رواية جمر الثار وعاصفة العشق الفصل الحادي عشر11 بقلم هاجر سلامه
مرت الأيام والشهور على قصر الهواري كأنها نسمات ربيعية دافئة. تماثلت زهرة للشفاء تماماً، وأصبحت السرايا تعيش في أبهى عهودها من الفرح والود.
لم يعد بدر ذلك الرجل القاسي، بل أضحى عاشقاً تذوب كبرياؤه عند عتبة عيني زوجته.
كان يراقبها وهي تتحرك بعباءاتها الحريرية الفاخرة كطيف ساحر يملأ الدار بهجة وأماناً. لم يعد هناك مكان للماضي أو للدم، بل غلف الحاضر عشقٌ جارف يخطف الأنفاس.
في ليلة مقمرة، هبت فيها نسمات الصعيد العليلة، كانت زهرة تقف في شرفة جناحهما، تمشط شعرها الأسود الطويل الذي ينساب كالشلال على ظهرها.
بدر دخل الأوضة بخطوات هادية، وبص عليها وهي واقفة تحت ضوء القمر كيف الملاك. قرب منها من وراها ولف دراعه حوالين خصرها بتملك وحنان، ودفن وشه في شعرها وهو بيستنشق ريحتها اللي بتدوخه وقال بصوت دايب عشق:
"لساتك واقفة في الهوا الواعر ده يا زهرة قلبي؟ أنا بغير من نسمة الصبح لو لمست وشك عاد."
زهرة لفت في حِضنه، وحطت إيديها الناعمة على صِدره، وبصت في عيونه بدلال ورقّة وقالت:
"كنت مستنياك يا غالي.. السرايا من غير طَلِتك بتِبجى ضلمة في عيوني."
بدر ابتسم، ونظراته راحت لشفايفها الوردية اللي طيرت عقله. قرب منها ببطء وحنان ملوش مثيل، وطبع قبلة دافية وطويلة على شفايفها، قبلة بتمحي كل الوجع والمرار اللي عاشوه في الأول، وتأكد له إنها بقت حلاله وملكه وروحه.
زهرة غمرت عيونها واستسلمت لسلطان حبه، ولما بعد عنها بالراحة، سحبها من يدها وقعدها على السرير، وباس جبينها وقال ونبرة صوته مرتعشة من الشوق:
"أنا بحبك يا زهرة.. بحبك لدرجة إني مِش قادر أتخيل دنيتي جِبل ما تيجى وتنوريها."
زهرة وشها احمر جداً من الكسوف وقالت وهي بتستخبى في صِدره:
"وأنا عِشقتك من صُغري يا واد الهواري.. وربنا يديمك سندي وظهري."
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت زهرة تجلس مع الحاجة آمنة في بهو القصر، أخبرها الغفير جابر أن هناك امرأة تقف عند البوابة الخارجية وتبكي بحرقة وتطلب مقابلتها. خرجت زهرة مسرعة لتجد شقيقتها الكبرى "ثريا" واقفة بملابس شاحبة ودموعها تملأ وجهها. لم تتردد زهرة لثانية واحدة؛ نسيت مقاطعة أهلها لها، وجرت نحو شقيقتها واحتضنتها بقوة وشوق أذاب كل الخلافات.
دخلت ثريا السرايا وجلست ترتعش، وبدأت تبث شكواها لزهرة بعد أن أصبحت زهرة صاحبة الهيبة والكلمة المسموعة في الصعيد كله.
ثريا قعدت وهي بتبكي وبتمسك يد زهرة وتقول بنبرة رجاء:
"الحقيني يا خيتي.. ماليش صالح غيرك بعد ربنا. منصور ابن عمي اتقدم لأبويا للمرة العاشرة بعد ما فضيحة جليلة خلت أبويا كاسر راسه في الأرض، بس أبويا عِندُه واعر ورافض يِجوزنا، وِحالِف يِجوزني لـ راجل غريب من برا المركز عشان يِجيد النار بينه وبين منصور! منصور هيموت من الزعل يا زهرة، وأنا ماليش ضهر غيرك دلوك، جولي لـ جوزك بدر بيه يِتدخل.. كلمته مسموعة وأبويا بِيخاف من هيبته!"
الحاجة آمنة كانت قاعدة وبصت لزهرة عشان تشوف هتعمل إيه بعد ما عيلتها رِخصت بيها زمان.
زهرة طبطبت على أختها بكل كرم وأصل وقالت بصوت قوي وراسي:
"اِمسحي دموعك يا ثريا.. أنتي خيتي الكبيرة، والدم مِش بِيِجلب مية واصل. أنا مِش ناسية إنك كنتي حنينة عليا. من الليلة دي موضوعك منتهي.. بدر مِش هيرفضلي طلب، وإحنا اللي هنِجوزك لـ منصور وهنِعملكم فِرح يِتحدث عنه الصعيد كله، وغصب عن أي حد!"
