
رواية لأنك أنت الفصل الثاني والعشرون22 بقلم ندي محمود توفيق
طالت نظرات فيروز المتفحصة لأدهم ورأته يمد يده لها ليصافحها مع نظراته المريبة التي لم تعجبها واشعرتها بأن هناك فخ يُنصب لها، وذلك الشاب وجوده ليس لمجرد زيارة عائلية بريئة.
أخذت نفسًا عميقًا ورفعت يدها ببطء لتصافحه بابتسامة متكلفة متمتمة:
_أهلًا وسهلًا يا أدهم
رد أدهم بعبارة جريئة مبتسمًا دون أن يزيح نظراته الثاقبة عن فيروز:
_ذوق سليم دايمًا مختلف وجميل.. عرف يختار
تلاشت ابتسامة فيروز المتصنعة واختفت تمامًا بعدما لمست نبرة التودد في عبارته وهو يتغزل بجمالها، لم تلبث لتسحب يدها من قبضته حتى فزعت بظهور سليم المفاجئ وهو ينتشل يد أدهم من يدها ويصافحه هو بقوة رجولية غريبة مع نظرة ملتهبة وبذراعه الآخر يقبض على ذراعها ويقربها منه وهو يجيب على عبارته الأخيرة التي سمعها:
_أنا ذوقي مختلف في كل حاجة يا أدهم، وردود أفعالي كمان مختلفة ومش متوقعة فاكر ولا نسيت
اختفت بسمة أدهم وتبدلت للحنق بعدما لمح سليم بوضوح للأحداث الاخيرة التي حدثت عندما حاول أدهم الاعتداء على ابنة احدى السيدات التي تعمل في خدمة منزلهم وكانت فتاة لم تبلغ الثامنة عشر بعد.. وذلك اليوم لم ينقذه من بين براثن سليم سوى كاميليا التي افلتته بأعوجبة من أيدي ابنها.
خافت كاميليا من توتر الموقف وتصاعده فاسرعت تنقذه بسرعة وهي تقول بلطف:
_أدهم وحشني وجه يسلم عليا وعليكم ويومين وهيرجع تاني لأن معاه شغل.. ولا إيه يا أدهم ؟
رد أدهم على عمته وهو ينقل نظره بين سليم وبين فيروز:
_ايوة ياعمتو أنا مش فاضي جيت عشان خاطرك بس.. يومين وماشي
رأت كاميليا نظرة مميتة في عين ابنها ارعبتها ثم وجدته يحول رأسه باتجاه زوجته ويهتف بلهجة آمرة ومخيفة:
_اطلعي فوق على الأوضة
تعجبت من معالمته الفظة مع ابن خاله وتحدثه معها بهذا القدر من الاستياء موجهًا لها أوامرًا لا تقبل النقاش، وأن كانت تمكنت من فهمه قليلًا فهي تعرف جيدًا أنه عندما يرمقها بتلك النظرة ويخرج صوته متحشرج هكذا واجب عليها تقديم الطاعة التامة دون جدال.
استدارت وقادت خطواتها للدرج تصعد درجاته عائدة لغرفتها بينما سليم فربت على كتف أدهم بابتسامة متكلفة ونظرة نافذة:
_منور البيت يا أدهوم خد راحتك مع عمتك واشبعوا من بعض في اليومين دول
لمس أدهم نبرة السخرية في عبارة سليم مع المعاني الضمنية التي تحملها كلماته وفهمها هو وكاميليا جيدًا، ثم راقبوا سليم وهو يستدير ويقود خطواته للأعلى حيث غرفته، فالتفت أدهم برأسه تجاه عمته وقال في تردد وخوف:
_عمتو بلاش مشاكل مع سليم أنا من ساعة آخر موقف حصل وأنتي شايفة علاقتنا ازاي.. ولو عملت أي حاجة تاني دلوقتي انا مش ضامن ممكن يعمل إيه ودي مراته
هتفت كاميليا باصرار وهي تحاول اقناعه:
_أنت مش هتعمل حاجة ياحبيبي هي اللي هتعمل أنا مش فهمتك وقولتلك أنها بنت من البنات إياهم يعني هي وحدها وحدها هتيجي عليك وهتقرب منك وسعتها قولي وانا هتصرف بقى وهوصل الموضوع لسليم بطريقتي واخليه يكتشف حقيقتها
لوى ادهم فمه بحنق وعدم اقتناع وقال مستشلمًا:
_ماشي ياعمتو أما نشوف أخرتها ربنا يستر.. أنا والله بعمل كدا عشان خاطرك أنتي بس وعشان متزعليش
ربتت كاميليا على كتفه ومسحت على وجهه بحنو متمتمة في حب:
_حبيبي ربنا يخليك ليا ياحبيب عمتو
***
دخلت فيروز الغرفة وخلفها دخل سليم مباشرة وأغلق الباب خلفه ثم اندفع نحوها متحفزًا يسألها بعصبية:
_أنتي إيه اللي نزلك تحت والبني آدم ده موجود؟!
اضطربت قليلًا من هياجه وردت عليه ببساطة موضحة الموقف له:
_مامتك اللي ندهت عليا وطلبت مني انزل اسلم قالتلي في ضيف وتعالي سلمي عليه!!
جز سليم على أسنانه غيظًا من أمه وراح يستدير يولي فيروز ظهره للحظات وهو يمسح على وجهه بغضب هادر ويزفر من بين شفتيه نيران ملتهبة، يحاول تمالك انفعالاته حتى لا يفقد أعصابه على جميع من بذلك المنزل.
استدار لها مجددًا وحدقها بنظرة مظلمة يلقي عليها تعلمياته الصارمة:
_طيب طول ما أدهم موجود في البيت وأنا مش موجود متطلعيش من الأوضة دي أبدًا.. مفهوووم
غضنت حاجبيها باستغراب وانزعجت بشدة من تحكماته القاسية فقالت باعتراض:
_أنت هتحبسني ولا إيه.. وبعدين هو مش ده ابن خالك يعني مش حد غريب وحتى لو غريب عايز تحبسني ليه؟!!
انفجر غضبًا حتى بدا وكأن النار اشتعلت في عينيه وصاح بها:
_من غير ليه طالما قولتلك متطلعيش من الأوضة يبقى تسمعي الكلام من سكات يافيروز
فقدت هدوئها دفعة واحدة وانقلبت رقتها لإعصار هائج حيث ردت عليه بانفعال:
_وأنا مش واحدة من الخدم اللي شغالين عندك عشان انفذ من سكات ياسليم بيه الطوخي!
