحش ده 
رفع عيناه وتطلع في وجهها مبتسمًا بخبث بعدما فهم محاولاتها المستميتة في جذب انتباهه وقرر مسايرتها في توددها له ورد:
_وهتطلعيني ازاي بقى يا ريري أنا محدش بيعرف يظبط مودي بسهولة
 ارتفع هرمون الادرينالين في جسد ريهان عندما وجدته يتفاعل معها بود ولمعت عيناها بوميض ماكر ومغرم ثم مدت اناملها الناعمة إلى قميصه تهندم من ياقته بدلال وتهتف غانزة له بخبث:
_رغم أننا اصدقاء من زمان بس عمرك ما جربت تستعين بمهاراتي في الفرفشة
 اخفض نظرته يتطلع لكفها واناملها التي تعبث في قميصه ورفع حاجبه باندهاش اختلط ببسمته، ثم همس مؤكدًا بعدم اقتناع:
_اممم أصدقاء 
وبينما كان منغمسًا باستكشاف تودد ريهام له إلى أي درجة سيقودها انفتح باب الغرفة دون سابق إنذار لتدخل مريم وهي تحمل بيده أوراق واليد الأخرى كوب من النسكافية بنهكة الكارميل الحلوة، فانتصب هو في جلسته بسرعة في زعر بسيط ودفع أنامل ريهام عنه بلطف محاولًا إخفاء توتره والثبات.
 بينما مريم تسمرت بأرضها باندهاش للحظات بعدما رأت ذلك المشهد المريب، لكن سرعان ما تداركت نفسها وابتسمت بزيف متمتمة في عدم مبالاة متصنعة:
_آسفة لو دخلت من غير أذن، أنا كنت عايزاك في شغل.. لما تخلص كلام أنت وريهام تعالي عندي على المكتب عشان نخلصه يا أمير
لم تلبث لتسمع الرد منه حيث استدارت وغادرت بلمح البصر كما دخلت، فهب هو واقفًا وتحولت ملامحه للحزم المخيف بعدما كانت ودودة ومهتمة يقول لريهام:
_متشكر ياريهام لاهتمامك بس معنديش وقت لشرب القهوة للأسف.. تقدري تروحي تشوفي لو رواكي شغل يعني متعطليش نفسك عشاني أنا تمام
صرت على أسنانها بغيظ وحقد من مريم التي افسدت عليها كل شيء، والآن هي تتعرض للرفض بل والطرد المغلف بورقة اللباقة بسببها، استقامت واقفة وهي تلوى فمها بضيق ملحوظ فشلت في إخفائه وهزت رأسها له بالموافقة ثم اندفعت للخارج منصرفة وهي تشتعل من الغل...
                                        ***
داخل مقر شركة الطوخي....
 خرج من المصعد الكهربائي بالطابق الثالث يقود خطواته باتجاه مكتب والده، جاذبًا الأنظار بحضوره الطاغي وكاريزمته مرتديًا بنطال ومعطف أسود أسفلهم قميص يماثلهم في اللون حتى نظارته الشمسية كانت سوداء.
عودته لحياته وعمله لن تكون كسابقة عهده.. فقد صنع منه عوني رجل لن يرحم من لا يرحمه، والآن عاد سليم الطوخي لوكر الأسود حاملًا جينات عائلته الحقيقية.