في اللحظة دي دخل بدر وعيونه جت على ثريا، وبص لزهرة اللي قربت منه وبصت في عيونه بـ نظرة رجاء ودلال وقالت له:
"بدر يا غالي.. خيتي ثريا واجعة في ضيقة، وطالبة من الهواري الأمان والتدخل عشان تِتجوز منصور ولد عمها. جُلت إيه يا سيد الرجالة؟"
بدر بَص لزهرة وشاف طيبة قلبها وأصلها العريق اللي مِش بيِشيل زعل، وابتسم وقال وهو بيمسك يد زهرة ويبوسها جِدام أختها:
"طلبك أوامر يا زهرة قلبي.. لو عِايزة الدينا كلها تحت رجليكي ورجل خيتك هجيبها. الصبح هِكون في دار أبوكي ومعايا كبار المركز، وهِخليه يِوافق ورجله فوق رجبته، وهِتكوني أنتي يا زهرة اللي بتِكتبي كتاب خيتك بيدك في قصر الهواري!"
ثريا بكت من الفرحة وفضلت تدعي ليهم، وحست بـ قيمة وأصل أختها الصغيرة اللي بقت ملكة الصعيد.
طوت زهرة صفحة الخلاف مع شقيقتها، وأثبتت لـ بدر وللحاجة آمنة أن كبرياءها نابع من أصل طيب لا يعرف الحقد. عاد الأمان ليسكن السرايا بشكل كامل بعد التدخل الحاسم لبدر الذي أجبر الحاج عبد الرحيم على الموافقة. ومع اقتراب موعد زفاف ثريا ومنصور، كانت هناك مفاجأة كبرى بانتظار بدر، مفاجأة ستغير مجرى حياتهما تماماً في الحلقة القادمة.
البارت 13
جمر الثأر وعاصفة العشق
الكاتبة هاجر سلامة
أقيم حفل زفاف ثريا ومنصور داخل الساحة الكبرى لقصر الهواري، بطلب وأمر من زهرة وبموافقة كريمة من بدر ليثبت للجميع أن القصر بات منبعاً للكرم والأصول .
زُينت السرايا بآلاف المصابيح الملونة، ونُصبت الخيام الكبيرة لاستقبال المئات من أعيان الصعيد وكباره . كانت الطبول تدق بعنف، والمزامير تصدح بأعذب الألحان الصعيدية، بينما كان رجال العائلتين يرقصون بالتحطيب في مشهد مهيب عكس نهاية الخلافات القديمة.
كانت زهرة تقف في شرفة الطابق الثاني، ترتدي عباءة من الحرير الفيروزي الفاخر المطرز بالذهب، ووجهها يشع بالجمال والدلال. كانت تشعر ببعض الدوار والوهن الخفيف منذ الصباح، لكن فرحتها بشقيقتها جعلتها تتغلب على التعب، وتتبادل النظرات المليئة بالعشق والشوق مع زوجها بدر الذي كان يقود حلقة التحطيب في الأسفل بهيبته الطاغية وعباءته المقصبة.
فجأة، اشتعلت الساحة بالضرب الحي، وبدأت الطلقات النارية تِطلع في السما ترحيباً بالعرسان وابتهاجاً بالفرح الكبير. الأصوات كانت عالية ومرعبة، والكل كان بيضرب نار في الهوا.
وسط الهوجة والزحمة دي، لمح "جابر" الغفير خيال راجل مستخبي ورا شجر النخيل القريب من السور، وماسك بند.قية آلية ومصوبها مباشرة على الشرفة اللي واقفة فيها زهرة! جابر صرخ بعلو صوته وهو بيجري ناحية بدر:
"الحق يا بدر بيه!! في غدر واصل! السلا.ح مصوب على الست زهرة!!"
بدر لف وشه في ثانية وبص لفوق، شاف الراجل وهو بيضغط على الز.ناد وطالعة الطلقة سريعة ناحية زهرة! بدر بـ غريزة وعشق جنوني، رمى العصاية من يده وجري على السلم الخارجي بسرعة البرق، ورمى جسمه كله قدام زهرة وهو بيشدها لحِضنه ويقول بصوت رعد في المكان:
"زهررررة!!"
في نفس اللحظة، الطلقة الغادرة اخترقت صِدر بدر من الناحية الشمال، والد.م غرق عبايته السودة في ثانية! بدر اتأوه بـ وجع شديد، وجسمه بدأ يِرتخي ويقع في الأرض وهو لسه ماسك زهرة في حِضنه ومتبت فيها كأنه بِيخبيها من الدنيا.
زهرة صرخت صرخة هزت أركان الصعيد كله، ودموعها نزلت شلال وهي بتسند راسه على حِجرها وتصرخ:
"بدرررر!! لا يا غالي لا! فُوق عشاني يا بدر! الدم بِيِجيب من صِدرك كتير يا سيد الرجالة! الحقوني يا ناس جوزي بيمو.ت!!"