اغلق على قبضته بعنف محاولًا كبح ثورته عنها بصعوبة، وسقطت عيناه على ملابسها وتلك التنورة القصيرة وتلك البلوزة التي بقدر احتشامها إلا أنها تظهر تفاصيلها بصورة فاتنة، فتجهمت تعبيراته ورمقها بنظرة قاتمة تلمع بوميض مختلف وجديد.. الغيرة، ثم خرج من بين شفتيه همس موحش جعل القشعريرة تتسلل لجسدها.. وكأن صوته الخافت اشد رعبًا من الصراخ:
_بوجود أدهم أو عدمه متلبسيش لبس قصير زي ده تاني وتطلعي بيه
رمقته بنزرة شرسة وهمت بأن تفتح فمها وتهتف معترضة تعاند رغبته وأوامره فاسكتها بعبارته التالية وهو ينتصب في وقته بشموخ يليق بقوته وهيبته وقال في صوت رجولي مهيب:
_أنا رايح الشغل ولغاية ما ارجع زي ما نبهت يافيروز متطلعيش من الأوضة طول ما أدهم موجود
لم يمهلها اللحظة لتجيب عليه حيث استدار واندفع لباب الغرفة يفتحه وينصرف ويغلقه خلفه تاركًا إياها تترنح في وقفتها من فرط الغضب منه ومن تحكماته المريضة بها.. متوعدة له أنها عنادًا به ستفعل العكس....
***
داخل منزل داليا وشاهين......
بعد ليلة طويلة لم تذق عيناها النوم فيها، قضت ساعات الليل كله في حالة مزرية.. بكاء لا ينقطع وانهيار تام في محاولات بائسة منها لإنكار الحقيقة التي تلقتها لكن دون جدوي.. وبالنهاية اشرقت عليها شمس يوم جديد بعدما تمكنت بصعوبة من احتواء روحها الممزقة والوقوف بشموخ على قدميها مجددًا واتخاذ القرارات المصيرية التي ستحدد حياتها الزوجية القادمة.
كانت تقف أمام المرآة بغرفة نومها تضع اللمسات الأخيرة بزيها ووجهها.. تعبيراتها كانت جامدة خالية من أي مشاعر وكأنها جسد بلا روح، بتلك اللحظة خرج شاهين من الحمام بعد انتهائه من استحمامه فوجد داليا أمامه وقد انتهت من ارتداء ملابسها ومستعدة للذهاب للعمل.
تقدم منها بقلق فقد كان ينوي الذهاب لها بعد ارتداء ملابسه ويطمئن عليها ويسأل عن سبب حالتها الغريبة التي كانت فيها بالأمس.. وقف بجوارها ورفع كفه يمسح على شعرها بحنو ويهمس:
_مالك يا حبيبتي ليه عملتي كدا امبارح.. طمنيني أنتي كويسة في حاجة حصلت طيب ؟!
اغلقت داليا عيناها بقوة فور شعورها بلمسته عليها وشعرت بالنفور الشديد منه لكنها سيكرت على جموحها وأخذت نفسًا عميق ثم فتحت عيناها ببطء ودفعت يده بعيدًا عنها ببطء وهي تجيبه بإيجاز دون أن تنظر لوجهه وتجذب حقيبتها من فوق طاولة التزين:
_مفيش حاجة
وجدها تتحرك مبتعدة من أمامه تنوي الرحيل فقبض على رسغها يوقفها ويسألها بجدية ونظرة استفهام:
_هو ده وش مفيش حاجة!! .. إيه اللي حصل يا داليا فهميني؟
تطلعت في وجهه بنظرة احتقار وبغض ثم سحبت يدها من قبضته هاتفة ببرود:
_ورايا شغل مهم في الشركة ولازم اروح بدري
لم تمهله اللحظة ليجيب عليها حيث اندفعت بعدها فورًا لخارج الغرفة ورحلت فظل هو مكانه يترنح في وقفته من فرط الضيق ثم تحرك والتقط ملابسه وبدأ في ارتدائها لكي يلحق بها على الشركة، عازمًا على أن يفهم كل شيء عندما يصل ولن يسمح لها بتجاهله.
***
عودة لمنزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة كاميليا......
كانت كاميليا بطريقها لغرفتها بعدما اخبرتها أمينة بأن سليم ينتظرها بالغرفة وطلب رؤيتها، كانت تستعد لمواجهته وتجهز كلماتها وترتبها جيدًا فهي تدرك جيدًا أنها ستقابل غضبه الهادر بسبب فعلتها.. لكنها لا تبالي يكفي أن تنجح خطتها فقط وتبعد تلك الفتاة الشمطاء عن حياتهم وحياة ابنها!.
فتحت الباب ودخلت فوجدت سليم جالسًا على مقعد عوني الهزار بجوار الفراش وينظر باتحاه الباب منتظر وصولها وفور رؤيته لها توقف المقعد عن الحركة به وعلق نظراته الغاضبة على أمه التي اغلقت الباب خلفها واقتربت لتجلس على الفراش بجوار المقعد محاولة إظهار ثباتها وقوتها أمامه رغم اضطرابها الذي يراه بوضوح في نظراتها.
هتفت كاميليا بلهجة حازمة:
_خير إيه عايز تتكلم معايا ناوي تزعق وتتخاتق معايا عشان الهانم مراتك ولا إيه؟!
طالت نظرات سليم الثابتة لثواني وهو يحدقها بصمت مرعب حتى خرج صوته أخيرًا هادئ يثير الرهبة أكثر وهو يقول:
_ماما أنتي عارفة كويس فيروز ملهاش علاقة.. وعارفة كمان سبب المشاكل وكرهي لأدهم ورغم أني نبهت عليكي أنه ميجيش البيت برضوا جبتيه ارتخت عضلات وجهها المتشنجة وتطلعت لسليم باستعطاف محاولة اقناعه:
_ياحبيبي الكلام ده من خمس سنين وابن خالك كان لسا شاب صغير وطايش دلوقتي هو عقل وبقى راجل انسى بقى اللي فات ياسليم وسامحه
ابتسم سليم ساخرًا وأجابها بنظرة ملتهبة:
_كان طايش لما حاول يغتصب البنت في البيت هنا ووسطنا وكان طايش كمان لما خاني وسرب معلومات مهمة تخص صفقة كانت بملايين للمنافسين وبسببه خسرناها.. بابا ميعرفش غير موضوع البنت لكن تخيلي لو عرف أنه هو السبب في خسراتنا للصفقة دي هيسمح أنه يدخل البيت ده تاني.. وكله ده ليه عشان طماع وكلب فلوس اغروه بقرشنين وخلوه يبعني وأنتي بتقوليلي اسامحه!!!!
