رواية قلب الجبل الفصل الثاني عشر12 بقلم فاديه النجار
في جناح
كان القصر يغلي كأنه مرجل على النار. عاصم وعمر نزلوا يسحبوا "شداد" والمطاريد لتحت، بينما الخفر أحاطوا بالقصر من كل جانب كالسوار بالمعصم. فرح بدأت تفوق وتسترد وعيها وهي بتعيط وضامة ريم ورنا اللي جيروا على أوضة قلب وبقوا متبتين في عبايتها وهما بيترعشوا.
جبل كان قاعد على الكنبة الكبيرة، وضامم "قلب" لصدره كأنه بيحاول يدخلها بين ضلوعه، وإيديه الكبيرة بتمسح على شعرها الأصفر الطويل بحنان جارف وجنون لم يسبق له مثيل. جسم قلب كان لسه بيترعش من أثر الصدمة وصوت ضرب النار اللي لسه بيرن في ودنها.
جبل بصوت منخفض، رخامي، مليان حنية وخوف حقيقي: "اهدي يا قلب الجبل.. اهدي يا نور عيني، أنا جنبك واصل، ومفيش كليب (كلب) عاد يقدر يمس شعرة منك طول ما فيا نَفَس بيطلع ويدخل. إنتي عملتي إيه يا بت الأكابر؟ إنتي طختي شداد المطرود؟ ده رجال بشنبات في الجبل بتهاب تقف قدامه!"
قلب رفعت وشها الشاحب، وعينيها الزرقا كانت مليانة دموع، وبصت في عيون جبل وقالت بنبرة خافتة بس فيها كبرياء: "أنا مكنتش شايفاه هو يا جبل.. أنا كنت شايفاك إنت. افتكرت كلامك إن لو جرالي حاجة الجبل بيتهد، وافتكرت البنات وعاصم.. حسيت إن روحي طلعت مني وبقت في السلاح. أنا بقيت صعيدية بجد يا جبل؟"
جبل ضحك بصوت رجولي قوي امتزج بدمعة فخر نزلت من عينه لأول مرة، وباس راسها وطهر جبينها: "صعيدية وبس؟ ده إنتي عاد كسرتي عين المطاريد، وكتبتي اسمك بحروف من دهب في تاريخ عيلة الجبالي. من اللحظة دي، مفيش مخلوق في الصعيد كله من بحريها لقبليها يقدر يقول إن مرت جبل الجبالي حرمة رقيقة من مصر.. إنتي نمرة الدار وكبيرتها يا قلب."
---
في المندرة الكبيرة (ليلاً)
كان المأمور ورئيس المباحث ومعاهم قوة كبيرة من المركز واقفين في وسط المندرة. شداد كان مرمي في الأرض، مربوط بحبال غليظة، والدم ناشف على كتفه بعد ما الحكيم (الطبيب) ربط له الجرح من غير بنج بأمر من جبل عشان يدوق الوجع.
رئيس المباحث زعق في شداد وداس على رجله: "انطق يا كلب! مين اللي دلك على السور القبلي؟ ومنين جالك المعرفة بميعاد الجلسة؟"
شداد وهو بيكح وبيتلوى من الألم والخوف من نظرات جبل اللي كانت كفيلة تدبحه: "الحُرمة.. الحُرمة مايسا ونعيمة الكحلاوية معاها في الحبس! هما اللي دبروا كل حاجة.. ونعيمة بعتتلي المرسال مع العسكري، وقالتلي البت الدهبية تتجاب من الجناح والدهب كله هيكون عندي.. أنا ماليش صالح، أنا نفذت وبس، والبت هي اللي طختني بقلب ميت!"
عاصم كان واقف، وشه اتخشب وعيونه اسودت من كتر الخزي والغل من أفعال أمه. بص لعمه جبل وقال بصوت حاد كيف السيف: "عمي.. مايسا مبقتش تخصنا، ولا عاد ليها توبة. دي مبقتش محاولة حريق، دي قضية خطف وشروع في قتل وتحريض من جوة الحبس.. يعني حكمها المؤبد أو الإعدام، وإحنا مش هنقف في طريق الحكومة واصل."
جبل قام وقف وهيبته هزت المكان، وبص للمأمور: "يا فندم.. الورق كله يتمضي، واعتراف شداد يتثبت في المحضر بالصوت والصورة. العسكري المرتشي يتمسك، ومايسا ونعيمة يتنقلوا فوراً من سجن قنا لسجن ليمان القناطر شديد الحراسة، وتتحط عليها حراسة متفارقهاش.. الحية دي مكانها القبر، بس القانون هيقوم بالواجب."