انقلب الفرح في ثانية إلى مأتم عارم. جرى رجالة الهوارية والغفر نحو مكان إطلاق النا.ر وحاصروا شجر النخيل قبل أن يتمكن القاتل من الهرب. انقضوا عليه وشلوا حركته ونزعوا السلا.ح من يده، ليتفاجأ الجميع بالصدمة الكبرى؛ القاتل لم يكن سوى "الحاج عتمان الهواري" -والد جليلة- وعيونه تشتعل بشر الكره والانتقام بعد سجن ابنته وفضيحتها.
في الساحة، اتمزع قلب الحاجة آمنة وهي تلطم على وجهها وتجري نحو ابنها الغارق في دما.ئه، بينما كان منصور وثريا في حالة من الذهول والرعب. شالوا بدراً بسرعة ونقلوه بسيارته نحو مشفى المركز وزهرة تلازمه، تبكي بحرقة وتكتم جرحه بيديها المرتعشتين.
في ممر المستشفى، زهرة كانت قاعدة في الأرض وعبايتها الفيروزية متلطخة بدم بدر، وبتدعي بقلب مدبوح. الحاجة آمنة قربت منها وهي بتبكي، وزهرة بصت لها وقالت بنبرة ضايعة:
"كل ده بسببي يا أمي.. بدر فداني بـ روحه للمرة التانية! لو جراله حاجة أنا هموت وراه واصل!"
منصور جه يجري وقال لـ زهرة والحاجة آمنة بصوت مليان غل وقهر:
"الغفر مسكوا الحاج عتمان يا حجة، واعترف إن الغيرة وعما القلب هما اللي خلوه يِعوز يِجتل زهرة عشان يِحرق قلب بدر عليها زي ما بنته اِتسجنت. عتمان دلوك في المركز، والمرة دي حسابه واعر مع الحكومة ومع رجالة الهوارية كلهم!"
في اللحظة دي، الدكتور خرج من الأوضة وهو بيمسح عرق وشها، زهرة وقفت بسرعة ومسكت يده بلهفة:
"جول يا دكتور فديتك! بدر جوزي لساته عايش صوح؟!"
الدكتور ابتسم وطمنها وقال بـ راحة:
"الحمد لله يا ست زهرة.. الطلقة مجتش في القلب، عدت جريب منه بس وقفنا النزيف وطلعنا الرصاصة وبدر بيه راجل صعيدي وجسمه شديد وهيفوق بعد ساعات. بس أنتي لازم تِقعدي وترتاحي، الوش الشاحب والهبوط ده مِش لـ وجع الزعل وبس.. مبروك يا ست زهرة، أنتي حامل في الشهر التاني، ولازم تحافظي على نفسك وعلى ولد الهواري اللي في بطنك!"
زهرة حطت يدها على بطنها ومش مصدقة، ودموع الفرحة والانتصار نزلت من عيونها واختلطت بدموع الوجع. بصت للحاجة آمنة اللي حضنتها وفضلت تبكي وتقول:
"ولد بدر واصل؟! الحمد لله يا رب.. الفرحة دخلت دارنا من جديد يا زهرة يا بت الأصول!"
دخلت زهرة إلى غرفة بدر بخطوات مرتجفة، وجلست بجانبه تمسك بيده الدافئة وتبكي وتمسح على جبينه. بعد فترة قصيرة، بدأ بدر يفتح عينيه بتعب وهدوء، وأول ما رأت عيناه وجه معشوقته، ابتسم برغم الآلام المبرحة التي تنهش جسده.
بدر بصوت واطي ومبحوح من التعب:
"زهرة.. أنتي زينة يا قلب بدر؟ الطلـقة مِستكيش واصل؟"
زهرة مالت عليه وباسيت يده وباسيت جبينه بكل عشق وقالت بدموع الفرح:
"أنا زينة يا سيد الرجالة.. وطول ما أنت بخير أنا بخير. بدر يا غالي.. عتمان نال جزاءه وهيِتسجن جمب بنته، وبدر الصغير بِيِجولك حمد الله على سلامتك يا بوي!"
بدر عيونه اتسعت بذهول وفرحة هزت كيانه، وحاول يقعد بس زهرة منعته بالراحة. قال بلهفة وشوق:
"تقصدي إيه يا زهرة؟! أنتي.. أنتي حبلى في ولدي صوح؟!"
زهرة نزلت راسها بكسوف ودلال وهزت راسها بـ أيوة، وبدر مسك يدها وحطها على صِدره وقال وعيونه بتِلمع بـ دموع الفرح:
"يا مري على الفرحة اللي ملأت قلبي الليلة دي! أنا الليلة دي ملكت الصعيد كله بيكي وبـ ولدي اللي هيِشيل اسمي. بحبك يا زهرة.. بحبك يا ست الحريم."