أجفلت كاميليا نظرها أرضًا بخزي من أفعال ابن أخيها الخسيسة، ورغم تأيدها لرأى ابنها وأنه على حق في كل شيء إلا أنها مضطرة لاستكمال خطتها حتى تتخلص من فيروز، فعادت تنظر لسليم مجددًا وهتفت في تفهم ونظرة أمومية دافئة:
_طيب ياحبيبي حقك عليا اوعدك آخر مرة مش هخليه يجي البيت هنا تاني أبدًا.. بس دلوقتي خلاص هو جه وهياخد يومين ويمشي ميصحش امشيه عيب
حك سليم ذقنه بأنامله يتصنع التفكير لكنه كان قد اتخذ قراره بالفعل قبل وصولها.. ثم نظر لأمه وقال مبتسمًا بخبث ونظرة ذكاء مرعب:
_طبعًا متقدريش تمشيه عشان ليكي خطط ياكاميليا هانم وفكراني عبيط مش فاهم أنتي بتعملي إيه بظبط.. عمومًا أنا مأمنش على مراتي تقعد في البيت مع الحيوان ده ده أولًا وثانيًا أنا مش بتحط قدام الأمر الواقع وأنتي عارفة كدا ياماما.. يعني بكرا أن شاء الله هتكون حفلة جوازنا أنا وفيروز وبعدها هاخدها ونروح نقعد يومين بعيد عن البيت ناخد فيهم راحتنا بما أننا عرسان وكدا.. وخلي أدهم باشا ياخد اليومين على راحته في البيت وبعدين يمشي زي ما بتقولي
انهى كلماته وهو يستقيم واقفًا معبرًا عن انتهاء النقاش عند تلك النقطة الفاصلة فهبت كاميليا هي الأخرى واقفة ثائرة وصاحت بانفعال هادر:
_يعني هتسيب البيت ياسليم عشان خاطر فيروز!!
أجابها يإيجاز وبرود يثير الأعصاب وهو يهم بالانصراف:
_طلعي فيروز من دماغك ياماما كفاية.. بعدين أنا مش هسيب البيت أنا هروح اقضي يومين أنا ومراتي على راحتنا
سكت لثانية ثم تابع بهدوء تام:
_أنا همشي عشان ورايا شغل مستعجل.. عايزة حاجة ؟
رمقته بنزرة مشتعلة ومغتاظة دون أن تجيبه وراقبته وهو ينصرف وامتلأت عيناها بالعبرات حقدًا على فيروزًا وحزنًا على ابنها.......
***
داخل مقر شركة عوني الطوخي تحديدًا بمكتب عوني.....
كانت داليا جالسة على الأريكة بجوار والدها منتظرين كلاهما وصول مروة، وبعد لحظات قليلة ارتفع صوت طرق الباب فهتف عوني يسمح للطارق بالدخول.. دخلت مروة على استحياء واغلقت الباب خلفها ثم وقفت أمام عوني وهي تنقل نظرها بينه وبين داليا التي كانت تمتلك معالم وجه مريبة ونظرات قاتلة قذفت الرعب في اوصالها، لكنها أخفت كل ذلك وابتسمت لعوني بإدب وسألت:
_حضرتك طلبت تشوفني ياعوني بيه
أجابها عوني بوجه جاف ونبرة حازمة وهو يوجه لها تعليماته الأخيرة:
_احنا استغنينا عن خدماتك يامروة والنهاردة آخر يوم ليكي في الشركة معانا.. تقدري تلمي حاجتك وتروحي الحسابات تستلمي مرتبك
لجمت الصدمة لسانها ودارت بعيناها بينهم في عدم استيعاب ثم سألت عوني مستفهمة بوجه مرتعد:
_ليه أنا عملت إيه ياعوني بيه.. لو غلطت في حاجة الشغل بعتذر منك اوعدك مش هتتكرر تاني
كان سماع صوتها يثير جنون داليا التي كانت تقبض على كفها وتغلقه بعنف محاولة تمالك أنفعالاتها حتى لا تتقض عليها وتمزقها بأسنانها.. وراحت تجيب عليها بحدة ونظرة تطلق نيران حارقة:
_اعتقد عوني بيه اداكي السبب وقالك استغنينا عن خدماتك يعني مش محتاجينك معانا.. اتفضلي يلا عشان تلحقي تلمي حاجتك قبل نهاية اليوم
حدقت مروة في وجه داليا بغل وتمعن وقد بدأ الشك يتسلل لصدرها بأنها علمت بحقيقة علاقتها بزوجها ولذلك طردتها وتعاملها بهذه الطريقة الفظة.. ارتفع صوت داليا وهي تهتف بلهجة صلبة:
_هتفضلي تبصيلي كدا كتير ولا إيه.. مسمعتيش أنا قولت إيه اتفضلي يلا !!!
ازاحت مروة نظرها عنها على مضض واستدارت متجهة إلى باب الغرفة لتغادر وهي تشتعل حقدًا منها.. لكنها باتت شبه متأكدة أنها علمت بالحقيقة وذلك الشك يكفيها ليسعدها وينسيها طردها من عملها للتو...
فور رحيلها التفت عوني لابنته وحقدها بقوة ثم سألها في جدية:
_اديني طردتها زي ما طلبتي عشان تعرفي أن مفيش حاجة تطلبيها ياحبيبتي إلا وتكون مجابة.. فهميني بقى عملت إيه البنت دي لده كله
ابتسمت داليا لأبيها بحب ثم مالت عليها وعانقته بقوة هامسة:
_ربنا يخليك ليا يابابا وميحرمنيش منك أبدًا يارب
ثم ابتعدت عنه واختفت ابتسامتها وهي تجيب على سؤاله بجدية مبررة رغبتها في طردها:
_بنت مش محترمة وشغلها مش قد كدا وكمان طريقتها معايا مش لطيفة ومش عجباني.. فمحبتش تكون موجودة في الشركة واشوف وشها كل يوم قدامي
تجهم وجه عوني بغضب وقال في حدة معاتبًا ابنته:
_مقولتليش الكلام ده ليه قبل ما تيجي كنت عرفتها مقامها وخلتها تعتذر منك قبل ما اطردها
رسمت داليا ابتسامة متكلفة وردت بقوة تليق بها:
_ملوش لزمة يا بابا كفاية أن نفذتلي طلبي وطردتها
بسط ذراعه وحاوط كتفيها ثم ضمها لصظره وهو يقبّل شعرها هاتفًا:
_وأنا امتى رفضتلك طلب يا داليا !
مسحت على صدر أبيها وهي داخل احضانه بامتنان وحب مبتسمة، لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها عندما تذكرت زوجها وتوقعت أن تلك الخسيسة ستذهب الآن لمكتب زوجها لتخبره بخبر طردها من العمل...
***
كانت مريم متجهة لسيارتها بعد خروجها من منزلها لكنها تسمرت عندما رأى سيارة أمير تصطف بجوار سيارتها، فغضنت حاجبيها باستغراب وتوجهت نحوه وفتحت باب المقعد المجاور له وسألته بدهشة قبل أن تجلس:
_بتعمل إيه يا أمير هنا.. إيه اللي جاييك الصبح كدا ؟!
رأت في عيناه لمعة مختلفة رغم غرابتها إلا أنها كانت ساحرة ومغرمة فراحت تهز رأسها له باستفهام منتظرة منه الإجابة لتسمعه يهتف في صوت هادئ:
_اركبي طيب الأول وهفهمك!