وصل إلى مكتب عوني وفتح الباب دون طلب الأذن ودخل بكل ثقة فقابل علاء النجار والد " يارا " يجلس مع والده، فـ رسم سليم على ثغره ابتسامة تضمر خلفها نوايا شيطانية، أما علاء فقد استقام واقفًا ومد كفه يصافح سليم مرحبًا به:
_ حمدلله على السلامة يا سليم إيه الغيبة دي 
حافظ سليم على ابتسامته ورد عليه بعبرات تحمل في جوفها معاني لم يفمها سوى عوني:
_معلش يا علاء بيه كنت مشغول بحجات مهمة 
الذي استقام واقفًا واقترب من ابنه يهمس في أذنه بحدة:
_ علاء ميعرفش حاجة عن جوازك 
همس سليم برزانة ونظرة خبيثة:
_كويس أنا مش عايزهم يعرفوا حاجة دلوقتي أصلًا
رد عليه عوني في غيظ يحذره:
_ويارا هتفضل خطيبتك مش هنخسر علاقتنا مع علاء النجار عشان البنت اللي متجوزها دي
 حدق بأبيه وضحك دون صوت في تهكم ثم همس له بصلابة:
_احنا كان اتفاقنا يابابا ارجع الشغل والمشروع أي حاجة تاني هعملها دي تخصني.. أنا بس عايزك تكون متفرج الفترة الجاية عشان الفيلم بدأ
أطال عوني النظر في وجهه حائرًا محاولًا فهم ما يرمي إليه بكلماته المبهمة، حتى وجده يتجه إلى المقعد المقابل لعلاء ويجلس بإريحية ثم هتف بابتسامة زينتها ابتسامته الماكرة التي إرسلت رسائل مفهومة لعلاء:
_أعتقد أن رجوعي للمشروع يا علاء بيه مش هيعجب ناس كتير كانت حابة تتحكم وتسيطر في غيابي.. بس الغابة ملهاش إلا ملك واحد.. ولا أنت إيه رأيك ؟! 
 فهم علاء تلمحيه الضمني وأنه يقصده بتلك الكلمات، فاستقرت نظرة ذكية ولئيمة في عين علاء وأجاب على سليم مؤيدًا لكلامه:
_الغابة وكر للحيوانات المفترسة ومحدش فيها بيرحم التاني، يعني الملك لازم يثبت وجوده دلوقتي عشان محدش يزعزعه عن عرشه 
 قال عبارته الأخيرة وهو يربت على ذراع سليم بقوة في ابتسامة مريبة يرسل من خلالها إشارات فهمها سليم جيدًا، أما عوني فكان يتابع الصراع المموه بكلمات مبهمة بينهم وهو منزعج ولا يعجبه العداء بين ابنه وعلاء.. أحد أكبر رجال الأعمال المسامهين في مشاريع الطوخي وصفقاتهم...
                                       ***
داخل غرفة مختلفة بمقر الشركة تحديدًا بغرفة شاهين...
 كان هو جالسًا ينهي أعماله بتركيز عندما اقتحمت داليا غرفته فجأة بهيئتها الأنيقة وانوثتها الراقية فرفع نظره لها وحدقها متعجبًا ثم سألها:
_داليا.. إيه اللي جابك فجأة وليه مقولتليش؟
 توجهت وجلست على الأريكة الوثيرة بكل ثقة وأجابته:
_كلمت بابا وقولتله أني عايزة ارجع الشغل ووافق وأنا جيت اشوف مكتبي قبل ما ابدأ شغل
ابتسم شاهين بتهكم على كلماتها المستفزة ورجع بظهره للخلف على ظهر المقعد في إريحية عكس نيرانه المشتعلة في ثناياه وهتف:
_امممم بابا وافق.. يعني موافقة بابا هي المهمة وجوزي موافقته من عدمها ملهاش لزمة 
 هزت رأسها بالنفي فورًا وقالت في جدية:
_لا طبعًا ياشاهين موافقتك مهمة.. وأنا لسا مبدأتش شغل أنا جاية اتكلم معاك تاني واحاول اقنعك 
 قهقه شاهين باستهزاء منها وقال بغيظ مكتوم:
_لا ولزمتها إيه بقى احاول دي.. أنتي جاية تحطيني قدام الأمر الواقع وتقوليلي أنك هتشتغلي غصب عني وأني مش فارق معاكي
 ردت داليا بانفعال بسيط ونظرة متحدية:
_أهو رفضك واصرارك الغريب ده مخليني اصمن ارحع الشغل يا شاهين، مش فاهمة إيه سبب غيرتك الأوفر دي.. ولا تكون مش واثق فيا وعايز تحبسني في البيت لأن دي غيرة مرضية مش حب أو خوف 
 وثب واقفًا ثائرًا وصاح بها بهياج:
_غيرة وثقة إيه.. مفيش حد في الشركة دي يقدر يبصلك ولا أنتي تقدري.. كل ما في الحكاية أني مش عايز مراتي تشتغل
استقامت هي الأخرى وهتفت بعصبية:
_وأنت مراتك دي لما اخدتها كانت قاعدة في البيت ولا بتشتغل، بس أنت أناني ومش بيهمك غير نفسك ومحاولتش حتى تعرف سبب رغبتي في أني ارجع الشغل وكل اللي فكرت فيه نفسك وبس، بعدين إيه ولا أنتي تقدري دي.. لا أنا أقدر وأقدر أعمل أي حاجة وأنت متقدرش تلمسني حتى بس أنا معملش كدا عشان أنا بحبك وجوزي مالي عيني
 عمى الغضب عيناه واقترب منها بعينان حمراء كالدم ثم قبض على ذراعها بعنف هاتفًا:
_يعني إيه تقدري.. يــعــنــي إيه يا داليا !!
خرجت عبارته بصيحة مرعبة افزعتها ورمقته بخوف لكن قاومت خوفها وردت عليه بتحدي:
_يعني أنت عارف أني حبي ليك هو اللي مخليني مستحملة معاملتك وأهمالك ليا طول السنين اللي فاتت
 شاهين بسخط وهو يفرغ كل ما في جوفه:
_هو أنتي الحب بنسبالك إيه.. أنتي مبتعرفيش تحبي يا داليا لو بنسبالك ده حب، وبعدين أنتي السبب في كل اللي بينا ده أنتي اللي خلتيني ابعد عنك بتصرفاتك وشخصيتك اللي بقت لا تحتمل، فضلتي ماشية ورا كاميليا هانم لغاية ما بوظت بينا كل حاجة ودلوقتي جاية تلوميني أنا
تلألأت عين داليا بالدموع وردت عليه في صوت مبحوح وذهول:
_شخصيتي بقت لا تحتمل!! .. للدرجادي بقيت مش طايقني وبتكرهني ياشاهين!
ترك ذراعها ومال ثغره في نصف ابتسامة بائسة وتمتم بضعف وعجز:
_ياريت كرهتك كنت هرتاح.. لكن رغم كل ده لسا بحبك وعشان كدا مش قادر اتقبل عدم حبك أنتي ليا
طعنها بكلماته في قلبها بخنجر مسموم كاد أن يقتلها قهرًا فسالت دموعها بغزارة على وجنتيها أثر جملة " ياريت كرهتك " .. وتمنت بتلك اللحظة أن تكون صماء حتى لا يسعها سماعه، لتجيبه من بين بكائها وبصوتها الموجوع:
_اكرهني ياشاهين أنا مش عايزاك تحبني أصلًا خلاص 
كانت تلك العبارة الأخيرة قبل أن تلتقط حقيبة يدها من على الأريكة وتندفع لخارج الغرفة تتركه وحيدًا يصارع غضبه وقهره والامه التي لا حصر لها...
                                        ***
عودة إلى منزل عوني الطوخي....
 بينما كانت فيروز كما هي منذ رحيل سليم، جالسة على الفراش وتحدق في اللآشيء بتيه حتى عندما طرقت أمينة هي وحارس الحديقة على الباب ليخبروها بأنهم جاءوا بحقائبها لم تجيب عليهم، فدخلت أمينة بدافع القلق عندما لم تجيب لكن وجدتها على وضعها هذا ولا تعي بالعالم من حولها فتركت هب والحارس الحقائب بالعرفة وغادروا مجددًا.