المأمور هز راسه باحترام: "اطمن يا جبل بيه.. القضية دي قفلت نفسها، والتحريض من داخل السجن عقوبته تودي حبل المشنقة. القوة هتاخد الكلاب دول دلوقتي."
---
في سجن قنا
كانت مايسا قاعدة في الزنزانة، بتفرك إيديها ببعض بابتسامة شماتة، ومستنية الفجر يشقشق عشان تسمع خبر خطف "قلب" وكسرة جبل.
نعيمة الكحلاوية كانت نايمة على البرش وبتدخن سجايرها ببرود.
فجأة، الباب الحديدي اترزع بقوة رهيبة، ودخل رئيس مباحث السجن ومعاه أربع سجانين غلاظ الشداد.
الضابط بصوت جهوري: "قفي يا حُرمة منك ليها! فتشوا الزنزانة، والكلبشات في إيد مايسا عبد القوي ونعيمة الكحلاوية فوراً!"
مايسا وقفت مخضوضة وصرخت: "في إيه يا فندم؟ أنا عملت إيه؟ الكلبشات دي ليه؟"
الضابط تفل في الأرض وبصلها بقرف: "شداد اتمسك واعترف بكل حاجة يا هانم.. ورسایلك وعمايلك مع العسكري المرتشي اتكشفت. مبروك عليكي.. القضية عاد فيها حبل المشنقة، والتردية الصبح على سجن ليمان القناطر في زنزانة انفرادية تحت الأرض!"
مايسا لما سمعت اسم "شداد" وإنه اتمسك، رجليها خانتها ووقعت على الأرض تصرخ بهستيريا وجنون: "لأإأأأ! شداد اتمسك كيف؟ البت فين؟ جبل حصله إيه؟ سيبوني.. أنا مايسا الجبالي! مش هروح الانفرادي!"
السجانات سحبوها من شعرها ورموها في الممر والكلبشات بتاكل في معصمها، ونعيمة الكحلاوية بتبص لها بغل وتقول: "خربتي بيتي الله يخرب بيتك يا بنت الجبالي.. غويتينا بفلوسك لحد ما لبستينا الإعدام!"
---
---
في جناح جبل
بعد ما المندرة فضيت والشرطة أخدت المطاريد، انقشع غبار المعركة، وظهرت الحقيقة المرة. "قلب" مكنتش واقفة شموخ ولا حاجة؛ أول ما جبل قفل باب الأوضة عليهم، انهارت رجليها تماماً وقعدت على الأرض، وبدأت تترعش بشكل هستيري.
الطبنجة اللي كانت في إيدها سابت أثر حمار ووجع في كفها الرقيق بسبب ردة فعل الطلقة (الارتداد) اللي مكنتش متوقعاها. حطت إيديها على وشها وبدأت تبكي بحرقة وصوت مسموع، مكنش بكاء شجاعة، كان بكاء رعب حقيقي من فكرة إنها كانت ممكن تموت، أو إنها ضيعت روح بني آدم.
جبل نزل لمستواها على الأرض بسرعة، ملامحه اللي كانت حادة وصخرية قدام الناس، اتحولت في ثانية لقلق وخوف حقيقي عليها. سحب إيديها من على وشها براحة: "قلب.. بصي في عيني يا بت الناس، إنتي زينة وعاد مفيش حاجة واصل. اهدي يا بنيتي."
قلب وهي بتشهق ودموعها مغرقة وشها: "جبل.. أنا كنت هيموت.. الراجل كان شكله مرعب، والطلقة صوتها لسه في ودني مش راضي يروح! أنا إزاي عملت كدة؟ أنا جسمي كله بيوجعني ومش قادرة أقف على رجلي.. أنا خايفة يا جبل، خايفة بجد."
شالها جبل بهدوء ووداها للسرير، غطاها باللحاف وهو شايف شفايفها بتتلوى من الخضة. جبل الصعيدي خابر زين إن "الخضة" في الأول بتدي قوة، بس لما تروح، بتسيب الجسم دبلان وكأنه مريض. قعد جنبها ومسك إيدها اللي بتترعش وبدأ يقرأ عليها آيات من القرآن الكريم بصوت دافي وهادي لحد ما حركتها بدأت تهدأ ورموشها تقلت من كتر التعب والخوف، ونامت نوم متقطع من الإرهاق النفسي.