استقلت بجواره وأغلقت باب السيارة ثم تطلعت في وجهه بترقب منتظرة منه توضيح سبب قدومه لمنزلها بالصباح الباكر، لتجده يمد يده في جيب سترته ويخرج علبة مجوهرات مربعة صغيرة ثم يفتحها أمامها ليظهر داخلها خاتم رقيق وناعم من الالماظ ولم تلبث لتنبهر بجمال ذلك الخاتم حتى افحمها بعبارته الغير متوقعة وهو يسألها:
_تتجوزيني؟
نقلت نظرها من الخاتم لوجهه وحدقته بذهول لثواني طويلة تستوعب ما سمعته للتو منه وعرض الزواج الذي تلقته منه، فوجدته يضحك بساحرية ويقول مازحًا:
_السكوت علامة الرضا صح؟
ودت لو تجيب عليه بعبارة وقحة وهي " رضا دي تبقى خالتك " لكنها ابتلعت الوقاحة في جوفها مجددًا واكتفت بردها الصادم وهي تشك بسلامة عقله صراحة:
_أنت شارب إيه على الصبح يا أمير ؟!!!
كبح ضحكته بصعوبة ورمقها بهيام ونظرات غرامية تذيب الثلج ثم همس غامزًا لها بجرأة:
_شارب عشق وغرام
اشاحت بوجهها للجهة الأخرى بعدما فشلت في إخفاء ضحكتها المغلوبة والخجلة ثم عادت بوجهها له بعد ثواني وهمست بدهشة:
_أنت لا يمكن تكون طبيعي.. أنت مجنون والله!
أكمل وصلة تغزله الغرامية بها وهو يجيبها:
_بيكي
انزوت نظرها للاسفل في خجل بينما هو فتابع بسؤال متلهف:
_هاا قولتي إيه ؟
رمقته بنظرة حب متبادلة وهزت رأسها بالنوافقة هامسة في حياء ورقة:
_موافقة
كاد أن يقفز فرحًا في مقعده بعد ردها على طلبه وموافقتها على الزواج منه، وراح يلتقط كفها الناعم يحتضنه ويرفعه لشفتيه يلثم باطنه بعشق.
وجدته بعدها يخرج الخاتم من العلبة ويهم بوضعه في اصبعها فسحبت يدها نسرعة وقالت باعتراض متدللة:
_لا الخاتم ده تلبسهولي ان شاء الله لما تيجي تتقدم رسمي وتطلب ايدي من بابا
رفع حاجبه باندهاش من ردها وابتسم بإعجاب ثم همس باستسلام وانصياع تام لرغبتها:
_ومالو حقك.. من بكرا هكلم ناصر بيه وأخد منه معاد ياعروسة جهزي نفسك أنتي بس
توردت وجنتيها باللون الأحمر من فرط الخجل وضحكت وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه....
***
خرجت داليا من مكتب عوني واتجهت بخطوات المتحفزة تجاه مكتب شاهين ووجها يبشر ببداية الطوفان العاتي الذي سيقام بعد قليل داخل مكتبه.. فقد حانت لحظة مواجهته بخيانته لها.
وصلت إلى غرفته وفتحت الباب دون أذن وكما توقعت كانت مروة بالداخل معه، التفت كلاهما على أثر فتح الباب المفاجئ ليجدوا داليا تقف ترمقهم بنظرات نارية متوعدة....
بينما كان شاهين داخل مكتبه الخاص منهمك بعمله ينهي بعض الأوراق المهمة الخاصة بالمشروع والشركة وجد الباب ينفتح على مصراعيه فجأة دون أذن وتدخل مروة ثم تغلق الباب خلفها، ولم تلبث لتفتح فمها حتى باغتها بصرخة منفعلة منه وهو يقول:
_إيه الجنان ده ازاي تدخلي من غير أذن كدا !!
ابتسمت له مروة بتشفي وقالت في غل:
_عوني الطوخي ومراتك طردوني من الشغل وأحب ابشرك أنك هتحصلني
ارتخت عضلات وجهه المتشنجة وغضن حاجبيه بحيرة وهو يسألها:
_طردوكي ازاي وليه ؟!!
ردت مروة بابتسامة عريضة تحمل المزيج بين الضغينة والشماتة:
_السنيورة داليا هانم عرفت بخيانتك يا شاهين بيه يعني خلاص أنت انتهيت
أظلمت عيني شاهين هلعًا وغضبًا واندفع باتجاه مروة ثائرًا كالطوفان وقبض على ذراعها يصيح بها بصوت مرعب:
_أكيد أنت قولتيلها ورحمة أمي لاشرب من دمك يا مروة
اختفت ابتسامة مروة وتبدلت معالمها للشراسة والنفم وراحت تحاول دفع قبضته عن ذراعها لكن دون جدوي وصرخت به متوعدة:
_أنا مقولتلهاش هي كشفتك وحدها.. متفتكرش أني ممكن آخد انتقامي منك بأني اكشفلها حقيقتك لا أنا هاخد حقي وهندمك على اليوم اللي قررت فيه تضحك فيه عليا وتستغلني ياشاهين بطريقة متتخليلهاش وخليك فاكر كلامي ده كويس
بتلك الأثناء كانت داليا قد خرجت من مكتب عوني واتجهت بخطوات المتحفزة تجاه مكتب شاهين ووجها يبشر ببداية الطوفان العاتي الذي سيقام بعد قليل داخل مكتبه.. فقد حانت لحظة مواجهته بخيانته لها.
وصلت إلى غرفته وفتحت الباب دون أذن وكما توقعت كانت مروة بالداخل معه، ورأتهم على هذا الوضع المقرب التفت كلاهما على أثر فتح الباب المفاجئ ليجدوا داليا تقف ترمقهم بنظرات نارية متوعدة.. انتفض شاهين فزعًا وقلقًا ودفع مروة بعيدًا عنه تاركًا ذراعها بينما مروة فزلت مكانها واقفة تتطلع في وجه داليا بكل تبجح وعدم مبالاة بل وعلى ثغرها ابتسامة شبه متشفية.
كادت داليا أن تنقض على مروة وتجذبها من خصلات شعرها وتبرحها ضربًا من فرط الغيظ لكنها تمالكت أنفعالاتها وبدت أمامهم بكامل ثباتهم وراحت تهتف موجهة حديثها الصارم لمروة:
_مش المفروض تكوني في مكتبك وبتلمي حاجتك بتعملي إيه هنا !