 ظلت فيروز على تلك الحالة لنصف ساعة حتى اقتحمت عليها كاميليا الغرفة بعنف وصفعت الباب ليصطدم بالحائط مصدرًا ضجيجًا مفزع جعل فيروز تنتفض في مكانها، فـ التفتت تجاه كاميليا ولوت فمها بنفاذصبر ثم تحركت وهبت واقفة من الفراش ووقفت بكل ثبات أمام كاميليا التي كانت كبركان منفجر.
غارت كاميليا عليها تجذبها من ذراغها بقسوة صارخة بها:
_أنتي مين يابت أنتي وإيه اللي لمك على ابني وعرفك عليه! 
 تألمت بشدة من قبضتها على ذراعها فدفعت يدها بعيدًا عنها بقوة وردت بغضب:
_لو سمحتي متقربيش مني ولا تلمسيني
ابتسمت كاميليا بشر وقالت متوعدة:
_مقربش منك هو أنتي لسا شوفتي من حاجة، أنا عارفة الأشكال اللي زيك كويس أوي كلاب فلوس وعشان كدا لفيتي على ابني 
 كانت فيروز تتجرع الإهانات واحدة تلو الأخرى وهي تجز على أسنانها بغيظ وتغلق على قبضة يدها بعنف من فرط العصبية، ورغم ذلك نجحت في تمالك انفعالاتها وردت على كاميليا بثبات تام مبتسمة:
_ولا يهمني قرش واحد من فلوسكم، وابنك هو اللي اختار يفضل جمبي ويتجوزني بكامل ارادته، وأقولك على حاجة كمان  أنا كنت رافضة اتجوزه وهو فضل يقنعني لغاية ما وافقت
ضحكت كاميليا ساخرة منها وقالت بنظرة قاتلة بعدما استفزتها فيروز بابتسامتها:
_صدقيني من مصلحتك تاخدي أخوكي ده وتطلعي من بيتي وتطلقي من سليم  بكامل ارادتك 
حافظت فيروز على ثباتها وقررت إشعال نيران كاميليا أكثر وإثارة جنونها فقالت بابتسامة ثقة:
_والله لو عرفتي تخليه يطلقني وريني هتعمليها إزاي، وفري على نفسك يا كاميليا هانم سليم مش هيسيبني 
 طالعتها كاميليا شزرًا والتهبت عيناها بالشر القاتل ثم هتفت متوعدة بغل:
_هخليكي تعيشي الجحيم في البيت ده 
ابتسمت فيروز بقوة وردت بصوت لا يشبه شكلها الرقيق:
_أنا جايالك من هناك أصلًا
رأت في عين كاميليا غل كان يفوق ذلك الذي اعتادت رؤيته من أكثر شخص يكرهها وهو عمتها، ولمجابهة تلك المرأة يجب عليها قتل فيروز الضعيفة والعاجزة وترتدي ثوب الشر الذي لا يشفق على من لا يشفق عليها !!.
راقبتها بنظرها وهي تستدير وتغادر غرفتها فرفعت كفها تمسح على وجهها متأففة بتعب وحنق من كل شيء.. حتى البكاء الآن أصبح رفاهية لا تنعم بها.. أن أظهرت ضعفًا ستلتهمها تلك الذئاب...
                                   ***
وقف أمير أمام باب غرفة مريم وهو يأخذ نفسًا عميقًا ويخرجه زفيرًا متمهلًا في ارتباك، هو بوضع الآن لا يحسد عليه ولا يعرف بماذا يبرر لها ما رأته قبل قليل، ليس بعد أن نجح أخيرًا في نيل بعضًا من ثقتها به وبدأ يشعر بمبادلتها له حالة الهيام الغارق في أعماقها من شدة عشقه لها.. سيسمح بهدم كل شيء بسبب موقف عبثي لا يعني له شيء.