---
في المطبخ
كانت فرح قاعدة ورابطة راسها بشاش أبيض مكان الخبطة اللي أخدتها من المطاريد، ووشها أصفر دبلان. عاصم دخل عليها وبص ليها بقلق: "كيفك ياعمه ؟ الحكيم قال إيه على راسك؟"
فرح بتنهيدة وتعب: "الحمد لله يا ولد أخوي، الخبطة شجت الجلد حاجة بسيطة، بس الخضة هي اللي واكلة قلبي. البنات الصغار ريم ورنا ناموا بالعافية بعد ما عياطهم قطع قلبي. و'قلب' فوك (فوق) حالها يشكي للمولى.. البت وشها عاد كيف الليمونة من الرعب. هي صحيح لحقتنا، بس دي بت مصر، رقيقة ومتحملش مناظر الدم والأسلحة دي واصل."
عاصم هز راسه بتفهم وعقلانية: "عندك حق يا عمه البلد برة مهولة الموضوع ومفكرين إنها واخدة على ضرب النار، بس أنا قولت لعمي جبل إن قلب محتاجة حكيم أو راحة تامة، ومحدش من الحريم يدخل عليها يوجع دماغها بالكلام لحد ما تشد حيلها. الصعيد واعر، والي حصل مش قليل على واحدة زيها."
---
في المندرة الكبيرة
جبل نزل المندرة بعد ما اطمن إن قلب نامت نوم عميق. كان قاعد مع عمر، وملامحه كان فيها كدر وضيق، مش فخر مبالغ فيه، هو عارف إن مراته اتأذت نفسياً بسببه وبسبب مشاكله القديمة مع مايسا.
عمر حط إيده على كتف جبل: "مالك يا خوي؟ الحرمة بقت بخير والكلاب في المركز، ليه عاد ضايق خلقك؟"
جبل أخد النفس بضيق وطلع دخان تنهيدة حارة: "ضايق لأني رميت البت في وسط نار ماليهاش صالح بيها يا عمر. 'قلب' جاية من بندر مصر، متعودة على الهدوء والراحة، أقوم أنا أصحّيها على ضرب نار ومطاريد وسلاح في إيدها؟ البت مرعوبة يا عمر، طول الليل تتفزع في نومها وتقول 'الدم.. الراجل جيه'. أنا مش فرحان باللي حصل، أنا حزين لأن برائتها ورقتها اتجرحت في داري."
عمر اتكلم بحكمة الصعايدة: "ده حقك تزعل يا خوي، بس برضه اللي حصل بيعلم. هي دلوقتي بقت مرتك وعرفت إن دار الجبالي ليها أعداء. سيبها تاخد وقتها، وفرح معاها مش هتفارقها، والأيام كفيلة تدوي الجروح."
---
في الجناح (مساءً)
صحييت قلب وكانت الدنيا ليل. لقت الأوضة هادية، وجبل قاعد على الكرسي القريب منها وبيبص لها بنظرات مليانة أسى وحنان. حاولت تقعد، فساعدها وجاب لها مسند ورا ضهرها.
قلب بصوت ضعيف وبحة في حنجرتها: "الساعة كام يا جبل؟"
جبل: "داخلين على العشا يا قلب الجبل.. جبتلك لقمة دافية وشوربة عملتها فرح بيدها، لازم تأكلي عشان طولك يشد."
قلب بصت لإيدها وقالت بعفوية وواقعية: "أنا مش قادرة آكل يا جبل.. أنا كل ما أغمض عيني أشوف شكل الراجل وهو بيقع. أنا خايفة أكره المكان هنا.. وخايفة أكون مش قد العيشة دي."
قرب جبل منها وأخد معلقة الشوربة وبدأ يأكلها بنفسه كأنها بنته الصغيرة: "مش هتكرهي حاجة يا قلب، وإنتي مش مطالبة تكوني قد عيشة الدم دي واصل. أنا الجبل اللي بيشيل الرصاص، وإنتي مكانك جوة الضلوع وبس. اللي حصل ده كان قضاء وقدر، والحية خلاص اتقص أثرها وراحت ليمانات مصر، يعني مفيش كلب عاد هيدخل دارنا. كلي لقمة وبلاش حديث يوجع قلبك."
أكلت قلب بضعف واستسلام، وحست إن بالرغم من الرعب اللي عاشته، حنية جبل وواقعيته في التعامل مع خوفها هما الحاجة الوحيدة اللي هترجع لها الأمان بالتدريج، خطوة بخطوة، من غير بطولات زايفة ولا مبالغة.