ابتسمت مروة ببرود متعمدة إثارة جنون داليا:
_جيت اسلم على شاهين بيه واودعه قبل ما امشي
رمقتها داليا شزرًا وهي تجز على أسنانها بينما شاهين فقبض على ذراع مروة وجذبها معه عنوة لخارج الغرفة ثم دفعها للخارج هاتفًا:
_متخلنيش اشوف وشك تاني أبدًا فاهمة
راقبت داليا المشهد بعينان ساخرة لكلاهما ومشاعر متداخلة بين الخزي والقهر والبغض، أما شاهين فبعدما القى بمروة خارج المكتب أغلق الباب وعاد لداليا مسرعًا في تلهف ووقف أمامها وهم بأن يمسك كفيها لكنها انتشلت يديها من قبضته قبل أن يلمسها وتقهقهرت خطوة للخلف بنظرة خالية من أي مشاعر حب ليتجده يهتف وهو يترجاها بندم:
_أنا معرفش أنتي عرفتي إيه بظبط ووصلك إيه بس اسمعيني طيب الأول يا داليا ابوس ايدك وبعدين أنا راضي بأي حاجة تقوليها وتعمليها
ضحكت داليا باستهزاء منه وقالت بصوت مبحوح يملؤه القهر:
_اسمع إيه!! .. أسمع مبررات خيانتك ليا وجوازك عليا ومن مين.. من الحيوانة اللي متسواش حاجة دي
تقدم إليها يقتلص المسافة التي صنعتها للتو وهتف بنظرة نادمة وصادقة:
_أنا معترف بغلطي وعارف أني عملت ذنب كبير أوي بس والله ندمان ندم عمري يا داليا
مال ثغرها بابتسامة قهر ووجع وردت عليه بجفاء:
_ويفيد بإيه الندم خلاص كل حاجة انتهت
مد يديه واحتضن كفها بقوة وهو يتوسلها:
_لا يا داليا متقوليش كدا.. اغضبي مني براحتك ولو عايزة كمان متسامحنيش أنا عارف أنك لا يمكن تسامحيني بسهولة بس اديني فرصة اثبتلك ندمي وأني هعوضك على كل حاجة
جذبت يديها من قبضته بعنف وصرخت به بعينان دامعة في نفور حقيقي:
_أياك تلمسني تاني.. وهتطلقني ياشاهين بالذوق ومن غير شوشورة أنا مش عايزة اوصل الأمر لبابا وسليم وأمير.. فأنا هعمل حساب أنك أبو ولادي وهنطلق بالاحترام من غير مشاكل وبعدها ابقى عيش حياتك براحتك بعيد عني
هز شاهين رأسه بالرفض التام ونظرة حزينة هامسًا:
_مش هقدر.. مش هقدر اطلقك
هاجت وثار جنونها فراح تدفعه بكلتا كفيها في صدره بعنف وهي تصرخ به ودموعها تنهمر فوق وجنتيها لا إراديًا:
_هو إيه اللي مش هتقدر.. هتطلقني غصب عنك يا شاهين.. أنت إيه البجاحة اللي أنت فيها دي بعد كل اللي عملتها فيا وتقولي مش هتطلقني.. اوعي تقول كمان أنك بتحبني.. اللي زيك مبيعرفش يحب ياشاهين أنت راجل خاين وكذاب ولا يؤتمن
اطرق رأسه أرضًا خزيًا من نفسه والمًا على الحال الذي اوصلها له، تقبل ضربها له بكل صمت دون أي مقاومة حتى توقفت ونظرت إليه بشراسة بين دكوعها وقالت بقسوة مهددة إياه:
_أنا مش هقدر اقعد معاك في نفس البيت لحظة واحدة تاني أصلًا مش طايقة اشوف وشك.. وهروح على بيت بابا واقولهم أننا مش قادرين نكمل مع بعض ومبقناش نحب بعض ولو مطلقتنيش يا شاهين بالذوق صدقني هقول كل حاجة وسعتها غصب عنك وبطريقة مش هتعجبك بابا وسليم هيخلوك تطلقني فبلاش تضطرني اوصل الأومور للنقطة دي
انهت عباراتها والقت عليه نظرة استحقار أخيرة قبل أن تستدير وتندفع لباب الغرفة وتفتحه ثم ترحل صافعة الباب خلفها بعنف كاد يكسره، بينما هو فبقى متسمرًا بأرضه للحظات يراقب أثرها بنظرات نادمة وموجوعة ثم اقترب من الأريكة وجلس فوقها ومال بجزعه للأمام دافنًا رأسه بين راحتي كفيه وهو يزفر النيران من بين شفتيه ويفكر فيما سيفعله معها....
***
داخل منزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة سليم.......
كانت فيروز داخل غرفتها تقف أمام المرآة تسرح شعرها بأعصاب هادئة ومرتخية وشاردة تفكر بسليم محاولة إيجاد سبب منطقي حول غضبه العجيب وتنبيهاته بل أوامره بعدم خروجها من الغرفة بتاتًا في وجود أدهم، لا يمكنها إيجاد سوى تفسير واحد وهو الغيرة.. لكن ذلك الأمر مستحيل فما الذي سيدفعه للغيرة وهو لا يحبها!!...
انتفضت فزعًا على أثر صوت باب الذي صفع بقوة منفحتًا فالتفتت بجسدها للخلف لتجد كاميليا تندفع للداخل إليها ثائرة وتقبض على ذراعها بحركة مباغتة جعلت فيروز تشهق بهلع وصاحت بها بغضب هادر قائلة:
_أنتي كمان وصل بيكي أنك تحرضي ابني عليا وعايزاه يسيب البيت
حاولت فيروز التملص من قبضتها ونجحت بالنهاية في دفع ذراعها بعيدًا عنها وهتفت بسخط وانزعاج:
_ابعدي ايدك عني يا كاميليا هانم.. بعدين أنا مالي بالكلام ده ومعرفش حاجة عن اللي بتقوليه ده
ضحكت كاميليا ساخرة منها وأجابت بحدة:
_ايوة اعملي نفسك بريئة وملكيش ذنب في حاجة.. لكن الشويتين دول تعمليهم على ابني اللي بيصدقك إنما أنا لا
مطت فيروز شفتيها للأمام في استهزاء وقالت بابتسامة مستفزة متعمدة إثارة حنق كاميليا أكثر:
_ابنك بيصدقني عشان بيحبني وعارف أني على حق
مال ثغر كاميليا في نظرة شيكانية وابتسامة ساخرة ثم تقدمت خطوة تجاه فيروز واصبحت أمامها مباشرة وقالت:
_بيحبك ده إيه سليم مش بيحبك أنا ابني عارفاه كويس وبفهمه.. أنا متأكدة أنه متجوزك شفقة مش أكتر .. زي ما هو مقربلكيش ولا لمسك لغاية دلوقتي.. والكنبة دي تشهد
قالت آخر عباراتها وهي تشير بعيناها على الأريكة فالتفتت فيروز برأسها للخلف وتمعنت بالأريكة للحظة ثم عادت بوجهها باتجاهها مجددًا وهتفت بتعجب ونظرة حزن:
_أنا مش عارفة بجد أنتي بتكرهيني كدا ليه وأنتي مشوفتيش مني أي حاجة وحشة من وقت ما جيت البيت.. عملتلك إيه أنا !!!