 تنهد بقوة وهو يستعد للمواجهة ثم رفع كفه وطرق على الباب فسمع صوتها من الداخل تقول " ادخل " .. فتح الباب ببطء ودخل وهو يبتسم بوداعة ثم اغلق الباب خلفه وتقدم نحوها ليجلس على الأريكة بجوارها ويجدها توجه له حديث جاد دون أن تتطلع في وجهه أو تبتسم حتى:
_محتاحين نراجع ميزانية النادي الفترة الأخيرة.. ده ورق وفواتير كل حاجة
أخذت تجمع الأوراق أمامه تحثه على تفقدها وقرآتها لكنه قبض على كفها ليوقفها هاتفًا بصدق وعين تنضج بالعشق:
_الموقف اللي شوفتيه مش زي ما أنتي فاهمة والله !
 تصنعت السذاجة وقالت بعدم فهم وهي تسحب كفها من قبضته بكل هدوء:
_موقف إيه ده؟!
أمير موضحًا في ضيق وخجل من نفسه:
_اللي كان في المكتب عندي لما كانت ريهام قاعدة معايا
عادت تدفن نظرها في الأوراق مجددًا وتجيبه بعدم اكتراث مزيف مبتسمة:
_طيب أنت بتبررلي ليه يا أمير.. أنت مش ملزم تعمل حاجة زي كدا وبراحتك أنا مش خطيبتك ولا مراتك
استفزه محاولاتها في إظهار أنها لا تكترث به ولا لأمره فرد عليها باستياء حقيقي يمنحها اعترافه الأول:
_مريم بلاش تستفزيني بطريقتك دي، أنا ببررلك عشان أنتي حبيبتي ومفيش في قلبي غيرك ولا عيني قادرة تشوف أي ست غيرك
 فغرت عيناها وشفتيها بصدمة بعد ذلك الاعتراف الصريح الجريئ، حتى لو كانت تعلم حقيقة حبه لها إلا أن لحظة التفوه بها لها شعور مختلف، جعلت قلبها يضرب بصدرها في عنف وعقلها يفقد قدرته على أداء وظائفه في إرسال الإشارات لجسدها ولسانها، فبقت متجمدة مكانها تحدق به كالصنم دون حركة، والبرودة تسللك لأطرافها وجسدها كله كأنه سكب دلو من الثلج فوق رأسها، كل تلك المشاعر  المتداخلة ولا يظهر على وجهها أي تعبير وكأنها جسد بلا روح.
 ضيق هو عيناه بحيرة وراح يمد كفه يحتضن كفها بحنو متمتمًا:
_مريم أنتي كويسة؟ 
 فاقت من غيبوبتها على أثر صوته ولمسته التي انتفضت فور شعورها بها وانتشلت كفها من قبضته بقوة هاتفة في صوت مرتبك وهي تتفادي النظر في عيناه:
_اطلع برا يا أمير
ادهشته بردها الحازم فتساءل بقلق وخوف:
_هو أنا قولت حاجة غلط ولا إيه!! 
أخذت تفرك اصابعها ببعضهم وتعض على شفاها بخجل هامسة:
_لا بس ممكن تطلع دلوقتي من فضلك 
أدرك خجلها فابتسم بعشق وقال في اصرار:
_حاضر هطلع بس افهمك الأول اللي شوفتيه 
اشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تتأفف بنفاذ صبر وردت في خفوت:
_بعدين يا أمير الله!!
مال برأسه للأمام ينظر باتجاه رأسها فرأى وجنتيها يكسوهما اللون الأحمر من فرط استحيائها لتزداد ابتسامته اتساعًا ويهمس في خبث بحب:
_طيب قوليلي أنك مش زعلانة الأول عشان اطلع 
 فاض كيلها منه فاستقامت واقفة وقبضت على ذراعه تجذبه عنوة ليتسقيم معها واقفًا وأخذت تدفعه بكل قوتها لخارج الغرفة حتى انتهى به المطاف خارج باب الغرفة وهو يضحك بقوة ثم أغلقت الباب في وجهه ووقفت هي خلفه تستند بظهرها عليه وتبتسم في خجل، فرفعت كفها ووضعته على قلبها الذي يخفق بعنف في صدرها معلنًا عن استحواذ ذلك الدخيل الغريب عليه.. الحب!! ......