رمقتها كاميليا بحقد وقالت بنظرة وعيد:
_كفاية أنك اخدتي ابني مني وخليتيه يعارضني ويعاملني بالطريقة دي، وضحكتي عليه وخليتيه يتجوزك وأنتي نصابة وكل همك فلوسه.. أنا عارفة الأشكال اللي زيك دي كويس أوي وعارفة كمان ازاي هخرجك من حياة ابني
قهقهت فيروز بازدراء من كلماتها وردت عليها بتهكم:
_كاميليا هانم محدش يعرف يضحك على سليم.. ثم أن الفلوس دي آخر همي أنا لما اتجوزت سليم آخر حاجة كانت ممكن تيجي في بالي هي الفلوس
ردت كاميليا في استهزاء وهي توليها ظهرها وتهم بالرحيل:
_قريب هخلي سليم يطلقك
***
بمكان مختلف داخل منزل فاتن ابنة عوني غير الشرعية.. تحديدًا بغرفة الجلوس الداخلية.. كانت جالسة بصحبة حازم الجالس بجوارها على الأريكة ملتصق بها وممسك بكف يدها يحتضنها بكل حميمية وجرآة يهمس:
_ أنا معرفش ازاي حبيتك بالشكل ده بس أنا بحمد ربنا أنه جمعني بيكي يافاتن
ابتسمت فاتن بخجل وهي مطرقة رأسها أرضًا وهمست بصوت خافت:
_وأنا كمان حبيتك أوي ياحازم وعايزة أفضل جمبك طول الوقت
ابتسم لها بعينان تظهر الحب لكن ما خفي كان أعظم وراح يميل عليها ينوي تقبيلها فتراجعت هي فورًا للخلف برأسها هاتفة:
_بتعمل إيه ؟!!
ضيق حازم عينيه وأجابها باستغراب وضيق ملحوظ في نبرته من رفضها قربها:
_مش انتي قولتي أنك بتحبيني وأنا كمان بحبك وعايزة تفضلي معايا طول الوقت بتبعدي عني ليه!!.. كنت هثبتلك حبي بالفعل
هزت فاتن رأسها بالنفي وقالت رافضة على استحياء:
_لا ياحازم مينفعش عيب
حازم مبتسمًا وهو يغمز لها بخبث:
_مينفعش ليه ياحبيبتي دي مجرد بوسة بريئة !!
ذابت في نظرة عينيه الساحرة وكادت أن تستسلم له وهي تراه يدنو منها لكن صوت رنين هاتفها ايقظها من غيبوبتها فانتفضت مبتعدة عنه والتقطت هاتفها تنظر في شاشته تقرأ اسم المتصل لتجده والدها.. نظرت لحازم ورفعت سبابتها لشفتيها تشير له بالصمت ثم أجابت على عوني متمتمة:
_الو يابابي
وصلها صوت عوني الأبوي الدافئ وهو يقول:
_رجعتي يافتونة من الكلية ياحبيبتي؟
ذلك الدلع الغريب الذي ينعتها به والدها اعتادت عليه وتقبلته واصبحت تحبه بعدما كانت تستنكره، فابتسمت له خلف الهاتف في حب وأجابت بالإيجاب:
_أيوة يا بابي رجعت من شوية
أجاب عوني بحنو وهو يلقي نظرة على الطريق وهو جالسًا بالأريكة الخليفة وبالأمام السائق الخاص به يقود:
_طيب ياروح بابي أنا داخل على البيت خلاص هقعد معاكي النهاردة ونتغدى مع بعض
اتسعت عيناها بصدمة وثبتت نظرها على حازم برعب ثم اجابت على أبيها بصوت مضطرب:
_اوكي يابابي منتظراك
انزلت الهاتف وانتهت الاتصال فورًا ووثبت واقفة وراحت تجذب حازم من ذراعه ليقف عنوة وأخذت تدفعه للخارج برعب هاتفة:
_امشي بسرعة ياحازم بابا جاي وممكن سليم أخويا يكون جاي كمان ولو شافوك هنا هتحصل مشكلة كبيرة
ارتعد حازم فور سماعه لاسم سليم وخاف أن يُكشف أمره وتفسد خطته فهز رأسه لها بالموافقة بسرعة واندفع للخارج شبه راكضًا وغادر المنزل كذلك فاغلقت هي الباب خلفه واستندت بظهرها عليه بعد اغلاقه وهي تتنفس الصعداء براحة فرأت الدادة أم عبدالله تتقدم نحوها بوجه غاضب وتقول:
_أنا سمحت المرة دي بس الشاب ده يدخل البيت وتقعدي معاه وحدكم كدا لكن المرة الجاية مش هسمح ولو اصريتي تجبيه تاني هبلغ ابوكي وسليم يافاتن
هرولت نحوها واحتضن كلتا كفيها برجاء وقالت:
_لا يا دادة ابوس ايدك بلاش بابا وسليم هيطينوا عيشتي.. بعدين أنا دايمًا بجيب اصحابي في الكلية وبنقعد نذاكر هنا ونعمل باربكيو بارتي أحيانا
ردت أم عبدالله برفض تام وسخط شديد:
_كل اصحابك كوم والولا ده كوم تاني أنا مش مرتحاله وقلبي بياكلني منه
مطت فاتن شفتيها بعبوس ونفاذ صبر وقالت في عدم اقتناع:
_أنا معرفش أنتوا كلكم مش مرتاحين له ليه.. بالعكس ده شاب كويس أوي وبيحبني وأنا كمان بحبه الصراحة يا دادة
كادت أن تجيب أم عبدالله وتوبخها لكن ارتفع صوت جرس الباب فاستدارت فاتن فورًا باتجاه الباب واسرعت لتفتح لأبيها، الذي فور فتحها الباب له وجدته يبسط ذراعيه للأمام يدعوها للانضام لأحضانه وهو يبتسم بحب فارتمت هي بين ذراعيه ملبية دعوته وتهتف معاتبة إياه بعبوس طفولي:
_ليه يابابي مجيتش امبارح أنا استنيتنك زي ما متعودة كل يوم مجيتش
لف ذراع حول كتفها وتقدم للداخل معها وهو يبرر لها تأخره عنها:
_معلش يافتونة كنت مشغول امبارح جدًا بين الشركة والمشروع
ابتعدت عن أحضان والده وتلتفتت حولها بحثًا عن أخيها وسألت بعبوس:
_سليم مجاش معاك ليه ده أيام مجاليش أنا زعلانة منه
ضحك عوني ودخل يقود خطواته باتجاه الأريكة يلقي بحمل جسده عليها مجيبًا عليها بلهجة شبه ساخرة:
_أخوكي مش فاضي بين مراته وبين كاميليا هانم معلش اعذريه ياحبيبتي
اسرعت وانضمت له في الأريكة تجلس بجواره وتقول في حماس حقيقي وعينان لامعة:
_أنا عايزة اشوف مراته يا بابي متحمسة اشوفها جدًا
مال ثغر عوني ساخرًا من رغبة ابنته في رؤية فيروز ولم يجيب على عباراتها وراح يحول رقبته باتجاه أم عبد الله التي هتفت بود:
_ اجبلك حاجة تشربها ياعوني بيه قبل الغدا !