                                  ***
 بمساء ذلك اليوم في تمام الساعة العاشرة مساءًا، بمنزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة سليم....
 فتح باب الغرفة بهدوء ودخل ثم أغلقه خلفه ونزع عنه حذائه وكذلك جاكيته ثم علقه على الحائط والتفت برأسه فإذا بعيناه تسقط على فيروز الراقدة في فراشه نائمة وبجوارها ياسين، لا يستطيع استيعاب أنه للحظة نسى وجودها بغرفته فاليوم كان حافل بالأحداث لدرجة أنه نسى أن ببدايته كان زواجهم.
 تحرك بحذر حتى لا يوقظهم وجلس على المقعد المقابل للفراش وأخذ يتأملهم بشرود، كيف بدأت الحكاية وكيف تسير وكيف ستنتهي.. لا يدري، لكن الحياة تركته أمام طرق كان مجبر أن يسلكها، القت به بين فكي الأسد وتركته يواجه حتفه.
 تحتم عليه الارتباط بفتاة لا يحبها والآن اضطر للزواج من أخرى لا يريدها أيضًا، وكأنه لا يملك نصيبًا من الاختيار.
مازالت الاسئلة تجوب في عقله باحثة عن أجوبة، كيف تقاطعت طرقهم وكيف اقتحمت حياته وأصبحت جزءًا منها والأغرب كيف انتهي بها المطاف زوجته تشاركه غرفته ونفس الفراش!!.
 كانت فيروز متكورة في نومتها على الفراش كالجنين وبجوارها أخيها النائم بكل استمتاع، فهب سليم واقفًا واقترب من الفراش ليمد يده يمسك بالغطاء ويسحبه عليهم بلطف، لكن بمجرد ما أن شعرت بملسة الغطاء انتفضت ووثبت جالسة بفزع وهي تحدق في سليم وتسأله بخوف:
_بتعمل إيه؟!!!
استنكر أفكارها العبثية في عقلها حوله ورد ببرود تام:
_هكون بعمل إيه يعني.. كنت بغطيكم!
هدأت أنفاسها المتسارعة قليلًا وراحت تمسح على وجهها وهي تستغفر ربها بينما هو فاتجه إلى خزانته يفتحها ويخرج ملابسه لكي يأخذ حمامه المسائي وطرح عليها سؤال:
_ياسين نايم جمبك ليه! 
ردت على مضض :
_الدادة اللي اسمها أمينة قالتالي أن اوضته لسا مخلصتش وبكرا هتخلص.. وكدا احسن خليه جمبي أنا مش هطمن عليه وهو في أوضة وأنا في أوضة 
التفت لها برأسه ورمقها بقوة هاتفًا في صوت رجولي غليظ وصارم:
_محدش هيقدر يأذيه ولا يأذيكي هنا يا فيروز
 سكتت وهي تستعيد محادثتها مع كاميليا في صباح اليوم فابتسمت له ساخرة وقالت بعدم اقتناع:
_كاميليا هانم أول واحدة أنا لازم أخاف منها وكمان أبوك اللي خطفني تضمنلي منين أن محدش منهم يحاول يأذي اخويا تاني 
اغلق باب الخزانة وتقدم بخطواته نحوها وهمس في نظرة ارعبتها رغم أنها لم تكن موجهة لها في حدتها:
_مكنتيش مراتي.. لكن دلوقتي اللي يضمنلك أنك مراتي يعني محدش يقدر يقربلك ولا حتى بابا.. لأن الكل عارف إيه اللي ممكن يحصل لو حد لمسك
وأذ فجأة يلتفت كلاهما باتجاه الباب على أثر سماعهم لصوت ارتطام شئ أمام باب غرفتهم وكأن هناك من كان يسترق السمع لهم من خلف الباب.....

تعليقات



<>