اماء لها بالموافقة وهتف:
_ياريت ياحجة
هزت رأسها المرأة بالموافقة واستدارت مسرعة واتجهت للمطبخ تاركة فاتن تتبادل اطراف الحديث المختلف مع والدها....
***
داخل منزل داليا وشاهين....
فور عودة داليا من الحارج اندفعت لغرفتها بالأعلى واخرجت حقائبها وفتحت خزانتها وبدأت في التقاط ملابسها ووضعها بالحقائب وصاحت منادية على أولادها هاتفة:
_لارا... طـــارق
وصلوا على أثر صياحها عليهم بعد دقيقتين تقريبًا ودخلوا الغرفة ووقفوا يراقبوا ما تفعله باندهاش وكان السؤال الأول خرج من طارق يقول:
_بتعملي إيه يا ماما ؟
ردت داليا دون أن تلتفت لهم وهي مستمرة في توضيب ملابسها بلهجة عتاب موجوعة:
_كنتوا ناويين تسيبوا أمكم نايمة على ودانها ومستغفلة لغاية امتى؟!!
تبادل طارق ولارا النظرات فيما بينهم بعدم فهم حتى وجدوا أمهم تستدير بجسدها لهم وتحدقهم بعينان غارقة بالدموع تعاتبهم بصراحة:
_خبيتوا عني ليه أن أبوكم بيخوني.. كنتوا متوقعين زيه أني مش هكتشف ولا هحس ولا إيه
اتسعت عيني لارا بصدمة وطارق تسمر بأرضها من أثر الدهشة، وبسرعة ت
هرولت لارا إلى أمها وهتفت حزينة على حزنها:
_لا والله ياماما احنا كنا خايفين نقولك ومش عارفين نقولك ازاي وخايفين عليكي من الزعل
نقلت داليا نظرها بين ابنائها بعينان ممتلئة بالعبرات والقت بجسدها على الفراش جالسة وبدأت دموعها في الانهمار على وجنتيها بغزارة متمتمة بقهر:
_أنا كنت بقول مستحيل شاهين يخون ثقتي فيه لكن أبوكم خاني وكسرني وكسر قلبي.. أنا حاسة أني مش قادرة اتنفس من كتر القهر والألم اللي حساه في قلبي.. ليه يعمل فيا كدا !!
جلست لارا بسرعة بجوار أمها واحتضنتها تحاول مواستها وقد بدأت العبرات تتجنع في مقلتيها هي الأخرى، أما طارق فقد اقترب بدوره وجلس بجواره أمه من الجهة الأخرى واحتضنها أيضًا متمتمًا:
_بابا غلط ياماما بس هو ندمان فعلا والله وأنا شفت الندم في عينيه
تابعت لارا خلف أخيها متمتمة :
_اديله فرصة ياماما بليز
تحولت بلحظة من حالة الانهيار إلى الهياج على أثر كلماتهم ووثبت واقفة تصرخ به بغضب:
_إيه اللي بتقولوه ده أبوكي خاني واتجوز عليا فرصة إيه اللي ادهاله.. أنا رايحة بيت جدكم دلوقتي والقرار ليكم حابين تيجوا معايا ولا هتقعدوا هنا مع أبوكم
هم كلاهما بأن يعترض على قرار تركها المنزل لكنها لم تترك لهم مجال للتقاش حيث راحت تكمل توضيب ملابسها وسط دموعها التي تنهمر بصمت على وجنتيها.
تبادل الأثنين النظرات فيما بينمها عندما ادركوا أن لا مجال للنقاش معها وتوصلوا لحل وسط فقالت لارا بقلة حيلة:
_طيب أنا جاية معاكي ياماما وطارق هيقعد مع بابا
التفتت داليا برأسها للخلف تنظر لابنها بنظرة ضيق من بقائه مع والده وتركه لها فوجدته يقترب منها بعد نظرتها ويطبع قبلة دافئة على رأسها بصمت دون أن يتفوه بكلمة واحدة كأنها يراضيها.
يجب عليهم التفرق وبقاء أحدهم في المنزل مع والده حتى يحاول إصلاح الأمر ولذلك قرر البقاء هو هنا وذهاب شقيقته مع أمهم لمنزلهم جدهم...
***
بمساء ذلك اليوم بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل عوني الطوخي...
خرجت فيروز من غرفتها وقادت خطواتها للطابق السفلي تقصد المطبخ لتحضير كوب عصير ليمون لنفسها ولأخيها الصغير.
وصلت للطبخ ودخلت فلم تجد أحد بالداخل ولا حتى الدادة أمينة فبدأت في تحضير العصير بنفسها، وبعد دقائق معدودة سمعت صوت خطوات خلفها انضمت لها في المكبخ فالتفتت برأسها للخلف لتجده أدهم صاحب تلك الخطوات، فحدقته بصمت ونظرة تقول الكثير أهمهم تذكرها لتنبهات سليم لها فلا يكفي أنها عصت أوامره وغادرت غرفتها عنادًا به فماذا سيحدث إذا وصل الآن ورآى أدهم معها بالمطبخ.
بينما أدهم فابتسم بسماجة وقال في محاولة لتلطيف الأجواء:
_مساء الخير أزيك يافيروز
ردت عليه بابتسامة متكلفة:
_الحمدلله يا أدهم أنت كنت جاي عايز حاجة من المطبخ ولا إيه ؟
تقدم باتجاه الطاولة المتوسطة في منتصف المطبخ وجلس حولها على أحد مقاعدها وهو لا يزيح بنظره عن فيروز متجاهلًا سؤالها ويجيب بسؤال آخر:
_أنتي بتعملي عصير إيه ؟!
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وعادت تدفن نظرها بالعصير الذي تقوم بتحضيره وتجيبه على مضض:
_عصير ليمون
ازدادت ابتسامته اتساعًا وثبت نظراته التي اصبحت أكثر جرآة وهو يتفحص ويتمعن فيروز في لباسها المثير والجذاب حيث كانت ترتدي ثوب قصير يصل للركبة وبأكمام طويلة وفتحة دائرية عند الصدر لكن لا تظهر ثدييها، وراح يجيب عليها بصوت دافئ:
_ممكن طيب أطلب كوباية معاكي لو مفيهاش غلاسة
صرت فيروز على أسنانها باحتقان منه وقد بدأت تتفهم الآن سبب غضب سليم ونتبهاته الصارمة لها فذلك الشاب يبدو أنه ماجن وأخلاقه فاسدة.
أجابت عليه مجبرة كنوع من أنواع الأدب الذي تربت عليه:
_طبعًا مفيش مشكلة
دقيقيتن بضبط وانتهت من تحضير العصير وراحت تمد يديها للأعلى لكي تلتقط الأكواب لكنها لم تطلهم فحاول الوقوف على أطراف أصابعها للوصول لهم لكن محاولاتها بائت بالفشل حتى فجأة شعرت بجسد ضخم خلفها مباشرة يمد يده الطويلة ليلتقط الأكواب، فانتفضت هي بفزع وابتعدت عنه، لكن الآوان كان قد فات حيث كان سليم قد وصل للمنزل منذ دقائق وعندما صعد لغرفته ولم يجدها استشاط غيظًا منها أنها عصته ولم تنفذ أوامره فاندفع للأسفل مجددًا بحثًا عنها ووصل للمطبخ ودخل بتلك اللحظة.. لم تنكر فيروز أنها عندما رأته يقف عند باب المطبخ سقط قلبها بين قدميها من فرط الخوف وابتعدت أكثر عن أدهم الذي بدا وكأنه كان يتحرش بها وراحت تقترب بخطواتها باتجاه سليم تحتمي به رغم خوفها منه لكن ذلك الخوف ارحم لها من الوقوف بجوار ذلك الوغد.
ولم تلبث للتفحص في معالم سليم المظلمة حتى وجدته يندفع ثائرًا باتجاه أدهم وينقض عليه يجذبه من ياقة قنيصه صارخًا به:
_أنت بتعمل إيه يا ****
انتفض أدهم رعبًا أمام سليم وقال بصوت مرتجف:
_معملتش حاجة يا سليم دي مراتك اللي ندهت عليا والله وطلبت مني اشرب معاها عصير واساعدها واجبلها الكاسات من فوق
فغرت فيروز شفتيها وعيناها بصدمة من رده الذي لم تكن تتوقعه أبدًا وبسرعة صاحت مدافعة عن نفسها تنفي عن نفسها تلك الاتهامات المشينة التي وجهها لها:
_كذاب أنت اللي دخلت وأنا موجودة.. كذاب والله ياسليم متصدقهوش أنا مستحيل اعمل كدا
التفت سليم برأسه للخلف ورمقها بنظرة نارية قاتلة جعلت أوصالها ترتعش خوفًا، وبتلك اللحظات اجتمع الجميع بالمنزل على أثر الصياح والضجة وكانت في المقدمة كاميليا التي خططت لكل شيء بعدما رأت فيروز تخرج من غرفتها فدفعت بابن أخيها للحاق بها في المطبخ وحتى هي التي أخبرت سليم أن زوجته بالمطبخ.
صرخت كاميليا بهلع وصدمة متصنعين وهرولت باتجاه ابنها تحاول إبعاده عن ابن أخيها هاتفة:
_بتعمل إيه ياسليم سيب ابن خالك هتموته في أيدك
ترك سليم رقبته بعدما شعر بأنه سيلفظ انفاسه الأخيرة وتبعها فورًا بلكمة مميتة ابرحته أرضًا وهو يصرخ:
_مش عايز اشوف وشك في البيت هنا تاني يا أدهم وإلا اقسم بالله هقتلك واشرب من دمك وأنا هبقى اشوف حل مع أبوك اللي معرفش يربيك
راحت كاميليا تتساءل بجهل متصنع:
_طيب فهموني إيه اللي حصل ؟!
لم يكترث سليم لأمه ولم يكن يسمعها من الأساس فعقد عمى الغضب على عينيه وصم أذنيه عن أي شيء، وتحول لوحش كاسر مرعب وراح ينقض على أدهم مجددًا وهو يوجه له اللكمات المتتالية صارخًا به:
_وصلت بيك الوساخة والجرآة أنك تقرب من مراتي ده أنا هخلص عليك يا ***** يا *****
بدأ الخةف الحقيقي يتسلل لقلب كاميليا بعدما رأت حالة الهياج والثوران التي تحول لها ابنها وبدأت تصرخ وهي تحاول دفعه عن إدهم قبل أن يقتله وتستجدي بأمير الذي كان يقف يشاهد أخيه وهو يلقن ذلك الوغد درسًا ولا يتحرك ساكنًا:
_تعالي يا أمير الحق أخوك هيموت ابن خاله في إيده
لم يكترث أمير وكان يحدق في أدهم بتشفي متمنيًا أن يفعل به سليم الأسوء، لكنه التفت برأسه تكاه فيروز ليجدها تقف منطوية بأحد الزويا وتبكي بحرقة، آثار مظهرها البائس وانهيارها شفقته فتقدم نحوها وهنس لها بصوت دافئ:
_اطلعي يافيروز فوق على اوضتك
حدقت فيروز بأمير في وجه غارق بالدموع وقالت في صدق وسط دموعها وقد خلعت بلحظة قناع القوة الذي كانت ترتديه طوال الأيام السابقة وعادت لرقتها ونعومتها:
_أنا معملتش كدا والله يا أمير ده انسان حيوان وكذاب
رمقها بإشفاق ورد عليها في ود ليهدأ من حالتها وارتيعادها:
_عارفين يافيروز متقلقيش اطلعي أنتي بس فوق دلوقتي يلا
هزت رأسها بالموافقة والقت نظرة أخيرة على سليم الثائر الذي كان كالأسد الهائج وبالكاد استطاعت كاميليا إفلات أدهم من قبضتيه، وغادرت المطبخ متجهة لغرفتها وهي منهارة لا تتوقف عن البكاء والندم يأكلها أنها لم تستمع لأوامره وعاندته.
بينما أدهم فهتف بعدما تمكن من التقاط انفاسه بعيدًا عن براثن سليم وقال صائح وهو يادفع عن نفسه بالكذب والافتراء:
_مراته ياعمتو اللي ندهتلي وطلبت اقعد معاها واشرب معاه العصير
استشاط سليم مجددًا وكاد أن ينقض عليه مججدًا لكن أمير تدخل بتلك اللحظة وقبض على ياقة قنيصه بقوة هاتفًا بنبرة متوعدة ونظرة ملتهبة:
_اكتم يا أدهم ونفسك ميطلعش نهائي وإلا اقسم بالله اقصلك لسانك ال**** ده بإيدي
لم تراعي كاميليا الموقف وحاولت استغلال الفرص لإسعال النيران بينه وبين فيروز أكثر حيث راحت تصرخ وتقول بغضب هادر:
_وأنت مضايق ليه ما أنا قولتلك مراتك دي **** وأنتي مش مصدقني أديك شوفت بعينك أهو دلوقتي وهي بتعمل إيه مع الرجالة في بيتك وهي على ذمتك كمان
صرخ سليم بأمه في صوت جهوري فزع حمبع من بالمطبخ:
_ماما اسكتي
جذب أمير أدهم من قميصه وهو يجره للخارج معه وسط صراخ سليم وهو يقول موجهًا حديثه للجميع وبالأخص أدهم:
_الحيوان ده لو طلع الصبح عليه وهو لسا في البيت هرجعه عند خالي على نقالة
ثم القى نظرة أخيرة على كاميليا قبل أن يتركها ويندفع لخارج المطبخ ومنه للدرج قاصدًا غرفته بالأعلى حيث توجد فيروز........